قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اسلامية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا اسلامية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 31 مايو 2026

أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني


 

مقدمة: «مثلث العطش»
لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب مُثير للقلق: «مثلث العطش». فهذه المنطقة التي تمتد على مساحات شاسعة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي لا تحتوي إلا على أقل من 7% من مخزون المياه العذبة العالمي، وعلى أقل من 1% من نسبة المياه الجارية [1]، في حين تضمّ ما يزيد على 450 مليون نسمة. هذه المعادلة لا تنبئ بأزمة عابرة، بل بأزمة بنيوية متجذّرة تتشابك فيها عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والمناخ.
ما يقرب من 50 مليون شخص في المنطقة العربية يفتقرون إلى مياه الشرب الأساسية، ويعيش 390 مليون شخص — أي ما يقرب من 90% من إجمالي السكان — في بلدان تعاني من ندرة المياه [2]. وتُضاف إلى هذا الواقع المُقلق حقيقة أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتا أكثر مناطق العالم تعرضاً لنقص المياه، وأن هذه النسبة مرشّحة للارتفاع إلى نحو 80% للشخص الواحد بحلول منتصف هذا القرن [3].
أولاً: الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة
قبل الخوض في تشعبات الأزمة، لا بد من تمييز جوهري كثيراً ما يغيب عن الخطاب الرسمي: الفرق بين الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة.
الندرة الطبيعية — الأمطار التي تتساقط في المنطقة لا تتجاوز 2% من المجموع العالمي [1]، ومعدل موارد المياه المتجددة سنوياً في المنطقة العربية يبلغ حوالي 350 مليار متر مكعب، تُغطّى نسبة 35% منها عن طريق تدفقات الأنهار القادمة من خارج المنطقة: 56 مليار متر مكعب عبر نهر النيل، و25 مليار عبر الفرات، و38 مليار عبر دجلة وفروعه [1]. والأخطر أن نصيب الفرد من المياه تآكل بشكل دراماتيكي: من 2000 متر مكعب سنة 1960 إلى 500 متر مكعب سنة 2011، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 250 متر مكعب سنوياً بحلول 2050 [1].
الندرة المُصطنعة — وهي الجانب الأشد مرارةً، لأنها نتاج قرارات سياسية وأولويات حوكمية منحرفة. إذ يصل هدر المياه في شبكات الري إلى ما بين 40 و60% في أغلب الدول العربية، فيما يُوجَّه جزء كبير من المياه الجوفية النادرة نحو محاصيل تصديرية كثيفة الاستهلاك، تُصدَّر معها ما يُسمّى «المياه الافتراضية». ويُضاف إلى ذلك الضخ الجائر للمياه الجوفية والاعتماد المفرط على الآبار، مما خلق عجزاً مزدوجاً: سطحياً وجوفياً في آنٍ واحد [4].
ثانياً: المياه العابرة للحدود — من مصدر رزق إلى ورقة ضغط
ثلثا الموارد المائية في المنطقة العربية تعبر حدوداً سياسية، وهو ما يُحوّل المياه من مسألة بيئية واجتماعية إلى قضية أمن قومي وأداة جيوسياسية.
نهر النيل وسد النهضة: تحدي الوجود المصري — مياه النيل تمثّل حوالي 72.62% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في مصر [5]. ومنذ أن شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة، تحوّل هذا الرقم إلى مصدر توتر وجودي. فمصر تعاني من الفقر المائي حتى بدون الأخذ في الاعتبار تأثير السد، الذي تحوّل إلى واحدة من أبرز الأزمات حول تقاسم الموارد في العالم [6]. وتشير دراسات علمية إلى أن ملء الخزان على مدار ثلاث سنوات قد يُفقد مصر ما يصل إلى 88% من أراضيها الزراعية وفق السيناريو الأشد وطأةً [5].
الفرات ودجلة: تحت رحمة السدود التركية — تعود تركيا دورياً إلى سياسة خنق الجريان المائي، لتصل مستويات المياه إلى أقل من نصف الكمية المخصصة لسوريا، مما ينعكس كارثياً على مياه الشرب والزراعة وتوليد الطاقة [7]. وقد وصل الأمر إلى حدّ أن الوارد المائي لسد تشرين انخفض إلى ربع الكمية المتفق عليها، مهدداً حياة أربعة ملايين نسمة [4]. وتزايدت الاتهامات لتركيا باستخدام السدود والمياه سلاحاً في صراعات المنطقة [8]. والمثير للسخرية المُرّة أن العراق اضطُرَّ عام 2025 إلى صيغة «النفط مقابل المياه» مع تركيا، مُقايِضاً ثروته النفطية بما كان يجب أن يكون حقاً طبيعياً مكفولاً بالقانون الدولي.
ثالثاً: المياه الجوفية — الكنز الآيل للنضوب
يعتمد أكثر من نصف الدول العربية على المياه الجوفية مورداً أساسياً للمياه العذبة، وهو رهان محفوف بمخاطر جسيمة. فغالبية هذه المياه هي ما يُعرف بـ«المياه الأحفورية» (Fossil Water)، تراكمت على مدى آلاف السنين في عصور مطيرة سابقة، ولا تتجدد بأي معدل يُعتدّ به. فالضخ الجائر ونقص مياه الأنهار بالاعتماد المفرط على الآبار خلق عجزاً مزدوجاً [4]. ولا يوجد حتى الآن إطار قانوني عربي مشترك لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود، وهو فراغ تشريعي يُفاقم الاستنزاف غير المنظّم.
رابعاً: التغيّر المناخي — مضاعف الأزمة
يضرب تغيّر المناخ بكل قوته في المنطقة العربية، مهدداً أهم مواردها الطبيعية، وسط تحذيرات أممية من زيادة الصراعات وعدم الاستقرار نتيجة ندرة المياه [9]. ورصد تقرير اليونسكو للمياه 2025 أن الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في المنطقة حالياً هي: البحرين والكويت ولبنان وعُمان وقطر، فضلاً عن تونس والإمارات واليمن والعراق ومصر وليبيا والأردن والسعودية وسوريا، مُتوقِّعاً أن يعيش جميع سكان المنطقة في ظل إجهاد مائي مرتفع جداً بحلول 2050 [10]. وارتفاع منسوب البحار يهدد بتملّح المياه الجوفية الساحلية، أي أن المخزون الجوفي الساحلي — ذلك البديل الأخير — هو نفسه مُهدَّد.
خامساً: الاحتلال والصراع — سلب الماء كسلب الوجود
لا يمكن تناول أزمة المياه العربية بمعزل عن السياق السياسي والعسكري. في فلسطين المحتلة، تُمثّل المياه أداةً من أدوات الهيمنة الاستعمارية، إذ تُحكم إسرائيل قبضتها على المياه الجوفية في الضفة الغربية، وتمنح المستوطنين حصصاً تفوق بأضعاف ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني. وفي غزة، استُهدفت محطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي في العدوان المتواصل، لتتحوّل المياه من حق إنساني إلى أداة حصار.
وفي اليمن والعراق وليبيا وسوريا، أفضت الصراعات المسلحة إلى تدمير البنية التحتية المائية بشكل منهجي. والمفارقة المُؤلمة أن الدول الأكثر تضرراً من ندرة المياه هي في الوقت ذاته الأكثر غرقاً في الصراعات والأضعف في قدرتها على الاستثمار في بدائل التحلية والمعالجة [2].
سادساً: ما لا يُقال في الخطاب الرسمي
يدور الخطاب الرسمي العربي عادةً حول ثلاثة محاور: تحلية المياه، والري بالتنقيط، ومعالجة مياه الصرف الصحي. وهي حلول تقنية مشروعة، لكنها تتجاهل ملفات أعمق:
أولاً: الإصلاح الهيكلي لمنظومة الزراعة المستنزِفة للمياه، وإعادة النظر في سياسات الدعم التي تُحفّز على زراعة محاصيل شرهة للمياه في بيئات جافة.
ثانياً: محاسبة شركات التعدين والصناعة الملوِّثة للمصادر المائية — وهو ملف يكاد يكون غائباً تماماً، بما فيها تونس حيث يُلوِّث الفوسفات الموارد المائية دون حساب حقيقي.
ثالثاً: إعادة ترتيب الأولويات بوضع الأمن المائي فوق الأمن العسكري تمويلاً وقراراً. فالماء أولاً وقبل كل شيء منفعة اجتماعية، وهو هبة طبيعية وعنصر ضروري لاستمرار الحياة، والمياه ملك للمجتمع بأسره [3].
سابعاً: الوحدة العربية — الحل الوجودي الذي تتهرّب منه الأنظمة
في خضمّ هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال لا مفرّ منه: هل يمكن لدولة عربية منفردة أن تواجه أزمة مائية بهذا الحجم والتعقيد؟ الجواب الصريح: لا. فالمياه في الوطن العربي لا تعرف الحدود، وأزمتها لا تُحلّ بقرارات وطنية مجزّأة بينما تنتهج دول المنبع — من إثيوبيا إلى تركيا — سياسات تحقق فيها مكاسب انفرادية على حساب حقوق الشعوب العربية المائية.
التجزئة العربية ليست مجرد عائق سياسي، بل هي في حقل المياه عامل تهديد وجودي. فغياب الموقف العربي الموحّد في مفاوضات سد النهضة أفضى إلى أن تواجه مصر والسودان ضغوطاً هائلة وحيدتَين دون ظهير عربي جماعي فاعل. وغياب التنسيق العربي التركي أعطى أنقرة هامشاً واسعاً للمناورة في ملف دجلة والفرات، بينما تتعطّش العراق وسوريا. وانعدام المنظومة القانونية العربية المشتركة لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود يفتح الباب لاستنزاف غير مراقَب.
ما الذي تعنيه الوحدة في الملف المائي تحديداً؟
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه لا تعني شعارات رومانسية، بل تعني منظومة عمل مشترك متكاملة:
— إنشاء هيئة عربية عليا للأمن المائي بصلاحيات قانونية ملزِمة في إدارة المياه المشتركة والتفاوض الجماعي مع دول المنبع غير العربية.
— تأسيس بنك عربي لبيانات المياه الجوفية، إذ لا تزال خرائط المياه الجوفية العابرة للحدود ناقصة أو محتجزة لدواعي السيادة الوطنية الضيّقة، في حين أن مشاركتها هي التي تصون السيادة الجماعية الحقيقية.
— إطار تمويل عربي مشترك لمشاريع التحلية ومعالجة المياه في الدول الأكثر فقراً مائياً كاليمن والأردن وفلسطين، بدلاً من إيكال هذه المهمة لصناديق دولية مشروطة.
— تنسيق دبلوماسي عربي موحّد في المحافل الدولية لرفع اتفاقيات المياه العابرة للحدود إلى مستوى الحق المُقنَّن في القانون الدولي، وإلزام دول المنبع بمبدأ «عدم الإضرار».
— شبكة عربية لنقل التقنيات المائية، إذ تمتلك دول الخليج تجارب متقدمة في التحلية يمكن توطينها في الدول العربية الأفقر بتكاليف أقل بكثير مما تفرضه شركات التقنية الغربية.
تقول الإسكوا إن الإدارة الفعالة المشتركة للموارد المائية هي المخرج الحقيقي من الأزمة [2]، ولكن «الإدارة المشتركة» تستلزم بالضرورة وجود «شريك مشترك»، وهو ما لا تُوفِّره التجزئة العربية الراهنة. فكيف تُدار مياه مشتركة في ظل حدود مرسومة بالمصالح الاستعمارية وتحرسها نظم ترى في الانقسام ضماناً لبقائها؟
التجزئة: العدو الأول للماء
لا يجب أن يغيب عن الأذهان أن اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور لم يُقسّما الأرض فحسب، بل قسّما أيضاً الأنهار والأحواض المائية وحوّلا الحقوق المائية الطبيعية إلى موضوع تفاوض بين دول لها حدود بلا منطق جغرافي أو هيدرولوجي [11]. فنهر الفرات الذي كان شرياناً حضارياً موحّداً أصبح اليوم ساحة توتر بين ثلاث دول. ونهر الأردن الذي أروى حضارات قديمة بات مُجزَّأً بين سلطات متعددة أضعفها فلسطين المحتلة. ونهر النيل الذي شكّل هوية مصر الحضارية باتت إثيوبيا تحتجزه وراء سد عملاق بينما تتفرج جامعة الدول العربية بعجز مُذهل.
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه ليست ترفاً فكرياً أو حلماً رومانسياً، بل هي الشرط الموضوعي الأدنى لبقاء المجتمعات العربية. دولة قُطرية منفردة لا يمكنها إلزام تركيا بضخ حصة المياه المتفق عليها، لكن موقفاً عربياً موحداً مدعوماً بأوراق اقتصادية وسياسية قد يُغيّر المعادلة. ولن يتحقق ذلك طالما أن حكومات تُفضّل إدارة التجزئة على بناء التضامن.
خاتمة: الماء وجوداً لا رفاهيةً — ووحدةً لا خياراً
أزمة المياه في الوطن العربي ليست أزمة جفاف وحسب، بل هي أزمة حوكمة وأزمة سيادة وأزمة أولويات، وفوق كل ذلك هي أزمة تجزئة. إنها تكشف بجلاء كيف يمكن لثروة طبيعية حيوية أن تتحوّل إلى ورقة ضغط جيوسياسية ووسيلة هيمنة حين يغيب الوعي الجماعي والإرادة السياسية.
المنطقة التي أبدعت في السدود والقنوات منذ آلاف السنين — من سدود اليمن القديمة إلى منظومات ري بلاد الرافدين — باتت اليوم عاجزة عن صون ما تبقى من مائها بسبب ترهّل الحوكمة وتغوّل الصراعات وغياب التضامن الإقليمي. الرهان على المستقبل لا يكون بالتحسينات التقنية المجزّأة، بل بإعادة تعريف المياه باعتبارها حقاً سيادياً جماعياً يستوجب استراتيجيات عربية مشتركة.
إن كان ثمة درس واحد تُعلِّمه أزمة المياه، فهو أن التجزئة ليست محايدة — بل هي في حد ذاتها سياسة لصالح من يريد استنزاف الماء العربي. والوحدة ليست حلماً رومانسياً — بل هي الحد الأدنى من العقل السياسي الذي يصون الحياة.
المراجع والمصادر
[1] ويكيبيديا العربية، «المياه في الوطن العربي»، استناداً إلى بيانات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة.
https://ar.wikipedia.org/wiki/المياه_في_الوطن_العربي
[2] الإسكوا — اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، تصريحات الأمينة التنفيذية رولا دشتي، ومجلة آراء الاستراتيجية: «أزمة نقص المياه في الوطن العربي تتطلب حلولاً واقعية في إطار جماعي».
https://araa.sa
[3] صحيفة الخليج الإماراتية، «الوطن العربي كبير بمساحته فقير بمياهه العذبة»، مارس 2015.
https://www.alkhaleej.ae
[4] صحيفة الشرق الأوسط، «الجفاف يلاحق أنهاراً بالمنطقة: أزمة مناخ أم ممارسات بشرية؟»، ديسمبر 2025.
https://aawsat.com
[5] عوده جهاد وآخرون، «سد النهضة الإثيوبي والزراعة المصرية»، 2020، منظومة أغريس — منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
https://agris.fao.org
[6] موقع الجزيرة نت، «من المغرب إلى العراق.. أزمة شح المياه تتفاقم في العالم العربي»، يناير 2025.
https://www.aljazeera.net/science/2025/1/2
[7] موقع الأخبار اللبناني، «انخفاض جسيم في مياه الفرات: تركيا مستمرة في تعطيش سوريا»، مايو 2025.
https://www.al-akhbar.com/arab/834739
[8] موقع RT عربي، «سلاح السدود التركي: خفض مياه الفرات يهدد بكارثة بيئية في سوريا»، 2020.
https://arabic.rt.com
[9] موقع سكاي نيوز عربية، «شح المياه في الوطن العربي: الأسباب والمخاطر المتوقعة».
https://www.skynewsarabia.com
[10] تقرير اليونسكو العالمي للمياه 2025، نتائج اليوم العالمي للمياه، مارس 2025.
https://aawsat.com
[11] مجلة الدراسات السياسية والاجتماعية، «دور تجارة المياه الافتراضية في التحديات المائية في الشرق الأوسط»، أكتوبر 2022.
https://jpsa.journals.ekb.eg/article_269195
© جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب — الناصر خشيني — 2025





 



هل البنوك الإسلامية تابعة للنظام الرأسمالي ومتحايلة على الشريعة؟ بقلم الناصر خشيني






مدخل
يُعدّ الجدل حول البنوك الإسلامية من أكثر النقاشات الاقتصادية والفقهية حدةً في العالم العربي والإسلامي المعاصر، إذ تتشابك فيه الحجج الشرعية مع التحليلات الاقتصادية، وتتقاطع المصالح المالية مع الخطاب الديني. وقد نشأت فكرة المصرفية الإسلامية في سياق يسعى إلى تقديم بديل عن النظام المصرفي التقليدي القائم على الفائدة، التي يُعدّها الفقه الإسلامي ربًا محرّمًا. غير أن الواقع العملي لهذه البنوك طرح تساؤلات جوهرية حول مدى صحة هذا الادعاء، وما إذا كانت هذه المؤسسات تمثّل فعلاً نموذجاً مالياً مغايراً، أم أنها لا تعدو كونها غلافاً شرعياً لممارسات رأسمالية في جوهرها.
أولاً: تعريف البنوك الإسلامية والإطار النظري
أشارت الاتفاقية الخاصة بإنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية في فقرتها الأولى من المادة الخامسة إلى تعريف البنوك الإسلامية بأنها: "تلك البنوك أو المؤسسات التي ينص قانون إنشائها ونظامها الأساسي صراحةً على الالتزام بمبادئ الشريعة، وعلى عدم التعامل بالفائدة أخذاً وعطاءً" (1).
كما يمكن تعريفها بأنها مؤسسات مالية نقدية ذات أهداف اقتصادية واجتماعية وأخلاقية، تسعى إلى تعبئة الموارد وتوظيفها في مشاريع تتوافق ومبادئ الشريعة الإسلامية، ملتزمةً في ذلك بعدم التعامل بالربا أخذاً أو عطاءً، ومحققةً التنمية الاقتصادية والرفاهية للمجتمع الإسلامي (2).
وتقوم البنوك الإسلامية، من الناحية النظرية، على دور الوساطة المالية بين فئتَي المدخّرين والمستثمرين، في إطار صيغة المضاربة الشرعية القائمة على مبدأ المشاركة في الربح والخسارة، والقاعدة الفقهية "الغُنم بالغُرم" (3). وتُعدّ هذه القاعدة ركيزةً أساسيةً في الفقه الإسلامي، إذ تعني أن من يتحمّل مخاطر الخسارة هو وحده من يستحق الربح، وهو ما يميّزها نظرياً عن القرض بفائدة ثابتة الذي يضمن للمُقرض ربحاً بصرف النظر عن نتيجة المشروع المموَّل.
ولكي يُصنَّف بنكٌ ما إسلامياً وفق المروّجين لهذا النموذج، ينبغي توافر شرطين أساسيين: الأول هو عقد التأسيس، بمعنى أن تُعلن المؤسسة البنكية في وثائق إنشائها التزامها بأحكام الشريعة ورفضها للتعامل بالربا. والثاني هو هيئة الرقابة الشرعية، أي وجود لجنة علمائية متخصصة تُراقب مدى مطابقة المنتجات والمعاملات المصرفية لأحكام الشريعة (4). ويرى المدافعون عن هذا النموذج أن هذين الشرطين كافيان لإضفاء الشرعية الدينية على العمل المصرفي.
ثانياً: المرابحة بين الشرعية الصورية والحقيقة الاقتصادية
يُشكّل منتج المرابحة العمود الفقري للعمل المصرفي الإسلامي في أغلب الدول، إذ تتجاوز حصته في محافظ كثير من البنوك الإسلامية 70% من إجمالي التمويلات (5). والمرابحة في الفقه الإسلامي الكلاسيكي هي بيع يُفصح فيه البائع عن تكلفة البضاعة ويضيف إليها ربحاً معلوماً. وقد تطوّرت هذه الآلية في السياق المصرفي المعاصر لتشمل ما يُعرف بـ"المرابحة للآمر بالشراء"، وهي صيغة يطلب فيها العميل من البنك شراء سلعة معينة، ثم يشتريها العميل بدوره من البنك بسعر مؤجّل يشمل ربحاً محدداً.
غير أن هذه الآلية تعرّضت لانتقادات جوهرية من داخل الفقه الإسلامي ذاته؛ إذ يرى فريق من الباحثين أن البنك في الواقع العملي لا يمتلك السلعة حقيقةً، ولا تنتقل إليه ملكيتها الفعلية بما تستلزمه من مخاطر، وإنما يُوظَّف عقد البيع الصوري ستاراً لعملية إقراض بفائدة مُقنّعة (6). فإذا كان القرض بالفائدة ربا صريحاً محرّماً، فإن هذا الشكل من المرابحة لا يختلف في مآله الاقتصادي عنه، وإن اختلف في التسمية والإجراء الشكلي.
ويزيد من إشكالية هذه الآلية أن نسبة الربح فيها تتغيّر بحسب مدة التسديد؛ فكلما طالت المدة ارتفعت النسبة، وهو ما يُعيد بدقة منطق الفائدة الزمنية في الاقتصاد التقليدي (7). ويُلاحظ بعض الخبراء أن البنوك الإسلامية كثيراً ما تفرض هوامش ربح أعلى من نظيراتها التقليدية، مستترةً بغياب سقف واضح للربح في عقود المرابحة (8)، ما يجعل المنتج المالي "الإسلامي" أغلى فعلياً من القرض التقليدي.
وما يُفاقم الإشكال أن آلية المرابحة تنطوي على غياب المخاطرة الحقيقية من جانب البنك، فهو يشترط في الغالب ضمانات عينية وشخصية مشابهة تماماً لتلك التي تشترطها البنوك التقليدية، بل إن عقود المرابحة المعاصرة تتضمن في أغلب الأحيان شرطاً بالتزام العميل بالشراء قبل انتقال الملكية، مما يُلغي عملياً مخاطرة البنك (9). وهنا يسقط المبرّر الفقهي الأساسي للمشروعية، وهو قاعدة "الغُنم بالغُرم".
ثالثاً: هيئات الرقابة الشرعية وإشكالية الاستقلالية
تُعدّ هيئات الرقابة الشرعية العمود المؤسسي الذي يُضفي على البنوك الإسلامية شرعيتها الدينية. وتتكوّن هذه الهيئات في الغالب من علماء دين حظوا بمكانة مرموقة في الفقه الإسلامي. غير أن استقلالية هذه الهيئات باتت مثار جدل واسع في الأوساط الأكاديمية والفقهية؛ إذ يُلاحظ باحثون كثيرون أن الهيئة تتقاضى مقابلاً مادياً من البنك ذاته الذي تُراقبه، مما يُفضي بطبيعته إلى تعارض في المصالح (10).
ويُشير بعض الدارسين إلى أن عدداً من كبار العلماء المعيَّنين في هذه الهيئات يجمعون بين العضوية في هيئات شرعية لبنوك متعددة، قد تتجاوز العشرة في آنٍ واحد، مما يُثير تساؤلات حول مدى قدرتهم على الرقابة الفعلية الدقيقة، وحول طبيعة العلاقة الفعلية بين هؤلاء العلماء والمؤسسات المالية التي يُضفون عليها الشرعية (11).
ويذهب فريق من الباحثين إلى أن هذه الهيئات باتت في جوهرها أداةً تسويقيةً أكثر منها رقابةً شرعيةً حقيقية، وأن الفتاوى الصادرة عنها كثيراً ما تُصاغ بما يخدم مصلحة البنك في تسويق منتجاته، لا بما يخدم مصلحة المتعاملين أو يُحقق العدالة المالية (12). وهذا ما يُفسّر كيف أن بنوكاً تُقدّم منتجات شبه متطابقة بنتائجها الاقتصادية مع منتجات البنوك التقليدية تحصل مع ذلك على "شهادة الحلال" من هيئاتها الشرعية.
رابعاً: البنوك الإسلامية وبنية النظام الرأسمالي العالمي
إن فهم واقع البنوك الإسلامية لا يكتمل دون استيعاب البنية الكلية للنظام الاقتصادي العالمي الذي تعمل في إطاره. فالرأسمالية المالية المعاصرة نظامٌ متكامل له قوانينه ومنطقه الداخلي الذي يفرض نفسه على كل مؤسسة تعمل ضمنه، بصرف النظر عن الواجهة الأيديولوجية أو الدينية التي تتبنّاها (13). وقد أدركت المؤسسات المالية الكبرى هذا المنطق مبكراً، فأسّست هي ذاتها "نوافذ إسلامية"، أي وحدات متخصصة في تقديم المنتجات المالية الإسلامية، من داخل بنوك رأسمالية عملاقة كـ"HSBC" و"Citibank" و"Deutsche Bank" (14)، مما يكشف أن "الإسلامية" في هذا السياق باتت مجرد نيش تسويقي في سوق رأسمالية عالمية متشعّبة.
والبنوك الإسلامية، شأنها شأن سائر المؤسسات المالية، تعمل ضمن منظومة مالية دولية تُهيمن عليها مؤسسات من قبيل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وتخضع لتوجيهاتها في ما يتعلق بالسياسات النقدية والمالية (15). وفي هذا الإطار، يكون هامش المناورة الفعلي لهذه البنوك ضيّقاً للغاية؛ إذ لا يُمكنها الانحراف جوهرياً عن الآليات الرأسمالية دون أن تُعرّض نفسها للإفلاس أو التهميش.
ويظهر هذا التناقض بجلاء في تعامل البنوك الإسلامية مع سوق ما بين البنوك (Interbank Market)، حيث تضطر في أغلب الأحيان إلى الاستعانة بأدوات مرتبطة بمعدلات الفائدة العالمية كـ"LIBOR" و"SOFR" (16)، وذلك لضبط هوامش ربحها بما يتناسب مع بيئة المال الدولية. فتجد هذه البنوك نفسها أمام مفارقة جوهرية: إنها تُعلن رفضها المبدئي للفائدة، بينما تستخدم الفائدة ذاتها مرجعاً خفياً لتسعير منتجاتها.
خامساً: الأثر الجيوسياسي والدور الخليجي
لا يمكن فهم انتشار البنوك الإسلامية واتساع نفوذها دون استحضار السياق الجيوسياسي، ولا سيما دور دول الخليج العربي في دعم هذا النموذج وتمويله وتصديره. فقد شهدت العقود الأخيرة تضخيماً واسعاً للثروات النفطية الخليجية، التي وجدت في البنوك الإسلامية نافذةً مُريحةً تجمع بين تعظيم الأرباح المالية وصرف الأموال في مشاريع تحمل غطاءً دينياً (17). وقد أسهم ذلك في تأسيس شبكة واسعة من البنوك الإسلامية في أرجاء العالم العربي والإسلامي، تتمركز أصول معظمها في دول الخليج أو ترتبط بمصالح خليجية.
غير أن الحكومات الخليجية ذاتها تعيش تناقضاً عميقاً: فهي، من جهة، تُروّج للاقتصاد الإسلامي وتضخّ الأموال في بنوكه ومؤسساته، ومن جهة أخرى، تُقيم علاقات عضوية مع المنظومة الرأسمالية الغربية، وترتبط بتحالفات استراتيجية مع الولايات المتحدة وحلف الناتو تضمن استمرارية أنظمتها (18). وهذا التناقض يكشف أن الاقتصاد الإسلامي كما تُقدّمه هذه الأنظمة ليس مشروعاً للانفصال عن الرأسمالية، بل هو في أحيان كثيرة أداة لإدارة مجتمعاتها داخلياً وتسويق سياساتها في الخارج.
سادساً: نحو بديل حقيقي
إن الخروج من هذا المأزق الاقتصادي والشرعي يستلزم تجاوز الإصلاح الشكلي للنماذج القائمة والتفكير في بنية مالية بديلة جوهرياً. ويرى كاتب هذه السطور أن الحل الأمثل يقوم على مرتكزات ثلاثة:
أولها: تأميم القطاع المصرفي وإخضاعه للسلطة العامة للدولة، بحيث تكون البنوك مؤسسات عمومية تعمل في خدمة الاقتصاد الوطني لا في خدمة الأرباح الخاصة. وهذا ما أثبت جدواه في نماذج تنموية متعددة، حيث نجحت البنوك العمومية في تمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية الاجتماعية بعيداً عن منطق الربح الرأسمالي الأعمى.
وثانيها: تحديد هوامش ربح شفافة ومعلنة مسبقاً من قِبل الدولة، بما يُلغي الغموض المتعمَّد في تسعير المنتجات المالية ويُحمي المتعاملين من الاستغلال.
وثالثها: إرساء قطاع مالي وطني مستقل يُحدّ من التبعية للمنظومة المالية الدولية ومؤسساتها، في إطار سياسة اقتصادية سيادية شاملة.
بيد أن هذا المسار لن يتحقق في ظل الأنظمة الراهنة المرتبطة عضوياً بالمنظومة الرأسمالية العالمية. إن بناء اقتصاد ذي سيادة يستلزم إرادةً سياسيةً حرة وشعوباً واعيةً بمصالحها، تتجاوز الخطاب الديني المُسيَّس الذي كثيراً ما أُوظّف لتكريس الواقع لا لتغييره.
خاتمة
يكشف التحليل المعمَّق لنماذج العمل المصرفي الإسلامي أن الإشكالية ليست في الشريعة ذاتها، التي تتضمن بالفعل مبادئ عدالة مالية راسخة، بل في توظيف هذه المبادئ لخدمة منطق رأسمالي لا تُخفيه الواجهة الدينية. فالبنوك الإسلامية في صيغتها الراهنة تُمثّل نموذجاً لما يمكن تسميته بـ"الرأسمالية المُؤسلمة"، أي رأسمالية تُضفي على نفسها شرعيةً دينيةً دون أن تُغيّر جوهرها. والمستفيد الأكبر من هذه المعادلة ليس المواطن المسلم الباحث عن تمويل شرعي، بل الرساميل الكبرى التي وجدت في هذا الخطاب الديني أداةً لتوسيع قاعدة عملائها ورفع أرباحها.
الهوامش
(1) الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، الاتفاقية الخاصة بإنشاء الاتحاد الدولي للبنوك الإسلامية، المادة الخامسة، الفقرة الأولى، جدة، 1977.
(2) أحمد محيي الدين أحمد، البنوك الإسلامية: المبادئ والأهداف، دار النهضة العربية، بيروت، 1984، ص. 47.
(3) ابن قدامة المقدسي، المغني، دار هجر للطباعة، القاهرة، 1986، ج8، ص. 120؛ انظر أيضاً: يوسف القرضاوي، فوائد البنوك هي الربا الحرام، مكتبة وهبة، القاهرة، 1994، ص. 35.
(4) محمد عبد الحليم عمر، الإطار الشرعي والاقتصادي والمحاسبي لبيع المرابحة، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 1996، ص. 20.
(5) هيئة المحاسبة والمراجعة للمؤسسات المالية الإسلامية (أيوفي)، التقرير السنوي، البحرين، 2019، ص. 54.
(6) سامي السويلم، التحوط في التمويل الإسلامي، المعهد الإسلامي للبحوث والتدريب، جدة، 2007، ص. 88.
(7) محمد نجاة الله صديقي، قضايا في الاقتصاد الإسلامي، المركز العالمي لأبحاث الاقتصاد الإسلامي، جدة، 1996، ص. 101.
(8) Mahmoud El-Gamal, Islamic Finance: Law, Economics, and Practice, Cambridge University Press, New York, 2006, p. 20.
(9) عبد العزيز فهمي هيكل، الاقتصاد الإسلامي المعاصر، دار الشروق، القاهرة، 2000، ص. 132.
(10) Volker Nienhaus, "Governance of Islamic Banks", in Handbook of Islamic Banking, Edward Elgar Publishing, Cheltenham, 2007, p. 129.
(11) Timur Kuran, Islam and Mammon: The Economic Predicaments of Islamism, Princeton University Press, Princeton, 2004, p. 15.
(12) فالح عبد الله العامري، هيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية: الواقع والمأمول، بحث مقدم لمجمع الفقه الإسلامي الدولي، جدة، 2010، ص. 7.
(13) إيمانويل والرشتاين، النظام العالمي الحديث، ترجمة: عبد الهادي عباس، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية، 1991، ج1، ص. 23.
(14) Ibrahim Warde, Islamic Finance in the Global Economy, Edinburgh University Press, Edinburgh, 2000, p. 97.
(15) عصام الدين محمد علي، صندوق النقد الدولي والدول النامية، دار النهضة العربية، بيروت، 1998، ص. 56.
(16) Humayon Dar & John Presley, "Lack of Profit Loss Sharing in Islamic Banking", International Journal of Islamic Financial Services, Vol. 2, No. 2, 2000, p. 45.
(17) الجزيرة الاقتصادية، تقرير: دول الخليج والمصرفية الإسلامية، الرياض، 2018، ص. 12.
(18) نوم تشومسكي، الردع النووي والسياسة الخارجية الأمريكية، ترجمة: صالح علماني، دار الآداب، بيروت، 2002، ص. 89.

 




أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني

  مقدمة: «مثلث العطش» لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب م...