التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض المشاركات من 2026

تفكك المركزية الأوروبية: جدلية الحروب الإمبريالية والأزمة المعيشية والانسداد الهيكلي للنظام الرأسمالي بقلم: الناصر خشيني

    مدخل: مرآة الواقع الغربي المتداعي حين نتأمل المشهد الراهن في القارة الأوروبية، وتحديداً في فرنسا ، لا نقف أمام مجرد تظاهرات مطلبية عابرة أو احتكاكات أمنية تقليدية، بل نحن أمام أزمة بنيوية حادة تعصف بالنموذج الرأسمالي الغربي في طبعته النيوليبرالية المتوحشة . إن الشوارع الملتهبة في باريس وميلانو ومدريد وبرلين تعكس، بشكل قاطع، انسداد الآفاق السياسية والاجتماعية لهذه الأنظمة التي طالما سوّقت لنفسها كواحة "للمعايير الحقوقية"، بينما تكشف اليوم عن وجهها الحقيقي كأدوات قمعية تحمي مصالح رأس المال والمنظومة الأطلسية العابرة للقارات على حساب قوت الشعوب والطبقات الكادحة. أولاً: جغرافيا التمرد العارم وعودة "السترات الصفراء" في فرنسا انطلقت شرارة التمرد الأخير في فرنسا خلال منتصف سبتمبر من قاع المنظومة التربوية الكسيحة؛ حيث أعلن الطلاب والشباب انتفاضتهم رفضاً لتردي قطاع التعليم، واكتظاظ الفصول، والنقص الفادح في المعلمين والاضطرار للتعلم في ظروف مناخية قاسية. لكن هذا الحراك لم يلبث أن تلاحم بنيوياً مع نقابات العمال العريضة وقوى "السترات الصفراء" ، ليتحول سريعاً من اح...

من خزينة البايات إلى غنائم "التمكين": قصة استنزاف الدولة التونسية عبر العصور بقلم: الناصر خشيني

  يُمثّل نهب المال العمومي في تونس ظاهرة بنيوية ممتدة عبر التاريخ المعاصر والحديث، ارتبطت دائماً بأزمات الحكم، والتبعية للخارج، وغياب آليات الرقابة الصارمة والتداول السلمي الرشيد على السلطة. ولم تكن قضايا الاختلاس وتبديد الثروات مجرد انحرافات فردية، بل شكلت أداة لإفقار الدولة وتكبيل سيادتها؛ بدءاً من صدمات القرن التاسع عشر التي انتهت بالاستعمار المباشر، مروراً بفساد عهد المحسوبية، وصولاً إلى الفوضى المالية والاستنزاف الممنهج لميزانية الدولة تحت غطاء "العدالة الانتقالية" والتعويضات السياسية خلال ما عُرف بـ"العشرية السوداء" (2011–2021). نستعرض في هذا التحليل الموسّع الجذور التاريخية والامتدادات المعاصرة لظاهرة السطو على الخزينة العامة التونسية من خلال المحطات الأساسية التالية: 1. القرن التاسع عشر: الفساد المالي كبوابة للاستعمار المباشر شهد هذا العهد أكبر عمليات تهريب ونهب منظّم للمال العام، تحوّل فيها مسؤولو الخزينة إلى "مستثمرين أجانب" هربوا بثروات البلاد ليتركوا الشعب في بؤس تام وعرضة للاحتلال الأجنبي: محمود بن عياد (وزير المالية وقابض الخزينة): يُعدّ را...

العدوان على اليمن يرتد على فاعليه بقلم الناصر خشيني

 مدخل في الحروب القديمة كان يُقال إن المدن تسقط حين تسقط جدرانها. وفي حروب هذا العصر تسقط الدول حين تسقط فكرتها عن نفسها. والمملكة التي وقفت عقوداً تحسب أمنها بعدد الصفقات في خزائنها تقف اليوم أمام مرآةٍ قاسية: مرآة جبلٍ لا يُشترى، وصاروخٍ لا يُستورد. أولاً: ما الذي يجري فعلاً؟ ما يجري ليس مناوشة حدود، بل انهيار هدنة دامت أربع سنوات وعودة المواجهة المباشرة. مطارات تُستهدف، ومنشآت نفطية تشتعل، وأجواء يُحذَّر الطيران من دخولها، وممرات بحرية يُعلن عليها حظر ملاحي في معادلة "فك الحصار بالحصار". وفي المقابل غارات بالعشرات على صعدة وصنعاء وتعز والحديدة ومأرب. هنا يجب أن نسمّي الأشياء بأسمائها: نحن أمام صراع استنزاف طويل لا أمام جولة عابرة. والسؤال الحاسم فيه ليس "من يملك الطائرة الأغلى؟" بل "من يملك النفس الأطول والإرادة الأصلب والأرض الأمنع؟". ثانياً: عقيدتان تتواجهان من منظور التحليل القومي التقدمي، لا نقرأ هذا الصراع بوصفه نزاعاً بين دولتين، بل بوصفه اشتباكاً بين نهجين. الأول نهج اختار أن يكون في خندق المواجهة، فبنى قدرته بيده وحمل كلفة الحصار على كتفيه، وعدّ...

طوفان الأقصى وجغرافيا الحصار الاقتصادي وحرب الاستنزاف غير المتناظرة بقلم الناصر خشيني

 مدخل تحليلي: في مفهوم المواجهة الشاملة والعمق الاستراتيجي منذ السابع من أكتوبر، أفرزت عملية طوفان الأقصى واقعاً جيوسياسياً وعسكرياً جديداً تجاوز الأطر الإقليمية التقليدية، ليعيد صياغة معادلات الصراع مع المشروعات الاستعمارية في المنطقة. من منظور قومي تقدمي، لا يمكن فصل المعارك الجارية في قطاع غزة وجنوب لبنان عن جبهات الإسناد والمواجهة الشاملة في البحر الأحمر، وباب المندب، وصولاً إلى مضيق هرمز. إن ما يشهده الإقليم اليوم هو تجسيد لـوحدة الساحات، حيث تحول الفعل المقاوم من الدفاع الموضعي إلى الهجوم الاستراتيجي، مستهدفاً ركائز الأمن البحري والاقتصادي التي يعتمد عليها التحالف الغربي-الصهيوني. أولاً: جغرافية الحصار والمقاومة البحرية (باب المندب وهرمز) شكلت العمليات العسكرية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، التي تقودها القوات المسلحة اليمنية، تحولاً نوعياً في إدارة الصراع الاقتصادي والعسكري: خنق الشرايين الاقتصادية: نجحت المقاومة في فرض حصار بحري شبه كامل على الموانئ الصهيونية، ولا سيما ميناء أم الرشراش ("إيلات")، مما أدى إلى شلل شبه تام في حركته التجارية والتسبب في خسائر مالية فادح...

نحو قراءة قرآنية تقدمية: تفكيك المنظومة الذكورية وإعادة الاعتبار للمرأة في محكم التنزيل بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة تتعرض الثقافة العربية الإسلامية المعاصرة لأزمة خانقة ناتجة عن التباس المفاهيم، وخلطٍ متعمد أو جاهل بين الرسالة القرآنية التحررية وبين المنظومة الفقهية الموروثة التي تشكلت في بيئات اجتماعية وسياسية اتسمت بالذكورية وسلطة القبيلة. ومن أشد تجليات هذه الأزمة هو ملف "المرأة"؛ حيث جرى تسليعها وإهانتها باسم الدين زواجاً وطلاقا ومعاشرة، في حين أن النص القرآني يمثل ثورة وجودية كرمت المرأة غاية التكريم، وأشادت بمكانتها في أكثر من عشر سور ومئات الآيات المحكمات، مقرةً مبدأ "المعاشرة بالمعروف" كقاعدة ذهبية لا تنفصم. إن معالجة إشكالية "الضرب" في الآية 34 من سورة النساء، تتطلب قراءة تفكيكية تقدمية تتجاوز التفسيرات الفقهية التبريرية التي شرعنت العنف، لتعيد الكلمة إلى سياقها اللغوي والقرآني والاجتماعي الإنساني. أولاً: النص القرآني مقابل المنظومة الفقهية الذكورية لقد تأسست المنظومة الفقهية التقليدية في عصور تراجع فيها العقل التنويري، فطغت العادات والتقاليد القبلية على مقاصد الشريعة. تحولت العلاقة الزوجية في هذا الفقه من "المودة والرحمة" إلى "عقد ملكي...

دستور المساواة الربانية: قراءة قرآنية في تكامل الحقوق وتفكيك الموروث البشري بقلم الناصر خشيني

  مقدمة: أزمة خلط المقدس بالبشري إن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر هو التباس الفارق بين التشريع الإلهي المعصوم المتمثل في القرآن الكريم، وبين المنظومة الفقهية والتقاليد الاجتماعية التي هي نتاج بشري وتاريخي محكوم بسياقاته. لقد جاء القرآن برؤية عليا تعلي من شأن الإنسان كإنسان، وتؤسس لعلاقة قائمة على التساوي المطلق في الكرامة والمسؤولية بين الرجل والمرأة. ولكن بمرور الزمن، تحولت اجتهادات الفقهاء وأعراف القبائل إلى "قوانين موازية" صُبغت بصبغة الدين، مما أدى إلى تراجع مكانة المرأة وتحويل مؤسسة الزواج من "سكن ومودة" إلى "عقد تبعية وسيطرة". أولاً: آية "المثليّة" كقانون للمساواة الربانية الكاملة في قلب التشريع القرآني تبرز آية محورية تُعد القاعدة الذهبية والعمود الفقري للعدالة الإنسانية: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]. هذه الصياغة الربانية المعجزة وضعت حداً حاسماً لكل أشكال الهوى البشري والتسلط: المثلية المطلقة: استخدام كلمة "مِثْلُ" ينسف أي ادعاء بالفوقية البيولوجية أو الروحية للرجل، و...

اليمن… الحرب التي لا تجد من يبررها إلا الخراب بقلم الناصر خشيني

   مقدمة حين تُسأل الجغرافيا عن أصل العرب، تُشير إلى اليمن. وحين يُسأل التاريخ عن أول حضارة نهضت في الجزيرة، يُشير إلى سبأ ومعين وحِمير. ومن هذا اليمن، الذي قدّم للعرب أصلهم الأول، أرادت عواصم النفط أن تجعل ساحة للتجريب العسكري ومختبراً للهيمنة، فما أفلحت في الأولى ولا في الثانية. أولاً: حرب بلا سند أخلاقي منذ مارس 2015 تقود السعودية تحالفاً عربياً تحت لافتة "إعادة الشرعية". لكن أي شرعية هذه التي لا تعيش إلا في فنادق الرياض؟ وأي شرعية تحتاج إلى مئات الآلاف من الغارات لتستعيد بلداً من أهله؟ الشرعية الحقيقية تنبع من الناس لا من الطائرات، ومن الأرض لا من الفنادق. وقد دفع اليمنيون الثمن كاملاً: مدنيون قُتلوا في الأسواق والأعراس والمدارس، وحصار خنق الموانئ والمطارات، ومجاعة صنّفتها الأمم المتحدة مراراً من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وأوبئة نهشت الأجساد التي أنهكها الجوع. هذا هو الإنجاز الأخلاقي الوحيد الذي يمكن أن ينسبه التحالف لنفسه. ثانياً: غزة تكشف الحقيقة جاء طوفان الأقصى ثم حرب الإبادة على غزة، فانكشفت المواقف كما تنكشف الصخور حين ينحسر الماء. أغلقت أنظمة كثيرة حد...

المقاومة المسلحة التونسية (الفلاقة واليوسفيون): ملحمة الفداء والبعد العروبي في مواجهة التغريب بقلم الناصر خشيني

  مقدمة حينما نُخضع التاريخ التونسي المعاصر لمشرط التحليل المنهجي الدقيق، نجد أن السردية الرسمية التي صاغها النظام البورقيبي قد تعمدت لزمن طويل طمس وتهميش أعمق الحركات التحررية راديكالية وأصالة. إنها حركة "الفلاقة" أو "جيش التحرير الوطني التونسي" ، الذين تحولوا في السردية السياسية البورقيبية اللاحقة إلى "خارجين عن القانون" أو "يوسفيين". والحقيقة التاريخية تكشف أن هؤلاء الأبطال لم يكونوا مجرد مقاتلين محليين، بل كانوا يمثلون الطليعة المقاتلة لوعيٍ قومي عروبي سارٍ في القطر التونسي منذ البدايات، رافضين بشكل مطلق للتوجهات الفرنكوفونية والتسويات الجزئية التي قادها الحبيب بورقيبة مع المستعمر الفرنسي. المرتكز الأيديولوجي: البعد القومي العروبي ضد التوجه الفرنكوفوني انطلقت حركة الفلاقة من أرضية شعبية صلبة تؤمن بأن تونس جزء لا يتجزأ من الأمة العربية الإسلامية. هذا الموقف المبدئي اصطدم مبكرًا بطروحات الحبيب بورقيبة الذي كان يرى في النموذج الغربي والفرنسي تحديدًا منارة للتحديث، مفضلاً سياسة "خطوة خطوة" والتفاوض من أجل "استقلال داخلي" يضم...

تجديد الفهم الإيجابي وتفكيك الجمود: قراءة بنيوية في تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة إن إشكالية التعامل مع التراث التفسيري والمدونات العلمية الإسلامية تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق النقل المطلق أو التمجيد الوعظي البارد، والعبور نحو استكشاف مكامن التجديد الحقيقي الحركي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب الأثر التفسيري الفذ لشيخ جامعة الزيتونة، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، في مَعلمته الكبرى " التحرير والتنوير ". لم يكن منهج ابن عاشور مجرد استجابة تراكمية لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة ومتطورة تشكلت في محرق الصراع بين جمود المتأخرين وديناميكية النص القرآني المتجدد، وهو ما يفسر سر الأهمية البالغة التي يحظى بها هذا التفسير في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر. لقد أدرك ابن عاشور ، بعقليته الإصلاحية الفذة، أن الاقتصار على سرد المأثور واجترار حواشي السابقين دون إضافة نوعية يعطل فيض القرآن ويسهم في تكريس التكلس الفكري. ومن هنا نفذ في " التحرير والتنوير " بجرأة علمية نادرة تقوم على محورين متكاملين: التحرير (الذي يعني الغربلة والتمحيص النقدي لمدونات السلف) والتنوير (...