التخطي إلى المحتوى الرئيسي

المشاركات

عرض الرسائل ذات التصنيف قضايا اسلامية

العدوان على اليمن يرتد على فاعليه بقلم الناصر خشيني

 مدخل في الحروب القديمة كان يُقال إن المدن تسقط حين تسقط جدرانها. وفي حروب هذا العصر تسقط الدول حين تسقط فكرتها عن نفسها. والمملكة التي وقفت عقوداً تحسب أمنها بعدد الصفقات في خزائنها تقف اليوم أمام مرآةٍ قاسية: مرآة جبلٍ لا يُشترى، وصاروخٍ لا يُستورد. أولاً: ما الذي يجري فعلاً؟ ما يجري ليس مناوشة حدود، بل انهيار هدنة دامت أربع سنوات وعودة المواجهة المباشرة. مطارات تُستهدف، ومنشآت نفطية تشتعل، وأجواء يُحذَّر الطيران من دخولها، وممرات بحرية يُعلن عليها حظر ملاحي في معادلة "فك الحصار بالحصار". وفي المقابل غارات بالعشرات على صعدة وصنعاء وتعز والحديدة ومأرب. هنا يجب أن نسمّي الأشياء بأسمائها: نحن أمام صراع استنزاف طويل لا أمام جولة عابرة. والسؤال الحاسم فيه ليس "من يملك الطائرة الأغلى؟" بل "من يملك النفس الأطول والإرادة الأصلب والأرض الأمنع؟". ثانياً: عقيدتان تتواجهان من منظور التحليل القومي التقدمي، لا نقرأ هذا الصراع بوصفه نزاعاً بين دولتين، بل بوصفه اشتباكاً بين نهجين. الأول نهج اختار أن يكون في خندق المواجهة، فبنى قدرته بيده وحمل كلفة الحصار على كتفيه، وعدّ...

دستور المساواة الربانية: قراءة قرآنية في تكامل الحقوق وتفكيك الموروث البشري بقلم الناصر خشيني

  مقدمة: أزمة خلط المقدس بالبشري إن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر هو التباس الفارق بين التشريع الإلهي المعصوم المتمثل في القرآن الكريم، وبين المنظومة الفقهية والتقاليد الاجتماعية التي هي نتاج بشري وتاريخي محكوم بسياقاته. لقد جاء القرآن برؤية عليا تعلي من شأن الإنسان كإنسان، وتؤسس لعلاقة قائمة على التساوي المطلق في الكرامة والمسؤولية بين الرجل والمرأة. ولكن بمرور الزمن، تحولت اجتهادات الفقهاء وأعراف القبائل إلى "قوانين موازية" صُبغت بصبغة الدين، مما أدى إلى تراجع مكانة المرأة وتحويل مؤسسة الزواج من "سكن ومودة" إلى "عقد تبعية وسيطرة". أولاً: آية "المثليّة" كقانون للمساواة الربانية الكاملة في قلب التشريع القرآني تبرز آية محورية تُعد القاعدة الذهبية والعمود الفقري للعدالة الإنسانية: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [البقرة: 228]. هذه الصياغة الربانية المعجزة وضعت حداً حاسماً لكل أشكال الهوى البشري والتسلط: المثلية المطلقة: استخدام كلمة "مِثْلُ" ينسف أي ادعاء بالفوقية البيولوجية أو الروحية للرجل، و...

اليمن… الحرب التي لا تجد من يبررها إلا الخراب بقلم الناصر خشيني

   مقدمة حين تُسأل الجغرافيا عن أصل العرب، تُشير إلى اليمن. وحين يُسأل التاريخ عن أول حضارة نهضت في الجزيرة، يُشير إلى سبأ ومعين وحِمير. ومن هذا اليمن، الذي قدّم للعرب أصلهم الأول، أرادت عواصم النفط أن تجعل ساحة للتجريب العسكري ومختبراً للهيمنة، فما أفلحت في الأولى ولا في الثانية. أولاً: حرب بلا سند أخلاقي منذ مارس 2015 تقود السعودية تحالفاً عربياً تحت لافتة "إعادة الشرعية". لكن أي شرعية هذه التي لا تعيش إلا في فنادق الرياض؟ وأي شرعية تحتاج إلى مئات الآلاف من الغارات لتستعيد بلداً من أهله؟ الشرعية الحقيقية تنبع من الناس لا من الطائرات، ومن الأرض لا من الفنادق. وقد دفع اليمنيون الثمن كاملاً: مدنيون قُتلوا في الأسواق والأعراس والمدارس، وحصار خنق الموانئ والمطارات، ومجاعة صنّفتها الأمم المتحدة مراراً من أسوأ الكوارث الإنسانية في العصر الحديث، وأوبئة نهشت الأجساد التي أنهكها الجوع. هذا هو الإنجاز الأخلاقي الوحيد الذي يمكن أن ينسبه التحالف لنفسه. ثانياً: غزة تكشف الحقيقة جاء طوفان الأقصى ثم حرب الإبادة على غزة، فانكشفت المواقف كما تنكشف الصخور حين ينحسر الماء. أغلقت أنظمة كثيرة حد...

تجديد الفهم الإيجابي وتفكيك الجمود: قراءة بنيوية في تفسير "التحرير والتنوير" للشيخ الطاهر بن عاشور بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة إن إشكالية التعامل مع التراث التفسيري والمدونات العلمية الإسلامية تفرض علينا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، التسلح بأدوات النقد البنّاء والقراءة التحليلية التفكيكية؛ لتجاوز منطق النقل المطلق أو التمجيد الوعظي البارد، والعبور نحو استكشاف مكامن التجديد الحقيقي الحركي. ومن هذا المنطلق المعرفي، نقارب الأثر التفسيري الفذ لشيخ جامعة الزيتونة، الإمام محمد الطاهر بن عاشور، في مَعلمته الكبرى " التحرير والتنوير ". لم يكن منهج ابن عاشور مجرد استجابة تراكمية لمقتضيات النقل الشرعي، بل كان بنية فكرية معقدة ومتطورة تشكلت في محرق الصراع بين جمود المتأخرين وديناميكية النص القرآني المتجدد، وهو ما يفسر سر الأهمية البالغة التي يحظى بها هذا التفسير في فضاء الفكر الإسلامي المعاصر. لقد أدرك ابن عاشور ، بعقليته الإصلاحية الفذة، أن الاقتصار على سرد المأثور واجترار حواشي السابقين دون إضافة نوعية يعطل فيض القرآن ويسهم في تكريس التكلس الفكري. ومن هنا نفذ في " التحرير والتنوير " بجرأة علمية نادرة تقوم على محورين متكاملين: التحرير (الذي يعني الغربلة والتمحيص النقدي لمدونات السلف) والتنوير (...

قرات لكم : بين هاجس الحفاظ على التراث ومأزق مأسسة السلوك: قراءة تفكيكية في "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي بقلم: الناصر خشيني

    ضمن سلسلة "قرأت لكم" ، نفتح اليوم دفتي كتاب طالما اعتبر من أمهات الكتب في المدوّنة الإسلامية، وهو كتاب "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي . هذا الأثر الضخم الذي صُنّف في لحظة تاريخية حرجة، تزامنت مع اشتداد وطأة الحروب الصليبية وتشرذم الأمة سياسياً وفكرياً، جاء كمحاولة عبقرية من الغزالي لـ "لمّ شتات التراث" وخلق حصن فكري يحمي الهوية الثقافية والدينية من الضياع والتلاشي وسط ركام الهزائم العسكرية. ولكن، حين نلج إلى جوهر المتن الفلسفي والفقهي للكتاب، نجد أنفسنا أمام إشكال بنيوي عميق يتعلق بـ "مأسسة السلوك الإنساني" وتحويله إلى طقوس مفرطة في الجزئية، مما يدعونا إلى مراجعة نقدية صارمة توازن بين نبل المقصد الفكري ومأزق التطبيق العملي، عابرين نحو تفكيك هذه الجدلية من خلال محورين أساسيين. أولاً: السياق التاريخي وهاجس الحفاظ على الهوية لا يمكن فهم "إحياء علوم الدين" بمعزل عن عصره؛ فقد كان الإسلام يعيش أزمة وجودية جراء الهجمات الخارجية والانقسامات المذهبية الداخلية. من هنا، تحوّل الغزالي إلى "جامع للتراث"، محاولاً صهر الفقه والت...

تفكيك منظومة الطلاق: بين سموّ التشريع القرآني وتهافت الفقه التراثي بقلم الناصر خشيني

    مقدمة: في البدء كانت الأخلاق يمثل الفهم القُرآني لشبكة العلاقات الاجتماعية ذروة النضج التربوي والانسجام الإنساني. فالزواج في القرآن ليس عقد تملّك، بل هو "ميثاق غليظ" [النساء: 21] قائم على السكن والجسور النفسية الواصلة بين الذات والآخر. وعندما تضيق السبل وتصل العلاقة الزوجية إلى أفق مسدود، لا يفتح القرآن باباً للهدم السريع المتهور، بل يضع منظومة وقائية صارمة تجعل من انفصام هذا الميثاق أمراً معقداً يتطلب زمناً طويلاً ومراجعات نفسية واجتماعية عميقة، على العكس تماماً مما كرسته المنظومة التراثية التقليدية التي اختزلت هذا البناء الشاهق في "كلمة" يلقيها الرجل في لحظة غضب. اولاً: المنظومة الزمنية والتربوية للطلاق في القرآن (استحالة الهدم الفجائي) الطلاق في القرآن ليس حدثاً يقع في ثانية، بل هو مسار زمني واجتماعي ممتد قد يستغرق أشهراً طويلة (تصل إلى سبعة أشهر أو أكثر عند احتساب مراحل العلاج والعدّة)، وهدفه الأساسي منح الفرصة لإعادة إحياء الرابطة الزوجية من خلال محطات إجبارية: مراحل العلاج الداخلي: تبدأ المنظومة الوقائية من داخل البيت عند نشوز أي من الطرفين أو شقاقهما...

تفكيك شفرة الحج: منسك السلام العالمي وشهود المنافع الإنسانية في المنظور القرآني بقلم: الناصر خشيني

  تقديم حين نتدبر النص القرآني الحكيم بمنهجية تقدمية، واعية بظروف الواقع الإنساني ومستندة إلى الأصول الكلية للرسالة الإسلامية، نجد أن العبادات لم تأتِ لتكون مجرد طقوس ميكانيكية معزولة عن حركة التاريخ، بل جاءت أدوات ثورية لبناء المجتمع الإنساني وتحقيق العدالة والوحدة. ومن بين هذه العبادات، يبرز الحج كأكبر مؤتمر إنساني عالمي، يحتاج منا اليوم إلى إعادة قراءة وتفكيك لشفراته الكبرى على ضوء القرآن الكريم وحده؛ باعتباره النص الإلهي القطعي الذي يتجاوز المرويات التاريخية والصناعات البشرية الخاضعة لظروف رواتها التاريخية. إن الحج في عمقه القرآني هو إعلان للوحدة الكونية، وتأسيس لمركزية إنسانية عادلة، تتصادم جملة وتفصيلاً مع ما نراه اليوم من اختزال لهذه العبادة العظيمة في أبعاد تجارية واحتكارية، أو توظيف أموالها لخدمة قوى الهيمنة الإمبريالية. 1. عالمية الدين وتأسيس المركزية الإنسانية القرآن الكريم حين شرع الحج، لم يوجه الخطاب لفئة جغرافية أو عرقية محددة، بل أسسه على قاعدة العالمية المطلقة. يقول تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ}...

الهندسة المقاصدية للصيام في القرآن: تفكيك الشفرة اللغوية والاجتماعية وسر الفاصلة الدعائية بقلم: الناصر خشيني

  تقديم إن التعامل مع النص القرآني بوصفه مشروعاً نهضوياً لبناء الإنسان والمجتمع، يفرض علينا الانعتاق من إسار الفقه الشكلي التبريري الذي اختزل الصيام في أبعاده البيولوجية والفيزيولوجية الضيقة. إن إعادة قراءة الأبنية اللغوية والسياقية للآيات تكشف عن "هندسة تشريعية وتربوية" بالغة الدقة، تهدف إلى نقل الكائن البشري من رتبة العبودية للغريزة والمادة، إلى رتبة الإرادة الحرة والوعي الأخلاقي والاجتماعي. أولاً: شفرة اللفظ والفرق البياني بين الصيام والصوم أولى عتبات التفكيك تبدأ من التمييز الدقيق الذي يقيمه النظم القرآني بين بنيتين لغويتين مشتقتين من جذر واحد، لكنهما تختلفان في الوظيفة والدلالة داخل السياق: شفرة "الصِّيَام": ورد هذا اللفظ في القرآن في سياق الأحكام والتشريعات العملية، وهو يعبر عن الإمساك المادي والبيولوجي المؤقت عن المفطرات (الطعام، والشراب، والشهوة) من الفجر إلى غروب الشمس. "الصيام" (على وزن فِعَال) يحمل في بنيته الصرفية معنى المدافعة، والمجاهدة، والجهد البدني العضلي الملموس. إنه التمرين الأولي الإلزامي لضبط غريزة البقاء وتطويع الجسد. شفرة "الصَ...

فلسفة الطهارة بين التحرر القرآني والجمود التراثي بقلم: الناصر خشيني

    تقديم تُشكل المسألة الدينية في وعينا القومي والتقدمي ركيزة أساسية من ركائز التحرر والتنوير، شريطة أن نعود بها إلى نبعها الأصيل الصافي: القرآن الكريم . فالنص القرآني في جوهره ثورة على الأشكال والطقوس الجامدة، ودعوة مستمرة لتزكية الإنسان والارتقاء بوعيه. ومِن أكثر المفاهيم التي تعرضت لـ "الاختطاف الشكلي" وتحولت من غاية إنسانية كبرى إلى هوس طقسي فرعي، هو مفهوم "الطهارة" . حين نتدبر القرآن الكريم بعقل تقدمي يرفض الإغراق في المظاهر، نكتشف مفارقة صارخة بين "إيجاز القرآن وتحرره" وبين "إطناب التراث وجموده" . أولاً: الطهارة في الاستعمال القرآني.. انتصار للمعنى على المبنى إذا تتبعنا مادة "طهر" ومشتقاتها في القرآن الكريم، سنجد أنها وردت 31 مرة في مواضع وسياقات متنوعة . والملمح الحاسم هنا هو أن الغالبية الساحقة من هذه الآيات جاءت لترسيخ "الطهارة المعنوية والأخلاقية" ، لا الطهارة المادية الجسدية . القرآن الكريم جعل الطهارة غاية كبرى ترتبط بسلامة المجتمعات ونقاء القلوب والتحرر من الأثرة: التنزّه الأخلاقي والفطري: كقوله تعالى عن خط ا...