قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا تونس. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضايا تونس. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 13 يوليو 2026

تونس الخضراء بين أمجاد الماضي وتحديات الاستدامة ​بقلم: الناصر خشيني



​لطالما ارتبط اسم تونس بصفة "الخضراء"، وهي تسمية لم تأتِ من فراغ، بل كانت انعكاساً لواقع جغرافي وتاريخي يؤكد أن المسافر كان يقطع البلاد من شمالها إلى وسطها تحت ظلال الأشجار الكثيفة [1]. إلا أن هذا الرداء الأخضر بات اليوم يواجه تهديدات جسيمة حولت مساحات شاسعة من الغابات إلى أراضٍ تعاني من الهشاشة وفقدان التنوع البيولوجي.

​تشخيص الواقع: عوائق في طريق التعافي

​على الرغم من وجود ترسانة قانونية متمثلة في مجلة الغابات، إلا أن الفجوة بين النص القانوني والتطبيق الميداني لا تزال واسعة. ويمكن تلخيص المعوقات الأساسية في:

​البيروقراطية المقيدة: التي تعيق مبادرات التشجير الخاص والاستثمار الرشيد.

​الاحتطاب العشوائي والصيد غير القانوني: مما أدى إلى استنزاف أصناف نادرة واختلال التوازن البيئي [2].

​كابوس الحرائق الصيفية: الجرح النازف

​باتت حرائق الغابات، خاصة في فصل الصيف مع هبوب رياح "الشهيلي"، تمثل التهديد الأكبر الذي يلتهم آلاف الهكتارات سنوياً. هذه الحرائق ليست مجرد كارثة طبيعية في كثير من الأحيان، بل هي نتاج تداخل عوامل بشرية ومناخية [3].         


​كيف يمكن تلافي خطر الحرائق؟

إن مواجهة الحرائق تتطلب استراتيجية استباقية بعيداً عن الحلول الدفاعية المؤقتة، وذلك عبر:

​الإنذار المبكر والرقابة الذكية: ركزت التجارب الدولية الناجحة على وضع أبراج مراقبة مجهزة بكاميرات حرارية مرتبطة بالأقمار الصناعية، واستخدام "الدرون" لمسح الغابات في الأيام عالية المخاطر لضبط أي بؤرة حريق في دقائقها الأولى [4].

​تهيئة الغابات (المصدات النار): يجب تفعيل صيانة المسالك الغابية وفتح "مصدات النار" (Tranchées pare-feu) بصفة دورية، وهي مساحات خالية من الأعشاب تحول دون انتقال النيران من منطقة إلى أخرى.

​إشراك المتساكنين في "الحراسة الشعبية": لا يمكن للدولة وحدها حماية كل شبر. إن تمكين سكان الغابات وتدريبهم على التدخل الأولي وتوفير معدات بسيطة لهم يجعل منهم خط الدفاع الأول.

​التوعية والردع القانوني: تشديد العقوبات على المتسببين في الحرائق (سواء بالإهمال أو العمد) مع حملات إعلامية مكثفة للمصطافين والمجاورين للغابات حول مخاطر إشعال النار [3].

​السبيل نحو العودة إلى "تونس الخضراء"

​إن استعادة الغطاء النباتي تتطلب أيضاً:

​المقاربة التشاركية: تحويل سكان المناطق الغابية إلى شركاء عبر "الاقتصاد الأخضر".

​تحديث التشريعات: تبسيط الإجراءات لتشجيع التشجير الخاص [2].

​إعادة التوطين الحيواني: لضمان دورة بيئية متكاملة.

​خا

​إن إعادة تونس إلى سابق عهدها، حيث يسير المسافر في ظل الأشجار، ليست حلماً مستحيلاً، بل هي واجب وطني. إن حماية غاباتنا من النيران ومن اليد العابثة هي معركة وجود في ظل التغيرات المناخية، فكل شجرة نحميها اليوم هي رئة لأجيال الغد.

​المراجع والهوامش:

​[1] المنصف بن سالم، تاريخ تونس الخضراء: الجغرافيا والمناخ عبر العصور، منشورات المعهد الوطني للتراث.

[2] الجمهورية التونسية، مجلة الغابات (نصوص قانونية محينة)، المطبعة الرسمية، تونس.

[3] الحماية المدنية التونسية، التقرير السنوي حول حرائق الغابات: الأسباب وسبل التوقي، (2023).

[4] وزارة الفلاحة والموارد المائية، الاستراتيجية الوطنية لحماية الغابات من الحرائق (2015-2024).

[5] الجمعية التونسية لحماية الطبيعة والبيئة، دراسات حول التنوع البيولوجي في المرتفعات الشمالية.

السبت، 4 يوليو 2026

المشروع العروبي في تونس: مسار من الثعالبي إلى اليوم بقلم الناصر خشيني



مدخل
منذ تأسيس الدولة التونسية الحديثة، لم يكن الصراع السياسي فيها ثنائيًا بسيطًا بين "حداثة" و"تقليد"، بل كان صراعًا ثلاثي الأطراف: تيار حداثوي فرنكفوني تبنّى الدولة الوطنية القُطرية كإطار نهائي، وتيار إسلاموي رفع راية "الأصالة" كرد فعل هوياتي، وتيار عروبي-قومي رأى في تونس جزءًا من مشروع أوسع للأمة العربية، ودفع ثمن هذا الخيار دمًا وسجنًا وتغييبًا عبر عقود.
من الثعالبي إلى قصر هلال: التأسيس والانقسام الأول
أسّس عبد العزيز الثعالبي الحركة الوطنية التونسية على مرجعية عربية-إسلامية واضحة. لكن مؤتمر قصر هلال في مارس 1934 مثّل نقطة تحوّل حاسمة، حين شكّل الحبيب بورقيبة "الدستور الجديد" منفصلًا عن خط الثعالبي، ليؤسس تدريجيًا لمشروع أكثر ميلًا إلى النموذج الفرنسي في الإدارة واللغة والتعليم، مع احتفاظه بخطاب وطني في الشكل.
الصراع اليوسفي-البورقيبي: حين انقسمت الحركة الوطنية على نفسها
بعد اتفاقيات "الحكم الذاتي الداخلي" في يونيو 1955، رفض صالح بن يوسف، الأمين العام للحزب، ما اعتبره استقلالًا منقوصًا، ودعا إلى مواصلة المقاومة والالتحام بالثورة الجزائرية، مستندًا إلى خطاب عروبي ناصري صريح. تحوّل الخلاف إلى ما يشبه حربًا أهلية مصغّرة بين 1955 و1956، انتهت بطرد ابن يوسف من الحزب في مؤتمر صفاقس، ثم اغتياله في فرانكفورت عام 1961 وسط اتهامات وُجّهت لأجهزة الدولة التونسية بالتدبير.
المفارقة أن بعض من قمعوا اليوسفيين في البداية، كالمقاوم الأزهر الشرايطي الذي كُلّف بمواجهة أنصار ابن يوسف، انقلبوا لاحقًا على النظام نفسه بعد خيبة أمل من التهميش، فانضم الشرايطي إلى محاولة الانقلاب المكتشفة في ديسمبر 1962، وأُعدم رميًا بالرصاص في 24 جانفي 1963 مع اثني عشر آخرين. هذا يكشف أن دائرة القمع لم تكن محصورة في معسكر واحد، بل امتدت لتشمل حتى من ساندوا بورقيبة أولًا.
الجامعة التونسية: ساحة المواجهة الفكرية في السبعينات
مع بداية السبعينات، شكّل تيار الطلبة العرب التقدميين الوحدويين، المتبنّي لأدبيات "فلسفة الثورة والميثاق" الناصرية و"نظرية الثورة العربية" لعصمت سيف الدولة، القوة الفكرية والتنظيمية الأبرز في الجامعة التونسية. أمام هذا الحضور المسلّح بمنظومة نظرية متكاملة، وجدت الحركة الإسلامية الناشئة (حركة الاتجاه الإسلامي، ثم النهضة لاحقًا) نفسها في موقع الرد الهوياتي المضاد، لتبدأ مواجهة فكرية وتنظيمية طويلة داخل أسوار الجامعة انعكست لاحقًا على المشهد السياسي العام.حيث فشلت النهضة. في مواجهة هذا التيار فكريا فاتجهت للعنف 
قفصة 1980: حين انفجر الهامش
مثّل الهجوم المسلح على مدينة قفصة في جانفي 1980 لحظة كاشفة عن عمق التهميش الذي عاشته الجهات الداخلية منذ الاستقلال، رغم دورها التاريخي في المقاومة المسلحة، انتهت بإعدام عدد من المشاركين، وبقيت تعبيرًا عن غضب داخلي حقيقي وجد في الشعارات القومية والوحدوية إطارًا للتعبير عنه وقد وصف القوميون نظام بورقيبة وابن علي في ادبياتهم بكونه نظاما اقليميا رجعيا عميلا والثورة عليهما مشروعة 
من الاغتيالات إلى اليوم: استمرار الاستهداف
لم يتوقف استهداف الرموز القومية عند ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. اغتيال محمد البراهمي، القيادي في حركة الشعب والمؤسس للتيار الشعبي ذات المرجعية الناصرية، في 25 يوليو 2013 على يد تنظيم متشدد، جاء في سياق موجة عنف سياسي طالت أيضًا الشخصيات اليسارية، وأعاد إلى الواجهة  موقع التيار القومي بين مطرقة الدولة العميقة وسندان التشدد الديني بحيث كان الحل الامثل لمشاكل تونس باعتبارها قطرا عربيا لا يمكن حل مشاكلها بمعزل عن امتها العربية الواحدة فمن الطبيعي ان يتم التركيز على القضية الفلسطينية فكانت مركزيتها وحضورها لدى العرب التونسيين من تاثير ذلك التيار القومي التقدمي العريق
بعد 2011: بين خيبة الثورة وتجربة قيس سعيّد
أفضت الفوضى التي اجتاحت المنطقة بعد 2011 (العراق، سوريا، ليبيا، اليمن، السودان) إلى مراجعة داخل التيار القومي نفسه لمسلّمات قديمة كانت تنظر بريبة إلى "الدولة القُطرية" كعائق أمام الوحدة. الخلاصة التي بلورتها هذه التجربة المريرة: الحفاظ على حدٍّ أدنى من تماسك الدولة الوطنية أفضل من مغامرة تفكك شامل لا يقود بالضرورة إلى مشروع وحدوي بديل، بل إلى فراغ يُستغل خارجيًا وداخليًا.
من هذا المنطلق، نظر جزء من التيار القومي التونسي إلى إجراءات 25 جويلية 2021 بعين إيجابية نسبيًا، باعتبارها كسرت هيمنة حركة النهضة دون الانزلاق إلى حرب أهلية. لكن التجربة تركت أيضًا علامات استفهام: غياب سند تنظيمي وشعبي منظّم لمسار الإصلاح، واستمرار قوة لوبيات المال والتهريب والاحتكار التي يوصف نفوذها بأنه أعمق وأكثر تجذرًا من أي حكومة أو رئيس عابر.
خاتمة: قراءة بين قراءات أخرى
هذا السرد يعكس بالأساس القراءة التي يتبناها التيار القومي العروبي لتاريخه الخاص، وهي قراءة لها سياقها ومنطقها الداخلي المتماسك. لكنها ليست القراءة الوحيدة الممكنة: فالتيار الفرنكفوني الحداثوي يرى في تجربة بورقيبة تحديثًا ضروريًا حمى تونس من مصير أنظمة عسكرية عربية أخرى، بينما يرى التيار الإسلاموي في نفسه ضحية قمع مزدوج من دولة "علمانية" ومن خصومه القوميين، لا شريكًا في مشروع واحد معهما. كما أن ربط التيارين الفرنكفوني والإسلاموي بمشروع يميني واضح المعالم بحيث ظهر ان هذين التيارين بعد الصدام مع الرئيس قيس سعيد لم يحاولا الالتحام بالجماهير العريضة للتغيير والعودة لاسطوانة العشرية السوداء والديمقراطية العرجاء التي راينا فصولا منها في تزوير الانتخابات بالمال والاعلام والاغتيالات للامنيين والعسكريين والسياسيين والمهزلة الكبرى التي كانت قائمة في مجلس النواب والتي راينا مخرجاتها المقززة بالصوت والصورة والنقل الحي المباشر  وانما اتجها للغرب قصد المساعدة على التخلص من اجراءات 25 جويلية وعودتهم للحكم وهذا ما لا يقبله القوميون في تونس ولا الجماهير الشعبية المتطلعة للتحرر من الهيمنة الاجنبية بكل اشكالها.

 

ملخص كتاب: "مشروع مخطط التنمية 2026-2030 – التوجهات العامة والأهداف التنموية" بقلم هشام اللهيوي


  قبل الخوض في تفاصيل مشروع مخطط التنمية 2026-2030.   (708 صفحة) ، لا بد من التأكيد على أن أي قراءة اقتصادية وسياسية جادة لا ينبغي أن تكتفي بتقييم الأهداف المعلنة، وإنما عليها أن تتناول الأسس الفكرية للنموذج التنموي، ومدى قدرته على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو زيادة في حجم الاستثمارات، بل هي مشروع حضاري متكامل يعيد صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، ويحدد موقع الأمة في موازين القوى الإقليمية والدولية 


1)  ملخص كتاب: "مشروع مخطط التنمية 2026-2030 – التوجهات العامة والأهداف التنموية"

يمثل هذا الكتاب الوثيقة المرجعية لمشروع مخطط التنمية التونسي للفترة 2026-2030، الصادر عن وزارة الاقتصاد والتخطيط، ويهدف إلى رسم التوجهات الكبرى للتنمية الاقتصادية والاجتماعية خلال السنوات الخمس المقبلة، انطلاقًا من رؤية تقوم على العدالة الاجتماعية والتنمية الجهوية والسيادة الوطنية والتعويل على الذات. 


ينطلق المخطط من تشخيص شامل للواقع التنموي، فيقر بأن تونس حققت مكاسب مهمة منذ الاستقلال في مجالات البنية الأساسية والتعليم والصحة، غير أن الخيارات التنموية السابقة لم تنجح في الحد من التفاوت بين الجهات ولا في معالجة البطالة وضعف الاستثمار وتراجع أداء المؤسسات العمومية، مما أفرز اختلالات اقتصادية واجتماعية وهيكلية. 


ويقدم المخطط رؤية جديدة للتنمية تقوم على التخطيط التشاركي التصاعدي، حيث تنطلق الأولويات من المجالس المحلية والجهوية ومجالس الأقاليم، ثم تُدمج في رؤية وطنية، بما يجعل المواطن شريكًا في تحديد المشاريع والسياسات العمومية، ويكرس اللامركزية في صياغة القرار التنموي. 


ويرتكز المشروع على خمسة توجهات استراتيجية كبرى هي:

ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة.

تحقيق تنمية مجالية متوازنة بين مختلف الجهات.

تعصير الاقتصاد الوطني وتطوير البنية التحتية.

تحقيق الأمن المائي والغذائي والطاقي مع المحافظة على البيئة.

تحديث الإطار المؤسساتي وتحسين نجاعة المرفق العام. 


كما يرسم المخطط أهدافًا اقتصادية طموحة، من أبرزها:

رفع معدل النمو الاقتصادي إلى نحو 4.2% خلال الفترة 2026-2030.

التحكم في التضخم في حدود 5%.

تقليص عجز الميزانية إلى أقل من 3%.

المحافظة على نسبة الدين العمومي في حدود 80%.

تحسين القدرة الشرائية وخلق مواطن شغل جديدة، مع دعم الاستثمار والإنتاج الوطني. 


ويولي المخطط أهمية خاصة لتنمية رأس المال البشري عبر إصلاح التعليم والتكوين المهني والتعليم العالي، وتحسين الخدمات الصحية، ودعم الحماية الاجتماعية، والرفع من نسب الإدماج الاقتصادي للشباب والنساء، إلى جانب تعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والشركات الأهلية. 


وفي الجانب الاقتصادي، يدعو إلى تحديث النسيج الصناعي، وتحفيز الاستثمار، وتطوير البنية التحتية، وتسريع الانتقال الرقمي، ودعم الابتكار، وتحقيق الأمن الطاقي والمائي والغذائي، بما يعزز قدرة الاقتصاد الوطني على مواجهة الأزمات الخارجية. 


كما يتضمن المخطط محفظة واسعة من المشاريع العمومية، تم اختيارها بعد آلاف الجلسات التشاورية مع المجالس المنتخبة، مع إعطاء الأولوية للمشاريع ذات الأثر المباشر على حياة المواطنين، وخاصة في النقل والطرقات والمياه والطاقة والخدمات الأساسية. 


ويؤكد الكتاب أن نجاح المخطط يبقى رهينًا بتحقيق إصلاحات هيكلية، ومقاومة الفساد، وتحسين الحوكمة، ورفع إنتاجية المؤسسات العمومية، وتعزيز التمويل الذاتي، مع متابعة دورية لمؤشرات الإنجاز وإمكانية مراجعة الأهداف وفق المتغيرات الاقتصادية الدولية. 


الخلاصة: يطرح مخطط التنمية 2026-2030 تصورًا جديدًا للتنمية في تونس يقوم على العدالة الاجتماعية، والتنمية الجهوية، والتخطيط التشاركي، وتعزيز السيادة الاقتصادية، مع السعي إلى تحقيق نمو مستدام وتحسين مستوى عيش المواطنين. وفي الوقت نفسه، فإن بلوغ أهدافه يبقى مرتبطًا بمدى نجاح الإصلاحات، وتوفير التمويلات اللازمة، ونجاعة التنفيذ والمتابعة خلال سنوات المخطط.


2) دراسة اقتصادية سياسية للكتاب الأول: 


مخطط التنمية 2026-2030: هل يمثل بداية لاقتصاد وطني منتج أم مجرد إعادة صياغة لخطاب الدولة؟

قراءة اقتصادية سياسية من منظور عروبي قومي تقدمي 


إن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل، في جوهره، محاولة لإعادة الاعتبار للدولة الوطنية كفاعل مركزي في قيادة التنمية بعد عقود من هيمنة المقاربات الليبرالية التي أضعفت وظيفة الدولة الاقتصادية، وفتحت المجال أمام اقتصاد ريعي واستهلاكي أكثر منه اقتصادًا منتجًا. ومن هذا المنطلق، فإن المخطط يستحق التوقف عنده بوصفه وثيقة سياسية بقدر ما هو وثيقة اقتصادية، لأنه يعكس صراعًا بين نموذجين متناقضين: نموذج الدولة الاجتماعية المنتجة، ونموذج السوق الذي يخضع لمنطق العولمة والمؤسسات المالية الدولية.


ومن منظور الفكر العروبي القومي التقدمي  فإن التنمية ليست مجرد تحسين لمؤشرات الاقتصاد الكلي، بل هي مشروع للتحرر الوطني، لأن الأمة التي لا تنتج غذاءها ولا طاقتها ولا دواءها ولا تكنولوجيتها، تبقى أسيرة لإرادة الخارج مهما رفعت من شعارات السيادة السياسية. فالسيادة الاقتصادية ليست شعارًا دعائيًا، بل هي الشرط الموضوعي للاستقلال الوطني.


لقد شخص المخطط بدقة عددا من الاختلالات البنيوية التي راكمتها السياسات السابقة، وفي مقدمتها التفاوت الجهوي، وتراجع الاستثمار العمومي، وتدهور الإنتاجية، واتساع الاقتصاد الموازي، وارتفاع المديونية، وانكماش دور المؤسسات العمومية. غير أن تشخيص الأزمة، مهما بلغت دقته، لا يكفي ما لم يقترن بإرادة سياسية تمتلك الجرأة على مراجعة الخيارات الاقتصادية التي كرست التبعية للخارج منذ نهاية ثمانينيات القرن الماضي.


إن الاقتصاد التونسي لا يعاني من أزمة موارد، بل من أزمة خيارات. فقد تحولت البلاد تدريجيًا من اقتصاد يسعى إلى بناء قاعدة إنتاجية وطنية إلى اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الاستيراد، والاقتراض، والخدمات منخفضة القيمة المضافة، مما أدى إلى تآكل النسيج الصناعي، وإضعاف الفلاحة، وارتفاع العجز التجاري، واستنزاف احتياطي العملة الصعبة. لذلك فإن أي مخطط تنموي لا يضع إعادة بناء الاقتصاد المنتج في صدارة أولوياته سيظل عاجزًا عن إحداث التحول التاريخي المنشود.


ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في رفع نسبة النمو إلى 4 أو 5 بالمائة، وإنما في تغيير طبيعة النمو نفسه. فالنمو الذي تصنعه المضاربات العقارية أو الاستهلاك أو الخدمات الهامشية لا يبني اقتصادًا قويًا، بينما النمو القائم على الصناعة، والفلاحة، والاقتصاد المعرفي، والبحث العلمي، والتكنولوجيا، هو وحده القادر على خلق الثروة المستدامة، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وتعزيز السيادة الوطنية.


ومن المنظور القومي ، فإن الدولة ليست مراقبًا محايدًا للسوق، بل هي قاطرة التنمية. ولذلك فإن إعادة الاعتبار للمؤسسات العمومية الاستراتيجية ليست مسألة أيديولوجية، وإنما ضرورة اقتصادية وأمن قومي. فالماء والطاقة والنقل والسكك الحديدية والموانئ والصناعات الأساسية يجب أن تبقى أدوات بيد الدولة، لأنها تمثل مفاتيح القرار الاقتصادي الوطني، ولا يجوز أن تخضع لمنطق الربح أو لإملاءات الخصخصة.


وفي المقابل، فإن القطاع الخاص الوطني المنتج يمثل شريكًا أساسيًا في معركة التنمية، شرط أن يكون استثماره موجهًا نحو الإنتاج والتصدير والتشغيل، لا نحو الاحتكار والريع والمضاربة. فالدولة الوطنية لا تعادي المبادرة الخاصة، لكنها ترفض أن تتحول السوق إلى سلطة فوق الدولة، أو أن يصبح رأس المال المالي هو المتحكم في القرار السياسي.


كما أن الحديث عن الأمن الغذائي والمائي والطاقي يجب ألا يبقى في حدود البرامج القطاعية، بل ينبغي أن يتحول إلى عقيدة اقتصادية وطنية. فالأرض الزراعية ليست مجرد وسيلة إنتاج، بل هي عنصر من عناصر السيادة. والمياه ليست مورداً طبيعياً فحسب، بل قضية أمن قومي. والطاقة ليست سلعة، وإنما أساس للاستقلال الاقتصادي. ولذلك فإن الاستثمار المكثف في الفلاحة العصرية، والسدود، وتحلية مياه البحر، والطاقات المتجددة، والصناعات الغذائية، يمثل الخيار الاستراتيجي الذي يجب أن يحظى بالأولوية المطلقة.

غير أن المخطط، رغم طموحه، يظل مطالبًا بالإجابة عن أسئلة جوهرية. فمن أين ستأتي الموارد المالية اللازمة لإنجاز آلاف المشاريع المبرمجة؟ وهل يمكن الجمع بين تقليص العجز المالي، والحد من المديونية، وزيادة الإنفاق العمومي دون إصلاح جبائي جذري يستعيد الأموال المنهوبة، ويكافح التهرب الضريبي، ويُخضع الاقتصاد الموازي لمنظومة الدولة؟


إن الإصلاح الجبائي، في الرؤية التقدمية، ليس مجرد إجراء محاسبي، بل هو أداة لإعادة توزيع الثروة وتحقيق العدالة الاجتماعية. فلا يمكن أن تستمر الأجراء والطبقة الوسطى في تحمل العبء الأكبر من الضرائب، بينما تبقى قطاعات واسعة من الاقتصاد خارج المنظومة الجبائية أو تستفيد من امتيازات غير مبررة.


كما أن نجاح المخطط يظل رهينًا بإصلاح الإدارة العمومية، لأن الإدارة هي الذراع التنفيذية للدولة. فلا قيمة لأفضل المخططات إذا بقيت المشاريع حبيسة التعقيدات الإدارية، وتضارب الصلاحيات، وضعف المتابعة، والفساد، وغياب ثقافة الإنجاز. فالمعركة ضد البيروقراطية ليست أقل أهمية من المعركة ضد الفساد، لأن كليهما يستنزف مقدرات الدولة ويقوض ثقة المواطن.


ومن زاوية قومية عربية، فإن المخطط كان يمكن أن يكون أكثر جرأة في طرح مشروع للتكامل الاقتصادي المغاربي والعربي. فالسوق التونسية وحدها محدودة، بينما يشكل الفضاء العربي، بما يمتلكه من موارد بشرية وطبيعية ومالية، مجالًا استراتيجيًا لبناء سلاسل إنتاج مشتركة، وتحقيق الأمن الغذائي، وتوطين التكنولوجيا، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي الجماعي. إن المشروع القومي لا ينفصل عن المشروع التنموي، لأن وحدة المصير الاقتصادي هي أحد أعمدة النهضة العربية.

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه تونس اليوم ليس فقط تجاوز الأزمة الاقتصادية، وإنما الانتقال من اقتصاد التبعية إلى اقتصاد السيادة، ومن اقتصاد الاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج، ومن دولة إدارة الأزمة إلى دولة صناعة المستقبل.

وعليه، فإن مخطط التنمية 2026-2030 يمثل خطوة إيجابية في اتجاه استعادة دور الدولة الوطنية، لكنه لن يحقق أهدافه إلا إذا تحول إلى مشروع نهضوي شامل يقوم على إعادة الاعتبار للتخطيط الاقتصادي، وإحياء القطاع العام المنتج، وتحفيز الاستثمار الوطني، وتعبئة الكفاءات العلمية، وربط الجامعة بالصناعة، وإرساء عدالة جبائية، وتعزيز التكامل المغاربي والعربي، مع تحرير القرار الاقتصادي من كل أشكال الارتهان للخارج.

إن المشروع القومي التقدمي  يؤمن بأن التنمية ليست غاية اقتصادية فحسب، بل هي فعل تحرري يعيد للإنسان كرامته، وللدولة سيادتها، وللأمة قدرتها على صنع مستقبلها. وعندما تصبح العدالة الاجتماعية، والسيادة الاقتصادية، والوحدة الوطنية، والتكامل العربي مكوناتٍ متلازمة في السياسة العامة، آنذاك فقط يمكن الحديث عن ميلاد نموذج تنموي جديد، يقطع مع إرث التبعية، ويؤسس لجمهورية الإنتاج والعمل والكرامة الوطنية.


3) ملخص كتاب: "مخطط التنمية – التنمية المجالية 2026-2030"

يمثل هذا الكتاب الوثيقة المرجعية لسياسة التنمية المجالية في تونس خلال الفترة 2026-2030، ويطرح تصورا جديدا للتخطيط التنموي يقوم على الانتقال من المركزية التقليدية إلى التخطيط التصاعدي الذي ينطلق من المستوى المحلي، ثم الجهوي، فالإقليمي، وصولا إلى المستوى الوطني، بما يجعل المواطن والمجالس المنتخبة شريكا مباشرا في تحديد الأولويات التنموية. 


أولاً: فلسفة التنمية المجالية

يرتكز المخطط على بناء نموذج تنموي جديد يهدف إلى:

تحقيق العدالة المجالية وتقليص الفوارق بين الجهات.

تعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي.

تثمين الخصوصيات والموارد المحلية لكل إقليم.

تحسين جودة الحياة والخدمات الأساسية.

إرساء تكامل بين السياسات القطاعية والسياسات الترابية. 


ثانياً: التقسيم الترابي الجديد

اعتمدت الدولة تقسيم البلاد إلى خمسة أقاليم تنموية، تضم مختلف الولايات وفق منطق اقتصادي وجغرافي جديد يهدف إلى:

خلق أقطاب تنموية متكاملة.

تعزيز التضامن بين الولايات.

تجاوز الحدود الإدارية التقليدية.

رفع القدرة التنافسية للأقاليم. 


ثالثاً: تشخيص الواقع التنموي

يعرض المخطط تشخيصا شاملا للوضع التنموي أبرز من خلاله:

استمرار التفاوت التنموي بين الجهات.

ضعف إنجاز المشاريع العمومية مقارنة بالمبرمج.

تمركز الاستثمار الخاص في الأقاليم الساحلية.

ضعف البنية الأساسية في العديد من المناطق الداخلية.

ارتفاع نسب البطالة والهجرة الداخلية.

تفاوت واضح في النفاذ إلى الماء الصالح للشراب والتطهير والخدمات الأساسية.

استمرار الفوارق في مؤشر التنمية الجهوية بين الولايات والمعتمديات. 


رابعاً: أهم الإشكاليات

حدد المخطط خمس مجموعات كبرى من التحديات:

إشكاليات تنموية: استمرار الفوارق المجالية.

إشكاليات اجتماعية: تفاوت الخدمات، السكن، الانقطاع المدرسي، والهجرة.

إشكاليات اقتصادية: ضعف الاستثمار، نقص المناطق الصناعية، هشاشة اللوجستيك، محدودية تثمين الموارد.

إشكاليات بيئية: الجفاف، التصحر، الفيضانات، تدهور الموارد الطبيعية والتلوث.

إشكاليات مؤسساتية: تعدد المتدخلين، ضعف التنسيق، بطء إنجاز المشاريع وضعف الحوكمة. 


خامساً: مقومات التنمية

يرى المخطط أن تونس تمتلك رصيدا مهما يمكن البناء عليه، ويتمثل في:

ثروة بشرية شابة وكفاءات علمية.

تنوع الموارد الفلاحية والمنجمية والبحرية.

شبكة نقل وموانئ ومطارات قابلة للتطوير.

تراث ثقافي وسياحي غني.

إمكانات كبيرة في الاقتصاد الرقمي والطاقات المتجددة.

إطار مؤسساتي جديد يدعم اللامركزية والتخطيط الترابي. 


سادساً: التوجهات الاستراتيجية الخمسة

يعتمد المخطط خمسة محاور كبرى هي:

مجالات ترابية قادرة على إدارة شؤونها التنموية.

مجالات تحقق العدالة الاجتماعية وتنمية رأس المال البشري.

مجالات صامدة أمام التغيرات المناخية والبيئية.

مجالات دافعة للحركية الاقتصادية والاستثمار.

مجالات متكاملة ومتضامنة فيما بينها وطنيا وإقليميا. 


سابعاً: المخططات الإقليمية والجهوية

يخصص الجزء الثاني من الكتاب عرضا لكل إقليم ثم لكل ولاية، ويتضمن:

التشخيص التنموي.

نقاط القوة والضعف.

المشاريع ذات الأولوية.

البرامج القطاعية.

آفاق الاستثمار.

مؤشرات التنمية المستهدفة إلى سنة 2030. 


الخلاصة

يمثل مخطط التنمية المجالية 2026-2030 تحولا نوعيا في الفكر التنموي التونسي، إذ يسعى إلى جعل التنمية منطلقة من القاعدة المحلية، مع إعادة توزيع الاستثمار وفق حاجيات الجهات، وتحقيق تنمية أكثر توازنا وعدالة. ويؤكد أن نجاح هذا التوجه يبقى رهينا بقدرة الدولة على تجاوز العراقيل الإدارية، وتسريع إنجاز المشاريع، وتعبئة الموارد المالية، وتحقيق تنسيق فعّال بين مختلف مستويات الحكم، حتى تتحول الأهداف المعلنة إلى نتائج ملموسة يشعر بها المواطن في مختلف مناطق البلاد.


4) قراءة اقتصادية سياسية استراتيجية في "مخطط التنمية المجالية 2026-2030" من منظور عروبي قومي تقدمي 


ليس من قبيل الصدفة أن تعود الدولة التونسية، بعد أكثر من عقد ونصف من الاضطرابات السياسية والاقتصادية، إلى الحديث عن التخطيط والتنمية المجالية والأقاليم الاقتصادية. فهذا التحول يعكس، بصورة ضمنية، اعترافا بأن العقيدة الاقتصادية التي هيمنت خلال العقود الماضية، والقائمة على تحرير الأسواق، والانفتاح غير المنضبط، وتقليص الدور الاجتماعي للدولة، قد وصلت إلى حدودها التاريخية، وعجزت عن إنتاج التنمية العادلة أو ضمان الاستقرار الاجتماعي.


غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يطرحه كل مفكر اقتصادي قومي هو: هل يمثل هذا المخطط قطيعة حقيقية مع النموذج الاقتصادي النيوليبرالي الذي عمّق التبعية والاختلالات، أم أنه مجرد إعادة تنظيم ترابي لسياسات اقتصادية لم تتغير في جوهرها؟


إن التنمية ليست عملية هندسية لإعادة توزيع المشاريع بين الجهات، وإنما هي مشروع سياسي سيادي يعيد تشكيل الاقتصاد الوطني على أسس الإنتاج والعدالة والاستقلال. ولذلك فإن أي مخطط تنموي لا يجيب بوضوح عن سؤال من ينتج؟ ولمن ينتج؟ ومن يملك وسائل الإنتاج؟ ومن يتحكم في القرار الاقتصادي؟ يبقى معرضا لأن يتحول إلى وثيقة إدارية مهما بلغت دقتها الفنية.


لقد أصاب المخطط في تشخيصه لاختلالات التنمية المجالية، لكنه لم يذهب بعيدا في تشخيص الأسباب البنيوية التي أفرزت تلك الاختلالات. فالتفاوت بين الساحل والداخل لم يكن قدرا جغرافيا، وإنما كان نتيجة خيارات اقتصادية وسياسية متراكمة، قامت على تركيز الاستثمار والبنية الأساسية والخدمات في مناطق محددة، وربط الاقتصاد الوطني بالمراكز الرأسمالية الخارجية، مقابل تهميش فضاءات واسعة تحولت إلى خزانات للبطالة والهجرة والفقر.


ومن المنظور القومي، فإن القضية ليست قضية "تنمية جهوية" فحسب، بل هي قضية تحرير اقتصادي وطني. فلا يمكن الحديث عن عدالة مجالية في ظل اقتصاد يعتمد بصورة متزايدة على الاقتراض الخارجي، ويخضع لشروط المؤسسات المالية الدولية، ويستورد معظم احتياجاته الصناعية والغذائية، بينما تتراجع مساهمة الصناعة التحويلية والإنتاج الفلاحي ذي القيمة المضافة في الناتج الوطني.

إن الدولة الوطنية ليست مجرد منظم للسوق، بل هي قائد للتنمية، ومخطط للاستثمار، وحام للقطاعات الاستراتيجية. ولذلك فإن أي مخطط تنموي يفصل بين التنمية والسيادة الاقتصادية يبقى ناقصا، لأن القرار الاقتصادي المستقل هو الشرط الأول لنجاح أي مشروع تنموي.


كما أن التقسيم الجديد إلى أقاليم تنموية يمكن أن يشكل فرصة تاريخية إذا تم تحويله إلى أداة لبناء أقطاب إنتاج متكاملة، لا مجرد وحدات إدارية جديدة. فكل إقليم ينبغي أن يمتلك قاعدة إنتاجية متخصصة، ترتكز على موارده الطبيعية، وكفاءاته البشرية، وموقعه الجغرافي، ضمن رؤية وطنية تجعل الأقاليم متكاملة لا متنافسة، ومتضامنة لا متصارعة على الموارد.


ومن هذا المنطلق، فإن الجنوب التونسي، بثرواته النفطية والطاقية، لا يجوز أن يبقى مجرد مصدر للمواد الأولية، بل ينبغي أن يتحول إلى قطب للصناعات البتروكيميائية والطاقات المتجددة. كما يجب أن يصبح الوسط الغربي مركزا للصناعات الغذائية والتحويلية، وأن يستعيد الشمال الغربي مكانته كخزان للأمن الغذائي الوطني، بينما يتحول الساحل إلى منصة صناعية ولوجستية تخدم الاقتصاد الوطني بأكمله، لا أن يحتكر الاستثمار والثروة.


وفي المقابل، فإن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق دون إعادة الاعتبار للقطاع العام. فقد أثبتت التجارب العالمية، من الصين إلى فيتنام، ومن ماليزيا إلى العديد من الاقتصادات الصاعدة، أن الدولة عندما تقود الاستثمار الاستراتيجي، وتوجه رأس المال نحو القطاعات المنتجة، تصبح التنمية أكثر استدامة وعدالة. أما ترك مصير الاقتصاد لقوى السوق وحدها، فقد أدى في عديد الدول إلى اتساع الفوارق الاجتماعية، وتآكل الطبقة الوسطى، وازدياد التبعية للخارج.


إن الرهان الحقيقي لا يكمن في مضاعفة عدد المشاريع، وإنما في تغيير طبيعتها. فتونس ليست بحاجة إلى اقتصاد يقوم على الاستهلاك والخدمات وحدها، بل إلى اقتصاد منتج يرتكز على التصنيع، والبحث العلمي، والاقتصاد الرقمي، والصناعات الدوائية، والطاقات المتجددة، والصناعات العسكرية المدنية، والتكنولوجيا الزراعية، حتى تتحول من اقتصاد تابع إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة.


كما أن الاستثمار الأجنبي، مهما كانت أهميته، يجب أن يبقى مكملا للاستثمار الوطني، لا بديلا عنه. فالسيادة الاقتصادية تقتضي أن يكون رأس المال الوطني، العام والخاص، هو المحرك الأساسي للتنمية، مع إخضاع الاستثمارات الأجنبية لأولويات الاقتصاد الوطني، ونقل التكنولوجيا، وتكوين الكفاءات، وتحقيق القيمة المضافة داخل البلاد، لا الاكتفاء بدور المناولة منخفضة القيمة.


ولا يمكن إغفال البعد العربي والإفريقي في هذا السياق. فمن منظور قومي ناصري، لا ينبغي أن تنغلق التنمية التونسية داخل حدودها الضيقة، بل يجب أن تكون جزءا من مشروع تكامل اقتصادي عربي وإفريقي، يقوم على تحرير المبادلات، وإنشاء سلاسل إنتاج مشتركة، وتنسيق السياسات الصناعية والغذائية والطاقية، بما يخفف من الارتهان للأسواق الأوروبية ويمنح الاقتصاد التونسي فضاءات أوسع للنمو.


إن أخطر ما يواجه هذا المخطط ليس نقص الأفكار، وإنما غياب الإرادة السياسية القادرة على مواجهة شبكات الريع والاحتكار والفساد، وإعادة الاعتبار للتخطيط الاستراتيجي طويل المدى. فالتنمية لا تصنعها التقارير، بل تصنعها الدولة الوطنية القوية، والإدارة الكفؤة، والقيادة السياسية التي تمتلك رؤية حضارية تجعل الإنسان المنتج محور العملية التنموية، لا مجرد مستهلك أو رقم في الإحصاءات.


وفي الختام، فإن مخطط التنمية المجالية 2026-2030 يمثل خطوة تستحق التقدير من حيث تشخيص الاختلالات واعتماد المقاربة الترابية، لكنه لن يبلغ أهدافه إلا إذا ارتبط بمراجعة شاملة للنموذج الاقتصادي الوطني، تقوم على استعادة الدولة لدورها القيادي، وبناء اقتصاد إنتاجي مستقل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وصون السيادة الاقتصادية، وتوجيه التنمية نحو خدمة المشروع الوطني والقومي. فالأمة التي لا تملك قرارها الاقتصادي لا تستطيع أن تملك قرارها السياسي، والدولة التي لا تنتج ثروتها بيدها ستظل رهينة لإملاءات الخارج مهما حسنت وثائقها وخططها.


5) ملخص كتاب: "السياسات التنموية – مشروع مخطط التنمية 2026-2030"

يقدم هذا الكتاب الإطار العام للسياسات العمومية التي تعتزم الدولة التونسية اعتمادها خلال الفترة 2026-2030، ويترجم رؤية تنموية شاملة تستند إلى الدستور وإلى منهج التخطيط التصاعدي المنطلق من احتياجات الجهات والأقاليم، بهدف بناء نموذج تنموي أكثر عدالة ونجاعة واستدامة. 


ويرتكز المخطط على أربعة محاور استراتيجية كبرى:


أولاً: ضمان تنمية اجتماعية عادلة وشاملة

يضع المخطط الإنسان في صدارة العملية التنموية، من خلال الاستثمار في رأس المال البشري، والارتقاء بمنظومات التربية والتعليم العالي والتكوين المهني والصحة والثقافة والشباب والرياضة. كما يركز على:

تحسين جودة الخدمات الاجتماعية.

توسيع الحماية الاجتماعية.

دعم التشغيل والعمل اللائق.

تمكين المرأة والشباب.

رعاية الأسرة والطفولة وكبار السن وذوي الإعاقة.

توفير السكن اللائق وتعزيز العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص. 


ثانياً: تعصير النسيج الاقتصادي وتطوير البنية التحتية

يستهدف المخطط تحديث الاقتصاد الوطني عبر:

إعادة تأهيل القطاعات الإنتاجية.

دعم المؤسسات الصغرى والمتوسطة.

تحسين مناخ الاستثمار.

رقمنة الاقتصاد والإدارة.

توظيف الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة.

تطوير الموانئ والطرقات والمطارات والمناطق الصناعية واللوجستية لرفع تنافسية الاقتصاد الوطني واستقطاب الاستثمار. 


ثالثاً: تحقيق الأمن الغذائي والمائي والطاقي والمحافظة على البيئة

يعتبر المخطط الأمن الغذائي والمائي والطاقي جزءاً من الأمن القومي، ولذلك يدعو إلى:

تطوير الإنتاج الفلاحي وتحسين مردوديته.

حسن استغلال الموارد المائية ومواجهة ندرتها.

التوسع في الطاقات المتجددة.

تقليص التبعية الطاقية للخارج.

مكافحة التلوث.

حماية التنوع البيولوجي.

تشجيع الاقتصاد الأخضر والدائري والأزرق باعتباره محركاً جديداً للتنمية وخلق مواطن الشغل. 


رابعاً: تحديث الإطار المؤسساتي وتكريس نجاعة المرفق العام

يركز هذا المحور على إصلاح الإدارة والدولة عبر:

تعميم الرقمنة.

تبسيط الإجراءات.

تعزيز الحوكمة والشفافية.

مكافحة البيروقراطية.

إصلاح الوظيفة العمومية.

تطوير المنظومة الأمنية والعدلية.

دعم الدور التنموي للدفاع الوطني.

توظيف الدبلوماسية الاقتصادية لفتح الأسواق واستقطاب الاستثمارات وتنويع الشراكات الدولية. 


أبرز التوجهات الاستراتيجية للمخطط

يراهن المشروع على:

جعل المواطن محور التنمية.

تقليص الفوارق بين الجهات.

تحقيق تنمية مجالية متوازنة.

تعزيز السيادة الوطنية اقتصادياً وغذائياً وطاقياً.

الاستثمار في المعرفة والبحث العلمي والابتكار.

رقمنة الإدارة والخدمات العمومية.

تحسين مناخ الأعمال.

خلق اقتصاد أكثر تنافسية وقدرة على الصمود أمام الأزمات. 


خلاصة عامة

يعد هذا الكتاب وثيقة توجيهية شاملة ترسم ملامح السياسات العمومية للدولة التونسية خلال الفترة 2026-2030. ويجمع بين الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية والبيئية والمؤسساتية، واضعاً نصب عينيه بناء اقتصاد منتج، ومجتمع أكثر عدالة، وإدارة أكثر نجاعة، وتنمية جهوية متوازنة.

وفي المجمل، يقدم المخطط رؤية طموحة لإعادة هيكلة النموذج التنموي التونسي، غير أن نجاحه سيظل رهيناً بمدى توفر التمويلات اللازمة، ونجاعة الحوكمة، وسرعة تنفيذ الإصلاحات، والقدرة على تحويل الأهداف المعلنة إلى مشاريع وإنجازات ملموسة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.


6) قراءة اقتصادية سياسية للكتاب الثالث: 


قبل الخوض في تفاصيل مشروع مخطط التنمية 2026-2030، لا بد من التأكيد على أن أي قراءة اقتصادية وسياسية جادة لا ينبغي أن تكتفي بتقييم الأهداف المعلنة، وإنما عليها أن تتناول الأسس الفكرية للنموذج التنموي، ومدى قدرته على تحقيق الاستقلال الاقتصادي والسيادة الوطنية والعدالة الاجتماعية. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن التنمية ليست مجرد ارتفاع في نسب النمو أو زيادة في حجم الاستثمارات، بل هي مشروع حضاري متكامل يعيد صياغة علاقة الدولة بالاقتصاد والمجتمع، ويحدد موقع الأمة في موازين القوى الإقليمية والدولية.


ومن هذا المنطلق، فإن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل عودة مهمة إلى فكرة التخطيط الوطني بعد عقود من هيمنة اقتصاد السوق المنفلت وسياسات التكييف الهيكلي التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية منذ ثمانينيات القرن الماضي، والتي أفضت إلى تراجع دور الدولة الإنتاجي، وبيع عدد من المؤسسات العمومية، وتهميش القطاع الفلاحي، واتساع الفوارق الاجتماعية والجهوية، وارتفاع المديونية، وتآكل السيادة الاقتصادية.


إن الفكر القومي العربي التقدمي، المستلهم لتجربة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، ينطلق من مسلمة أساسية مفادها أن التنمية ليست نشاطاً اقتصادياً معزولاً، وإنما هي أداة لتحرير الإرادة الوطنية. فالأمة التي لا تنتج غذاءها، ولا تتحكم في طاقتها، ولا تمتلك قرارها المالي والنقدي، تبقى رهينة مراكز القرار الخارجية مهما رفعت من شعارات الاستقلال.

وفي هذا السياق، يحسب للمخطط أنه أعاد الاعتبار لمفاهيم الأمن الغذائي، والأمن المائي، والأمن الطاقي، وربطها بالتنمية المستدامة. غير أن هذه المفاهيم لا ينبغي أن تبقى مجرد عناوين في وثيقة رسمية، بل يجب أن تتحول إلى خيارات استراتيجية ملزمة، تُترجم في سياسات عمومية تجعل من القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية والطاقات المتجددة والصناعات التحويلية أولويات مطلقة في الاستثمار العمومي.


لكن القراءة النقدية تكشف في المقابل أن المخطط، رغم لغته السيادية، لم يحسم بصورة واضحة طبيعة النموذج الاقتصادي الذي سيقود هذه المرحلة. فهل ستقود الدولة عملية التنمية بنفسها باعتبارها المستثمر الاستراتيجي والمخطط والمنظم؟ أم سيظل القطاع الخاص، المحلي والأجنبي، هو المحرك الرئيسي، بينما تكتفي الدولة بدور المنظم؟ إن هذا السؤال ليس تقنياً، بل هو جوهر الصراع بين نموذج الدولة التنموية ونموذج الدولة الحارسة للسوق. 


ومن منظور قومي لا يمكن بناء اقتصاد وطني قوي دون استعادة الدولة لدورها القيادي في القطاعات الاستراتيجية؛ كالنقل، والطاقة، والمياه، والموانئ، والاتصالات، والصناعات الأساسية، والمؤسسات المالية العمومية. فهذه القطاعات ليست مجرد أدوات لتحقيق الأرباح، بل هي ركائز للأمن القومي، ولا يجوز أن تخضع لمنطق الربح السريع أو لضغوط الخصخصة.


كما أن الحديث عن تحسين مناخ الاستثمار يجب ألا يتحول إلى مرادف لتقديم التنازلات الجبائية والمالية للمستثمرين الأجانب. فالاستثمار الحقيقي هو الذي يخلق قيمة مضافة داخل البلاد، وينقل التكنولوجيا، ويكوّن الكفاءات الوطنية، ويزيد من نسبة الإدماج الصناعي المحلي، ويعزز الصادرات، لا الاستثمار الذي يحول البلاد إلى سوق استهلاكية أو منصة لتجميع المنتجات الأجنبية.


وفي الجانب المالي، يلاحظ أن المخطط يتحدث عن تعبئة الموارد دون أن يقدم تصوراً واضحاً لإصلاح المنظومة الجبائية، أو لاسترجاع الأموال المنهوبة، أو لمراجعة السياسات النقدية، أو لإعادة توجيه الجهاز البنكي نحو تمويل الاقتصاد المنتج. فالتنمية لا يمكن أن تقوم على الاقتراض المستمر، لأن المديونية، مهما كانت مبرراتها، تظل قيداً على القرار الوطني، وتمنح الدائنين أدوات للتأثير في السياسات الاقتصادية والاجتماعية.


إن التجارب الدولية، سواء في شرق آسيا أو في عدد من الاقتصادات الصاعدة، تؤكد أن التنمية الناجحة قامت على ثلاثة أعمدة مترابطة: دولة قوية، وإنتاج وطني تنافسي، واستثمار كثيف في المعرفة والبحث العلمي. ولم تحقق أي دولة نهضتها اعتماداً على الخدمات وحدها أو على الاستهلاك أو على التمويلات الخارجية.


ومن الزاوية الجيوسياسية، لا يمكن فصل التنمية عن التحولات الكبرى التي يشهدها العالم، حيث تتشكل موازين قوى جديدة مع صعود تكتلات اقتصادية ومالية خارج الهيمنة الغربية التقليدية. ومن ثم فإن تونس مطالبة بانتهاج دبلوماسية اقتصادية متعددة الأبعاد، تنفتح على الفضاء العربي والإفريقي والمتوسطي، وتستثمر في الشراكات مع الاقتصادات الصاعدة، بما يوسع هوامش استقلال القرار الوطني ويقلل من الارتهان لمصدر واحد للتمويل أو التجارة.


كما أن التنمية الجهوية لا ينبغي أن تقتصر على توزيع المشاريع، وإنما يجب أن تؤسس لاقتصادات إقليمية متكاملة، تستثمر الخصوصيات الطبيعية والبشرية لكل جهة، وتربطها بشبكات النقل واللوجستيك والأسواق الداخلية والخارجية. فالعدالة المجالية ليست شعاراً سياسياً، بل هي شرط للاستقرار الاجتماعي والوحدة الوطنية.


ويبقى الرهان الأكبر هو التنفيذ. فقد أثبتت التجربة التونسية أن الأزمة ليست في نقص التشخيص أو غياب الرؤى، وإنما في ضعف الإدارة، وتعقد الإجراءات، وتداخل الصلاحيات، وغياب منظومة صارمة للمساءلة وربط المسؤولية بالنتائج. لذلك فإن نجاح مخطط التنمية لن يقاس بعدد المشاريع المبرمجة، بل بنسبة الإنجاز الفعلية، وقدرته على تحسين الإنتاجية، ورفع الدخل الوطني، وتقليص البطالة، وتحقيق التوازن بين الجهات.


إن المشروع القومي العربي التقدمي يرى أن الاقتصاد ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لبناء دولة قوية، ومجتمع عادل، وإنسان حر. ولذلك فإن التنمية الحقيقية تبدأ عندما يصبح الإنتاج الوطني أساس الثروة، والعلم أساس القوة، والعدالة أساس الاستقرار، والسيادة الاقتصادية أساس الاستقلال السياسي.


وعليه، فإن مشروع مخطط التنمية 2026-2030 يمثل فرصة تاريخية لإعادة بناء الدولة التنموية، لكنه سيظل معرضاً لأن يتحول إلى وثيقة نظرية إذا لم يُدعم بإصلاحات هيكلية جريئة، وبإرادة سياسية مستقلة، وبمشروع اقتصادي وطني يقطع مع اقتصاد الريع والتبعية، ويؤسس لاقتصاد إنتاجي سيادي يجعل من تونس دولة فاعلة في محيطها العربي والإفريقي، لا مجرد متلقية لتقلبات الاقتصاد العالمي. ففي نهاية المطاف، لا تُقاس قوة الدول بحجم استهلاكها، بل بقدرتها على الإنتاج والابتكار وصناعة القرار المستقل، وهي الغاية التي ينبغي أن تظل البوصلة الحقيقية لأي مشروع تنموي وطني.


بقلم هشام اللهيّوي 

3 جويلية 2026

Hichem Lihioui مكتب هشام اللهيوي

الأربعاء، 1 يوليو 2026

آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن والاقتصاد بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة
لم تعد ظاهرة المخدرات في تونس مجرد قضية أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة مجتمعية شاملة تنخر في جسد الدولة والمجتمع معًا. فمن بلد كان يُعتبر تقليديًا محطة عبور للمواد المخدرة نحو أوروبا، أصبحت تونس اليوم، بحسب تحذيرات أممية حديثة، سوقًا استهلاكية متنامية بذاتها، يطال خطرها الشباب في المدارس والجامعات والأحياء الشعبية على حد سواء.
الظاهرة بالأرقام: تصاعد مقلق
تكشف بيانات وزارة الداخلية التونسية، التي عُرضت خلال جلسة استماع بلجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في جوان 2026، عن حجم الظاهرة وتفاقمها:
سُجّلت خلال سنة 2025 وحدها نحو 15,253 قضية مخدرات، تورّط فيها ما يقارب 27,338 شخصًا، من بينهم أكثر من 10 آلاف مروّج.
الفئة العمرية بين 19 و40 سنة تمثل حوالي 89% من مجموع المتورطين، وهو ما يعني أن الظاهرة تستهدف بامتياز شريحة الشباب والقوى المنتجة في المجتمع.
على مدى العشرية الأخيرة، بلغ عدد قضايا المخدرات في تونس نحو 86,599 قضية، شملت أكثر من 156 ألف متورط و104 آلاف مستهلك.
في مجال الحجوزات، تم ضبط أكثر من 2.5 مليون قرص مخدر خلال سنة 2025 وحدها، إضافة إلى نحو 132 كيلوغرامًا من الكوكايين، و408 أطنان من القنب الهندي، وكميات من الهيروين.
جغرافيًا، تتركز الظاهرة في تونس الكبرى والشريط الساحلي وبعض مناطق الشمال الغربي، فيما يبقى الشريط الحدودي الغربي بؤرة رئيسية لعمليات التهريب.
هذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع رقعة الاستهلاك، بل تشير أيضًا إلى تحوّل نوعي خطير: فتونس التي كانت "بلد عبور" أصبحت، وفق تصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين، "مركزًا للاستهلاك" بحد ذاته. كما يحذّر التقرير العالمي للمخدرات لسنة 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة من اختراق الكوكايين لأسواق البيع بالتجزئة في شمال إفريقيا بما فيها تونس، وظهور مؤشرات على تصنيع مادة الكبتاغون إقليميًا بعد تفكيك مختبراته في سوريا أواخر 2024.
الانعكاسات على مستقبل الشباب
استهداف الفئة العمرية الشابة ليس صدفة، بل نتيجة استراتيجية ممنهجة تعتمدها شبكات الترويج التي تستغل:
الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: البطالة، خاصة بين حاملي الشهادات، والفقر في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية، يخلقان بيئة خصبة للانجذاب نحو الترويج كمصدر رزق أو نحو الاستهلاك كهروب من الواقع.
التفكك الأسري والانقطاع المبكر عن الدراسة: يشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن غياب الرقابة الأسرية والمدرسية يزيد من قابلية الوقوع في دائرة الإدمان.
وسائل التواصل الاجتماعي: أصبحت منصة رئيسية للاستقطاب وإبرام صفقات البيع بعيدًا عن الرقابة التقليدية.
الفضاءات الترفيهية الصيفية: تتحول الشواطئ والمنتجعات خلال الموسم السياحي إلى فضاءات تستغلها الشبكات نظرًا لكثافة الحضور وصعوبة المراقبة.
النتيجة هي جيل كامل مهدد في صحته النفسية والجسدية، وطاقاته العلمية والمهنية، ما ينذر بخسارة استراتيجية على المدى البعيد لرأس المال البشري الذي تحتاجه تونس لنهوضها الاقتصادي.
الدور التخريبي على المجتمع والاقتصاد
لا تقتصر أضرار المخدرات على الأفراد المتعاطين، بل تمتد لتشمل:
تصاعد الجريمة المصاحبة: من سرقات وعنف وجرائم مالية مرتبطة بتمويل شبكات الترويج.
تآكل النسيج الاجتماعي: انتشار ثقافة "الزطلة" كـ"منشط" مقبول اجتماعيًا لدى بعض فئات الشباب، ما يصعّب جهود التوعية.
الكلفة الاقتصادية غير المباشرة: تكاليف العلاج والإدماج الاجتماعي، وتراجع الإنتاجية، وأعباء إضافية على المنظومة الأمنية والقضائية والصحية.
تسييل الاقتصاد الموازي: ارتباط تجارة المخدرات بشبكات تهريب أوسع تشمل السلاح والعملة، ما يغذي اقتصادًا غير رسمي يوازي الاقتصاد الوطني ويستنزف موارده.
كما تحذر تقارير دولية، منها مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، من أن التقاء "ثلاثية المال والمخدرات والإرهاب" يشكل خطرًا مركّبًا يهدد استقرار الدول ويفكك مجتمعاتها من الداخل.
جهود الدولة: أمنية، قضائية، وتشريعية
على الجبهة الأمنية، تسجل وحدات الحرس الوطني والأمن الوطني والديوانة إنجازات ملموسة تتمثل في تفكيك شبكات ترويج وحجز كميات كبيرة من المواد المخدرة سنويًا، إلى جانب حملات أمنية واسعة تستهدف محيط المؤسسات التربوية والجامعية ومحطات النقل العمومي.
أما على الصعيد التشريعي، فتشهد تونس حاليًا نقاشًا جوهريًا حول مراجعة شاملة للقانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة المخدرات، وقد أحدثت لجنة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات لإعداد نص قانوني جديد يواكب التحولات التي تشهدها الظاهرة، خاصة أن القانون الحالي طالما وُصف بالصرامة المفرطة تجاه المستهلك دون تمييز كافٍ بينه وبين المروّج، وهو ما أثار جدلاً مجتمعيًا وحقوقيًا واسعًا على مدى سنوات.
كما تنظم السلطات الصحية حملات توعية موسمية، خاصة خلال فصل الصيف، تستهدف الشباب عبر أنشطة تثقيفية وورشات تعبيرية، لكن مختصين يرون أن هذه الجهود تبقى غير كافية في غياب خطة وطنية شاملة ومندمجة لمكافحة الظاهرة تجمع بين البعد الأمني والوقائي والعلاجي والتربوي.
دور اللوبيات والعصابات في تقزيم دور الدولة
رغم الجهود الأمنية، تواجه الدولة تحديات بنيوية تحد من فعالية تدخلها:
الطابع العابر للحدود للجريمة المنظمة: الموقع الاستراتيجي لتونس يجعلها معبرًا مفضلاً لشبكات دولية، ما يصعّب المراقبة الكاملة للحدود البرية والبحرية.
تطور أساليب الشبكات: تحوّلت العصابات إلى بنى تنظيمية معقدة تعتمد وسائل تشفير واتصال متطورة، ما يفرض على أجهزة الدولة مواكبة تقنية مستمرة.
إغراق السوق بمواد مستوردة: كشفت مصادر أمنية عن تدفق أقراص مخدرة (مثل مادة البريغابالين) مصنّعة خصيصًا لشبكات التهريب، حتى أن أسعارها تُطبع بالدينار التونسي أو الجزائري مباشرة من بلد المنشأ، وهو مؤشر على درجة التنظيم التي بلغتها هذه الشبكات.
الفساد وتقاطع المصالح: يربط عدد من المحللين بين اقتصاد المخدرات وشبكات فساد أوسع، حيث تشكل الأرباح الطائلة أداة نفوذ يمكن أن تخترق مفاصل إدارية أو تُستخدم للضغط والإفلات من العقاب، ما "يقزّم" أحيانًا قدرة الدولة على المواجهة الحاسمة.
هذا التشابك بين المال والجريمة المنظمة يجعل من معركة مكافحة المخدرات معركة مركبة، تتجاوز الجانب الأمني الصرف لتشمل الحوكمة، والشفافية، والتعاون الدولي.
خاتمة: نحو مقاربة شاملة
إن مواجهة آفة المخدرات في تونس تستدعي مقاربة متكاملة لا تكتفي بالحل الأمني والزجري، بل تشمل:
تسريع مراجعة الإطار التشريعي (القانون عدد 52) بما يوازن بين الردع والحماية الاجتماعية للمستهلك.
تعزيز برامج الوقاية والتوعية في المؤسسات التربوية بشكل دائم لا موسمي.
توفير فرص اقتصادية واجتماعية حقيقية للشباب في المناطق الأكثر هشاشة.
تكثيف التعاون الدولي والإقليمي لمواجهة الطابع العابر للحدود لهذه الجريمة.
الحزم في مواجهة أي تقاطع بين شبكات المخدرات ومنظومات الفساد.
فالمعركة ضد المخدرات ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة وجود تتعلق بمستقبل جيل كامل وباستقرار الدولة والمجتمع في آن واحد.
المصادر: بيانات وزارة الداخلية التونسية المعروضة أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب (جوان 2026)، التقرير العالمي للمخدرات 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، وتصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين تونسيين.

 


الثلاثاء، 30 يونيو 2026

كفاءات تونس بالخارج: من نزيف الاستنزاف إلى الشراكة التنموية المستدامة ​بقلم: الناصر خشيني


 ​تُعدّ الجالية التونسية بالخارج (التي تتجاوز اليوم 1.8 مليون مغترب) أحد أهم الروافد الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. وفي حين تُثمن الدولة دورهم التقليدي عبر التحويلات المالية التي توفر العملة الصعبة، إلا أن المقاربة الرسمية ما زالت قاصرة عن استيعاب "الثروة اللامادية" التي تمثلها الكفاءات العالية. إن تونس اليوم لا تصدّر فائض عمالة، بل تنزف نخبتها العلمية والتقنية.

​أولاً: تشخيص الإشكاليات (أرقام تترجم حجم النزيف)

​الواقع الحالي يكشف عن فجوة عميقة بين ما تنفقه الدولة وما تستفيده في المقابل، وتتلخص الأزمات في النقاط التالية:

​كلفة التعليم العالية وهدر الاستثمار: وفقاً لتقديرات المعهد التونسي للدراسات الإستراتيجية، تكلف تنشئة وتعليم مهندس واحد في تونس (منذ الابتدائي حتى التخرج) ما يقارب 100 ألف دينار تونسي. عندما يغادر هذا المهندس فور تخرجه، فإن تونس تقدم هبة مجانية للدول المستقطبة تقدر بمليارات الدينارات سنوياً.

​أرقام مفزعة في قطاعات حيوية:

​الأطباء: تشير تقارير عمادة الأطباء التونسيين إلى أن أكثر من 80% من الأطباء الشبان (المسجلين الجدد) يغادرون البلاد سنوياً، وخاصة نحو فرنسا وألمانيا، مما تسبب في شغورات حادة في مستشفيات المناطق الداخلية.

​المهندسون وخبراء الرقمنة: غادر تونس في السنوات الأخيرة أكثر من 40 ألف مهندس، بمعدل يقارب 20 مهندساً يومياً، مما يخلق عجزاً كبيراً في الشركات المحلية التي تحاول قيادة الانتقال الرقمي.

​قصور المنظومة الحالية:

​الدبلوماسية التقليدية: لا تزال البعثات القنصلية والدبلوماسية تركز على الجوانب الإدارية (جوازات سفر، حال مدنية) وعاجزة عن خلق "شبكات كفاءات" (Networking) لربط الطيور المهاجرة بالمشاريع الوطنية.

​البيروقراطية المقيتة: عند رغبة أي كفاءة بالخارج في الاستثمار أو نقل التكنولوجيا لتونس، يصطدم بجدار من الإجراءات الإدارية المعقدة وقوانين الصرف البالية (قانون الصرف التونسي يُعد من أكبر العوائق).

​ثانياً: البدائل التشريعية والإجرائية المقترحة (الحلول المثلى)

​لم يعد من الممكن منع الهجرة في عصر العولمة، ولكن الحل يكمن في تحويل "نزيف الأدمغة" إلى "تلاقح الأدمغة" (Brain Gain) عبر إجراءات ثورية وشجاعة:

​1. إصلاحات تشريعية واقتصادية جريئة

​مراجعة جذرية لقانون الصرف: السماح للكفاءات التونسية بفتح حسابات بالعملة الأجنبية في تونس دون قيود بيروقراطية، لتسهيل تمويل المشاريع الناشئة والبحث العلمي.

​قانون "استقطاب الطيور المهاجرة": سن تشريع يمنح امتيازات ضريبية وجمركية كبرى (مثل الإعفاء الضريبي للسنوات الخمس الأولى) لكل كفاءة تونسية تقرر العودة لإنشاء شركة مبتكرة أو مركز بحث وتطوير بالبلاد.

​مفهوم "المواطنة الرقمية" (Digital Citizenship): إتاحة الفرصة للمغتربين لإدارة معاملاتهم القانونية، العقارية، والاستثمارية في تونس إلكترونياً بنسبة 100% عبر الهوية الرقمية، دون الحاجة للتنقل العطل السنوية لإتمام ورقة إدارية.

​2. بدائل إجرائية ومؤسساتية

​إعادة هيكلة الدبلوماسية التونسية: تحويل السفارات والمستشاريات إلى "مكاتب ذكاء اقتصادي". يجب أن يكون لكل سفارة ملحق خاص بالكفاءات والابتكار تكون مهمته حصر الكفاءات التونسية في بلد الاعتماد وتسهيل تواصلهم مع الجامعات ومراكز الابتكار التونسية.

​التعاقد عن بُعد (Outsourcing): إذا كان الكفاءة التونسية لا يريد العودة للعيش في تونس لأسباب مادية أو عائلية، فلماذا لا تستفيد منه الدولة وهو في الخارج؟ يمكن إبرام عقود استشارية معهم عن بُعد لتدريس طلبة الدكتوراه، أو الإشراف على مشاريع وطنية (مثل الطاقات المتجددة أو التحول الرقمي للإدارة) بعقود مرنة.

​صندوق الابتكار السيادي للمغتربين: إنتاج آلية استثمارية (صندوق استثماري) يشرف عليه البنك المركزي، يُسمح للتونسيين بالخارج بالاكتتاب فيه بالعملة الصعبة، وتُوجه هذه الأموال حصراً لتمويل المشاريع البنيوية الكبرى والشركات الناشئة في تونس، مع ضمان أرباح مجزية لهم.

​خاتمة:إن وطناً كتونس، ضحى آباؤه وأمهاته بقوت يومهم لتعليم أبنائهم، لا يجب أن يكتفي بدور "المُصدِّر المجاني للذكاء". الحل ليس في لوم المهاجر، بل في تغيير البيئة الطاردة داخل الوطن وتحويل المقاربة من "رعاية شؤون الجالية التقليدية" إلى "شراكة إستراتيجية بين كفاءات الخارج ومشاريع الداخل". بدون هذه الثورة التشريعية، سنظل ننتج العقول لتستهلكها اقتصاديات الغرب.

الأحد، 28 يونيو 2026

التهريب في تونس: نزيف اقتصادي مزدوج وتهديد للسيادة والأمن المجتمعي بقلم: الناصر خشيني

  1.  

              مقدمة

لم يعد التهريب في تونس ظاهرة هامشية تتم في الخفاء على أطراف الحدود، بل تحوّل إلى منظومة اقتصادية موازية متكاملة تتقاسم السوق الداخلية مع الاقتصاد الرسمي، وتنازعه السيادة على الموارد والمداخيل والقرار. فبين تهريب الوقود والمواد الغذائية المدعمة من جهة، وتهريب المخدرات والأسلحة والذهب والعملة من جهة أخرى، يجد المواطن التونسي نفسه أمام اقتصاد مزدوج: اقتصاد رسمي تنهكه الديون وعجز الميزانية، واقتصاد موازٍ يكاد يوازيه حجمًا ويتجاوزه في بعض القطاعات حيوية. هذا المقال يحاول رصد أبعاد هذه الظاهرة بمحاورها المختلفة: حجمها الاقتصادي، خريطتها الجغرافية، أنواع البضائع المتداولة فيها من السلع الاستهلاكية إلى المواد الخطرة، أثرها على الأمن الغذائي وجيب المستهلك، ثم المنظومة التشريعية التي تحاول الدولة من خلالها لجم هذا النزيف.

أولًا: حجم الاقتصاد الموازي وكلفته المالية

تشير التقديرات الرسمية وشبه الرسمية إلى أن الاقتصاد الموازي في تونس تضخم بشكل غير مسبوق منذ 2011، حيث كان لا يتجاوز 30% من الناتج المحلي الخام قبل الثورة، ليرتفع إلى نحو 53% بعدها، وتشير بعض التقديرات الأحدث إلى أنه بلغ اليوم ما يقارب 60% [1].  (Assabah News) وفي مقابل ذلك، تورد تقديرات حكومية أحدث نسبة أكثر تحفظًا تقدّر الاقتصاد الموازي بنحو 30% من الناتج المحلي الإجمالي [5]،  (Essahafa) وهو تباين في الأرقام يعكس في ذاته صعوبة ضبط هذه الظاهرة إحصائيًا وتضارب المصادر الرسمية حولها.

أما على مستوى الكلفة المالية المباشرة، فقد كشف تقرير للبنك الدولي أن حجم التجارة الموازية والتهريب على الحدود التونسية الليبية والجزائرية يصل إلى نحو 1.13 مليار دولار سنويًا [2]،  (Kapitalis) في حين تقدّر مصادر صحفية أخرى الخسائر السنوية المباشرة للدولة من التجارة الموازية بنحو 1.2 مليار دينار، منها 500 مليون دينار معاليم ديوانية ضائعة [3].  (Essahafa) وتشير دراسات أكاديمية إلى أن التجارة غير الرسمية شكلت في فترة 2011-2015 نحو 10% من إجمالي الواردات التونسية، وأن سوق الوقود غير المشروع وحده يستحوذ على 30% من مبيعات الوقود في تونس، بمشاركة ما يقارب 20 ألف فاعل بين مهربين وناقلين ومخزنين وبائعين [4].  (Futureuae) هذه الأرقام، على تباينها، تتقاطع جميعها عند نتيجة واحدة: أن الدولة التونسية تخسر سنويًا ما يعادل نسبة معتبرة من ميزانيتها العامة (التي قُدّرت لسنة 2025 بـ78.2 مليار دينار) [5]  (Essahafa) في شكل موارد جبائية وديوانية مهرّبة من دائرة الرقابة الرسمية.

ثانيًا: تهريب الوقود والبضائع الاستهلاكية على الحدود البرية

تتركز الجغرافيا الأكبر للتهريب التقليدي على محورين حدوديين: الحدود مع ليبيا جنوبًا، والحدود مع الجزائر غربًا. فعلى الحدود الليبية، وتحديدًا في منطقة بنقردان ورأس اجدير، تفيد دراسة للمنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بأن نحو 25 إلى 30 ألف شخص يعيشون من تجارة التهريب في تلك المنطقة وحدها، برأسمال يقارب 300 ألف دينار لكل تاجر جملة، ويُهرَّب يوميًا نحو 300 ألف لتر من الوقود من ليبيا إلى تونس، أي ما يعادل 110 مليون لتر سنويًا، بحجم تبادل تجاري يومي يتراوح بين مليون و3 ملايين دينار [1].  (Assabah News) ويذهب تقرير البنك الدولي إلى أن التهريب يمثل أكثر من نصف المعاملات التجارية لتونس مع ليبيا [2].  (Kapitalis)

على الجانب الجزائري، يكشف التقرير نفسه أن نحو 15% من البنزين المستهلك في تونس يأتي من واردات غير رسمية من الجزائر، وأن تجارة الوقود والعجلات المطاطية هي الأكثر رواجًا، بمشاركة أكثر من 60% من الشاحنات العاملة في هذا النشاط، إضافة إلى نشاط مكثف في تهريب السجائر [2].  (Kapitalis) وتاريخيًا، تطورت هذه الأنشطة من خدمات هامشية للمسافرين على قارعة الطريق إلى شبكات تهريب محترفة مرتبطة بعلاقات تنسيقية مع مسؤولين في تونس ودول الجوار، استفادت في طورها الأول من الحاضنة السياسية والأمنية التي نمت في عهد نظام بن علي قبل أن تتوسع توسعًا غير مسبوق بعد 2011 مع تصاعد المخاطر الأمنية في الجوار الليبي [4].  (Futureuae) وتؤكد البيانات الديوانية الحديثة استمرار هذا النزف، حيث جرى في الأشهر الأخيرة تكثيف الحملات على تهريب مواد استهلاكية موسمية كالقهوة والموز، فحُجز في شهر جانفي 2026 وحده نحو 10.5 طن من الموز وأكثر من 5 أطنان من القهوة المهربة [11].

ثالثًا: تهريب المخدرات: من السوق المحلية إلى محطة عبور إقليمية

تكشف بيانات الديوانة التونسية عن تصاعد حاد في حجم المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025 مقارنة بالسنوات السابقة، إلى درجة وصفها الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للديوانة بأنها "أرقام مخيفة ومفرحة في الوقت ذاته" [6].  (Africanmanager) فقد جرى حجز أكثر من 670 كيلوغرامًا من القنب الهندي، وأكثر من 13 مليون حبة مخدرة، وأكثر من 80 كيلوغرامًا من الكوكايين، وأكثر من 2700 طابع من نوع "LSD"، في تضاعف لافت مقارنة بسنة 2024 التي شهدت حجز 33 كيلوغرامًا فقط من الكوكايين ومليون و100 ألف حبة مخدرة و250 كيلوغرامًا من القنب الهندي [6].  (Africanmanager) وبحلول أكتوبر 2025، كانت الكمية المحجوزة من الكوكايين قد بلغت بمفردها 73 كيلوغرامًا والقنب الهندي 726 كيلوغرامًا [10]، وهو رقم تضخم لاحقًا حتى بلغ بنهاية السنة قرابة 94 كيلوغرامًا من المواد المخدرة وأكثر من 64 ألف حبة دواء مخدر ضمن إجمالي محجوزات بلغت قيمتها 580.5 مليون دينار [8].  (Assabah News)

ويشير الناطق الرسمي للديوانة إلى تمايز في مسالك التهريب بحسب نوع المادة: فالكوكايين يُهرَّب أساسًا عبر المعابر البحرية والجوية، بينما يدخل القنب الهندي عبر المعابر البرية والبحرية، في حين تنشط الحبوب المخدرة عبر المعابر البرية أساسًا [10]. ومن أبرز العمليات النوعية المسجلة، إحباط محاولة تهريب 572.5 كيلوغرام من القنب الهندي مخبأة داخل مجرورة بميناء رادس [8]،  (Assabah News) وضبط أكثر من 43 كيلوغرامًا من الكوكايين في عملية بصفاقس [9]. هذا التطور يضع تونس في موقع متزايد الخطورة كمحطة عبور إقليمية للمخدرات الصلبة، لا كسوق استهلاك محلي فحسب، وهو تحول نوعي يستدعي مساءلة جدية حول كفاية الترسانة الأمنية والقضائية في مواجهته.

رابعًا: تهريب الأسلحة والذهب والمعادن: تمويل الإرهاب وتبييض الأموال

منذ سقوط نظام القذافي سنة 2011، تحوّلت ليبيا إلى سوق رائجة لتجارة السلاح تديرها شبكات معقدة ينتفع منها ملايين الأشخاص [13]، وأصبحت الحدود التونسية الليبية، خاصة في محيط بنقردان، الممر الأبرز لتهريب الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، التي تشمل بنادق الكلاشينكوف وقذائف "آربيجي" والذخيرة والمتفجرات والألغام الأرضية [13].  (Raseef22) وقد نشطت أيضًا تجارة الأسلحة عبر صفحات فيسبوك المتخصصة، التي يديرها وسطاء ليبيون يستهدفون زبائن من تونس والجزائر ودول الجوار الإفريقي [12]، فيما كشفت تحقيقات أن بعض شحنات الأسلحة المهرَّبة عبر تونس لها صلة بخروقات لحظر التسليح الأممي على ليبيا، شاركت فيها أطراف إقليمية ودولية، وهو ملف حساس بلغ من خطورته أن أدى إلى توقيف خبير أممي تونسي كان يحقق فيه [13].  (Raseef22)

وفي السياق ذاته، يشكل تهريب الذهب والمعادن النفيسة بابًا موازيًا لتبييض الأموال وربما تمويل الإرهاب، إذ كشفت لجنة التحاليل المالية التونسية أن أكثر من 19 طنًا من الذهب جرى تهريبها من تركيا إلى تونس بين 2012 و2014 فقط، بينما بلغت قيمة الذهب الذي حجزته الديوانة سنتي 2016 و2017 أكثر من 29 مليار مليم [14].  (Assabah News) ويُستخدم التراب التونسي، حسب خبراء اقتصاديين، كبلد عبور لكميات من الذهب باتجاه دول آسيوية لتصنيعها وإعادة تصديرها إلى دول الجوار، وذلك في بلد لا يتجاوز احتياطه الرسمي من الذهب 6.8 أطنان فقط [15]  (Alaraby) — أي أن المهرَّب من هذا المعدن النفيس يفوق أحيانًا احتياطي البلاد المعلن منه. ولم يقف الأمر عند الذهب، بل امتد إلى معادن صناعية كالنحاس، حيث فككت السلطات شبكة كانت تموّل عبر فواتير وهمية وشركات واجهة، أسفرت عن حجز أكثر من 700 طن من النحاس المهرب [16].  (Tunisnow) وتؤكد الحصيلة الديوانية للثلاثي الأول من سنة 2026 استمرار هذا النشاط، بحجز نحو 3 كيلوغرامات من الذهب وأكثر من 700 ألف يورو وأكثر من 80 ألف خرطوشة في فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر [17].  (Webmanagercenter)

خامسًا: الأثر على الأمن الغذائي وجيب المستهلك

لا يقتصر أثر التهريب على خسارة الموارد الجبائية، بل يمتد إلى الإخلال المباشر بتوازن السوق الداخلية وتوفر السلع الأساسية. فمن مفارقات الحالة التونسية أن التهريب يسير في اتجاهين متعاكسين: تهريب الوقود والمواد الاستهلاكية من الخارج إلى الداخل من جهة، وتهريب المواد الغذائية المدعمة والأدوية من الداخل إلى الخارج من جهة أخرى، حيث تُهرَّب المواد المدعمة من الدولة التونسية باتجاه دول الجوار التي تفتقر إليها أو ترتفع فيها أسعارها [18].  (Nan) وقد سجلت الجمارك التونسية، خلال الأشهر التسعة الأولى من سنة واحدة فقط، محجوزات بقيمة نحو 130 مليون دولار من هذا النوع من النشاط المزدوج [18].  (Nan)

وتنعكس هذه الازدواجية مباشرة على المستهلك التونسي في شكل اختفاء متكرر لمواد أساسية من الأسواق الرسمية، كالقهوة والموز والمواد المطحونة، إذ تكثف الديوانة حملاتها على هذه المواد في المواسم الاستهلاكية الكبرى كرمضان [11]،  (Africanmanager) بينما تُحجز في موازاة ذلك كميات ضخمة من الملابس الجاهزة (بقيمة تفوق 9 ملايين دينار) والمواد الغذائية المهربة من الخارج (أكثر من 800 طن بقيمة 17 مليون دينار) والهواتف الجوالة (بقيمة تقارب 15 مليون دينار) ضمن حصيلة سنة واحدة [9].  (Ultra Tunisia) هذا التذبذب المزدوج في تدفق السلع عبر القنوات غير الرسمية يجعل من السوق التونسية رهينة لتقلبات لا تخضع لأي تخطيط اقتصادي رسمي، ويُفرغ السياسات الحكومية للدعم والتسعير من جزء كبير من فعاليتها، إذ تذهب المادة المدعمة بأموال الخزينة العامة إلى استهلاك خارج الحدود بدل أن تصل إلى مستحقيها من المواطنين التونسيين.

سادسًا: المنظومة التشريعية ومحدودية فعاليتها

تحرّكت السلطة التشريعية التونسية في السنوات الأخيرة لتشديد العقوبات المتعلقة بجرائم التهريب، حيث صادق البرلمان على تعديل يرفع عقوبة السجن في الجنح من فترة تتراوح بين 3 أشهر وسنة إلى ما بين سنتين وثلاث سنوات، مع تشديد إضافي في حال تورط مجموعة تتكون من 3 إلى 6 أشخاص [18].  (Nan) كما تضمن قانون المالية لسنة 2025 في فصله 72 مراجعة شاملة للعقوبات الديوانية الزاجرة للتهريب [19]، وهو ما أكده المجلس الوطني للجهات والأقاليم بالمصادقة على هذا التشديد [20]. وتنص الترسانة الجمركية التونسية على عقوبات تصل إلى الحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة تعادل خمس مرات قيمة البضاعة المصادرة في جرائم تهريب المحروقات والحبوب والمواد الغذائية والماشية والأدوية والمتفجرات.

غير أن هذا التشديد التشريعي المتكرر يطرح سؤالًا جوهريًا حول فعاليته الفعلية في مواجهة ظاهرة تتجاوز البعد الجزائي المحض إلى أبعاد اجتماعية واقتصادية وجيوسياسية عميقة. فالحكومات المتعاقبة تعهدت منذ سنوات بإنشاء منطقة حرة على الحدود مع ليبيا كحل بنيوي لاستيعاب النشاط الاقتصادي للمناطق الحدودية ضمن الاقتصاد الرسمي، لكن هذا المشروع لم يخرج إلى حد الآن إلى حيز التنفيذ [18].  (Nan) وما دامت آلاف العائلات في المناطق الحدودية تعيش بشكل مباشر أو غير مباشر من عائدات التهريب، في غياب فرص عمل رسمية بديلة، فإن تشديد العقوبات وحده، دون معالجة بنيوية تشمل التنمية الجهوية والتشغيل وتقليص الفوارق السعرية بين تونس ومحيطها الإقليمي، يظل علاجًا للأعراض دون الجذور.

خاتمة تحليلية

إن ظاهرة التهريب في تونس ليست مجرد خرق قانوني فردي يمكن تطويقه بمزيد من العقوبات الزجرية، بل هي عرَض بنيوي لأزمة الدولة التونسية ذاتها: دولة عاجزة عن ضبط حدودها بشكل كامل، تعاني من تفكك أدواتها الرقابية في الأقاليم الحدودية، وتواجه محيطًا إقليميًا مضطربًا أمنيًا (ليبيا ما بعد 2011) واقتصاديًا (فوارق الدعم مع الجزائر). وحين يبلغ الاقتصاد الموازي حدًّا يقارب نصف الناتج المحلي أو يتجاوزه، فإن السؤال لا يعود سؤال "مكافحة التهريب" بالمعنى الأمني الضيق، بل سؤال السيادة الاقتصادية للدولة على مواردها وأسواقها وحدودها. فمعالجة هذا الملف تستدعي رؤية تنموية سيادية متكاملة تُدمج المناطق الحدودية في الاقتصاد الرسمي، وتعيد التوازن إلى منظومة الدعم الإقليمية، بدل الاستمرار في سياسة الترقيع الزجري التي ثبت محدودية أثرها طيلة العقد ونصف الماضي.

ثبت المراجع

[1] جريدة الصباح نيوز، "يشغل مليونا و600 تونسي.. الاقتصاد الموازي يكلف الدولة خسائر سنوية في الضرائب بأكثر من 5 مليار دينار"، assabahnews.tn

[2] "أزمة التهريب والتجارة الموازية في تونس"، أنباء تونس/كابيتاليس، kapitalis.com

[3] "التجارة الموازية تواصل الاضرار بالاقتصاد التونسي: 1.2 مليار دينار خسائر سنوية"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[4] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "لماذا تنشط اقتصادات التهريب في الأزمات التونسية؟"، futureuae.com

[5] "الاقتصاد التونسي وأهم تحديات سنة 2025"، الصحافة اليوم، essahafa.tn

[6] "كميات وأنواع المخدرات المحجوزة خلال سنة 2025"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[7] "محجوزات المواد المخدرة خلال نوفمبر وديسمبر 2025"، الموقع الرسمي للديوانة التونسية، douane.gov.tn

[8] "من بينها المخدرات والذهب.. 580 مليارا ونصف قيمة محجوزات الديوانة من التهريب"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[9] "حصيلة 2025.. الديوانة التونسية تحجز بضائع مهربة تفوق قيمتها 580 مليون دينار"، Ultra Tunisia، ultratunisia.ultrasawt.com

[10] "عاجل/ بالأرقام: الديوانة تحجز كميات مهولة من المخدّرات"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[11] "الناطق باسم الديوانة: محجوزات شهر جانفي تتجاوز 19 مليون دينار"، أفريكان مانجر، ar.africanmanager.com

[12] "كيف تحوّل فيسبوك إلى سوق للمتاجرة بالأسلحة في ليبيا؟"، CNN Arabic، arabic.cnn.com

[13] "ذهب ليحقق في تهريب الأسلحة بين تونس وليبيا فاعتقلته السلطات"، رصيف22، raseef22.net

[14] "انخرطت فيها شبكات دولية.. تهريب الذهب تجارة محرمة"، الصباح نيوز، assabahnews.tn

[15] "تونس: مهربون يغسلون أموالهم عبر تجارة الذهب"، العربي الجديد، alaraby.co.uk

[16] "تفكيك شبكة لتهريب النحاس وتجميد حسابات شركة كبرى"، تونس الآن، tunisnow.tn

[17] "بالأرقام/ زلزال في عالم التهريب: حصيلة قياسية للديوانة"، webmanagercenter، ar.webmanagercenter.com

[18] "تشديد العقوبات على المهربين في تونس في خطوة لمكافحة التهريب"، أخبار شمال إفريقيا، nan.media

[19] "مراجعة العقوبات الديوانية المتعلقة بزجر التهريب"، قانون المالية 2025، jurisitetunisie.com

[20] "مجلس الجهات والأقاليم يقرّ تشديد العقوبات على جرائم التهريب"، Mosaique FM، mosaiquefm.net

الجمعة، 26 يونيو 2026

الثروات المنهوبة: قطاع النقل بين تفريط الدولة وتغوّل الخواص بقلم: الناصر خشيني



مقدمة

يُعدّ قطاع النقل، بكل تفرعاته البرية والجوية والبحرية والسككية، الشريان الذي تتنفّس من خلاله الدولة الحديثة، فهو المرفق الذي يصل التلميذ بمدرسته والعامل بمصنعه والمريض بمستشفاه والمنتج بسوقه. ومن هذا الموقع الحسّاس بالذات اختار رأس المال الخاص أن ينصب خيامه، مستغلا تقادم أسطول المؤسسات العمومية وتفاقم ديونها وعجزها عن الاستجابة لحاجيات المواطنين. وما كان لهذا التغوّل أن يتحقق لولا سياسات ممنهجة أفقرت الشركات الوطنية عمدا، تمهيدا لتسليم مرفق استراتيجي لمن لا يحكمه إلا منطق الربح. ولا يخفى أن من سنن الكون أن المال العام إذا غاب عنه الحارس أصابه الفساد، يقول تعالى: (ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل) (البقرة: 188)، وهي آية تختصر مأساة المرفق العمومي التونسي في عمومه، وقطاع النقل في خصوصه.

أولا: النقل الجوي.. من "تونيسار" المفخرة إلى عبء يتجاوز ملياري دينار

كانت الخطوط التونسية "تونيسار" تحقق أرباحا صافية في العقد الأول من القرن الحالي، بلغت نحو 60 مليون دينار سنة 2009 وحدها[1]. غير أن السنوات التالية كشفت تدهورا متفاقما، حتى أصبحت الشركة، بحسب تقرير محكمة المحاسبات المُحال إلى رئاسة الجمهورية في جانفي 2026، صاحبة أكبر خسائر في القطاع العام بمبلغ 316 مليون دينار في سنة واحدة[1]، بعد أن كانت ديونها المتراكمة تجاه الدولة والبنوك المحلية والأجنبية قد تجاوزت 2.2 مليار دينار سنة 2020 قبل إعادة جدولتها[1]. وأكد الرئيس المدير العام للشركة مؤخرا أن العجز المالي يفوق اليوم ملياري دينار، في وقت تراجعت فيه حصتها السوقية من 22% سنة 2024 إلى 20% سنة 2025[2].

والسبب الأول لهذا الانهيار هو تقادم الأسطول وتهالكه؛ فقد كانت "تونيسار" تملك 28 طائرة سنة 2010، لتنحدر اليوم إلى نحو 18 طائرة لا يتجاوز عدد القابل منها للاستغلال 14، وقد يقل العدد عن العشرة عند تزامن أعطال عدة وحدات أو خضوعها للفحص الفني[1]. وقد بلغ العبث حدا جعل الشركة تكتري محركاتها لشركة دلتا الأمريكية في إطار نزاع قضائي مع شركة كندية، بينما تكتري في الوقت نفسه طائرات أجنبية كاملة لتعويض النقص الداخلي، بكلفة تشغيلية مرتفعة[3]. وتعد الحكومة بترفيع الأسطول إلى 21 طائرة أواخر سنة 2026، مع تسوية الديون الخارجية[4][5]، لكن هذه الوعود تتكرر منذ سنوات دون أن يتغير جوهر الأزمة.

في المقابل، نشأ النموذج الخاص متمثلا في شركة "سيفاكس إيرلاينز" التي أسسها رجل الأعمال محمد الفريخة، المدير العام لمجمع تلنات، إثر الثورة، وأقلعت أول رحلاتها في أفريل 2012[6]. وقد حصلت الشركة على رخصة استغلال جوي جديدة سنة 2019 رغم شبهات تضارب مصالح وديون غير مستخلصة من قبل الدولة، وارتباطها بصفقات مع شركتين نيجيريتين إحداهما لا تملك حتى رخصة استغلال، في ظل ما وصفه خبراء بالتعتيم من وزارة النقل[6]. وقد أثمرت سنوات التتبع القضائي عن إيقاف الفريخة في سبتمبر 2023 إلى جانب وزير النقل الأسبق عبد الكريم الهاروني، على ذمة قضية فساد مالي وإداري وغسيل أموال تتعلق بمعاملات بين شركته الخاصة ومؤسسة بترولية عمومية[7][8]. وانتهت القضية في فيفري 2026 بحكم نهائي يقضي بسجن الفريخة سبع سنوات، وسجن الهاروني سنتين، وسجن إطارين سابقين في المؤسسة البترولية العمومية ست سنوات[9][10]. وهذا الحكم يكشف بجلاء كيف تحول المرفق العمومي إلى وسيلة لتمويل توسع الخواص وإثرائهم، بينما تُركت الشركة الوطنية تنزف ديونا وتتقادم طائراتها.

ثانيا: النقل البري.. اللواج والباصات الخاصة يتقاسمان الخطوط بتعريفة أعلى

لا يختلف وضع النقل البري عن النقل الجوي إلا في التفاصيل. فشركات النقل العمومي، الوطنية والجهوية، تشكو اهتراء الأسطول ونقص قطع الغيار والصيانة وعجزا ماليا يعيق الاستثمار، وفق ما أكده وزير النقل نفسه في أفريل 2026[11]. وبلغ الأمر بشركة نقل تونس حد استيراد 122 حافلة فرنسية مستعملة في أوت 2023، في صفقة وُصفت بأنها تعويل على "خردة فرنسا" بدل تجديد الأسطول[12]. وتعود جذور هذا العجز إلى سياسة تسعير لا تغطي التكاليف، وما يُعرف محليا بـ"الترسكية" في تسيير المستودعات، إلى جانب ديون متراكمة منذ سنوات[12].

وفي ظل هذا التردي، لا تتجاوز نسبة رضا المواطنين عن أداء النقل العمومي في تونس الكبرى 14% بحسب بحث ميداني للمعهد الوطني للاستهلاك[13]، فيلجأ كثيرون إلى وسائل النقل الخاصة التي تتقاسم نفس الخطوط مع الشركة العمومية لكن بتعريفات أعلى[12]. وهذا هو جوهر "التغوّل" الذي يشكو منه المواطن: مرفق عمومي مُفرَّط فيه عمدا، يفسح الطريق لخواص يقدمون نفس الخدمة بسعر أعلى. وتتكرر الإضرابات احتجاجا على التأخر في صرف الأجور وتردي شروط العمل، وكان آخرها إضراب شامل شل حركة النقل البري بالكامل سنوات متتالية، وسط ديون عمومية تجاوزت نسبتها 100% من الناتج المحلي الإجمالي[14][15].

ثالثا: السكك الحديدية.. قطارات على قضبان متهالكة

لم يكن قطاع السكك الحديدية بمنأى عن هذا التردي، فقد سُجّلت حوادث متكررة لخروج القطارات عن القضبان، كما حدث في باجة وقفصة في فبراير 2025، إلى جانب حوادث اصطدام بالشاحنات[16]. كما انقطعت رحلات نقل الفسفاط عبر السكة الحديدية منذ أكتوبر 2017 دون استئناف[16]، وهو مؤشر على تراجع الوظيفة الاقتصادية للشركة الوطنية للسكك الحديدية، فضلا عن تكرار تأجيل إضرابات أعوانها بسبب أوضاعهم المهنية المتدهورة[16].

رابعا: النقل البحري.. سيادة بحرية تتقلص بصمت

تدير الشركة التونسية للملاحة أسطولا من العبّارات يربط الموانئ التونسية بأوروبا منذ أكثر من أربعة عقود[17]، لكنها، على غرار بقية مؤسسات النقل العمومي، تواجه إشكاليات تجديد الأسطول والتمويل في صمت إعلامي يقلّ عن صخب أزمتي الطيران والنقل البري، رغم أن السيادة على الممرات البحرية لا تقل أهمية عن السيادة على الأجواء والطرقات في زمن تتنافس فيه الشركات الأجنبية على حصص السوق المتوسطية.

خامسا: الانعكاسات على القطاعات الحيوية

إن أزمة النقل ليست أزمة قطاعية معزولة، بل هي أزمة تتسرب إلى كل مفاصل الحياة العامة. فتعطل الحافلات والقطارات يعني تأخر التلاميذ عن مدارسهم والعمال عن مصانعهم، ويكلف الاكتظاظ المروري وحده ما بين 1% و2% من الناتج المحلي الإجمالي[13]، فضلا عن ارتفاع معدلات الحوادث المرورية. كما أن غياب نقل عمومي منتظم وبأسعار معقولة يدفع الأسر إلى تحمل أعباء إضافية في التنقل نحو المرافق الصحية والتربوية، وهو عبء يضرب الطبقات الأكثر فقرا أولا، فيما يستفيد الخواص من اتساع هذا الفراغ ليقدموا الخدمة نفسها بأسعار أعلى، في حلقة مفرغة تكرّس التفاوت الاجتماعي وتنهك الاقتصاد الوطني ككل.

خاتمة

إن قطاع النقل التونسي يقدم نموذجا صارخا لما يمكن تسميته "التفريط المنظم" في المرفق العمومي: إفقار متعمد للمؤسسات الوطنية عبر تقادم الأسطول وتراكم الديون وضعف الاستثمار، يليه تسليم الفضاء الذي تنسحب منه الدولة لرأس مال خاص لا يحكمه إلا الربح، كما تجسد بوضوح في قضية محمد الفريخة وشركته "سيفاكس إيرلاينز". وما دامت السياسات العمومية تكتفي بالحلول الترقيعية -شراء حافلات مستعملة، إعادة جدولة ديون، وعود متكررة بتجديد الأسطول- دون مساءلة جذرية لمن أوصل هذه المؤسسات إلى ما هي عليه، فإن المواطن التونسي سيظل أسير مرفق عمومي عاجز وخواص يتربصون بكل فراغ تتركه الدولة.

ثبت المراجع

[1] Legal Agenda، "متى يَخرج النقل الجوي في تونس من منطقة الاضطرابات؟"، 2026، https://legal-agenda.com

[2] ألترا تونس، "رئيس مدير عام الخطوط التونسية: عجز الشركة يفوق 2 مليار دينار"، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[3] Tunisie Telegraph، "محضر جلسة يكشف عن مفارقة صادمة: الخطوط التونسية تؤجر محركاتها وتستأجر طائرات"، 2026، https://tunisie-telegraph.com

[4] Zoom Tunisia، "الخطوط التونسية تواجه صيف 2026 وسط تحديات غير مسبوقة في الأسطول والرحلات"، https://zoomtunisia.tn

[5] Tunisie Telegraph، "الخطوط التونسية تخطط لاقتناء 6 طائرات جديدة"، 2025، https://tunisie-telegraph.com

[6] الكتيبة (Alqatiba)، "شركة سيفاكس للطيران: الأجنحة المتكسّرة لرجل الأعمال محمد الفريخة"، 2022، https://alqatiba.com

[7] Kapitalis، "ايقاف رجل الأعمال محمد فريخة، النائب عن النهضة سابقا وصاحب شركة سيفاكس للطيران"، 2023، https://kapitalis.com

[8] ألترا تونس، "تمديد الإيقاف التحفظي في حق عبد الكريم الهاروني ومحمد فريخة"، 2024، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[9] Babnet، "القضاء يصدر حكمه على رجل الأعمال محمد فريخة وآخرين"، 2026، https://www.babnet.net

[10] جريدة الشروق التونسية، "في قضية الامتيازات لشركة سيفاكس إيرلاينز.. 7 سنوات سجنا لرجل الأعمال محمد فريخة وعامان للهاروني"، 2026، https://www.alchourouk.com

[11] webmanagercenter (المصدر تونس)، "تتم معالجة الوضعيات المتدنية لشركات النقل البري من خلال تحسين العرض"، 2026، https://ar.webmanagercenter.com

[12] Nawaat، "أزمة النقل العمومي في تونس العاصمة: أسطول مهترئ وسياسات عقيمة"، 2024، https://nawaat.org

[13] ألترا تونس، "منظومة النقل في تونس: ذبحة صدرية في قلب الاقتصاد"، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[14] صحيفة الخليج، "إضراب يشلّ حركة النقل العام في العاصمة التونسية"، 2023، https://www.alkhaleej.ae

[15] France 24 عربي، "تونس: إضراب شامل لعمال النقل يشل حركة المواصلات ويزيد الضغوط على الحكومة"، 2025، https://www.france24.com

[16] ألترا تونس، صفحة وسم "السكك الحديدية"، https://ultratunisia.ultrasawt.com

[17] Direct Ferries، "CTN Ferries"، https://ar.directferries.com

الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في سوق المصالح الخاصة بقلم: الناصر خشيني

 



مقدمة

لا يَعدو قطاع الصحة في تونس أن يكون حلقة جديدة من حلقات النهب المنظم للثروة الوطنية والحق الاجتماعي للمواطن، إذ تحوّل الحق الدستوري في العلاج، تدريجيا وبصمت رسمي، إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، يحتكرها من يملك المال ويُستبعَد منها من لا يملكه. فبين تغوّل القطاع الخاص على البنية الصحية الوطنية، وانهيار منظومة التزوّد بالدواء، وتفشّي ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية، وغلاء التحاليل والفحوصات إلى حدود الابتزاز، وعجز الصناديق الاجتماعية عن الوفاء بدورها الحمائي، يتشكّل مشهد متكامل لمنظومة صحية مأزومة، تتقاسم أطرافها المتعدّدة المسؤولية عن تفريط الدولة في أحد أخطر مرافقها الاجتماعية.

المحور الأول: تغوّل القطاع الخاص وانحسار القطاع العمومي

شهد القطاع الصحي الخاص في تونس انتعاشة لافتة على حساب القطاع العمومي خلال العقد الأخير، إذ تطوّر عدد المصحات الخاصة بين سنتي 2014 و2021 من 90 إلى 109 مصحة، بينما ارتفع عدد العيادات الخاصة في الفترة نفسها من 7283 إلى 8760 عيادة، في وقت يستحوذ فيه القطاع الخاص على 55% من إجمالي الأطباء العاملين في البلاد [1]. وفي المقابل، لم تشهد البلاد طوال العقد المنصرم إحداث أي مستشفى عمومي جديد، رغم أن عدد المستشفيات العمومية البالغ 23 مستشفى يغطي حاجيات أكثر من 11 مليونا ونصف المليون نسمة [1].

ولا يقف الخلل عند البنية التحتية فحسب، بل يتجاوزها إلى التجهيزات الطبية الثقيلة، حيث تستحوذ المصحات الخاصة اليوم على 85% من أجهزة الرنين المغناطيسي، و73% من الماسحات الضوئية (سكانر)، و79% من قاعات القسطرة القلبية [2]. ويتجلّى منطق الانسحاب الرسمي بوضوح في السياسات الإستراتيجية نفسها، إذ أعلنت الحكومة التونسية، في ندوة دعم الاستثمار سنة 2016، عن توجّه يمنح القطاع الخاص حصة 64.25% من المشاريع الاستثمارية المستقبلية في القطاع الصحي بقيمة 4 مليارات دولار، في حين لا يبقى للدولة سوى عدد محدود من المشاريع المتعلقة بتحسين المستشفيات الجهوية [1]. ويترجم هذا الانحسار ميزانيا أيضا، حيث لا تتجاوز ميزانيةش وزارة الصحة 5.23% من الميزانية العامة للدولة، توجَّه نسبة 87.6% منها لنفقات التصرف والتسيير، بينما لا تتجاوز نفقات تطوير البنية التحتية والإصلاح 12.4% فقط من ميزانية الوزارة [2].

المحور الثاني: احتكار الدواء وانهيار الصيدلية المركزية

تكشف أزمة الدواء المتكررة عن عمق الخلل البنيوي الذي يضرب منظومة التزوّد الدوائي بكاملها. فقد بلغت ديون المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية المتخلدة بذمتها لدى الصيدلية المركزية 1442 مليون دينار، في حين تُقدَّر ديون الصيدلية المركزية تجاه مزوّديها العالميين بنحو 1300 مليون دينار، وهي حلقة مديونية متشابكة يحتاج سد فجوتها إلى ما لا يقل عن ست سنوات [3]. وقد انعكست هذه الأزمة المالية مباشرة على توفر الأدوية، حيث سجّلت تونس فقدان نحو 20 دواء لا تتوفر له بدائل علاجية، إلى جانب اضطراب حاد في توزيع 69 دواء آخر [4]، معظمها أدوية حيوية لعلاج السرطان والأمراض المزمنة، وقد شهد صيف 2025 حالات وفاة نتيجة عدم توفر العلاج الكيميائي الضروري لمرضى السرطان [4].

والمفارقة أن الصيدلية المركزية، التي تحتكر استيراد وتوزيع الدواء في البلاد، تجد نفسها رهينة معادلة مالية مستحيلة، فهي مضطرة لبيع الأدوية بأسعار أدنى من كلفتها الحقيقية دون أن تحصل على مستحقاتها في الآجال، وهو ما يدفعها لتقليص الكميات الموردة، فينعكس ذلك تلقائيا على الصيدليات الخاصة. وقد بلغت حدة الأزمة بين الصيدليات الخاصة وصندوق التأمين على المرض حدا دفع النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة إلى إيقاف العمل بصيغة "الطرف الدافع" في الأمراض العادية ابتداء من أكتوبر 2025، رفضا لما اعتبرته محاولات لضرب احتكار الدولة للمرفق الدوائي وتحويله إلى أطراف خاصة بما يمسّ حق المواطن ذي الدخل المحدود في العلاج [5].

المحور الثالث: تجارة الأعضاء البشرية: من محنة العلاج إلى تجارة الجسد

لم يبق الفقر والعجز عن تحمّل تكاليف العلاج حبيس حدود التأخر في الفحص أو غياب الدواء، بل دفع بشريحة من التونسيين المعدمين إلى أبشع تجليات استغلال الجسد. فقد كشفت وحدات الحرس الوطني عن شبكة دولية تنشط منذ سنة 2018 في تجارة الأعضاء بين تونس وبلد أجنبي، يقودها أجنبي متواجد خارج البلاد، يعاضده وسطاء أجانب وتونسيون، تمكنت من استقطاب عدد من التونسيين [6]. وتكشف تفاصيل بعض الحالات عن مدى توحش هذه الشبكات، حيث باع مواطن تونسي إحدى كليتيه في تركيا لشخص كونغولي مقابل 15 ألف دولار، بعد أن اضطر لعقد زواج صوري من ابنة المُشتري للتمكّن من إجراء العملية الجراحية تجاوزا للقانون التركي [7]. وفي حالة أخرى، استُقطب تونسيون عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على نحو 7 آلاف دولار مقابل بيع كلية، ضمن شبكة تُدار من تركيا بمشاركة سوريين وأردنيين وأتراك [8]، بينما قُدّر المقابل المادي لبيع كلية في حالة أخرى بنحو 40 ألف دينار [9].

ولا تمثّل تونس حالة منعزلة في هذا السياق، فهي جزء من خارطة إقليمية أوسع لتجارة الأعضاء، تسيطر عليها شبكات مافيا منظمة في شمال إفريقيا والمشرق العربي، تضم في صفوفها أساتذة جامعات وأطباء وأعضاء هيئة تمريض وأصحاب مختبرات طبية ووسطاء، مستفيدة من الظروف الاقتصادية الضاغطة وغياب التشريعات الرادعة [10]. ومع أن القانون التونسي يحظر صريحا تجارة الأعضاء البشرية بمقابل مالي، وقد عزز ذلك بالمصادقة على قانون مكافحة الاتجار بالبشر سنة 2016 [8]، فإن استمرار تفكيك شبكات جديدة سنة بعد سنة يكشف عن محدودية الرقابة الفعلية، وعن عمق الهشاشة الاجتماعية التي تدفع بالضحايا إلى هذا الدرك من استغلال الفاقة.

المحور الرابع: غلاء التحاليل والفحوصات: ابتزاز مقنّع باسم الطب

تشكّل تجربة جائحة كوفيد-19 نموذجا فاضحا لمنطق الجشع الذي يحكم جانبا من القطاع الخاص في مجال التحاليل الطبية. فقد حدّدت وزارة الصحة سعر تحليل "بي سي آر" في المخابر الخاصة بـ209 دنانير، إلا أن مخابر خاصة رفعت السعر إلى حدود 400 دينار، أي ما يقارب ضعف التسعيرة الرسمية، مستفيدة من ظهور شركات مناولة غير مرخّصة تحتكر أخذ العينات مقابل رسوم إضافية [11]. ولم تقف الإشكالية عند الأسعار فقط، بل تجاوزتها إلى جودة الخدمة، حيث أشار مختصون إلى وجود خلل كبير داخل بعض المخابر الخاصة التي تشغّل عمالة غير مؤهلة طمعا في خفض التكاليف، وهو ما يفتح الباب للتشكيك في دقة بعض النتائج [12].

وتزداد فضاحة هذا الملف عند المقارنة الإقليمية، حيث تبيّن أن أسعار التحاليل الطبية في تونس تفوق أسعارها في الجزائر بنحو ست مرات، رغم استخدام الأجهزة والتقنيات ذاتها في البلدين، في غياب آلية رسمية صارمة لضبط التسعيرة [13]. وفي مفارقة تكشف عن الحلقة المفرغة التي يدور فيها القطاع برمّته، فإن المخابر نفسها تجد نفسها ضحية لتعثر صندوق التأمين على المرض في سداد مستحقاتها، حتى اضطر بعض أصحابها للاقتراض من البنوك أكثر من مرة، فيما واجهت مخابر أخرى شبح الإفلاس [14].

المحور الخامس: عجز الصناديق الاجتماعية: حلقة مفرغة من المديونية

في جوهر هذه الأزمة المركّبة تقف الصناديق الاجتماعية، التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن حق المواطن في التغطية الصحية، وقد تحولت هي نفسها إلى بؤرة عجز متفاقم. فـ"الكنام" له مستحقات تقدّر بنحو 8778.7 مليون دينار على بقية الصناديق الاجتماعية، في حين تجاوزت ديونه تجاه الأطباء والصيادلة ومزوّدي الخدمات 2336 مليون دينار خلال سنة 2022 وحدها، بينما سجّل الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية عجزا بلغ 700 مليون دينار سنة 2024، وتجاوز عجز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المليار دينار [15]. وتتأكد حدّة هذا العجز في الأرقام المتتالية، حيث سجّل صندوق الضمان الاجتماعي عجزا بلغ 950 مليون دينار سنة 2023، تعمّق إلى 1230 مليون دينار سنة 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى أكثر من 1400 مليون دينار سنة 2025، في حين تقلّص فائض "الكنام" المحاسبي من نحو ألف مليون دينار سنة 2023 إلى 860 مليون دينار سنة 2024، علما بأن هذا الفائض لا يعني توفر سيولة فعلية بسبب تراكم مستحقاته غير المحصّلة [16].

وتصل هذه الحلقة المفرغة إلى حد يهدد استقرار المنظومة برمّتها، إذ تبلغ ديون صندوق الضمان الاجتماعي تجاه صندوق التأمين على المرض هذا العام نحو 3 مليارات دينار [17]، وهي مبالغ ضخمة تحرم "الكنام" من السيولة اللازمة لسداد مستحقات الصيدلية المركزية والصيدليات الخاصة والمخابر، في حلقة متصلة الأطراف تبدأ بعجز الصناديق وتنتهي بمعاناة المريض على سرير الانتظار.

خاتمة

تكشف هذه المحاور الخمسة، في تقاطعها وتشابكها، أن الصحة في تونس لم تعد منذ سنوات حقا دستوريا مكفولا بالتساوي بين المواطنين، بل تحوّلت إلى سوق تتنازع فيه المصالح الخاصة على حساب الفئات الأكثر فقرا وهشاشة، التي تجد نفسها أمام خيارات قاسية: الانتظار في طوابير المستشفيات العمومية المتهالكة، أو الاستدانة لتحمّل كلفة القطاع الخاص، أو في أقسى الحالات، بيع جزء من جسدها طمعا في مال يسدّ به رمق العلاج. إن استرداد الصحة كحق اجتماعي جامع، لا كسلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء القطاع العمومي، وكسر حلقة المديونية المتبادلة بين الصناديق الاجتماعية والصيدلية المركزية والمؤسسات الصحية، وفرض رقابة صارمة على القطاع الخاص بكل تفرعاته، بدل الاستمرار في سياسة التفريط التي حوّلت الصحة من ركيزة للسيادة الوطنية إلى ميدان مفتوح للنهب المقنّع.

ثبت المراجع

[1] نواة (Nawaat)، "الصحة في تونس لمن استطاع إليها سبيلا".

[2] عروبة22، "استشفاء التونسيين... الحق في الصحة لمن يملك المال".

[3] مجلة المفكرة القانونية (Legal Agenda)، "الأدوية المفقودة في تونس: تحقيق في أسباب الأزمة".

[4] يورونيوز عربي / العربي الجديد، تقارير حول أزمة فقدان الدواء في تونس.

[5] ألترا تونس، "نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة تقرر عدم تجديد الاتفاقية مع الكنام".

[6] بوابة وزارة الداخلية التونسية، بيان تفكيك شبكة دولية لتجارة الأعضاء منذ 2018.

[7] ألترا تونس (ألترا سوت)، "تعرّف على تفاصيل أول شبهة اتجار بالأعضاء في تونس".

[8] جريدة الصباح نيوز، "كلى تونسية تباع في مستشفيات تركية".

[9] تونيغيت (بوابة تونس)، "تفاصيل مافيا التجارة بالأعضاء البشرية بين تركيا وتونس".

[10] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "لماذا تزايدت تجارة الأعضاء البشرية في الشرق الأوسط؟".

[11] العربي الجديد، "تونس: تحقيقات وعقوبات ضدّ مخابر تتربّح من تحاليل كورونا".

[12] ألترا تونس، "تحاليل كورونا: ما حقيقة ما يحصل داخل المخابر الخاصة؟".

[13] ألترا الجزائر، "جدل حول أسعار التحاليل الطبية في الجزائر".

[14] ألترا تونس، "مخابر التحاليل الطبية في تونس تواجه شبح الإفلاس".

[15] المصدر تونس (webmanagercenter)، "الصندوق الوطني للتأمين على المرض: بين تراكمات أزمة موروثة وخيارات إصلاحية مطروحة".

[16] Radio Express FM، "بدر السماوي: تجربة قروض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فشلت".

[17] الجزيرة نت، "أزمة الصناديق الاجتماعية تعصف بالتونسيين".




جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...