قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات دول الجوار العربي. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات دول الجوار العربي. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 19 يوليو 2026

​مالي ومحيطها العربي: من تقليم النفوذ الفرنسي إلى فخ التوترات الإقليمية ​بقلم: الناصر خشيني



​أولاً: تقليم النفوذ الاستعماري الفرنسي (التحول نحو السيادة الصلبة)

​شهدت جمهورية مالي في السنوات الأخيرة تحولاً جذرياً في عقيدتها السياسية والأمنية، تجسد في انتفاضة الإرادة الوطنية ضد أدوات الهيمنة الغربية. ووفقاً للتحليل القومي التقدمي، فإن ما شهدته باماكو لم يكن مجرد تغيير في السلطة، بل كان خطوة تاريخية لتقليم أظافر الاستعمار الفرنسي التقليدي والجديد (Françafrique) الذي نهب ثروات الساحل لعقود [1].

​لقد نجحت الإرادة الحرة في مالي في طرد القوات الفرنسية الغازية وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي، متحررةً من السردية النمطية التي جعلت من مالي حديقة خلفية لباريس. وفي محاولة لكسر الطوق والحصار الاقتصادي والأمني الذي فرضته القوى الإمبريالية عبر أدواتها الإقليمية مثل منظمة (إيكواس)، اتجهت مالي نحو صياغة تحالفات دولية بديلة وبناء "تحالف دول الساحل" (AES) مع بوركينا فاسو والنيجر، ككتلة جغرافية مناهضة للهيمنة تسعى لاستعادة السيادة الوطنية الصلبة على الأرض والثروات والمصير [2].

​ثانياً: جذور التوتر الراهن مع الجزائر (صدام الأجندات وسقوط الاتفاقيات)

​رغم العمق التاريخي الذي يربط مالي بمحيطها العربي، وبخاصة الجزائر التي قادت مسارات دبلوماسية لرأب الصدع في الشمال، إلا أن العلاقات بين البلدين دخلت مؤخراً نفقاً مظلماً من التوترات التصاعدية وتراشق الاتهامات [3]. ويرى التحليل التقدمي أن هذا التوتر يرجع بالأساس إلى صدام الأجندات وسقوط المقاربات التقليدية لإدارة الأزمات:

​إعلان وفاة "اتفاق الجزائر" (2015): جاء قرار باماكو الرسمي بإنهاء العمل بهذا الاتفاق نتيجة لشعور القيادة المالية بأن الاتفاق بات يشكل أداة لتقسيم المقسم، والتدخل في الشؤون الداخلية عبر احتضان حركات انفصالية مسلحة، مما يمس بالسيادة الترابية للدولة الوطنية [4].

​عسكرة الحل وسقوط التوازنات: تتبنى مالي حالياً استراتيجية الحسم العسكري وبسط نفوذ الجيش المالي على مدن الشمال (مثل كيدال)، وهو ما تراه الجزائر تهديداً مباشراً لأمنها القومي وحزامها الجنوبي، خشية أن يؤدي العنف إلى تدفق هائل للاجئين وانفجار البيئة الحدودية [5].

​صراع المحاور والإستراتيجيات البديلة: إن التوجس الجزائري من التغلغل الروسي المكثف على حدودها، يقابله توجس مالي من محاولات فرض الوصاية الإقليمية. هذا الاستقطاب تفاقم مع دخول أطراف عربية أخرى على خط الأزمة عبر تقديم بدائل ومبادرات اقتصادية لربط دول الساحل بالمحيط الأطلسي، مما جعل مالي ساحة للتجاذب الجيوسياسي بدلاً من أن تكون شريكاً في تنمية متكافئة [6].

​ثالثاً: ما السبيل لعلاقات متميزة ومستدامة بين مالي ومحيطها العربي؟

​من منظور قومي تقدمي، لا يمكن فك الارتباط الاستعماري وبناء فضاء أمني وتنموي مستقل في منطقة الساحل والصحراء دون صياغة عقد جديد يربط مالي بمحيطها العربي على أسس الندية والتكامل:

​1. الاحترام المطلق للسيادة الوطنية

​يجب على دول الجوار العربي (وخاصة الجزائر وموريتانيا) التخلي عن مقاربات "الوصاية الأمنية" الموروثة عن حقبة الحرب الباردة، والتعامل مع باماكو كدولة كاملة السيادة، واحترام خياراتها الوطنية في صياغة تحالفاتها الدولية والدفاع عن وحدة أراضيها وضبط حدودها دون تدخل خارجي.

​2. الاقتصاد التنموي كبديل للمقاربة الأمنية الفرنسية

​إن الفكاك من التبعية للشمال يتطلب استبدال المقاربة الأمنية الصرفة بـ "استراتيجية الممرات التنموية". ويتطلب ذلك:

​تفعيل الشراكات الجيواقتصادية: دعم دمج مالي (كدولة حبيسة) في المعابر البحرية والموانئ العربية (المغربية والموريتانية) لتسهيل تصدير ثرواتها من الذهب والقطن، مما يحررها من الابتزاز الغربي ويمثل تطبيقاً عملياً لمفهوم كسر "التبادل غير المتكافئ" [7].

​الاستثمارات السيادية المشتركة: توجيه الرساميل العربية للاستثمار الحقيقي في البنية التحتية، الفلاحة، والتعدين داخل مالي، لخلق تنمية حقيقية تقضي على البيئة الحاضنة للجريمة المنظمة والإرهاب الذي تغذيه القوى الاستعمارية لضمان بقائها.

​3. صياغة آلية أمنية قومية وإقليمية مستقلة

​بدلاً من الارتهان للقوى الأجنبية (سواء كانت غربية أو شرقية)، تبرز الحاجة إلى بناء آلية تنسيق أمني واستخباراتي مباشر ودائم بين دول الجوار العربي وتحالف دول الساحل (AES)، ترتكز على ضبط الحدود المشتركة وتجفيف منابع الإرهاب، باعتبار أن أمن الساحل هو امتداد عضوي للأمن القومي العربي.

​4. إحياء الدبلوماسية الثقافية والروحية

​استثمار العمق الروحي والتاريخي المشترك الذي تمثله مراكز الإشعاع الحضاري الإسلامي (مثل تمبكتو) عبر تفعيل دور المؤسسات التعليمية والدينية العربية الكبرى والروابط الصوفية المشتركة، لبناء سد منيع ضد الاختراقات الفكرية الاستعمارية وتعزيز اللحمة الشعبية بين شعوب المنطقة [8].

​رابعاً: المصادر والمراجع (الهوامش)

​[1] أمين، سمير. (1980). الأزمة الراهنة للنظام الرأسمالي والإمبريالية في إفريقيا. دار الطليعة، بيروت، ص. 142-145 (لتأصيل مفهوم التحرر والفكاك من الاستعمار الجديد في الساحل).

​[2] تحالف دول الساحل (AES). (2023). ميثاق ليبتاكو-غورما التأسيسي لهيكلة الدفاع المشترك والسيادة الاقتصادية. باماكو.

​[3] مجلة السياسة الدولية. (2024). التحولات الجيوسياسية في منطقة الساحل: مالي ونهاية الدور الفرنسي. مؤسسة الأهرام، القاهرة، العدد 235، ص. 88.

​[4] وزارة الشؤون الخارجية المالية. (يناير 2024). البيان الرسمي للحكومة الانتقالية بشأن إنهاء العمل باتفاق السلم والمصالحة المنبثق عن مسار الجزائر. باماكو.

​[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (ديسمبر 2023). تقارير وتصريحات رسمية حول التطورات الأمنية في شمال مالي وتداعياتها الإقليمية.

​[6] بن حمو، محمد. (2024). صراع المحاور في الساحل الإفريقي والمبادرات الاقتصادية الإقليمية البديلة. مركز الصحراء للدراسات الاستراتيجية، ص. 67-71.

​[7] أمين، سمير. (1985). التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (إسقاط نظري على ضرورة تحرير اقتصادات الساحل وإدماجها في محيطها الإقليمي).

​[8] التريكي، فتحي. (2002). العلاقات الثقافية العربية الإفريقية: التاريخ والمستقبل. الدار التونسية للنشر، تونس، ص. 110-114.

السبت، 18 يوليو 2026

العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية الاستعمارية ​بقلم: الناصر خشيني

 


​أولاً: الموقف من القضية الفلسطينية (بين الوجدان التاريخي والتحول الدبلوماسي)
​تميزت السياسة الخارجية الإسبانية تاريخياً بنوع من "الخصوصية الاستثنائية" تجاه الصراع العربي الصهيوني؛ وتجلى ذلك في تأخر مدريد الطويل في الاعتراف بالكيان الصهيوني حتى عام 1986 [1]. ويعود هذا التمايز جزئياً إلى محاولة إسبانيا – لا سيما في عهد نظام فرانكو – كسر العزلة الدولية المفروضة عليها عبر البوابة الدبلوماسية العربية، مستغلةً "الإرث الأندلسي المشترك" كجسر عاطفي وثقافي لتسويق نفسها كصديق تاريخي للعرب.
​وفي السنوات الأخيرة، وتتويجاً لهذا المسار الاستقلالي النسبي داخل الاتحاد الأوروبي، اتخذت مدريد مواقف متقدمة تمثلت في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في ماي 2024 [2]، مدفوعةً بضغط حثيث من القوى التقدمية في الحكومة والشارع الإسباني الذي شهد مسيرات تضامنية غير مسبوقة. ومع ذلك، يرى التحليل التقدمي والنقدي أن هذا الموقف، رغم أبعاده الرمزية الإيجابية ودعمه للحق الفلسطيني في المحافل الدولية، يصطدم بسقف الموقف الأوروبي العام الملتزم بالخطوط الحمر الأمريكية، ولا يصل إلى حد اتخاذ إجراءات عقابية صارمة كقطع العلاقات البنيوية أو إلغاء الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع القوة القائمة بالاحتلال، مما يجعله خطوة أخلاقية منقوصة الفعالية على أرض الواقع.
​ثانياً: ملف الصحراء الغربية والتأرجح بين الجزائر والرباط
​يمثل ملف الصحراء الغربية النموذج الأبرز للبراغماتية الإسبانية المحكومة بـ "ابتزاز الجغرافيا" وضغوط المصالح الآنية. فباعتبارها القوة المديرة قانونياً للإقليم قبل انسحابها المفاجئ والملتبس عام 1975 [3], ظلت مدريد لعقود تتبنى موقفاً يتماشى ظاهرياً مع قرارات الشرعية الدولية الداعمة لحق تقرير المصير عبر الاستفتاء.
​إلا أن التحول الجذري والدراماتيكي حدث في مارس 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي [4]. وكان هذا الانعطاف نتيجة مباشرة لضغوط الرباط المستمرة وتوظيفها لملفات حيوية وحساسة مثل الهجرة غير النظامية والتنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب. وقد ترتبت على هذا الانحياز تداعيات فورية قوضت التوازن الإسباني في المغرب العربي:
​الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر: علقت الجزائر معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا بشكل فوري، وسحبت سفيرها، كما فرضت قيوداً تجارية صارمة شلت الصادرات الإسبانية، باستثناء إمدادات الغاز الطبيعي التي استمرت تدفقاتها التزاماً بعقود دولية صارمة تجنباً لتبعات قانونية مالية ضخمة [5].
​القراءة التقدمية: يكشف هذا التأرجح تنصل مدريد من مسؤوليتها التاريخية والقانونية والأخلاقية كقوة استعمارية سابقة، وتفضيلها للمصالح الأمنية الجيوسياسية المؤقتة على حساب مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
​ثالثاً: استدامة الاحتلال في سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما
​في مفارقة سياسية صارخة، وفي الوقت الذي تطالب فيه إسبانيا بحقها في استعادة "صخرة جبل طارق" من التاج البريطاني، تُصر في المقابل على استمرار احتلالها لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، بالإضافة إلى الجزر الجعفرية وصخور الحسيمة، قميرة، والبران [6].
​تتعامل مدريد مع هذا الملف بإنكار سياسي تام، وترفض رفضاً قاطعاً مجرد طرحه للنقاش أو التفاوض، معتبرة هذه الأراضي ثغوراً سيادية إسبانية لا تنازل عنها، بل وامتداداً للحدود الأوروبية. وتستغل إسبانيا بذكاء الخلافات البينية العربية-العربية، وضعف الموقف التفاوضي المغاربي المشترك، لتكريس هذا الاحتلال الواقعي عبر عسكرة وتسييج المدينتين وتحويلهما إلى حدود خارجية صلبة للاتحاد الأوروبي أو ما يُعرف بـ (Fortress Europe) [7]، مما يمثل طعنة مباشرة لمفهوم السيادة الوطنية العربية ومبادئ تصفية الاستعمار في القرن الحادي والعشرين.
​رابعاً: التوترات البحرية مع موريتانيا (أزمة الصيد والثروات المنهوبة)
​تتخذ العلاقات الإسبانية مع موريتانيا طابعاً تصادمياً صامتاً، تدور رحاه حول استغلال الثروات البحرية الهائلة. وتشكل المياه الإقليمية الموريتانية ساحة حيوية وأساسية لأساطيل الصيد الإسبانية والأوروبية بموجب اتفاقيات شراكة يراها الكثير من المراقبين مجحفة وغير متكافئة [8].
​وتتجدد التوترات بشكل دوري نتيجة عاملين أساسيين:
​انتهاك المياه الإقليمية: توقيف خفر السواحل الموريتاني المتكرر لسفن صيد إسبانية تتجاوز الحصص الصيدية المسموحة أو تعمد إلى الصيد في مناطق محمية ومحظورة بيئياً [9].
​الصيد الجائر والاستنزاف: استنزاف الثروة السمكية الموريتانية وتجريف البيئة البحرية دون تقديم مردود تنموي أو صناعي حقيقي للشعب الموريتاني. هذا النمط يكرس علاقة التبعية الكلاسيكية بين "الشمال والجنوب" القائمة على الاستغلال الاقتصادي الممنهج [10]، بغطاء من الاتفاقيات التي تفرضها بروكسل ومدريد مستغلة حاجة نواكشوط للدعم المالي والمساعدات الأمنية لمكافحة شبكات الهجرة غير الشرعية.
​ختاماً: أفق العلاقات العربية الإسبانية واستراتيجية التحرر
​تتأرجح العلاقات العربية الإسبانية بين ثنائية الجذب الوجداني القائم على الإرث الأندلسي المشترك والمواقف الدبلوماسية المتقدمة نسبياً (كالملف الفلسطيني)، وبين الصدمة البراغماتية الناعمة والخشنة التي تمارسها مدريد لحفظ مصالحها الحيوية والاستعمارية (كملفات الصحراء الغربية، سبتة ومليلية، واستنزاف الثروات البحرية). إن هذه العلاقة تكشف أن إسبانيا، رغم تمايزها النسبي، تظل محكومة ببنود العقيدة الجيوسياسية الغربية والأوروبية.
​ما العمل لتطوير العلاقات إيجابياً لصالح الأمة؟
​لتغيير قواعد اللعبة والانتقال بالعلاقات من التبعية والتأرجح إلى الندية المصيرية، تبرز الحاجة إلى تبني الاستراتيجيات التالية:
​بناء كتلة تفاوضية موحدة: لا يمكن للعالم العربي، والمغرب العربي تحديداً، انتزاع تنازلات حقيقية من مدريد دون تجاوز الخلافات البينية (الجزائرية-المغربية خاصة). تشكيل جبهة اقتصادية وسياسية مغاربية موحدة سيجعل إسبانيا هي الطرف الأضعف والمحتاج للتنسيق.
​تسييس الأوراق الاقتصادية الحيوية: يمتلك العرب أوراقاً استراتيجية خارقة (إمدادات الغاز والنفط، معابر الملاحة الدولية، والأسواق الاستهلاكية الكبرى). يجب ربط الشراكات الاقتصادية الكبرى بمدى احترام مدريد لسيادة الدول العربية وقضاياها العادلة، وليس العكس.
​تطوير التعاون الثقافي والشعبي: استثمار الدبلوماسية الثقافية وتفعيل "الإرث الأندلسي" من خلال حركات التضامن المدني والقوى التقدمية الإسبانية، لتشكيل أدوات ضغط داخلية على صانع القرار في مدريد.
​كيف الفكاك من الاحتلال الإسباني للجزر والمدن المغربية؟
​إن استمرار احتلال سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما يُعد إهانة للسيادة العربية، والتحرر منها يتطلب خطة متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد الاحتجاج الدبلوماسي الموسمي:
​المقاربة القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية: تدويل الملف بذكاء عبر الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، بوصفها "جيوباً استعمارية" متبقية يجب تصفيتها وفقاً للقرار الدولي 1514، مع إحراج إسبانيا دولياً بمقارنة موقفها الرافض للتفاوض بموقفها المطالب باسترداد جبل طارق من بريطانيا.
​استراتيجية "الضغط الاقتصادي والتنموي الناعم": من خلال خنق الثغرين اقتصادياً عبر وقف التهريب المعيشي بشكل نهائي، وفي المقابل بناء وتطوير أقطاب اقتصادية وموانئ عملاقة منافسة في محيطهما (مثل ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء طنجة المتوسط)، مما يحول وجودهما الاحتلالي إلى عبء مالي وأمني ثقيل على الخزينة الإسبانية بدلاً من كونهما مصدر ربح.
​تفكيك السردية الإسبانية للأمن الأوروبي: ترفض إسبانيا التفاوض بذريعة أن المدينتين هما حدود "أوروبا" الجنوبية؛ وهنا تبرز أهمية المقايضة الأمنية. على الجانب العربي ربط التعاون الصارم في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب بمدى استعداد إسبانيا لفتح جدول زمني للتفاوض حول مستقبل السيادة على المدينتين والجزر، فالأمن المشترك لا يسير في اتجاه واحد يحمي المحتل ويهمش أصحاب الأرض.
​خامساً: المصادر والمراجع (الهوامش)
​[1] الخطيب، أحمد. السياسة الخارجية الإسبانية تجاه العالم العربي: من فرانكو إلى الديمقراطية. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص. 94-96.
​[2] الجزيرة نت. (28 ماي 2024). إسبانيا وإيرلندا والنرويج تعلن رسمياً الاعتراف بدولة فلسطين. تاريخ الاطلاع: يوليو 2026.
​[3] الجمعية العامة للأمم المتحدة. القرار رقم 3458 بشأن مسألة الصحراء الغربية، ديسمبر 1975.
​[4] جريدة الشرق الأوسط. (19 مارس 2022). رسالة سانشيز إلى العاهل المغربي: تحول استراتيجي في موقف مدريد من الصحراء. العدد 15817.
​[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (8 يونيو 2022). الجزائر تقرر التعليق الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا.
​[6] بن عبد الله، عبد العزيز. الثغور المغربية المحتلة: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. دار المعرفة، الرباط، ص. 45-50.
​[7] أبو طالب، حسن. الصراعات الحدودية العربية-الأوروبية: دراسة حالة الجيوب الإسبانية في المغرب. مجلة السياسة الدولية، الأهرام، العدد 201، ص. 112.
​[8] الأمانة العامة للمجلس الأوروبي. اتفاقية الشراكة في مجال الصيد المستدام بين الاتحاد الأوروبي والجمهورية الإسلامية الموريتانية. بروكسل.
​[9] الوكالة الموريتانية للأنباء. (أرشيف متقاطع). تقارير خفر السواحل الموريتاني حول توقيف السفن الأجنبية المخالفة للنظم البيئية.
​[10] أمين، سمير. التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (تم إسقاط المفهوم نظرياً على العلاقات الاقتصادية الإسبانية الموريتانية).

 


السبت، 11 يوليو 2026

تشاد والمنظومة العربية: قراءة تقدمية في أدوار الجوار الإفريقي وصراع المحاور بقلم: الناصر خشيني



تُمثل تشاد جغرافياً وحضارياً نقطة التماس والالتقاء الأكثر حساسية بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء. بالنسبة للفكر القومي التقدمي، لا يمكن قراءة العلاقات التشادية العربية بمعزل عن "إستراتيجية حزام الجوار الإفريقي" التي وظفتها القوى الإستعمارية الغربية والصهيونية لعزل الأمة العربية، وتطويق أمنها القومي من الخاصرة الجنوبية، مستغلة التنوع العرقي والقبلي لتغذية الصراعات واستهداف دول العمق العربي المركزية [1].

1. الجذور التاريخية: هندسة "التناقض العرقي" بأيادٍ استعمارية
تاريخياً، لم تكن تشاد غريبة عن الهوية العربية والإسلامية؛ فاللغة العربية هي لغة التواصل اليومي للأغلبية الساحقة من السكان، والعرب جزء أصيل من النسيج الديموغرافي للبلاد [1]. ومع ذلك، جرى هندسة "جدار جيو-ثقافي" عازل عبر محطتين رئيسيتين:
  • الهندسة الفرنسية للتناقض العرقي: عمل الاستعمار الفرنسي (1900-1960) على طمس العروبة والإسلام. ومارس سياسة تفضيل النخب المسيحية والإفريقية في الجنوب وتوليتها مقاليد الحكم عند الاستقلال، مقابل تهميش الشمال والشرق ذي الغالبية المسلمة والعربية، مما خلق بذور "مظلومية متبادلة" وتوترات عرقية استمرت لعقود [5].
  • إستراتيجية الطرف الثالث (الاختراق الغربي والصهيوني): سعت الدوائر الإمبريالية منذ ستينيات القرن الماضي إلى اختراق دول الطوق الإفريقي (مثل تشاد، وإثيوبيا) لإنشاء حزام معادٍ للمشروع القومي العربي. وكان الهدف التكتيكي هو إشغال الدول العربية المواجهة (مصر، ليبيا، السودان) بصراعات استنزافية حدودية دائمة [2].

2. سلسلة دول الجوار والتنافس مع الأمن القومي العربي
تتحرك تشاد في بيئة إقليمية بالغة التعقيد، وتتداخل علاقاتها مع ثلاث دول جوار عربي أساسية، متأرجحة بين الصدام العسكري المباشر والتوظيف الإقليمي:
أ. الجبهة الليبية: صراع السيادة والمد الإقليمي
شهدت العقود الماضية (السبعينيات والثمانينيات) صداماً دموياً حول شريط أوزو الحدودى [5]. من المنظور الجيوسياسي، كان الصراع مواجهة بين محاولات المد القومي الليبي لتأمين العمق الإفريقي وحماية أمنه، وبين نخب تشادية حظيت بدعم عسكري فرنسي وأمريكي مباشر لكسر النفوذ العربي في الصحراء الكبرى، وهو الصراع الذي حُسم لاحقاً في محكمة العدل الدولية عام 1994 لصالح إنجامينا [4].
ب. الجبهة السودانية: خاصرة التفتيت واستهداف الاستقرار
يعد السودان المتضرر الأكبر من الهشاشة الأمنية لهذا الجوار. لسنوات طويلة، مثّلت الحدود التشادية-السودانية المشتركة معبراً لتصدير التمرد وعدم الاستقرار، نظراً للتداخل القبلي والاتصال الديموغرافي المعقد بين البلدين [3].
ج. الجبهة المصرية: عمق إستراتيجي مخترق
تنظر القاهرة إلى تشاد كجزء من الأمن القومي المرتبط بملف مياه النيل واستقرار حوض الصحراء. وتاريخياً، كان التخوف المصري يكمن في تحول هذا الجوار الإفريقي إلى منطلق لإستراتيجيات غربية تستهدف عزل مصر عن عمقها القاري [2].

3. الدور التشادي المعاصر: التورط في تفتيت السودان (محور حميدتي)
في المشهد الراهن (2026)، يتجلى التهديد التشادي للأمن القومي العربي في أوضح صوره عبر الأزمة السودانية، وهو ما يقف أمامه الفكر التقدمي كدليل على استمرار مشروع "تفكيك الدول المركزية":
  • جسر الإمداد اللوجستي المفتوح: توثق التقارير الدولية والأممية تحول الأراضي التشادية (تحديداً مطار أم جرس ومناطق الشرق) إلى ممر إستراتيجي لتدفق السلاح والعتاد العسكري الخارجي الموجه لصالح قوات الدعم السريع بقيادة حميدتي، مما يساهم بشكل مباشر في إطالة أمد الحرب وتدمير الدولة السودانية [8].
  • تناقضات النخبة الحاكمة وعقدة الزغاوة: يعيش النظام التشادي برئاسة محمد إدريس ديبي معضلة حادة؛ فبينما يستفيد من المحاور الخارجية الداعمة لحميدتي، يواجه ضغوطاً داخلية شرسة من قبيلته (الزغاوة) التي خاضت مواجهات دموية ضد قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها في إقليم دارفور (مثل معارك الفاشر) [6, 7]. هذا التوظيف الخارجي يوضح كيف تُساق النخب الحاكمة في دول الجوار الإفريقي لخدمة مشاريع تدمير الكيانات العربية [6].

4. الاختراق الصهيوني لتشاد: الطوق الجنوبي الجديد
لا يمكن صياغة تحليل قومي تقدمي دون الإشارة إلى الإنجاز الإستراتيجي الخطير للعدو الصهيوني في هذه المنطقة. ففي عام 2019، أُعيدت العلاقات الرسمية بين تشاد وإسرائيل، وتوّجت بافتتاح سفارة تشادية في تل أبيب [9]. هذا الاختراق لا يستهدف تشاد لذاتها، بل يهدف إلى:
  1. تأمين موطئ قدم استخباري متقدم لمراقبة حدود ليبيا، والسودان، ومصر [2].
  2. كسر العزلة الدبلوماسية للكيان الصهيوني في القارة الإفريقية [9].
  3. إعاقة أي تمدد أو تكامل "عربي-إفريقي" مستقبلي مبني على التحرر والسيادة [1].

خلاصة واستشراف: رؤية تقدمية للمواجهة
إن "معاداة الأمة العربية" من بوابة تشاد ليست كراهية شعبية نابعة من المكونات التشادية الواسعة التي تتقاطع مع العروبة ديناً ولغةً وجواراً؛ بل هي معاداة وظيفية تصنعها الأنظمة المرتبطة بالدوائر الإمبريالية والمحاور الإقليمية التفتيتية.
لمجابهة هذا التهديد في الخاصرة الإفريقية، يتطلب الأمر من القوى التقدمية العمل على:
  • دعم استعادة الدولة الوطنية والجيش المركزي في السودان لإغلاق ثغرات التآمر والتهريب العسكري [7].
  • بناء مشروع عربي تقدمي موحد يمتلك أدوات جذب اقتصادي وثقافي حقيقي لإفريقيا، يقطع الطريق على المال المشبوه والنفوذ الصهيوني [1].
  • تفعيل الدبلوماسية الشعبية مع القوى الوطنية داخل تشاد لإدراك أن تحرر إفريقيا الحقيقي لا يمر عبر التحالف مع قتلة الشعب الفلسطيني، أو التورط في تمزيق وحدة السودان الشقيق [1].

الكاتب: الناصر خشيني
مفكر وقومي تقدمي

المراجع والمصادر (References):
  1. الأطلس التعليمي لجمهورية تشاد (باللغة العربية)، دراسات جيو-ثقافية وديموغرافية حول المكون العربي والإسلامي في تشاد، جامعة إنجامينا بالتعاون مع خبراء أفارقة وفرنسيين.
  2. معهد الشرق الأوسط (Middle East Institute - MEI)، تقرير: "ماذا يعني الانتقال في تشاد بالنسبة للقوى الإقليمية في الشرق الأوسط؟" (التحالفات مع الإمارات، الاختراق الصهيوني، والتنافس المصري التركي في الساحل والصحراء).
  3. مجلة ريحان للنشر العلمي، دراسة بحثية معمقة حول: "العلاقات التشادية السودانية المعاصرة: التداخل القبلي وأمن الحدود المشتركة".
  4. محكمة العدل الدولية (International Court of Justice)، الحكم الصادر بتاريخ 3 فبراير 1994 بشأن النزاع الإقليمي والحدودي حول شريط أوزو بين الجماهيرية العربية الليبية وجمهورية تشاد.
  5. مؤسسة البحوث العلمية (ResearchGate)، دراسة تاريخية: "قضية تشاد والنزاع الليبي التشادي 1976-1992 وأثر الاستعمار الفرنسي في صناعة التوترات العرقية".
  6. مشروع التقييم والاستخبارات الإقليمية (Critical Threats Project)، تقرير التهديدات الأفريقية: "توترات تشاد والسودان وسلاسل الإمداد اللوجستية والضغوط العرقية لقبيلة الزغاوة الحاكمة".
  7. مركز إفريقيا للدراسات الإستراتيجية (Africa Center for Strategic Studies)، تقرير تقدير موقف: "تشاد تواجه مخاطر عدم استقرار متزايدة نتيجة الانخراط في النزاع السوداني وتداعيات هجمات الحدود".
  8. مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (UN Security Council)، تقرير لجنة الخبراء المعنية بالسودان الصادر بشأن الجسر الجوي السري لنقل المعدات العسكرية واللوجستية عبر مطاري إنجامينا وأم جرس في تشاد.
  9. معهد اتفاقيات أبراهام للسلام (Abraham Accords Peace Institute)، التوثيق الرسمي لافتتاح السفارة التشادية في تل أبيب وتطور العلاقات الأمنية بين إنجامينا وإسرائيل.

 


العلاقات العربية القبرصية: من خندق التحرر الناصري إلى منصة الاختراق الأمني للشرق العربي بقلم: الناصر خشيني



تُقدّم الجغرافيا السياسية لجزيرة قبرص نموذجاً حياً لكيفية تحول الساحات المجاورة للوطن العربي من "عمق استراتيجي مساند" إلى "منصة تهديد مباشر" يمس قلب الأمن القومي في بلاد الشام ومصر. هذا التحول التاريخي الخطير يفرض على العقل القومي التقدمي قراءة واعية للمسار الذي سلكته الجزيرة؛ فبعد أن كانت حليفاً متيناً في معارك التحرر والسيادة خلال عهد الرئيس الخالد جمال عبد الناصر، آلت الأمور تدريجياً لتدخل قبرص في فلك التبعية للمشروع الغربي والصهيوني، وصولاً إلى تحولها لخاصرة رخوة تُستخدم للتجسس وضرب استقرار سوريا ولبنان.
أولاً: العهد المضيء والتلاحم الناصري-القبرصي ضد الاستعمار
عقب استقلال جمهورية قبرص عام 1960، ولدت علاقة تاريخية فريدة عُمدت برؤية مشتركة ضد الهيمنة الإمبريالية. صاغ هذه المرحلة الزعيم العربي جمال عبد الناصر وأول رئيس لقبرص المستقلة، الأسقف مكاريوس الثالث، اللذان ربطتهما صداقة وطيدة قائمة على مبادئ التحرر الوطني.
  • جبهة عدم الانحياز: كانت القاهرة ونيقوسيا ركيزتين أساسيتين في تأسيس وتفعيل "حركة عدم الانحياز"، لقطع الطريق أمام محاولات الأحلاف الغربية إخضاع شعوب المنطقة.
  • الدعم المصري للاستقلال: ساندت مصر الناصرية نضال القبارصة ضد الاستعمار البريطاني وحقهم في تقرير المصير، وقدمت الدعم السياسي لنيقوسيا في المحافل الدولية.
  • موقف مكاريوس المشرف (1956): تجسد هذا التحالف في رفض الأسقف مكاريوس القاطع لاستخدام القواعد البريطانية الموجودة فوق أراضي الجزيرة لشن هجمات على مصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956، معتبراً أن الجيرة العربية أبقى من الإملاءات الاستعمارية.
  • الاحتضان الدبلوماسي للفلسطينيين: ظلت نيقوسيا لعقود صوتاً مدافعاً عن الحقوق العربية، وفتحت باكراً مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، متبنية مواقف صارمة ضد الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة.
ثانياً: الانكفاء التاريخي ونقاط التحول الجيوسياسي
لم تدم هذه التوأمة طويلاً، إذ تعرضت قبرص لضربات كبرى أعادت توجيه بوصلتها الخارجية بعيداً عن محيطها العربي ودفعتها للارتماء في الأحضان الغربية:
  1. الغزو التركي وانقسام الجزيرة (1974): شكّل الاجتياح العسكري التركي لثمال الجزيرة صدمة وجودية لنيقوسيا. ومع غياب ظهير عربي قوي (خاصة بعد رحيل عبد الناصر وانشغال الجمهوريات العربية بأزماتها الداخلية)، شعرت قبرص بالضعف والعزلة وعمدت إلى البحث عن حلفاء جدد يوفرون لها غطاءً أمنياً ومظلة حماية.
  2. الانضمام للاتحاد الأوروبي (2004): نَقَل هذا التحول قبرص بالكامل إلى المنظومة السياسية والاقتصادية الغربية. وبموجب هذا الانضمام، أصبحت الجزيرة مُلزمة بمواءمة قراراتها الدبلوماسية مع التوجهات الأوروبية والأمريكية، مما أدى إلى تآكل روابط التضامن التاريخية مع القضايا القومية العربية.
ثالثاً: قفزة التحالف مع الكيان الصهيوني
في العقدين الأخيرين، قفزت العلاقات بين نيقوسيا وتل أبيب قفزات غير مسبوقة، فتحول الكيان الصهيوني من معزول دبلوماسياً في الجزيرة إلى "شريك استراتيجي فوق العادة"، عبر بوابتين أساسيتين:
  • ترسيم الحدود البحرية ومنتديات الغاز: شكلت اكتشافات الطاقة في شرق البحر المتوسط مصلحة اقتصادية وسياسية عليا لربط قبرص بالكيان. وجرى توقيع اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية وصياغة "منتدى غاز شرق المتوسط" بشكل تجاوز المصالح الاقتصادية والسيادية العربية، لا سيما اللبنانية والمصرية.
  • الاستيطان العقاري الصهيوني: شهدت الساحة القبرصية مؤخراً ظاهرة خطيرة تتمثل في تنامي عمليات شراء الأراضي والعقارات وتأسيس البنى التحتية المغلقة من قبل مستثمرين وجماعات صهيونية (مثل حركة حباد) في الشطرين الجنوبي والشمالي، مما أثار مخاوف قوى سياسية قبرصية محلية (كحزب أكيل اليساري) التي حذرت من تحول الجزيرة إلى عمق ديموغرافي واقتصادي للكيان.
رابعاً: منصة العدوان والتجسس على سوريا ولبنان
بلغت التجاوزات القبرصية مرحلة التهديد الأمني المباشر عبر تحويل جغرافيتها المستحدثة إلى ساحة تدريب ومحطة تجسس استخباري تخدم مباشرة الخطط الحربية الصهيونية والغربية ضد بلاد الشام وغزة:
  • المناورات العسكرية المشتركة (محاكاة غزو لبنان): احتضنت المرتفعات القبرصية (مثل جبال ترودوس) مناورات عسكرية ضخمة ومستمرة لجيش الاحتلال الصهيوني (مثل مناورات "عربات النار" وتمارين "شمس زرقاء"). واختيرت تضاريس الجزيرة بدقة نظراً لتشابهها الشديد مع جغرافية وطبيعة جنوب لبنان، حيث تدربت النخبة العسكرية الصهيونية هناك على سيناريوهات غزو بري وخوض معارك جبلية ضد قوى المقاومة.
  • قاعدة أكروتيري البريطانية وسلاسل الإمداد والتجسس: على الرغم من تمتع القواعد البريطانية (أكروتيري وديكيليا) بصفة "سيادية" بموجب اتفاقيات الاستقلال القديمة، إلا أن تساهل الحكومات القبرصية المتعاقبة جعل منها منطلقاً لأعمال عدائية سافرة. وتؤكد التقارير والتحقيقات الدولية تسيير بريطانيا لأكثر من 500 رحلة طيران استطلاعي من قاعدة أكروتيري فوق قطاع غزة ولبنان وسوريا لجمع معلومات استخبارية عسكرية مررت مباشرة للكيان. كما استُخدمت القاعدة كشريان إمداد لنقل الذخائر والمعدات الأمريكية والبريطانية لدعم الآلة الحربية الصهيونية.
  • الرادارات العملاقة وخرق الأجواء الشامية: تضم الجزيرة منظومات رصد وتشويش فائقة التطور (مثل المحطة المقامة فوق قمة جبل أوليمبوس) تديرها المخابرات الغربية بالتنسيق مع الكيان. تُستخدم هذه المنظومات لكشف المجال الجوي السوري واللبناني، ورصد التحركات الدفاعية، والتشويش على شبكات الرادار القومية، مما يسهل الاعتداءات الجوية المتكررة على الأراضي العربية.
خامساً: معادلة الردع وقادم الأيام
أمام هذا التمادي الخطير، لم يعد الصمت متاحاً للمقاومة القومية؛ ففي حزيران/يونيو 2024، خرج التحذير الشهير والواضح من قيادة المقاومة في لبنان، معلناً بوضوح أن أي فتح للمطارات أو المنشآت القبرصية لجيش الاحتلال لضرب لبنان سيعني رسمياً أن قبرص أصبحت جزءاً من الحرب وسيتم التعامل معها كطرف معادٍ.
تأكدت هذه المخاوف الميدانية مع تصاعد المواجهات الإقليمية وتلقي القواعد البريطانية في الجزيرة ضربات مباشرة بالطائرات المسيرة، مما أثار موجة غضب شعبي داخل القارة القبرصية ضد الوجود العسكري الأجنبي الذي جرّ بلادهم لآتون صراع مدمر خدمة للمصالح الصهيونية.
خاتمة المقال:
إن استعراض هذا الشريط التاريخي يؤكد للعقل القومي التقدمي أن غياب المشروع العربي الجامع، والارتماء في أحضان الاتفاقيات الغربية، يحول دول الجوار الجغرافي من بوابات صداقة إلى منصات طعن استراتيجي. ستبقى قبرص عهد عبد الناصر ومكاريوس درساً في كيف تبنى العلاقات على المبادئ، وتحولها الراهن انذاراً صارخاً بضرورة حماية الأمن القومي العربي من الاختراقات الاستخبارية والعسكرية التي تستهدف تصفية قوى المقاومة والتحرر في منطقتنا.

المراجع والهوامش (وفقاً للأسماء والبيانات التاريخية والتوثيقية):
  • [1] د. فاسيليس كابيتانيس ومجموعات البحث التاريخي بجامعة نيقوسيا (2022): دراسة علمية حول "علاقات جمهورية قبرص مع مصر وإسرائيل خلال عهد الأسقف مكاريوس (1960-1977)"، والتي وثقت التلاحم والتعاون الدبلوماسي بين مكاريوس وعبد الناصر وموقف الجزيرة من قضايا حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة.
  • [2] تقارير ومراسلات وزارة الخارجية اللبنانية وبعثاتها الدبلوماسية (يونيو 2022): التقرير الرسمي حول استدعاء السفير القبرصي في بيروت (بانيوتيس كيرياكو) لطلب توضيح عاجل حول طبيعة مناورات جيش الاحتلال الإسرائيلي (عربات النار/ Beyond the Horizon) فوق تضاريس جبال ترودوس القبرصية لمحاكاة قتال حزب الله وجنوب لبنان.
  • [3] نشرة وكالة الأنباء العسكرية المتخصصة "جانيس" للتطوير الدفاعي (Janes Defence) - يونيو 2023: تقرير عسكري تقني حول مناورات سلاح الجو الإسرائيلي المشتركة في قبرص تحت اسم "الشمس الزرقاء" (Exercise Blue Sun)، وتصريحات قادة أسراب الطيران الإسرائيلي حول التدرب على بيئة جغرافية تحاكي الجبهة الشمالية (لبنان).
  • [4] الخطاب التاريخي لقيادة المقاومة في لبنان (19 حزيران 2024): التحذير الاستراتيجي الموجه للحكومة القبرصية برئاسة نيكوس خريستودوليدس حول تبعات فتح الأجواء والمطارات القبرصية أمام طيران العدو الصهيوني.
  • [5] تحقيقات منظمة "دي كلاسيفايد بريطانيا" الاستقصائية (Declassified UK) - الأعوام 2024، 2025، و2026: سلسلة تقارير موثقة بالأرقام وخرائط الطيران حول تسيير بريطانيا لأكثر من 518 رحلة تجسسية واستطلاعية بواسطة طائرات (Shadow R1) من قاعدة RAF Akrotiri السيادية في قبرص فوق أجواء غزة ولبنان، وتزويد الاستخبارات الصهيونية بالبيانات المباشرة.
  • [6] البيانات السياسية الرسمية لحزب التجمع التقدمي للشعب العامل القبرصي "أكيل" (AKEL Party Reports - 2025/2026): التحذيرات والاحتجاجات الرسمية التي أطلقها الأمين العام للحزب ستيفانوس ستيفانو ضد التغلغل والاستيطان العقاري الصهيوني الكثيف، وشراء مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة من قبل مجموعات تابعة للاحتلال.
  • [7] مرصد الصحافة السياسية اللبنانية والسورية لشرق المتوسط (تقارير التحديث الأمني - مارس 2026): رصد وتوثيق تداعيات الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت الملحقات العسكرية بقاعدة أكروتيري البريطانية في جنوب قبرص، والاحتجاجات الشعبية القبرصية بمدينة ليماسول المطالبة بطرد القواعد البريطانية لحماية الجزيرة من الانخراط في الحروب الصهيونية.

​إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني ​بقلم: الناصر خشيني

 


​في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإيطالية كأحد الخطوط الجيوسياسية التاريخية التي طالما شكلت مصدر عدوانٍ ومحاولات إخضاع مستمرة للأمة العربية، وتحديداً في شمالها الإفريقي. إن استقراء السلوك الإيطالي يثبت تلازماً عضوياً بين إرث روما الاستعماري القديم، وفاشية القرن العشرين، والتجاوزات "النيو-إمبريالية" الراهنة التي تستهدف السيادة البحرية والثروات العربية في تونس وليبيا، فضلاً عن الاصطفاف السياسي والعسكري التقليدي لروما إلى جانب الكيان الصهيوني.

​أولاً: من الامبراطورية الرومانية إلى الفاشية الحديثة.. صراع وجودي ممتد
​إن العدوان الإيطالي على الجسد العربي ليس وليد العصر الحديث، بل يستند إلى عمق تاريخي وجذور ممتدة منذ العهد الروماني، عندما سعت روما القديمة للتوسع قسراً على حساب ضفاف المتوسط الجنوبية وطمس هوية المنطقة وحضارتها. لكن هذا النفوذ قوبل ببطولات تاريخية خالدة سطرها أبناء المنطقة؛ لعل أبرزها عبقرية القائد القرطاجي الفذ حنبعل، الذي نقل المعركة إلى عقر دار الرومان وسحق جحافلهم في معركة "كان" (Cannae) الشهيرة، مجسداً أولى ملائم الدفاع الاستراتيجي عن تراب هذه المنطقة [1].
​هذه العقلية الامبراطورية التوسعية أطلت برأسها مجدداً في العصر الحديث من بوابة الفاشية الموسولينية التي اجتاحت ليبيا عام 1911. ارتكب الاحتلال الفاشي جرائم حرب وإبادة جماعية يندى لها جبين الإنسانية؛ شملت الإعدامات الميدانية، والتهجير القسري، ونصب المشانق لرموز المقاومة وعلى رأسهم شيخ الشهداء عمر المختار، وتأسيس المعتقلات الجماعية الصحراوية الساعية لكسر إرادة الشعب العربي الليبي وطمس عروبته [2].
​ثانياً: معركة الاعتذار والتعويض.. الثورة الليبية تجبر روما على الانصياع
​إن الفكر التقدمي يؤمن بأن الحقوق التاريخية للشعوب لا تسقط بالتقادم، وأن لغة القوة والندية هي الوحيدة الكفيلة بانتزاع الاعتراف من القوى الاستعمارية. وهو ما تجسد ميدانياً وسياسياً عندما خاضت الجماهيرية الليبية بقيادة الشهيد معمر القذافي معركة دبلوماسية وقانونية شرسة لانتزاع حقوق الشعب الليبي [3].
​لقد أجبرت القيادة الليبية الدولة الإيطالية ــ لأول مرة في تاريخ العلاقات الاستعمارية الغربية مع العالم الثالث ــ على الانصياع والإقرار بجرائمها، وتوج ذلك بتوقيع "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون" عام 2008، والتي تضمنت اعتذاراً رسمياً وصريحاً من روما للشعب الليبي عن حقبة الاحتلال، والتزاماً إيطالياً بدفع تعويضات مالية واستثمارية ضخمة بلغت مليارات الدولارات كتعويض عن الأضرار المادية والبشرية التي سببتها الفاشية [4].
​ثالثاً: التجاوزات البحرية والقرصنة الاقتصادية على سواحل تونس وليبيا
​لم تتخلَّ إيطاليا المعاصرة كلياً عن أطماعها؛ إذ يتخذ التعدي الإيطالي الراهن على الأمن القومي العربي طابعاً اقتصادياً وجيوسياسياً يتمثل في الانتهاكات المتكررة للحدود البحرية لكل من تونس وليبيا.
​تتعمد أساطيل ومراكب الصيد الإيطالية، المدعومة أحياناً بغطاء سياسي، اختراق المياه الإقليمية والمنطقة الاقتصادية الخالصة للبلدين، والوصول إلى السواحل القريبة لبعض المدن التونسية والليبية لنهب الثروة السمكية ومقدرات الأعماق العربية [5]. إن هذه القرصنة المستمرة لا تشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة الوطنية والقوانين الدولية فحسب، بل تعد استنزافاً ممنهجاً للأمن الغذائي والاقتصادي للصيادين والشعوب العربية على الضفة الجنوبية للمتوسط.
​رابعاً: العلاقات الاستراتيجية مع الكيان الصهيوني وخيانة الحق العربي
​تتكامل هذه السياسات العدائية الإقليمية مع الموقف الجيوسياسي لروما من القضية المركزية للأمة. ترتبط إيطاليا بعلاقات سياسية، وعسكرية، واقتصادية متطورة وراسخة مع الكيان الصهيوني، نابعة من التزامها بالمنظومة الأطلسية الغربية [6].
​تعتبر روما من العواصم الأوروبية التي توفر غطاءً سياسياً ودبلوماسياً لجرائم الاحتلال الصهيوني في فلسطين، وتشارك في مناورات عسكرية مشتركة مع جيش العدو، متبادلة معه التقنيات الأمنية والاستخباراتية. هذا الانحياز البنيوي يثبت أن إيطاليا، رغم شعارات "الشراكة الأورومتوسطية"، تقف استراتيجياً في الخندق المعادي لطموحات الأمة العربية في التحرر والانعتاق، وتساهم في إطالة أمد احتلال أرضنا في فلسطين.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استعراض التاريخ والحاضر في الملف الإيطالي يؤكد للمدرسة القومية التقدمية أن الأمن القومي العربي وحدة واحدة لا تقبل التجزئة؛ فالتعدي على السيادة البحرية التونسية أو الليبية هو امتداد لذات العقلية التي حاولت بالأمس طمس هوية المنطقة. إن مجابهة هذا التحدي تفرض على الأقطار العربية مغادرة مربع العلاقات غير المتكافئة، وفرض معادلات ندية لحماية المياه الإقليمية والثروات البحرية، وربط المصالح الاقتصادية لروما بمواقفها السياسية من قضايا الأمة العادلة وعلى رأسها قضية فلسطين، تأكيداً على سيادة الأمة وكرامة شعوبها.
​المراجع والمصادر:
​[1] بوليبيوس: تاريخ الإمبراطورية الرومانية والصراع مع قرطاج، دراسات في الاستراتيجية العسكرية لمعركة كان وتأثير حنبعل، منشورات الجامعة التونسية.
[2] مركز جهاد الليبيين للدراسات التاريخية: الموسوعة التاريخية للمقاومة الليبية ضد الغزو الإيطالي الفاشي (1911-1932).
[3] السجل القومي: الخطابات والوثائق السياسية للثورة الليبية حول معركة انتزاع التعويضات والاعتذار من إيطاليا.
[4] نص وثيقة "معاهدة بنغازي للصداقة والشراكة والتعاون بين الجماهيرية العظمى وإيطاليا"، أغسطس 2008، منشورات وزارة الخارجية الليبية.
[5] تقارير وزارة الفلاحة والصيد البحري التونسية حول انتهاكات السفن الأجنبية والمراكب الإيطالية للمياه الإقليمية وخليج قابس.
[6] معهد الشؤون الدولية (IAI) في روما: دراسات في العلاقات الإيطالية-الإسرائيلية والتعاون العسكري والتكنولوجي في حوض المتوسط.

الجمعة، 10 يوليو 2026

​فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى الاستعمار الجديد وأدوات التبعية الفرنكوفونية بقلم: الناصر خشيني

 

       مقدمة
​في إطار قراءتنا القومية التقدمية الشاملة لمفهوم الأمن القومي العربي، ندرك أن التهديدات لا تقتصر على حدود الإقليم الجغرافية المباشرة، بل تتقاطع بشكل عضوي مع القوى الإمبريالية التاريخية التي ما زالت ترى في جغرافيا الأمة وفضاءاتها الحيوية مجالات نفوذ تابعة لها. وتبرز فرنسا كنموذج صارخ لهذه القوى؛ إذ لم يكن احتلالها العسكري لشمال إفريقيا (تونس، الجزائر، والمغرب) مجرد مرحلة تاريخية عابرة، بل أسس لمنظومة استعمارية جديدة (Neo-colonialism) تواصل عبرها باريس، حتى يومنا هذا، استنزاف ثروات المنطقة والهيمنة على مقدراتها السياسية والاقتصادية عبر شبكات نفوذ معقدة وأدوات ثقافية "فرنكوفونية" تعمل كطابور خامس لرهن الإرادة الوطنية العربية.
​أولاً: الإرث الاستعماري الأسود.. عقيدة التدمير البنيوي وطمس الهوية
​إن تاريخ فرنسا في المغرب العربي هو تاريخ من الدم، ومحاولات المسخ الهوياتي الممنهج. فمنذ احتلال الجزائر عام 1830 وما تلاه من فرض "الحماية" على تونس والمغرب، لم تكتفِ الإمبريالية الفرنسية بنهب الأرض، بل خاضت حرباً وجودية لطمس الهوية العربية والإسلامية لشعوب المنطقة [1].
​لقد قامت هذه العقيدة الاستعمارية على مصادرة الأراضي الحصبة، وتدمير البنى الاقتصادية التقليدية لصالح ربط الاقتصاد المغاربي بالمركّب الرأسمالي الفرنسي، فضلاً عن سياسات "الفرنسة" التعليمية والإدارية العنيفة التي استهدفت عزل هذه الأقطار عن عمقها القومي المشرقي، وهي العقلية الاستعلائية التي ما زالت تحكم نظرة باريس إلى هذه الدول كـ"حديقة خلفية" تابعة لها.
​ثانياً: الاستعمار الجديد (Françafrique) والاستغلال الاقتصادي المتواصل
​رغم نيل دول شمال إفريقيا استقلالها السياسي بفضل تضحيات حركات التحرر الوطني، إلا أن فرنسا حرصت على صياغة "اتفاقيات استقلال" منقوصة تضمن لها استمرار الهيمنة الاقتصادية. تتجلى هذه الهيمنة اليوم في استمرار الشركات الفرنسية الكبرى (مثل توتال، وأورانو، والمجموعات المصرفية والصناعية) في السيطرة على قطاعات حيوية كاستخراج النفط والغاز، الفوسفات، والملح، فضلاً عن التحكم في قطاعات الاتصالات والخدمات والمال [2].
​وعلى الرغم من التراجعات الميدانية الكبيرة والصفعات المتتالية التي تلقتها فرنسا في منطقة الساحل الإفريقي (مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو) ورفض شعوبها لاستعباد "فرنك غرب إفريقيا" (CFA franc) واحتكارات اليورانيوم [3]، إلا أن باريس ما تزال تكافح بشراسة للحفاظ على نفوذها الاقتصادي الاستنزافي في شمال إفريقيا عبر عقود امتياز واحتكارات تجارية غير متكافئة تضمن بقاء المواد الخام وثروات الشعوب العربية متدفقة نحو الشمال، بينما تعاني الدول الوطنية من أزمات هيكلية وتنموية خانقة.
​ثالثاً: النفوذ الفرنكوفوني.. الاختراق الثقافي والطبقة الوظيفية
​لا يمكن فهم ديمومة الهيمنة الفرنسية دون تفكيك سلاحها الأكثر خطورة: الفرنكوفونية. إن الفكر التقدمي يرى في الفرنكوفونية أداة جيوسياسية ومؤسساتية صممتها باريس لإعادة إنتاج التبعية بعد الاستقلال المباشر [4]. ومن خلال التغلغل الثقافي، والتعليمي، والإعلامي، نجحت فرنسا في رعاية وتشجيع نخب وتيارات "فرنكوفونية" داخل المجتمعات المغاربية.
​هذه النخب الوظيفية، التي ترتبط مصالحها الطبقية والثقافية بباريس، تعمل كجدار صد يدافع عن المصالح الاستراتيجية الفرنسية، وتعطل أي مشروع حقيقي للتعريب الشامل أو التحرر الاقتصادي والسياسي. إنها تمارس نوعاً من "الاستلاب الحضاري" الذي يبقي مراكز صنع القرار الإداري والاقتصادي في المغرب العربي مقيدة بالنمط والمعايير الفرنسية، مما يمنح باريس قدرة عالية على التدخل والتوجيه من خلف الستار.
​رابعاً: التخادم الإمبريالي الصهيوني وتطويق الطموح القومي
​في المشهد الاستراتيجي الأوسع، تلتقي السياسة الفرنسية في شمال إفريقيا دائماً مع أهداف المشروع الصهيوني والإمبريالية الأمريكية في المنطقة. تسعى فرنسا، عبر الحفاظ على حالة التبعية والتجزئة في المغرب العربي، إلى منع قيام أي كتلة قومية عربية متكاملة وقوية اقتصادياً وسياسياً على جنوب المتوسط [5].
​إن إبقاء هذه الدول مستنزفة الثروات وتابعة للمركز الأوروبي يضمن تحييد قدراتها البشرية والجغرافية الهائلة عن معركة الأمة المركزية في فلسطين، بل إن السياسات الفرنسية طالما وظفت ملفات الدعم المالي والديون للضغط على الحكومات المغاربية لضبط مواقفها السياسية بما يتوافق مع التوجهات الغربية والأطلسية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن الحالة الفرنسية في شمال إفريقيا تثبت حقيقة مبدئية في الفكر القومي التقدمي: وهي أن معركة التحرر الوطني لم تنتهِ برحيل الجندي الأخير للاستعمار التقليدي. إن مجابهة هذا التعدي السافر على الأمن القومي العربي تتطلب خوض معركة تحرر ثانٍ؛ تتمثل في تصفية كافة أشكال التبعية الاقتصادية، وإلغاء الاحتكارات الأجنبية لثروات شعوبنا، وتطهير الفضاء الثقافي والتعليمي من الهيمنة الفرنكوفونية الاستلابية، وبناء اقتصاد وطني ومغاربي مستقل يضع مقدرات الأرض في خدمة أصحابها، كخطوة أساسية نحو تحقيق السيادة الكاملة والوحدة القومية الشاملة.
​المراجع والمصادر:
​[1] مركز دراسات الوحدة العربية: دراسات في تاريخ المغرب العربي المعاصر وسياسات الاستعمار الفرنسي الثقافية والاقتصادية.
[2] تقارير اللجنة الاقتصادية لإفريقيا (الأمم المتحدة) حول هيكلية التبادل التجاري والاحتكارات الأجنبية في منطقة شمال إفريقيا.
[3] معهد الدراسات الإقليمية والدولية: تحولات المشهد الإفريقي والساحل، وسقوط منظومة "فرانس-أفريك" التقليدية وأثره الجيوسياسي (2025-2026).
[4] المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو): الفرنكوفونية وأثر التغلغل اللغوي والثقافي على الهوية والسيادة الوطنية في المغرب العربي.
[5] العلاقات الأورو-متوسطية والسياسات الاستعمارية الجديدة، منشورات معهد الإنماء العربي.

 

تركيا والأمن القومي العربي: أطماع التمدد، التعطيش الممنهج، والتخادم مع مشاريع التفتيت بقلم: الناصر خشيني

 


    ​في إطار قراءتنا القومية التقدمية للصراع المحتدم حول الأمة العربية، ندرك أن جبهات الاستهداف لا تأتي فقط من العدو الصهيوني المباشر، بل تتقاطع مع أدوار إقليمية لجوار جغرافي طالما وظّف شعارات مخادعة لإخفاء نزعاته التوسعية وإرثه الاستعماري. وتبرز تركيا اليوم كأحد أبرز هذه الأطراف الإقليمية التي مارست، وما تزال، أدواراً عدوانية ألحقت أبلغ الأضرار بالأمن القومي العربي، متمثلة في انتهاك السيادة، ورعاية الإرهاب التفتيتي، والتعطيش الممنهج لبلاد الرافدين والشام، فضلاً عن ارتماء نظامها في أحضان علاقات استراتيجية متطورة مع الكيان الصهيوني على حساب دماء شعبنا العربي في فلسطين.

​أولاً: لواء الإسكندرونة والتوغلات في العراق.. عقيدة قضم الأرض وانتهاك السيادة
​إن السلوك التركي تجاه الجغرافيا العربية يستند إلى عقلية توسعية تاريخية لم تتخلَّ يوماً عن أطماعها. ويتجلى ذلك تاريخياً في استمرار احتلال لواء الإسكندرونة السوري منذ عقود، في صفقة استعمارية جرت بتواطؤ مع القوى الغربية لسلخ جزء أصيل من الجسد العربي [1].
​ولم تقف هذه النزعة عند حدود التاريخ؛ بل تتجسد دورياً في الانتهاكات الصارخة والتوغلات العسكرية المتكررة شمال العراق. فتحت ذريعة ملاحقة الانفصاليين الأكراد (حزب العمال الكردستاني)، تستبيح القوات التركية السيادة العراقية، مخلّفة دماراً هائلاً في القرى والبنى التحتية، وقاتلة للمواطنين العراقيين الأبرياء، في تجسيد لسياسة فرض الأمر الواقع العسكري والاستخفاف بالدول الوطنية العربية [2].
​ثانياً: تدمير سوريا ورعاية الإرهاب.. طعن ركائز المقاومة لصالح التفتيت
​لقد مثلت الحرب على سوريا خلال العقدين الماضيين الذروة في السلوك التركي المعادي للأمن القومي. فتحت إدارة نظام العدالة والتنمية، تحولت تركيا إلى الممر الرئيسي والخزان اللوجستي لضخ عشرات الآلاف من الإرهابيين والتكفيريين نحو الأراضي السورية [3]. وشمل هذا الدور تقديم الدعم العسكري، والتدريب، والتسليح، والغطاء الاستخباراتي، وصولاً إلى التدخل العسكري المباشر واحتلال أجزاء واسعة من الشمال السوري.
​إن الهدف الاستراتيجي من هذا التدخل لم يكن سوى تدمير الدولة الوطنية السورية وإسقاط نظامها، الذي لطالما شكّل ركيزة أساسية من ركائز محور المقاومة وجدار الصد العربي في وجه الأطماع الإمبريالية والصهيونية. وبفعل هذا العدوان، جرى تدمير القدرات العسكرية والصناعية والعلمية لسوريا وتحت نظر القوات التركية المحتلة، مما أدى في المحصلة الجيوسياسية الراهنة إلى استنزاف سوريا وتقديم جنوبها وفضائها لقمة سائغة للاعتداءات الصهيونية المتواصلة [4].
​ثالثاً: سلاح "الإرهاب المائي".. مشروع "GAP" وتجفيف نهري دجلة والفرات
​لا يقتصر العدوان التركي على السلاح والبارود، بل يمتد إلى توظيف الطبيعة كأداة للحروب الوجودية وخنق الشعوب العربية. لقد عمدت أنقرة عبر عقود إلى تنفيذ مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP)، وقامت بإنشاء أكثر من عشرين سداً (وفي مقدمتها سد أتاتورك وسد إيليصو) على مجريي نهري دجلة والفرات [5].
​هذا الحجز الممنهج للمياه وحرمان دول المصب التاريخية (سوريا والعراق) من حصصها العادلة والمكتسبة، يمثل جريمة تعطيش ممنهجة تسببت في جفاف مساحات زراعية شاسعة، وتدمير البيئة الحيوية، وتصحر الرافدين. إن تحويل المياه إلى ورقة ابتزاز سياسي يعكس رغبة تركية في إخضاع الإرادة السياسية العربية عبر التهديد بالتعطيش والجوع.
​رابعاً: العلاقات مع الكيان الصهيوني وخيانة قضية غزة
​رغم الخطابات الرنانة والشعارات العاطفية التي يدغدغ بها النظام التركي مشاعر الشارع الإسلامي والعربي، إلا أن التفكيك التقدمي للمواقف يكشف زيف هذه الادعاءات. ترتبط تركيا بعلاقات بنيوية ومتطورة مع الكيان الصهيوني، تشمل اتفاقيات تجارية وعسكرية واستخباراتية ضخمة لم تنقطع خلف الكواليس حتى في أوج الأزمات [6].
​ويتضح هذا التناقض الصارخ في العجز الميداني والسياسي التركي عن إنقاذ أهلنا في قطاع غزة من حرب الإبادة والبطش الصهيوني؛ حيث اكتفت أنقرة ببيانات الإدانة وظلت عاجزة ــ أو غير راغبة ــ في اتخاذ مواقف استراتيجية حاسمة تقطع شريان العلاقات مع العدو أو تفرض ضغطاً حقيقياً يوقف المجازر، مما يؤكد أن المصالح والتحالفات الإقليمية لتركيا تتقدم دائماً على نصرة القضايا العادلة للأمة العربية.
​خلاصة وموقف قومي:
​إن استقراء الحالة التركية يضعنا أمام حقيقة لا لبس فيها: إن أي مشروع إقليمي يقوم على قضم الأرض العربية، أو تدمير دولها الوطنية، أو حبس مياهها، هو مشروع معادٍ للأمن القومي بالضرورة. إن الفكر القومي التقدمي يملي علينا كشف هذه السياسات وتعرية خطاباتها المخادعة، والتأكيد على ضرورة بناء كتلة عربية متماسكة وقوية قادرة على حماية سيادتها ومواردها، والدفاع عن فضاءاتها الجغرافية والتاريخية ضد أطماع الجوار ومخططات التفتيت الإمبريالية والصهيونية.
​المراجع والمصادر:
​[1] لواء الإسكندرونة: دراسات في اقتطاع الأراضي السورية والتوازنات الدولية الاستعمارية، مركز دراسات الوحدة العربية.
[2] تقارير وزارة الخارجية العراقية حول انتهاكات السيادة والعمليات العسكرية التركية في شمال العراق (دهوك وأربيل).
[3] تقارير مراكز الدراسات الاستراتيجية الدولية حول "طرق تدفق المقاتلين الأجانب عبر الحدود التركية إلى سوريا".
[4] المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات: تحولات المشهد السوري وتأثير التدخلات الإقليمية على القدرات الدفاعية والصناعية للدولة.
[5] مشروع جنوب شرق الأناضول (GAP) وأثره على الأمن المائي والبيئي في سوريا والعراق، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم.
[6] العلاقات التركية الإسرائيلية: دراسة في الجيوسياسية والتجارة البينية والتحالفات الأمنية، معهد الدراسات الإقليمية.

 

الأربعاء، 8 يوليو 2026

​إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي بقلم: الناصر خشيني


    مقدمة

​تخوض الأمة العربية في مرحلتها الراهنة صراعاً وجودياً متعدد الجبهات، لا يقتصر على مواجهة الغزوات الخارجية المباشرة، بل يمتد إلى جبهات الإقليم وجوارنا الجغرافي الذي يجري توظيف بعض أطرافه كأدوات وظيفية لمحاصرة الأمن القومي العربي وتفتيت ركائزه. وفي هذا السياق الجيوسياسي، يبرز الدور الإثيوبي الراهن ليس كمجرد خلافات حدودية أو تنموية عابرة، بل كحلقة أساسية في استراتيجية معادية تستهدف عمق الأمة العربية، من حوض النيل إلى القرن الإفريقي، وصولاً إلى قلب السودان الشقيق.
​أولاً: إقليم الأوغادين.. تاريخ من التوسع الإمبريالي والإنكار الحضاري
​إن قراءتنا القومية والتقدمية للتاريخ تنطلق من الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها ورفض الهيمنة. ومن هذا المنطلق، يمثل إقليم الأوغادين أرضاً عربية الهوى والهوية، جرى اقتطاعها وإلحاقها بإثيوبيا في سياق التوازنات الاستعمارية القديمة التي استهدفت تمزيق الفضاء العربي والإسلامي في القرن الإفريقي. إن استمرار السيطرة الإثيوبية على هذا الإقليم يمثل إرثاً توسعياً يرفض الاعتراف بالحقوق التاريخية والحضارية لأبناء المنطقة، ويشكل خلفية أيديولوجية وسلوكية تحكم العقلية السياسية الحاكمة في أديس أبابا حتى اليوم.
​ثانياً: سد النهضة.. الإرهاب المائي وأدوات خنق دول المصب
​لم يعد العدوان يقتصر على الجغرافيا، بل تحول إلى محاولة للتحكم في شريان الحياة الوجودي للأمة. إن إصرار النظام الإثيوبي على بناء "سد النهضة" وفرض سياسة الأمر الواقع عبر عمليات الملء الأحادية، متجاوزاً الحقوق التاريخية المكتسبة لشعبي مصر والسودان، لا يمكن توصيفه إلا كـ"إرهاب مائي".
إن هذا السد، الذي يحظى بدعم وتمويل صامت من قوى الإمبريالية العالمية، لا يستهدف التنمية كما يزعم الخطاب الرسمي لأديس أبابا، بل يستهدف رهن الإرادة السياسية للقاهرة والخرطوم، وتحويل المياه إلى سلاح استراتيجي لابتزاز الدولة الوطنية العربية وخنق قدراتها الاقتصادية والبشرية.
​ثالثاً: تفكيك السودان.. دعم المليشيات كأداة لضرب الدولة الوطنية
​في إطار الرؤية القومية الشاملة، ندرك أن استهداف أي قطر عربي هو استهداف للمنظومة القومية بأسرها. ومن هنا، يأتي الدور الإثيوبي المشبوه في الأزمة السودانية عبر تقديم الدعم والغطاء لمليشيا الدعم السريع المتمردة. إن هذا التدخل السافر لا يمثل مجرد انحياز سياسي، بل هو مساهمة فعلية في تدمير مؤسسات الدولة الوطنية السودانية وتفتيت نسيجها الاجتماعي. والهدف من وراء ذلك هو إبقاء السودان في حالة سيولة أمنية وضعف دائم، بما يضمن تحييده عن معركة الدفاع عن الأمن المائي العربي، ويخلق حزاماً من الفوضى على حدود مصر الجنوبية.
​رابعاً: التحالف الإثيوبي الصهيوني.. الطوق المخترق للأمة
​يتجلى البُعد الأكثر خطورة في المشهد الاستراتيجي عند تفكيك العلاقات العضوية والمتطورة بين إثيوبيا والكيان الصهيوني. إن هذا التحالف يمثل التطبيق العملي لما يُعرف في العقيدة الأمنية الصهيونية بـ"استراتيجية المحيط" (تطويق العالم العربي من خلال بناء تحالفات مع دول الجوار غير العربية).
إن التعاون العسكري والأمني والتكنولوجي بين أديس أبابا وتل أبيب ــ خاصة في مجالات الاستخبارات وإدارة الموارد المائية وحماية المنشآت الحيوية ــ يؤكد أن النظام الإثيوبي بات يمثل منصة متقدمة للمشروع الصهيوني-الإمبريالي في منطقة البحر الأحمر وباب المندب وحوض النيل، وهو ما يجعله في خندق المجابهة المباشرة مع طموحات أمتنا في التحرر والسيادة.
​خلاصة وموقف: نحو جبهة عربية لمواجهة التحديات الإقليمية
​بناءً على هذه المعطيات التي لا تقبل التجزئة، فإن إثيوبيا بسياساتها الراهنة تضع نفسها في موقع "الجوار المعادي" للأمة العربية. وإن مجابهة هذا التهديد الوجودي تتطلب تجاوز السياسات القُطرية الضيقة بردود أفعالها المؤقتة، والذهاب فوراً نحو صياغة استراتيجية قومية موحدة وتكاملية.
إن الفكر التقدمي يفرض علينا تفعيل كافة عناصر القوة العربية ــ السياسية والاقتصادية والدبلوماسية والشعبية ــ لدعم صمود مصر والسودان، وحماية الحقوق التاريخية، والوقوف بحزم ضد مشاريع التفتيت والتحالفات المشبوهة، صوناً لكرامة الأمة ومستقبل أجيالها.


 

الجمعة، 3 يوليو 2026

الصمت المغربي تجاه سبتة ومليلية والجزر المحتلة مقابل معركة الصحراء بقلم: الناصر خشيني



منذ أكثر من عقد من الزمان، كتبتُ محذراً من خطورة الموقف العربي والمغربي المهادن تجاه أقدم استعمار أوروبي مباشر ما زال جاثماً على الأراضي الإفريقية والعربية. واليوم، ونحن في عام 2026، أجد نفسي مضطراً لإعادة قراءة هذا الملف الشائك على ضوء تطورات دراماتيكية غيّرت وجه الدبلوماسية في المنطقة. إن المشهد الراهن لم يعد مجرد قصة احتلال مستمر منذ قرون لمدينتي سبتة ومليلية، بل تحول إلى معادلة سياسية معقدة تُقايَض فيها الجغرافيا، وتتأجل فيها معارك التحرير السيادي في الشمال مقابل تثبيت المكاسب في الصحراء بالجنوب (1).
جغرافيا أسيرة في طي النسيان
عندما نتحدث عن الاحتلال الإسباني، فإن الذاكرة الرسمية والإعلامية غالباً ما تختزل القضية في سبتة ومليلية، مغفلةً أرخبيلاً كاملاً من الجزر الصخرية المغربية الاستراتيجية التي تطوقها البوارج الإسبانية (2). إنها الجزر الجعفرية (شفاريناس) الثلاث القابعة قبالة سواحل الناظور، وجزر الحسيمة (النكور والبرهان ونوبيس)، وشبه جزيرة باديس (صخرة قميرة) التي تحولت بفعل الطبيعة إلى أرض متصلة باليابس المغربي ويفصلها عن السيادة المغربية سياج حدودي واهن، وصولاً إلى جزيرة ليلى (تورا) التي شهدت آخر استعراض عسكري لفرض الأمر الواقع عام 2002.
هذه الأراضي ليست مجرد صخور في البحر، بل هي ثغور مستعمرة تمثل خرقاً صارخاً لسيادة الأمة العربية، ومع ذلك، يلفها اليوم صمت رسمي مغربي مطبق يعكس تحولاً جذرياً في أولويات الرباط.
معيار "النظارة السوداء": رهن الشمال من أجل الجنوب
لقد حدد المغرب بوضوح قاعدته الدبلوماسية الجديدة حين أعلن أن "ملف الصحراء هو النظارة التي ينظر بها إلى العالم". هذا التوجه جعل الدبلوماسية المغربية تضع كل بيضها في سلة ملف الصحراء الغربية، جاعلةً منه المعيار الوحيد لتقييم الشراكات والصداقات الدولية (3).
هذا التركيز المكثف أنتج "العصر الذهبي" الراهن في العلاقات بين الرباط ومدريد، خاصة بعد اعتراف حكومة "بيدرو سانشيز" الإسبانية بمبادرة الحكم الذاتي المغربية للصحراء (4). ولكن، ما هو الثمن الذي دُفع في المقابل؟ الثمن كان واشياً وصادماً: إدخال ملف سبتة ومليلية والجزر المحتلة في "ثلاجة" التجميد الدبلوماسي (5). لقد اختفت المطالبة السيادية المغربية بهذه الثغور من منابر الأمم المتحدة والاتفاقيات الثنائية، وحلّ مكانها صمت رسمي مريب يُفسَّر على أنه مقايضة ضمنية: "اعتراف إسباني بمغربية الصحراء مقابل سكوت مغربي عن إسبانية سبتة ومليلية" (1).
ملف الصحراء وتأثيره السلبي على المنطقة: شلل مغاربي وسباق تسلح
إن هذا التمسك الحاد والتمحور الكامل للمغرب حول ملف الصحراء الغربية لم يقتصر أثره على تجميد ملف الثغور الشمالية المحتلة فحسب، بل امتد ليعصف بالاستقرار الإقليمي لمنطقة المغرب العربي برمتها. لقد تحولت قضية الصحراء إلى حجر عثرة حقيقي أفسد العلاقات الثنائية بين الرباط والجزائر بشكل غير مسبوق، ووصل بالبلدين الجارين إلى قطيعة دبلوماسية تامة (6).
هذا التوتر المزمن أدى مباشرة إلى عواقب وخيمة على المستويين السياسي والعسكري:
  • توقف عجلة الاتحاد المغاربي: أُصيب مشروع "الاتحاد المغرب العربي" بشلل تام وموت سريري، وضاعت على شعوب المنطقة فرص التكامل الاقتصادي والوحدة بسبب تباين المواقف الحاد حول الصحراء.
  • سباق محموم نحو التسلح: اندفع الجاران الشقيقان نحو استنزاف ثرواتهما في سباق تسلح غير مسبوق؛ حيث تخصص ميزانيات ضخمة لشراء أحدث المنظومات الدفاعية والطائرات والأسلحة الهجومية، وهو ما كان أولى أن يُوجّه نحو التنمية والتعليم والصحة. هذا التسلح حوّل المنطقة إلى برميل بارود يهدد السلم الأهلي الإقليمي بدلاً من توجيه القوة دفاعاً عن قضايا الأمة المشتركة.
تحويل التحرير إلى ملف "تقني" واستخدام الهجرة
في ظل هذا الواقع، تراجعت لغة التحرير والسيادة الوطنية تجاه الاحتلال الإسباني، وتحول الصراع التاريخي إلى مجرد تفاوض حول ملفات "تقنية" وإجراءات حدودية، مثل فتح الجمارك التجارية، ومكافحة الهجرة غير النظامية، والربط البحري (7).
ومع ذلك، يمارس المغرب ضغطاً ناعماً بطرق غير مباشرة؛ فبدلاً من المواجهة الدبلوماسية العلنية، أصبحت "أوراق الضغط" بديلة. نرى ذلك بوضوح في موجات الهجرة غير النظامية المتلاحقة التي تشهدها حدود المدينتين المحتلتين، والتي تُستخدم كرسائل سياسية مبطنة لمدريد لتذكيرها بأن استقرار أمنها الجنوبي مرهون باستمرار موقفها الإيجابي من قضية الصحراء (8). يضاف إلى ذلك سياسة "الخنق الاقتصادي" عبر إنهاء التهريب المعيشي، بهدف تحويل هذه الثغور إلى عبء مالي على الخزينة الإسبانية دون الحاجة لصدام عسكري مباشر.
خاتمة: السيادة كلّ لا يتجزأ
إن رهن السيادة الوطنية في الشمال لانتزاع اعترافات بملف الجنوب هو مناورة سياسية محفوفة بالمخاطر؛ فالأوراق الدولية متقلبة، والحكومات في إسبانيا وأوروبا تتبدل، وما يمنحه اليمين اليوم قد يتراجع عنه اليسار غداً.
إن موقفنا كأصحاب فكر قومي ومبدئي يظل ثابتاً لا يتزحزح: السيادة لا تتجزأ، والاستعمار لا يمكن تصنيفه إلى مقاطعات مقبولة وأخرى مرفوضة. إن التفريط أو السكوت عن احتلال سبتة ومليلية والجزر المغربية هو طعنة في خاصرة التحرر العربي، وإن الاستقرار الحقيقي في حوض المتوسط لن يتحقق عبر سياسات المقايضة وتأجيل الأزمات، بل بالإنهاء الكامل وغير المشروط لآخر المعاقل الاستعمارية الأوروبية في قارتنا الإفريقية.

الهوامش والمراجع:
(1) د. عبد الحكيم أبو اللوز، المقايضات السياسية في العلاقات المغربية الإسبانية، مركز دراسات الوحدة العربية.
(2) الناصر خشيني، الثغور المغربية المحتلة وجذور الاستعمار الحديث، مقالات الفكر القومي العربي.
(3) مقتطف من الخطاب الملكي الرسمي للعاهل المغربي محمد السادس بمناسبة ثورة الملك والشعب.
(4) تقرير السياسة الخارجية الإسبانية، التحول في موقف مدريد من ملف الصحراء وتداعياته الجيوسياسية، معهد إل كانو الملكي.
(5) د. حسن طارق، المغرب وإسبانيا: من صراع السيادة إلى الشراكة الأمنية والتقنية، المجلة العربية للعلوم السياسية.
(6) تقارير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، العلاقات الجزائرية المغربية: أزمة الصحراء والانسداد المغاربي.
(7) يوسف جلال، سباق التسلح في شمال إفريقيا وتأثيره على التنمية المستدامة، مجلة الدفاع الإستراتيجي.
(8) تقرير المنظمة الدولية للهجرة (IOM)، ملف الهجرة غير النظامية عبر ثغور سبتة ومليلية 

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...