‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا افريقيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا افريقيا. إظهار كافة الرسائل

السبت، 11 يوليو 2026

​إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني ​بقلم: الناصر خشيني

 


​في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإيطالية كأحد الخطوط الجيوسياسية التاريخية التي طالما شكلت مصدر عدوانٍ ومحاولات إخضاع مستمرة للأمة العربية، وتحديداً في شمالها الإفريقي. إن استقراء السلوك الإيطالي يثبت تلازماً عضوياً بين إرث روما الاستعماري القديم، وفاشية القرن العشرين، والتجاوزات "النيو-إمبريالية" الراهنة التي تستهدف السيادة البحرية والثروات العربية في تونس وليبيا، فضلاً عن الاصطفاف السياسي والعسكري التقليدي لروما إلى جانب الكيان الصهيوني.

​أولاً: من الامبراطورية الرومانية إلى الفاشية الحديثة.. صراع وجودي ممتد
​إن العدوان الإيطالي على الجسد العربي ليس وليد العصر الحديث، بل يستند إلى عمق تاريخي وجذور ممتدة منذ العهد الروماني، عندما سعت روما القديمة للتوسع قسراً على حساب ضفاف المتوسط الجنوبية وطمس هوية المنطقة وحضارتها. لكن هذا النفوذ قوبل ببطولات تاريخية خالدة سطرها أبناء المنطقة؛ لعل أبرزها عبقرية القائد القرطاجي الفذ حنبعل، الذي نقل المعركة إلى عقر دار الرومان وسحق جحافلهم في معركة "كان" (Cannae) الشهيرة، مجسداً أولى ملائم الدفاع الاستراتيجي عن تراب هذه المنطقة [1].
​هذه العقلية الامبراطورية التوسعية أطلت برأسها مجدداً في العصر الحديث من بوابة الفاشية الموسولينية التي اجتاحت ليبيا عام 1911. ارتكب الاحتلال الفاشي جرائم حرب وإبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية؛ شملت الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، ونصب المشانق لرموز المقاومة وعلى رأسهم شيخ الشهداء عمر المختار، وتأسيس المعتقلات الجماعية الصحراوية الساعية لكسر إرادة الشعب العربي الليبي وطمس عروبته [2].
​ثانياً: معركة الاعتذار والتعويض.. الثورة الليبية تجبر روما على الانصياع
​إن الفكر التقدمي يؤمن بأن الحقوق التاريخية للشعوب لا تسقط بالتقادم، وأن لغة القوة والندية هي الوحيدة الكفيلة بانتزاع الاعتراف من القوى الاستعمارية. وهو ما تجسد ميدانياً وسياسياً عندما خاضت الجماهيرية الليبية بقيادة الشهيد معمر القذافي معركة دبلوماسية وقانونية شرسة لانتزاع حقوق الشعب الليبي [3].
​لقد أجبرت القيادة الليبية الدولة الإيطالية ــ لأول مرة في تاريخ العلاقات الاستعمارية الغربية مع العالم الثالث ــ على الانصياع والإقرار بجرائمها، وتوج ذلك بتوقيع "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون" عام 2008، والتي تضمنت اعتذاراً رسمياً وصريحاً من روما للشعب الليبي عن حقبة الاحتلال، والتزاماً إيطالياً بدفع تعويضات مالية واستثمارية ضخمة بلغت مليارات الدولارات كتعويض عن الأضرار المادية والبشرية التي سببتها الفاشية [4].
​ثالثاً: التجاوزات البحرية والقرصنة الاقتصادية على سواحل تونس وليبيا
​لم تتخلَّ إيطاليا المعاصرة كلياً عن أطماعها؛ إذ يتخذ التعدي الإيطالي الراهن على الأمن القومي العربي طابعاً اقتصادياً وجيوسياسياً يتمثل في الانتهاكات المتكررة للحدود البحرية لكل من تونس وليبيا.
​تتعمد أساطيل ومراكب الصيد الإيطالية، المدعومة أحياناً بغطاء سياسي، اختراق المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، والوصول إلى السواحل القريبة لبعض المدن التونسية والليبية لنهب الثروة السمكية ومقدرات الأعماق العربية [5]. إن هذه القرصنة المستمرة لا تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية والقوانين الدولية فحسب، بل تعد استنزافاً ممنهجاً للأمن الغذائي والاقتصادي للصيادين والشعوب العربية على الضفة الجنوبية للمتوسط.
​رابعاً: العلاقات الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني وخيانة الحق العربي
​تتكامل هذه السياسات العدائية الإقليمية مع الموقف الجيوسياسي لروما من القضية المركزية للأمة. ترتبط إيطاليا بعلاقات سياسية، وعسكرية، واقتصادية متطورة وراسخة مع الكيان الصهيوني، نابعة من التزامها بالمنظومة الأطلسية الغربية [6].
​تعتبر روما من العواصم الأوروبية التي توفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لجرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وتشارك في مناورات عسكرية مشتركة مع جيش العدو، متبادلة معه التقنيات الأمنية والاستخباراتية. هذا الانحياز البنيوي يثبت أن إيطاليا، رغم شعارات "الشراكة الأورومتوسطية"، تقف استراتيجياً في الخندق المعادي لطموحات الأمة العربية في التحرر والانعتاق، وتساهم في إطالة أمد احتلال أرضنا في فلسطين.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استعراض التاريخ والحاضر في الملف الإيطالي يؤكد للمدرسة القومية التقدمية أن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فالتعدي على السيادة البحرية التونسية أو الليبية هو امتداد لذات العقلية التي حاولت بالأمس طمس هوية المنطقة. إن مجابهة هذا التحدي تفرض على الأقطار العربية مغادرة مربع العلاقات غير المتكافئة، وفرض معادلات ندية لحماية المياه الإقليمية والثروات البحرية، وربط المصالح الاقتصادية لروما بمواقفها السياسية من قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين، تأكيداً على سيادة الأمة وكرامة شعوبها.
​المراجع والمصادر:
​[1] بوليبيوس: تاريخ الإمبراطورية الرومانية والصراع مع قرطاج، دراسات في الاستراتيجية العسكرية لمعركة كان وتأثير حنبعل، منشورات الجامعة التونسية.
[2] مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية: الموسوعة التاريخية للمقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي الفاشي (1911-1932).
[3] السجل القومي: الخطابات والوثائق السياسية للثورة الليبية حول معركة انتزاع التعويضات والاعتذار من إيطاليا.
[4] نص وثيقة "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون بين الجماهيرية العظمى وإيطاليا"، أغسطس 2008، منشورات وزارة الخارجية الليبية.
[5] تقارير وزارة الفلاحة والصيد البحري التونسية حول انتهاكات السفن الأجنبية والمراكب الإيطالية للمياه الإقليمية وخليج قابس.
[6] معهد الشؤون الدولية (IAI) في روما: دراسات في العلاقات الإيطالية-الإسرائيلية والتعاون العسكري والتكنولوجي في حوض المتوسط.

الأربعاء، 8 يوليو 2026

​إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي بقلم: الناصر خشيني


    مقدمة

​تخوض الأمة العربية في مرحلتها الراهنة صراعاً وجودياً متعدد الجبهات، لا يقتصر على مواجهة الغزوات الخارجية المباشرة، بل يمتد إلى جبهات الإقليم وجوارنا الجغرافي الذي يجري توظيف بعض أطرافه كأدوات وظيفية لمحاصرة الأمن القومي العربي وتفتيت ركائزه. وفي هذا السياق الجيوسياسي، يبرز الدور الإثيوبي الراهن ليس كمجرد خلافات حدودية أو تنموية عابرة، بل كحلقة أساسية في استراتيجية معادية تستهدف عمق الأمة العربية، من حوض النيل إلى القرن الإفريقي، وصولاً إلى قلب السودان الشقيق.
​أولاً: إقليم الأوغادين.. تاريخ من التوسع الإمبريالي والإنكار الحضاري
​إن قراءتنا القومية والتقدمية للتاريخ تنطلق من الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الهيمنة. ومن هذا المنطلق، يمثل إقليم الأوغادين أرضاً عربية الهوى والهوية، جرى اقتطاعها وإلحاقها بإثيوبيا في سياق التوازنات الاستعمارية القديمة التي استهدفت تمزيق الفضاء العربي والإسلامي في القرن الإفريقي. إن استمرار السيطرة الإثيوبية على هذا الإقليم يمثل إرثاً توسعياً يرفض الاعتراف بالحقوق التاريخية والحضارية لأبناء المنطقة، ويشكل خلفية أيديولوجية وسلوكية تحكم العقلية السياسية الحاكمة في أديس أبابا حتى اليوم.
​ثانياً: سد النهضة.. الإرهاب المائي وأدوات خنق دول المصب
​لم يعد العدوان يقتصر على الجغرافيا، بل تحول إلى محاولة للتحكم في شريان الحياة الوجودي للأمة. إن إصرار النظام الإثيوبي على بناء "سد النهضة" وفرض سياسة الأمر الواقع عبر عمليات الملء الأحادية، متجاوزاً الحقوق التاريخية المكتسبة لشعبي مصر والسودان، لا يمكن توصيفه إلا كـ"إرهاب مائي".
إن هذا السد، الذي يحظى بدعم وتمويل صامت من قوى الإمبريالية العالمية، لا يستهدف التنمية كما يزعم الخطاب الرسمي لأديس أبابا، بل يستهدف رهن الإرادة السياسية للقاهرة والخرطوم، وتحويل المياه إلى سلاح استراتيجي لابتزاز الدولة الوطنية العربية وخنق قدراتها الاقتصادية والبشرية.
​ثالثاً: تفكيك السودان.. دعم المليشيات كأداة لضرب الدولة الوطنية
​في إطار الرؤية القومية الشاملة، ندرك أن استهداف أي قطر عربي هو استهداف للمنظومة القومية بأسرها. ومن هنا، يأتي الدور الإثيوبي المشبوه في الأزمة السودانية عبر تقديم الدعم والغطاء لمليشيا الدعم السريع المتمردة. إن هذا التدخل السافر لا يمثل مجرد انحياز سياسي، بل هو مساهمة فعلية في تدمير مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وتفتيت نسيجها الاجتماعي. والهدف من وراء ذلك هو إبقاء السودان في حالة سيولة أمنية وضعف دائم، بما يضمن تحييده عن معركة الدفاع عن الأمن المائي العربي، ويخلق حزاماً من الفوضى على حدود مصر الجنوبية.
​رابعاً: التحالف الإثيوبي الصهيوني.. الطوق المخترق للأمة
​يتجلى البُعد الأكثر خطورة في المشهد الاستراتيجي عند تفكيك العلاقات العضوية والمتطورة بين إثيوبيا والكيان الصهيوني. إن هذا التحالف يمثل التطبيق العملي لما يُعرف في العقيدة الأمنية الصهيونية بـ"استراتيجية المحيط" (تطويق العالم العربي من خلال بناء تحالفات مع دول الجوار غير العربية).
إن التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي بين أديس أبابا وتل أبيب ــ خاصة في مجالات الاستخبارات وإدارة الموارد المائية وحماية المنشآت الحيوية ــ يؤكد أن النظام الإثيوبي بات يمثل منصة متقدمة للمشروع الصهيوني-الإمبريالي في منطقة البحر الأحمر وباب المندب وحوض النيل، وهو ما يجعله في خندق المجابهة المباشرة مع طموحات أمتنا في التحرر والسيادة.
​خلاصة وموقف: نحو جبهة عربية لمواجهة التحديات الإقليمية
​بناءً على هذه المعطيات التي لا تقبل التجزئة، فإن إثيوبيا بسياساتها الراهنة تضع نفسها في موقع "الجوار المعادي" للأمة العربية. وإن مجابهة هذا التهديد الوجودي تتطلب تجاوز السياسات القُطرية الضيقة بردود أفعالها المؤقتة، والذهاب فوراً نحو صياغة استراتيجية قومية موحدة وتكاملية.
إن الفكر التقدمي يفرض علينا تفعيل كافة عناصر القوة العربية ــ السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والشعبية ــ لدعم صمود مصر والسودان، وحماية الحقوق التاريخية، والوقوف بحزم ضد مشاريع التفتيت والتحالفات المشبوهة، صوناً لكرامة الأمة ومستقبل أجيالها.


 

​السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت ​بقلم: الناصر خشيني

 

  مقدمة: ​بينما تتجه أنظار الإعلام العالمي والمحلي بشكل مكثف وصاخب نحو بؤر مشتعلة في الشرق الأوسط مثل غزة ولبنان، أو تتابع ارتدادات الحرب في اليمن، تقبع في الزاوية المعتمة من المشهد الدولي مأساة إنسانية وجيوسياسية تفوق في فظاعتها المادية والاجتماعية الكثير مما رصدته الكاميرات؛ إنها الحرب الأهلية في السودان. هذا الصراع المستمر لا يمثل مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل هو مخطط ممنهج لحصار السودان، تفتيت بنيته الدولة، ومصّ مقدراته وثرواته لصالح أجندات إقليمية ودولية [1].
​فظاعة الجرائم: حرب أرقام مرعبة خلف جدار الصمت
​منذ اندلاع المواجهات، ارتكبت ميليشيات الدعم السريع، بقيادة محمد جانب دقلو (حميدتي)، فظائع ترقى إلى جرائم الحرب والتطهير العرقي. وتشير التقديرات الدولية المحدثة لعام 2026 إلى أن الحصيلة الحقيقية للضحايا قد تجاوزت 150,000 قتيل يشملون ضحايا المعارك المباشرة، والمجاعة والأوبئة الناتجة عن الحصار [2]، في حين وثقت نقابات الأطباء والمنظمات الميدانية أكثر من 40,000 جريح سقطوا بأسلحة الحرب والمقذوفات [3]. أما المفقودين والمحتجزين قسرياً فلا توجد إحصائية رسمية دقيقة تحصيهم بسبب انهيار المنظومة الأمنية، وسط توثيق آلاف الحالات من الإخفاء القسري والاختطاف [2].
​الأمر الأكثر مأساوية يتجلى في أزمة النزوح؛ حيث بات السودان يمثل أكبر أزمة نزوح داخلي وخارجي في العالم اليوم، بنزوح وتهجير ما يقرب من 14 مليون إنسان (منهم حوالي 11.5 مليون نازح داخلياً وأكثر من 3 ملايين لاجئ عبروا الحدود إلى دول الجوار) [4].
​الفاتورة التدميرية: سحق البنية التحتية والخدمية
​لم تكتفِ الميليشيات باستهداف الإنسان، بل شنت حرباً ممنهجة لتدمير مقومات الحياة، وهو ما تؤكده الأرقام والتقارير الأممية لعام 2026:
​المستشفيات والقطاع الصحي: تعرض القطاع الصحي لانهيار شبه كامل؛ حيث خرجت أكثر من 70% من مستشفيات السودان عن الخدمة نتيجة التدمير المباشر، أو القصف، أو النهب المحتوم من قبل ميليشيا الدعم السريع [5]. ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، تم رصد المئات من الهجمات المباشرة والمسلحة على المنشآت الطبية والعاملين فيها، مما جعل السودان يتصدر عالمياً المؤشر الجنائي لنسبة الوفيات الناتجة عن استهداف الرعاية الصحية [3].
​المدارس والتعليم: تحولت أروقة العلم إلى ساحات حرب أو ملاجئ بائسة؛ حيث تشير تقارير منظمة اليونيسف لعام 2026 إلى أن أكثر من ثلث مدارس السودان مغلقة تماماً، بينما تُستخدم 11% من المنشآت التعليمية المتبقية كمراكز إيواء مؤقتة للنازحين أو ثكنات عسكرية محتلة من قبل أطراف النزاع، مما حرم أكثر من 8 ملايين طفل سوداني من حقهم الأساسي في التعليم [6].
​المساكن والمرافق المدنية: تعرضت مدن كبرى بأكملها مثل الخرطوم، والـجنينة، والفاشر لدمار واسع جعل بعض أحيائها السكنية "غير صالحة للحياة" جراء القصف الجوي والمدفعي، واستهداف شبكات المياه ومحطات الكهرباء والأسواق المركزية كأداة لتجويع وتركيع السكان [6].
​المحور الإقليمي والدور الإماراتي: تحالف الحصار والمصّ
​لا يمكن فهم استمرارية وقوة ميليشيات الدعم السريع دون النظر إلى خطوط الإمداد والدعم اللوجستي والمالي والعسكري والسياسي المتدفقة إليها. تبرز دولة الإمارات العربية المتحدة في هذا السياق كلاعب رئيسي ومحرك أساسي خلف الكواليس؛ حيث تشير التقارير الدولية والتحقيقات الاستقصائية إلى دور أبوظبي في تزويد هذه الميليشيات بالأسلحة والعتاد المتطور (مثل المسيرات التي باتت تتسبب في 60% إلى 80% من قتلى الأطفال المدنيين مؤخراً) تحت غطاء المساعدات الإنسانية [6] [7]. الهدف من هذا الدعم يتجاوز النفوذ السياسي المباشر إلى الرغبة في السيطرة على موانئ السودان الاستراتيجية على البحر الأحمر، والاستيلاء على ثرواته الهائلة من الذهب والأراضي الزراعية الخصبة [7].
​تشاد وإثيوبيا: أدوات الاختراق الجغرافي
​لتمرير هذا المخطط، كان لا بد من وجود ممرات جغرافية وأدوات إقليمية مساعدة:
​تشاد: تحولت الأراضي التشادية، وبتواطؤ أو ضغوط على النخبة الحاكمة هناك، إلى الممر اللوجستي الأساسي والمطار الخلفي لتدفق الأسلحة الإمارتية المتجهة إلى دارفور لدعم ميليشيات حميدتي، مما جعل الحدود الغربية للسودان ثغرة برية تنزف منها سيادة الدولة [8].
​إثيوبيا: يتقاطع الموقف الإثيوبي مع أجندة إضعاف الدولة المركزية في السودان، مستغلاً الأزمة لتثبيت واقع جديد في ملفات الحدود (مثل منطقة الفشقة) وضمان تحييد السودان في ملف سد النهضة، فضلاً عن تقديم تسهيلات سياسية ودبلوماسية لقيادات الميليشيا [9].
​هذا التحالف الإقليمي يهدف بالدرجة الأولى إلى حصار السودان جغرافياً وسياسياً، ومنع قيام دولة قوية ومستقرة قادرة على حماية أمنها القومي وثرواتها، وبالتالي تسهيل عملية "مصّ" مقدرات هذا البلد العربي الأفريقي العريق [1].
​خاتمة
​إن الصمت الإعلامي والدولي المطبق تجاه ما يحدث في السودان يمثل تواطؤاً غير معلن يمنح القتلة والممولين مزيداً من الوقت لإتمام مخططهم. إن استعادة السودان لسلامته واستقراره تتطلب أولاً كسر حلقة الحصار الإقليمي، وفضح الأدوار التدميرية للقوى الخارجية التي تجعل من دماء الشعب السوداني وقوداً لأطماعها التوسعية والاقتصادية.
​الهوامش والمراجع:
​[1] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تقارير تحليلية حول الأبعاد الجيوسياسية للصراع الممتد في السودان وأثر التدخلات الإقليمية على سيادة الدولة.
[2] صحيفة نيويورك تايمز (The New York Times) / شبكة بي بي سي (BBC): تقارير استقصائية وأممية محدثة تتبع الحصيلة الكلية التقديرية للوفيات الناتجة عن الصراع المباشر والمجاعة والأوبئة المصاحبة للحرب في السودان.
[3] منظمة الصحة العالمية (WHO): التقرير التحليلي للوضع الصحي العام في السودان (Public Health Situation Analysis - 2026)؛ توثيق الإصابات واستهداف الكوادر والمنشآت الطبية عبر نظام (SSA).
[4] المنظمة الدولية للهجرة (IOM) / شبكة الجزيرة الإعلامية: مرصد الحريات العامة وحقوق الإنسان - تقرير أرقام الأزمة الإنسانية للسودان (تحديثات 2026).
[5] لجنة الإنقاذ الدولية (IRC): تقرير "الأزمة في السودان: ماذا يحدث وكيف نساعد"، توثيق نسب دمار وانهيار المستشفيات والقطاع الصحي بنسبة تتخطى 70%.
[6] منظمة الأمم المتحدة للطفولة (UNICEF): البيانات الصحفية الصادرة في (أبريل ويوليو 2026) حول أعداد الأطفال الضحايا، ونسب استخدام الطائرات المسيرة، وإحصائيات إغلاق المدارس وخروجها عن الخدمة التعليمية.
[7] صحيفة وول ستريت جورنال (The Wall Street Journal): تحقيقات استقصائية موسعة كشفت بالخرائط والوثائق الدعم التسليحي الإماراتي السري لحميدتي ومسارات التهريب وشبكات الذهب.
[8] صحيفة لوموند الفرنسية (Le Monde): تقارير استقصائية ميدانية حول استخدام المطارات والحدود التشادية كممرات إمداد عسكري بدعم مالي إقليمي لصالح قوات الدعم السريع.
[9] مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية: دراسات مستفيضة حول الموقف الإثيوبي وتقاطع المصالح الإقليمية في ملفات الحدود والمياه وأثرها على تعميق الأزمة السودانية.

 

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو بقلم الناصر خشيني

 


مقدمة عامة عن الوضع الحالي
تسيطر جبهة البوليساريو فعليًا على الجزء من أراضي الصحراء الغربية الواقع شرق الجدار العسكري المغربي المعروف بـ"البِرْم"، وتُطلق على هذه المنطقة تسمية "المناطق المحررة" أو "المنطقة الحرة"، في حين يصفها المغرب بـ"المنطقة العازلة"¹. وهذا الخلاف في التسمية نفسه جزء من نزاع سياسي وقانوني أوسع لم يُحسم بعد حول مصير الإقليم.
تبلغ نسبة الأراضي الخاضعة لسيطرة البوليساريو نحو 30% من مساحة الصحراء الغربية الإجمالية، مقابل سيطرة مغربية على النسبة المتبقية البالغة نحو 70%، وهي نسب تكاد تكون ثابتة منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في سبتمبر 1991². يمتد الجدار الفاصل بين الجانبين لمسافة تتراوح بين 2200 و2700 كيلومتر، وهو محاط بحقول ألغام، وتراقبه بعثة الأمم المتحدة لتنظيم الاستفتاء في الصحراء الغربية (مينورسو) على جانبيه³.
من الناحية السكانية، تُقدَّر أعداد سكان المنطقة الحرة بما بين 30 و40 ألف نسمة فقط، وهم في الغالب بدو رحّل يمارسون رعي الإبل التقليدي، إلى جانب عناصر جيش التحرير الشعبي الصحراوي، نظرًا لقسوة المناخ ووعورة المنطقة وانتشار الألغام فيها⁴. في المقابل، يعيش القسم الأكبر من اللاجئين الصحراويين، ويقدَّر عددهم بنحو 250 ألف شخص، في مخيمات تندوف بالجزائر⁵.
العاصمة المعلنة للجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية هي مدينة العيون، غير أنها تقع تحت السيطرة المغربية؛ لذلك اتُّخذت بئر لحلو عاصمة مؤقتة عند إعلان الجمهورية عام 1976، قبل أن تنتقل العاصمة المؤقتة رسميًا إلى تيفاريتي في 27 فبراير 2008، فيما تُدار الشؤون اليومية عمليًا من مخيمات تندوف⁶.
دوليًا، تعتبر الأمم المتحدة جبهة البوليساريو الممثل الشرعي للشعب الصحراوي، وتحظى الجمهورية الصحراوية باعتراف نحو 45 دولة عضوًا في الأمم المتحدة وبعضوية كاملة في الاتحاد الأفريقي⁷. غير أن مواقف عدد من الدول تطورت في الاتجاه المعاكس مؤخرًا: ففي يونيو 2025 غيّرت المملكة المتحدة موقفها لتؤيد مقترح الحكم الذاتي المغربي⁸، وفي أبريل 2025 كرر وزير الخارجية الأمريكي اعتراف الإدارة الأمريكية بالسيادة المغربية على الإقليم واعتبار مقترح الحكم الذاتي "الأساس الوحيد" لحل النزاع⁹، كما أعلنت مالي في أبريل 2026 دعمها لهذا المقترح وسحب اعترافها بالجمهورية الصحراوية¹⁰. في المقابل، أعلنت جبهة البوليساريو في نوفمبر 2020 إنهاء وقف إطلاق النار الذي كان ساريًا منذ 1991، وسجّلت الأمم المتحدة منذ ذلك الحين ما وصفته بـ"أعمال عدائية منخفضة الحدة" بين الطرفين¹¹.
ملاحظة منهجية: لا تتوفر إحصاءات سكانية أو مساحية دقيقة وحديثة لكل بلدة على حدة، كونها مناطق نائية شبه خالية من السكان المدنيين ولم تشهد تعدادًا رسميًا موثوقًا منذ عقود؛ لذا تبقى بعض الأرقام الواردة أدناه (خصوصًا الخاصة بعام 1975) أرقامًا تاريخية سابقة لاندلاع الحرب.
أكوانيت
مدينة تقع قرب الحدود الجنوبية الشرقية للصحراء الغربية مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو، وتضم مقر بعثة مينورسو. استضافت احتفالات الذكرى 27 لاندلاع الكفاح المسلح في مايو 2000، وعرضًا عسكريًا في يونيو 2006، كما شهدت افتتاح مستشفى بتمويل باسكي ومحطة تحلية مياه بتمويل أندلسي ومركز اتصالات، إلى جانب وضع حجر أساس لمدرسة ومقر بلدية.
أمغالة
قرية تقع جنوب السمارة وغرب تيفاريتي، على بعد أميال من الحدود الموريتانية، من المناطق المحررة الخاضعة لسيطرة البوليساريو. شهدت مواجهات عدة بين المغرب والبوليساريو والجزائر خلال الحرب، من بينها المواجهة المباشرة الوحيدة بين الجيشين الجزائري والمغربي منذ 1963، في يناير وفبراير 1976. قُدّر عدد سكانها قبل الحرب بنحو 2000 نسمة (رقم تاريخي).
بئر لحلو (بير لحلو)
تعني تسميتها "مصدر المياه العذبة". في 27 فبراير 1976 أُعلنت منها الجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية، واتُّخذت عاصمة مؤقتة حتى تحرير العيون، قبل أن تُنقل العاصمة رسميًا إلى تيفاريتي عام 2008. وهي مقر المنطقة العسكرية الخامسة، وشهدت احتفالات الذكرى 34 لتأسيس الجمهورية.
بئر تيريسيت
قرية صحراوية تحت سيطرة جبهة البوليساريو، من نقاط الوجود العسكري والمدني المحدود في المنطقة الحرة.
دوكاج
منطقة تقع جنوب الصحراء الغربية، في منتصف الطريق تقريبًا بين أكوانيت والجدار العسكري المغربي، تحت سيطرة جبهة البوليساريو.
مهيرس
منطقة تقع شمال الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، خاضعة لسيطرة البوليساريو، وبها مركز مراقبة تابع لمينورسو. وهي مقر المنطقة العسكرية الرابعة.
ميجك
منطقة في النصف الجنوبي من الصحراء الغربية تحت سيطرة البوليساريو وإشراف مينورسو. استضافت في مايو 2007 احتفالات الذكرى 34 لاندلاع الكفاح المسلح بحضور الرئيس الصحراوي ووفود أجنبية. وهي مقر المنطقة العسكرية الثالثة.
تيفاريتي
بلدة تقع بين السمارة (على بعد نحو 50 كم) وتندوف الجزائرية (نحو 90 كم). سمّتها البوليساريو العاصمة الثانية للجمهورية بعد بئر لحلو، ثم أصبحت رسميًا العاصمة المؤقتة منذ 27 فبراير 2008. بلغ عدد سكانها نحو 7000 نسمة عام 1975 (رقم تاريخي سابق للحرب)، تراجع بشدة بعد 1976، وتبادل الطرفان السيطرة عليها قبل أن تستقر بيد البوليساريو نهائيًا في مارس 1979. في 20 أغسطس 1991 قصف الطيران المغربي البلدة وآبار مياهها عشية وقف إطلاق النار. وهي مقر المنطقة العسكرية الثانية، ونُظّم فيها لأول مرة عرض عسكري لذكرى ميلاد الجمهورية.
زوك
منطقة تقع في الطرف الجنوبي من الصحراء الغربية قرب الحدود مع موريتانيا، ضمن أراضي البوليساريو، ومرتبطة باتفاق توأمة مع أربع مدن إسبانية. وهي مقر المنطقة العسكرية الأولى.
خلاصة
تبقى هذه البلدات جزءًا من "المنطقة الحرة" الخاضعة عمليًا لسيطرة جبهة البوليساريو منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 1991، وسط نزاع دولي مستمر حول الوضع القانوني للإقليم، وتحولات دبلوماسية متسارعة لصالح الطرح المغربي من جهة، وتصعيد عسكري متقطع منذ نهاية 2020 من جهة أخرى.
الهوامش
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Free Zone (region)".
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Western Sahara".
المرجع نفسه؛ وكذلك مكتبة مجلس العموم البريطاني (House of Commons Library)، ملف "Western Sahara".
منظمة حقوق الأقليات الدولية (Minority Rights Group)، صفحة "Western Sahara".
تقرير "In Limbo in the Saharan 'Free Zone'"، موقع ReliefWeb.
موسوعة ويكيبيديا الإنجليزية، مقال "Sahrawi Arab Democratic Republic".
المرجع نفسه.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).
المرجع نفسه، نقلًا عن تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو، أبريل 2025.
راديو فرنسا الدولي (RFI)، تقرير بالفرنسية، 10 أبريل 2026.
مكتبة مجلس العموم البريطاني، ملف "Western Sahara" (تحديث 2026).

 

الأحد، 5 يوليو 2026

إفريقيا: ثروة الأرض ولعنة الإدارة بقلم: الناصر خشيني


 مفارقة الوفرة

قلّ أن تجد قارة تختزن في باطنها وعلى سطحها هذا القدر من الثروات كما تفعل إفريقيا. أراضٍ زراعية شاسعة، ثروة حيوانية متنوعة، وموارد باطنية تشمل نحو ثلث احتياطيات العالم من الكوبالت، ونسبة معتبرة من الذهب واليورانيوم والماس. ومع ذلك، تصنَّف كثير من الدول الإفريقية الغنية بهذه الموارد ضمن الأكثر فقراً وهشاشة على مستوى العالم. هذا التناقض بين الوفرة الطبيعية والفقر البنيوي هو ما يعرفه الاقتصاديون بـ"لعنة الموارد" أو "مفارقة الوفرة".
كيف تتحول الثروة إلى عبء؟
الفكرة الأساسية أن اكتشاف موارد طبيعية ثمينة، بدل أن يكون رافعة للتنمية، قد يتحول إلى عامل تعطيل حين تغيب المؤسسات القوية القادرة على إدارته. تتلخص الآلية في نقاط رئيسية:
اقتصاد ريعي هش: تعتمد الدولة على عائدات تصدير المادة الخام، فتتراجع الحوافز لتطوير قطاعات أخرى كالصناعة والزراعة، ويصبح الاقتصاد رهينة تقلبات الأسواق العالمية.
الفساد ونهب الريع: تتحول عائدات الموارد إلى مصدر تنافس بين النخب الحاكمة والشركات الأجنبية، بعيداً عن الشفافية والمحاسبة، فتُهرَّب الأموال أو تُوجَّه لتثبيت السلطة لا لبناء البنية التحتية أو الخدمات.
تغذية الصراعات المسلحة: في مناطق مثل شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تصبح مناجم الكوبالت والذهب مصدر تمويل مباشر للجماعات المسلحة، ما يحوّل الثروة إلى وقود للحرب بدل أن تكون أساساً للسلم الاجتماعي.
ضعف سيادة القرار الوطني: غالباً ما تُدار عقود الاستخراج بشروط غير متكافئة مع شركات دولية، ما يجعل الحصة الأكبر من القيمة المضافة تُصدَّر خارج القارة، بينما تبقى الدول المنتجة تتقاسم الفتات.
نماذج من الواقع
جمهورية الكونغو الديمقراطية: تمتلك احتياطيات هائلة من الكوبالت الضروري لصناعة البطاريات، لكنها تظل من أفقر دول العالم، وتشهد شرقها نزاعات مسلحة متجددة منذ عقود تتقاطع مصالحها مع السيطرة على مناجم المعادن.
نيجيريا: أكبر منتج للنفط في إفريقيا، لكن عائدات النفط لم تنجح في القضاء على الفقر الواسع، بل ارتبطت بأزمات فساد كبرى وتوترات أمنية في منطقة دلتا النيجر المنتجة للنفط نفسها.
سيراليون وأنغولا: تجربتا "ماس الدم" الشهيرتان، حيث موّلت تجارة الماس غير المشروعة حروباً أهلية دامية في التسعينيات، قبل أن تُفرض آليات دولية للتتبع مثل نظام "كيمبرلي" للحد من هذه التجارة.
بين المسؤولية الداخلية والعامل الخارجي
من الخطأ حصر التفسير في عامل واحد. فهناك من يرى أن جذر المشكلة داخلي بالأساس: غياب المؤسسات الشفافة، وضعف الدولة القانونية، وتوريث النخب الحاكمة لأنظمة الريع دون إصلاح. وفي المقابل، يرى آخرون أن الشركات الأجنبية والدول الكبرى تتحمل نصيباً من المسؤولية، عبر عقود استخراج غير عادلة، وشبكات تهريب وتبييض أموال تمتد عبر القارات، وتاريخ طويل من التدخلات التي أعادت تشكيل خرائط النفوذ حول مناطق الموارد. الأقرب إلى الواقع أن الظاهرة نتاج تقاطع هذين العاملين معاً، لا أحدهما بمفرده.
هل هناك مخرج؟
تجارب دول مثل بوتسوانا (الماس) ورواندا في بعض القطاعات، تُظهر أن الأمر ليس محتوماً. من أبرز عناصر النجاح المطروحة:
بناء صناديق سيادية لعائدات الموارد تُدار بشفافية وتُوجَّه نحو التعليم والصحة والبنية التحتية.
تعزيز آليات المحاسبة والشفافية في عقود الاستخراج، ونشر تفاصيلها للرأي العام.
تنويع الاقتصاد بعيداً عن الاعتماد على مادة خام واحدة.
تفعيل الرقابة الدولية على سلاسل التوريد لمنع تحول الموارد إلى تمويل للصراعات.
خلاصة
ثروات إفريقيا الطبيعية ليست لعنة بذاتها، بل هي مرآة تكشف حجم الخلل في إدارة الدولة والموارد معاً. المعادلة ليست بين "قارة غنية" و"شعوب فقيرة" فحسب، بل بين نموذج حكم قادر على تحويل الثروة إلى تنمية، ونموذج آخر يجعل منها مصدر صراع وفساد. والفارق بين المسارين ليس جغرافياً أو جيولوجياً، بل سياسي ومؤسساتي بالأساس.

 

الجمعة، 3 يوليو 2026

الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة الصحراء بقلم: الناصر خشيني



منذ أكثر من عقد من الزمان، كتبتُ محذراً من خطورة الموقف العربي والمغربي المهادن تجاه أقدم استعمار أوروبي مباشر ما زال جاثماً على الأراضي الإفريقية والعربية. واليوم، ونحن في عام 2026، أجد نفسي مضطراً لإعادة قراءة هذا الملف الشائك على ضوء تطورات دراماتيكية غيّرت وجه الدبلوماسية في المنطقة. إن المشهد الراهن لم يعد مجرد قصة احتلال مستمر منذ قرون لمدينتي سبتة ومليلية، بل تحول إلى معادلة سياسية معقدة تُقايَض فيها الجغرافيا، وتتأجل فيها معارك التحرير السيادي في الشمال مقابل تثبيت المكاسب في الصحراء بالجنوب (1).
جغرافيا أسيرة في طي النسيان
عندما نتحدث عن الاحتلال الإسباني، فإن الذاكرة الرسمية والإعلامية غالباً ما تختزل القضية في سبتة ومليلية، مغفلةً أرخبيلاً كاملاً من الجزر الصخرية المغربية الاستراتيجية التي تطوقها البوارج الإسبانية (2). إنها الجزر الجعفرية (شفاريناس) الثلاث القابعة قبالة سواحل الناظور، وجزر الحسيمة (النكور والبرهان ونوبيس)، وشبه جزيرة باديس (صخرة قميرة) التي تحولت بفعل الطبيعة إلى أرض متصلة باليابس المغربي ويفصلها عن السيادة المغربية سياج حدودي واهن، وصولاً إلى جزيرة ليلى (تورا) التي شهدت آخر استعراض عسكري لفرض الأمر الواقع عام 2002.
هذه الأراضي ليست مجرد صخور في البحر، بل هي ثغور مستعمرة تمثل خرقاً صارخاً لسيادة الأمة العربية، ومع ذلك، يلفها اليوم صمت رسمي مغربي مطبق يعكس تحولاً جذرياً في أولويات الرباط.
معيار "النظارة السوداء": رهن الشمال من أجل الجنوب
لقد حدد المغرب بوضوح قاعدته الدبلوماسية الجديدة حين أعلن أن "ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها إلى العالم". هذا التوجه جعل الدبلوماسية المغربية تضع كل بيضها في سلة ملف الصحراء الغربية، جاعلةً منه المعيار الوحيد لتقييم الشراكات والصداقات الدولية (3).
هذا التركيز المكثف أنتج "العصر الذهبي" الراهن في العلاقات بين الرباط ومدريد، خاصة بعد اعتراف حكومة "بيدرو سانشيز" الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء (4). ولكن، ما هو الثمن الذي دُفع في المقابل؟ الثمن كان واشياً وصادماً: إدخال ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة في "ثلاجة" التجميد الدبلوماسي (5). لقد اختفت المطالبة السيادية المغربية بهذه الثغور من منابر الأمم المتحدة والاتفاقيات الثنائية، وحلّ مكانها صمت رسمي مريب يُفسَّر على أنه مقايضة ضمنية: "اعتراف إسباني بمغربية الصحراء مقابل سكوت مغربي عن إسبانية سبتة ومليلية" (1).
ملف الصحراء وتأثيره السلبي على المنطقة: شلل مغاربي وسباق تسلح
إن هذا التمسك الحاد والتمحور الكامل للمغرب حول ملف الصحراء الغربية لم يقتصر أثره على تجميد ملف الثغور الشمالية المحتلة فحسب، بل امتد ليعصف بالاستقرار الإقليمي لمنطقة المغرب العربي برمتها. لقد تحولت قضية الصحراء إلى حجر عثرة حقيقي أفسد العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر بشكل غير مسبوق، ووصل بالبلدين الجارين إلى قطيعة دبلوماسية تامة (6).
هذا التوتر المزمن أدى مباشرة إلى عواقب وخيمة على المستويين السياسي والعسكري:
  • توقف عجلة الاتحاد المغاربي: أُصيب مشروع "الاتحاد المغرب العربي" بشلل تام وموت سريري، وضاعت على شعوب المنطقة فرص التكامل الاقتصادي والوحدة بسبب تباين المواقف الحاد حول الصحراء.
  • سباق محموم نحو التسلح: اندفع الجاران الشقيقان نحو استنزاف ثرواتهما في سباق تسلح غير مسبوق؛ حيث تخصص ميزانيات ضخمة لشراء أحدث المنظومات الدفاعية والطائرات والأسلحة الهجومية، وهو ما كان أولى أن يُوجّه نحو التنمية والتعليم والصحة. هذا التسلح حوّل المنطقة إلى برميل بارود يهدد السلم الأهلي الإقليمي بدلاً من توجيه القوة دفاعاً عن قضايا الأمة المشتركة.
تحويل التحرير إلى ملف "تقني" واستخدام الهجرة
في ظل هذا الواقع، تراجعت لغة التحرير والسيادة الوطنية تجاه الاحتلال الإسباني، وتحول الصراع التاريخي إلى مجرد تفاوض حول ملفات "تقنية" وإجراءات حدودية، مثل فتح الجمارك التجارية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والربط البحري (7).
ومع ذلك، يمارس المغرب ضغطاً ناعماً بطرق غير مباشرة؛ فبدلاً من المواجهة الدبلوماسية العلنية، أصبحت "أوراق الضغط" بديلة. نرى ذلك بوضوح في موجات الهجرة غير النظامية المتلاحقة التي تشهدها حدود المدينتين المحتلتين، والتي تُستخدم كرسائل سياسية مبطنة لمدريد لتذكيرها بأن استقرار أمنها الجنوبي مرهون باستمرار موقفها الإيجابي من قضية الصحراء (8). يضاف إلى ذلك سياسة "الخنق الاقتصادي" عبر إنهاء التهريب المعيشي، بهدف تحويل هذه الثغور إلى عبء مالي على الخزينة الإسبانية دون الحاجة لصدام عسكري مباشر.
خاتمة: السيادة كلّ لا يتجزأ
إن رهن السيادة الوطنية في الشمال لانتزاع اعترافات بملف الجنوب هو مناورة سياسية محفوفة بالمخاطر؛ فالأوراق الدولية متقلبة، والحكومات في إسبانيا وأوروبا تتبدل، وما يمنحه اليمين اليوم قد يتراجع عنه اليسار غداً.
إن موقفنا كأصحاب فكر قومي ومبدئي يظل ثابتاً لا يتزحزح: السيادة لا تتجزأ، والاستعمار لا يمكن تصنيفه إلى مقاطعات مقبولة وأخرى مرفوضة. إن التفريط أو السكوت عن احتلال سبتة ومليلية والجزر المغربية هو طعنة في خاصرة التحرر العربي، وإن الاستقرار الحقيقي في حوض المتوسط لن يتحقق عبر سياسات المقايضة وتأجيل الأزمات، بل بالإنهاء الكامل وغير المشروط لآخر المعاقل الاستعمارية الأوروبية في قارتنا الإفريقية.

الهوامش والمراجع:
(1) د. عبد الحكيم أبو اللوز، المقايضات السياسية في العلاقات المغربية الإسبانية، مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) الناصر خشيني، الثغور المغربية المحتلة وجذور الاستعمار الحديث، مقالات الفكر القومي العربي.
(3) مقتطف من الخطاب الملكي الرسمي للعاهل المغربي محمد السادس بمناسبة ثورة الملك والشعب.
(4) تقرير السياسة الخارجية الإسبانية، التحول في موقف مدريد من ملف الصحراء وتداعياته الجيوسياسية، معهد إل كانو الملكي.
(5) د. حسن طارق، المغرب وإسبانيا: من صراع السيادة إلى الشراكة الأمنية والتقنية، المجلة العربية للعلوم السياسية.
(6) تقارير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العلاقات الجزائرية المغربية: أزمة الصحراء والانسداد المغاربي.
(7) يوسف جلال، سباق التسلح في شمال إفريقيا وتأثيره على التنمية المستدامة، مجلة الدفاع الإستراتيجي.
(8) تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ملف الهجرة غير النظامية عبر ثغور سبتة ومليلية 

الخميس، 11 يونيو 2026

الأفارقة في تونس: بين ورقة الضغط الأوروبية وأزمة الهوية الوطنية الناصر خشيني كاتب وباحث سياسي — نابل، تونس




لم تكن تونس تاريخياً في دائرة الاستقطاب الكبير للهجرة القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية. بيد أن العقد المنقضي فرض عليها انزياحاً جيوسياسياً عميقاً أعاد رسم خريطة حضورها في مشهد الهجرة المتوسطية. اليوم، باتت البلاد في قلب أزمة ثلاثية الأبعاد: ديموغرافية، وأمنية، ودبلوماسية؛ أزمة تختبر صمود الدولة الوطنية وتكشف هشاشة البنى الاجتماعية في مواجهة ضغوط متراكمة ومتشابكة لا تُحلّ بالشعارات ولا بالترقيع الأمني.
أولاً: الواقع الإحصائي — أرقام تتكلم ووقائع تصرخ
تتباين الأرقام المتداولة حول أعداد المهاجرين الأفارقة في تونس تبايناً يعكس بحد ذاته اضطراب المشهد وتعذّر إحصائه. وفق المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية، يقيم في تونس ما يزيد على واحد وعشرين ألف مهاجر غير نظامي من دول أفريقيا جنوب الصحراء (1)، فيما تُرجّح تقديرات منظمات المجتمع المدني أن يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير (2). بل ذهبت بعض التقديرات إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين في مناطق صفاقس ومدنين والقصرين وحدها قد ناهز مئة ألف شخص في الفترة الممتدة بين مايو 2023 ومارس 2024 (3).
وكشف يوم دراسي نظّمه مجلس نواب الشعب مطلع عام 2025 أن منطقة العامرة وحدها تأوي أكثر من عشرين ألف مهاجر يعيشون في خيام داخل الغابات وعلى أطراف المدن (4). والمفارقة المُرّة أن ثلاثة أرباع هؤلاء لم يقصدوا تونس وجهةً، بل هي لهم محطة اضطرارية نحو الشاطئ الأوروبي (5). إنهم بالمعنى الحرفي للكلمة، ضيوف غير مرغوب فيهم، وجدوا أنفسهم سجناء بلد لم يخترونه.
ثانياً: الأسباب والجذور — لماذا تونس تحديداً؟
لا تحدث هجرة بهذا الحجم من فراغ. ثمة بنى هيكلية عميقة دفعت بالساحليين والغينيين والماليين والسودانيين إلى طريق السراب عبر الصحراء. أزمات المناخ وانهيار الزراعة في الساحل الأفريقي، والحروب الأهلية المستدامة، والفقر المتوارث جيلاً بعد جيل — كل ذلك يُغذّي هذا النزيف البشري الهائل (6).
أما لماذا تونس بالذات، فللأمر أسباب مباشرة: قرار إلغاء التأشيرة الصادر إثر مؤتمر تونس-أفريقيا عام 2013 فتح أبواباً لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى هذا الحجم من التدفق. يُضاف إلى ذلك تشديد الرقابة الأوروبية على المسار الليبي، مما حوّل الخريطة وجعل الشمال التونسي وصفاقس تحديداً جسراً إلزامياً نحو لامبيدوسا. ثم تفاقمت الأزمة حين وجد عشرات الآلاف أنفسهم عاجزين عن المضي قدماً وعن العودة في آن واحد، فانحشروا في فضاء تونسي لا يستوعبهم ولا يرحّب بهم.
ثالثاً: الانفجار الاجتماعي — صفاقس مختبراً للأزمة
كانت صفاقس المدينة التي احتضنت بؤرة التوتر الأكثر حدةً. في صيف 2023، تحولت أحياؤها إلى مسرح لمواجهات عنيفة راح ضحيتها مهاجر من بنين، واعتُقل على إثرها الآلاف بشكل تعسفي، ثم دُفع بهم إلى الصحراء الليبية والجزائرية في عمليات وصفها المراقبون الدوليون بالقسرية الخارجة عن أي إطار قانوني (12). وأفادت مصادر إنسانية بأن ما لا يقل عن خمسة آلاف وخمسمئة مهاجر طُردوا إلى الحدود الليبية، وثلاثة آلاف إلى الحدود الجزائرية، ولقي أكثر من مئة حتفهم في رحلة الصحراء القاتلة (6).
ما جرى في صفاقس لا يمكن اختزاله في ردود فعل عاطفية أو نزوات عنصرية آنية. هو في جوهره أزمة دولة عاجزة عن تقديم حلول، فسقطت في فخ المقاربة الأمنية التي تعالج الأعراض وتتجاهل الداء. الشعب التونسي المثقل بأزماته الاقتصادية والاجتماعية الخاصة وجد نفسه فجأة أمام منافس على الموارد الشحيحة، وهذا التقاطع المأساوي هو ما أشعل الفتيل (8).
رابعاً: خطاب السلطة — بين الحق والمزايدة
في فبراير 2023، ألقى الرئيس قيس سعيّد خطاباً وصف فيه تدفق المهاجرين بأنه "مؤامرة إجرامية" تستهدف تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس وطمس هويتها العربية والإسلامية (9). وكان بإمكان أي مسؤول أن يستنكر تجاوزات الهجرة غير النظامية دون أن يُلقي بخطاب بهذه الشحنة التحريضية. غير أن ما صدر تجاوز حدود السياسة المعقولة إلى ما وصفه أكثر من عشرين منظمة حقوقية تونسية بـ"خطاب الكراهية" الذي يتناقض صراحةً مع الاتفاقيات الدولية وقانون مكافحة التمييز العنصري (11).
والأكثر مرارةً أن بعض المنتقدين التونسيين أنفسهم لفتوا إلى مفارقة مُربكة: هذا الخطاب الذي يصف المهاجرين بأنهم مصدر "عنف وجرائم وممارسات غير مقبولة" (10) يكاد يكون مرآةً عربية للخطاب اليميني المتطرف الأوروبي ضد المهاجرين التونسيين هناك. إن الكيل بمكيالين ليس فقط أخلاقياً مذموماً، بل هو سياسياً انتحاري.
في المقابل، ثمة وجه آخر يستوجب الإنصاف: تونس دولة هشة اقتصادياً، وليست في وضع يؤهلها لاستيعاب موجات هجرة بهذا الحجم دون أن تنعكس سلباً على خدماتها الأساسية ومنظومتها الاجتماعية. الحق الذي لا جدال فيه أن لكل دولة حق السيادة على حدودها وضبط حركة الدخول إليها؛ لكن الفرق شاسع بين ممارسة هذا الحق بأدوات القانون والتفاوض الدبلوماسي، وبين توظيفه شعلةً للتحريض الداخلي.
خامساً: التداعيات الخارجية — عاصفة دبلوماسية في خضم الأزمة
لم تمر تصريحات سعيّد دون صدى إقليمي ودولي مدوٍّ. أصدر الاتحاد الأفريقي بياناً إدانةً وصف فيه ما جرى بـ"خطاب الكراهية العنصري"، وطالب دوله الأعضاء بالامتناع عن أي خطاب يلحق الأذى بالأشخاص (13). وتابعت سفارات أفريقية عديدة أوضاع مواطنيها بقلق بالغ (14)، وكانت ردود الفعل هذه كافية لإحراج تونس في محافلها الأفريقية في وقت تسعى فيه إلى تعزيز شراكاتها القارية.
على الجهة المقابلة، وظّف الاتحاد الأوروبي هذا الملف أداةً للابتزاز الناعم. في يوليو 2023، وُقّعت مذكرة تفاهم تعهد بموجبها الاتحاد بتقديم مساعدات مالية ضخمة مشروطة بأن تضطلع تونس بدور حارس الحدود الجنوبية لأوروبا (15). وبهذا تحولت تونس من دولة مستقلة السيادة إلى ما يشبه "الشرطي المأجور" على تخوم القارة الأوروبية — وهو دور مهين يتعارض مع كرامة دولة وطنية لها تاريخها وسيادتها.
إن هذه المعادلة في جوهرها استعمار ناعم بوجه جديد: أوروبا تدفع لتونس كي تحتجز البؤساء على أبوابها، وتونس تقبل الصفقة من باب الضرورة المالية الضاغطة. أليس هذا ما كنا نُسميه في زمن مضى "الارتهان للخارج"؟
سادساً: السياسة التونسية — أين الاستراتيجية الوطنية؟
تمكّنت الأجهزة الأمنية من تقليص نسبة التدفق نحو تونس بشكل لافت خلال عام 2024 (6)، وجرى ترحيل عشرة آلاف مهاجر غير نظامي في بداية 2025 وحده (7)، مع تنفيذ برامج عودة طوعية شملت مئات من ساحل العاج وغينيا ومالي (8). غير أن هذه الإجراءات العملياتية لا ترقى إلى مستوى استراتيجية وطنية متكاملة تعالج البعد الإنساني جنباً إلى جنب مع البعد الأمني.
ثمة مفارقة صارخة: الدولة ذاتها التي أعلنت خطاباً تصعيدياً ضد المهاجرين سارعت لاحقاً إلى إعلان جملة من الإجراءات التحسينية لصالحهم، منها تسليم بطاقات إقامة سنوية للطلاب الأفارقة وتمديد وصولات الإقامة وإعفاء المهاجرين من غرامات التأخير (18). هذا التضارب بين الخطاب والممارسة يعكس غياب الرؤية الاستراتيجية وهشاشة القرار السياسي في ملف بالغ الحساسية.
خاتمة: تونس أمام مرآة الحقيقة
تقف تونس اليوم أمام ثلاثة أسئلة مصيرية تستدعي إجابات مدروسة بعيدة عن الشعبوية والارتجال: كيف تحمي سيادتها وحدودها دون أن تتحول إلى شرطي أوروبي على حساب كرامتها؟ وكيف تتعامل مع وجود آلاف البشر على أرضها دون انتهاك حقوقهم الأساسية؟ وكيف تحوّل هذه الأزمة من عبء ثقيل إلى ورقة تفاوضية تُسهم في صون مصالحها الوطنية؟
الملف الأفريقي ليس بنيةً تحتيةً تُعالَج بقرارات ترحيل ومخيمات ترقيعية. هو في عمقه امتداد لأزمة أعمق تتعلق بفلسفة الدولة وعلاقتها بمحيطها الأفريقي والمتوسطي. تونس التي تفخر بعروبتها وإسلامها وتنتمي إلى الفضاء الأفريقي بحكم الجغرافيا والتاريخ، عليها أن تبني سياسة هجرة ترتكز على القانون والكرامة الإنسانية (19)، لا على ردود الفعل الانفعالية التي تُرضي الجموع مؤقتاً وتفتح جراحاً دبلوماسية لا تُوصف.
إن خلاص تونس من هذه الورطة لن يأتي من مزيد من أسلاك الشائك على الحدود، بل من إعادة بناء شراكات أفريقية حقيقية وازنة تُعيد للدولة الوطنية هيبتها ولمواطنيها أمنهم وكرامتهم. وهذا بالضبط ما دأب الفكر التقدمي القومي على الدعوة إليه: أن تكون لنا سياسة وليس مجرد ردة فعل، وأن يكون لنا موقف وليس مجرد مزاج (20).
الهوامش والمراجع
(1) وزارة الداخلية التونسية، إحصائيات الأجانب المقيمين بتونس، 2024.
(2) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، "دراسة ميدانية حول وضع المهاجرين في تونس"، يوليو 2024.
(3) موقع ميزان للإعلام، "كم تبلغ أعداد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في تونس؟"، 25 يوليو 2024.
(4) مجلس نواب الشعب التونسي، اليوم الدراسي بشأن الهجرة غير النظامية، يناير 2025.
(5) صحيفة الصباح التونسية، "30 ألف مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء حاولوا التسلل إلى تونس"، 2024.
(6) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، "تحوّل تونس إلى مركز عبور: الهجرة غير الشرعية ومعضلة السياسات"، مارس 2024، متاح على: carnegieendowment.org
(7) الجزيرة نت، "تونس رحّلت 10 آلاف مهاجر في 2025 وتتعهد بعدم التحول لمنطقة عبور"، 4 نوفمبر 2025.
(8) وكالة الأناضول، "أوضاع المهاجرين الأفارقة في تونس.. حقيقة أم افتراء؟"، 2023.
(9) رئاسة الجمهورية التونسية، بيان مجلس الأمن القومي، 21 فبراير 2023.
(10) موقع عرب ترند، "سعيّد يعتبر تدفق المهاجرين الأفارقة مؤامرة"، 22 فبراير 2023.
(11) الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وأكثر من 20 منظمة، بيان مشترك، فبراير 2023.
(12) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، المرجع السابق.
(13) الجزيرة نت، "الاتحاد الأفريقي يدين تصريحات سعيّد بشأن المهاجرين"، 25 فبراير 2023.
(14) سفارة مالي في تونس، بيان رسمي، فبراير 2023.
(15) السويس إنفو، "تونس تفكك مخيمات لآلاف المهاجرين"، 5 أبريل 2025.
(16) الجزيرة نت، المرجع السابق، نوفمبر 2025.
(17) مركز كارنيغي، المرجع السابق.
(18) الجزيرة مباشر، "تونس تعلن إجراءات لصالح المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء"، 6 مارس 2023.
(19) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المرجع السابق.
(20) الناصر خشيني، "فتاوى تقدمية"، منشورات الحرية أولاً، 2020.

الثلاثاء، 9 يونيو 2026

جدل الإنسان: منهج لثورة الوعي وتغيير الواقع بقلم: الناصر خشيني


   ان البحث في حركة التاريخ وقوانين تطور المجتمعات يضعنا دائماً أمام مواجهة فكرية مع النظريات الجبرية التي حاولت سلب الإنسان إرادته وفاعليته. ومن هنا، يبرز مشروع المفكر العروبي الراحل الدكتور عصمت سيف الدولة كواحد من أهم المشاريع الفكرية التي أعادت صياغة مفهوم "الجدل" ليكون إنسانياً خالصاً، وهو ما نلتقي معه في رؤيتنا المنهجية التي تسعى لتحويل الأفكار والقيم إلى طاقة عمل ملموسة قادرة على النهوض بالواقع وتحرير الذات العربية.
أولاً: تهافت الجبريات ومركزية الإنسان
لقد تأسست المناهج الفلسفية التقليدية على قطبين عاجزين عن تفسير التحرر الإنساني الكامل:
  1. الجدلية المثالية (الهيجلية): التي أعادت التطور الاجتماعي إلى الفكر المجرد المطلق، وجعلت الإنسان مجرد أداة لتجسيد هذا الفكر.
  2. الجدلية المادية (الماركسية): التي جعلت المادة هي الأصل والمحرك الأساسي للتاريخ، فسقطت في فخ الحتمية الاقتصادية والجبرية المادية التي تلغي دور الإرادة الحرة.
في مقابل ذلك، جاء منهج "جدل الإنسان" ليعلن أن الإنسان ليس نتاجاً سلبياً للمادة ولا مجرد صدى لفكر مجرد، بل هو الصانع الحقيقي للتاريخ والمحور الأساسي والغاية الأسمى لكل تطور اجتماعي.
ثانياً: التأصيل القرآني لجدل الإنسان
إن ما طرحه عصمت سيف الدولة كقاعدة لنظرية الثورة العربية، يجد امتداده الطبيعي والتأصيلي في القراءة الواعية للقرآن الكريم. فالقرآن قد كرم الإنسان وجعله الكائن الجدلي الوحيد المكلف بالخلافة وإعمار الأرض، كما جاء في محكم التنزيل: {وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا} (الكهف: 54).
هذا الجدل القرآني ليس مجرد ترف فكري أو حذلقة لغوية، بل هو حقيقة تكوينية تقوم على:
  • الجدل الفردي: وهو الصراع الداخلي الدائم في ذات الإنسان بين قيم الخير والشر، والسمو والانحطاط، والوعي والجهل، وهو أساس تشكّل الإرادة الحرة وتزكية النفس.
  • الجدل الاجتماعي: وهو حركة التفاعل والتضاد بين الإرادات الفردية داخل المجتمع، والتي يتولد عنها قانون تطور المجتمعات وسعيها الدائم نحو الحرية والعدالة والاشتراكية بمفهومها الإنساني.
ثالثاً: الحرية أولاً والجدل كمنهج عملي
لقد برهن عصمت سيف الدولة في كتابه العمدة "أسس الاشتراكية العربية" على أن تقدم الإنسان لا يسير على وتيرة واحدة؛ فبفضل الوعي والحرية أصبح الإنسان يحل في شهور معدودة ما كان يعجز عن حله في قرون طويلة. ولذلك، فإن "جدل الإنسان" ليس مجرد مقولة فلسفية تُدرس في قاعات الجامعات، بل هو منهج عملي لتغيير الواقع.
إن القيمة الحقيقية لهذا المنهج تكمن في قدرته على تحويل القيم الأخلاقية والنظرية إلى "طاقة عملية ملموسة" تفكك قيود الاستبداد والتبعية. فلا يمكن بناء مجتمع حر بأفراد مسلوبي الإرادة، ومن هنا كانت "الحرية أولاً" هي المبتدأ والمنتهى.
خاتمة
إن دمج الرؤية الفلسفية لـ "جدل الإنسان" بوعينا الرسالي والقرآني يمنح الأمة دليلاً نظرياً حاسماً لخوض معركة التحرر. إننا لا نواجه الواقع بالاستسلام للحتميات، بل بالمراهنة على وعي الإنسان وقدرته على الفعل والتغيير، مستندين إلى حقيقة أن الإنسان كائن جدلي، حر، ومسؤول عن صياغة مصيره وصناعة تاريخه.

 

الأحد، 7 يونيو 2026

الأفروسنتريك .. سرقة للحضارة وخطورة على الأمن القومي تقرير – كريمة الروبي







أثار فيلم "أسد" بطولة محمد رمضان موجة من الجدل حول علاقته بحركة "الأفروسنتريك" حيث يتهم البعض الفيلم بدعمه رواية الأفروسنتريك وهو ما نفاه مخرج الفيلم "محمد دياب" مؤكداً بأن الفيلم لا يدعم هذه الرواية بل على العكس يؤكد أن العبيد في الفيلم تم جلبهم من أفريقيا وهو ما ينسف هذا الإدعاء.

وسبق أن ثار جدل مماثل قبل نحو ثلاث سنوات، عند عرض المسلسل الوثائقي "كليوباترا" على "نتفليكس"، والذي يتبنى زعم مارتن برنال "أثينا السوداء" أن للحضارة الإغريقية أصلاً مصرياً زنجياً. ومن ثم ظهرت الملكة كليوباترا (أدت دورها الممثلة السمراء أديل جيمس) في المسلسل الوثائقي ذاك، سوداء البشرة وشعر مجعد، مع أنها من أصل مقدوني.

وقد اتهم مستخدمو وسائل التواصل الاجتماعي في مصر، المنصة العالمية بتشويه وتزوير المعطيات التاريخية الثابتة، واعتبر البعض أنها تحاول طمس الهوية الفرعونية المصرية.. فما هي حركة الأفروسنتريك؟

ما هي حركة الأفروسنتريك؟

تأسست الأفروسنتريك أو "الحركة المركزية الإفريقية " على يد الناشط الأميركي الإفريقي الأصل موليفي أسانتي في فترة الثمانينيات، من أجل تنمية الوعي حول الثقافة الإفريقية عبر التاريخ، وتسليط الضوء حول تلك الهوية وأهميتها لاسيما في الولايات المتحدة وأوروبا.

كما تحاول نشر الوعي حول كيفية هيمنة الأوروبيين على حضارة الأفارقة، عبر الاستعمار والعبودية. وتحث كل إفريقي أو متحدر من أصول إفريقية على تقدير أصوله وتنمية وعيه ومعرفته بالحضارات الإفريقية التقليدية.

وقد نشأت الحركة بين الأمريكيين من أصل أفريقي كرد فعل لمعاناة العبودية والتهميش، وسرعان ما تحولت إلى أيديولوجية تدعي أن الحضارة الفرعونية حضارة "زنجية"، وتنفي انتماء الشعب المصري إليها، وتطالب بحقوق سياسية وقانونية زائفة ضد الدولة المصرية.

وقد كشفت دراسة علمية حديثة صادرة عن معهد التخطيط القومي بمصر عام 2024، تحت عنوان "حركة الأفروسنتريك وتأثيراتها المستقبلية على مصر.. والسيناريوهات المتوقعة والسياسات الممكنة لدعم صانع القرار"، عن تحرك منظم ومنسق يهدف إلى سرقة الحضارة المصرية القديمة وتزييف هويتها، وسط دعم دولي متزايد.

أدوات التزييف والتأثير

وفقاً لهذه الدراسة فإن الحركة لا تقتصر على الدعوات الفكرية، بل أنشأت شبكة دولية عابرة للحدود تضم جامعات وكراسي أكاديمية مثل جامعة تمبل (تأسست أول برنامج دكتوراه في الدراسات الأمريكية الأفريقية) وجامعة هوارد.

كذلك استغلال المتاحف لعرض وجهة نظر مغلوطة مثل المتحف الوطني بهولندا الذي عرض قناع توت عنخ آمون بملامح زنجية.

كما قامت بإنتاج أفلام ومسلسلات وثائقية، أبرزها فيلم "كليوباترا" على نتفلكس، الذي أثار غضبًا مصريًا رسميًا وشعبيًا. كذلك الاستعانة بموسيقى الراب والهيب هوب كأداة لنشر السردية بين الشباب.

ولم تكتف بكل هذه الأدوات الفنية والإعلامية بل قامت بإنشاء شركات اقتصادية كبرى مثل مجموعة AfroCentric التي تعمل في 14 دولة أفريقية بمجال الصحة والتأمين.

تفنيد علمي للادعاءات

اعتمدت الدراسة على تحليلات جينية وتاريخية وأنثروبولوجية، وأثبتت أن كلمة "كمت" في اللغة المصرية القديمة تعني "الأرض السوداء" نسبة لخصوبة التربة، وليس لون البشر.

كما أن الدراسات الجينية قد أظهرت تجانسًا بنسبة 97.66% بين المصريين، وأن مصر كانت ولا تزال بوتقة انصهار الجينات وليست "زنجية" بالمفهوم الأفريقي لسكان جنوب الصحراء.

وقد ترك الملك سنوسرت الثالث نصوصًا تؤكد محاربته لـ"السود" كقبائل جنوبية، مما ينفي أن يكون المصريون القدماء من نفس الأصل. أما الملكة كليوباترا فقد كانت مقدونية الملامح، وليس لها علاقة بالملامح الزنجية.

مخاطر مستقبلية

وفقاً للدراسة فإن خطورة الحركة لا تقتصر على التشويه التاريخي، بل تمتد إلى مخاطر أمنية وسياسية مثل توظيف مفاهيم "الشعوب الأصلية" و"حق العودة" و"تعويضات مالية" ضد مصر. وتأجيج ملف النوبة ومحاولة فصلها أو جعلها رافعة لمطالب سياسية.

كما أنها تتزامن مع مخططات إقليمية (إسرائيل – إثيوبيا) تستخدم يهود الفلاشا وروايات زائفة عن أصول الحضارة المصرية.

سيناريوهات متوقعة

وقد توقعت الدراسة أربعة سيناريوهات:

1- بقاء الوضع: استمرار الحركة دون مواجهة فعالة.

2- سيناريو تشاؤمي: تبني الولايات المتحدة رسميًا مطالب الحركة كورقة ضغط على مصر.

3- سيناريو كارثي: تحرك إثيوبيا وإسرائيل لدعم الانفصال النوبي وتقليص حصة مصر من المياه.

4- السيناريو المرغوب: مواجهة استباقية عبر سياسات وطنية متكاملة.

ودعت الدراسة إلى إنشاء استراتيجية قومية لمجابهة الحركة. وتوظيف أدواتها نفسها (الدراما، الموسيقى، المتاحف، وسائل التواصل) لنشر السردية المصرية الصحيحة. وتشكيل مرصد دائم بمجلس الوزراء لمتابعة أنشطة الحركة عالميًا. كذلك دعت إلى التحرك دبلوماسيًا داخل الاتحاد الأفريقي لمراجعة تعريف "المواطن الأفريقي" القائم على الأصل العرقي فقط.

هذا وقد أكدت الدراسة أن حركة الأفروسنتريك ليست مجرد أطروحات أكاديمية، بل مشروع سياسي واقتصادي وثقافي منظم، يتطلب يقظة واستعدادًا على جميع المستويات.

سلسلة دعاة على ابواب جهنم :المتشدد عائض القرني.. سارق الكتاب وصانع الغلو بقلم الناصر خشيني

    يتصدر المشهد في قراءة تفكيكية لرموز الفكر الظلامي، الداعية السعودي عائض القرني؛ كنموذج صارخ يجمع بين الغلو الفكري والزيف الأخلاقي والقي...