قائمة المدونات الإلكترونية

الثلاثاء، 21 يوليو 2026

صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني



الأجيال العربية القادمة بحاجة إلى معرفة الحقيقة كما هي، دون تجميل أو تزييف. والتاريخ لا يرحم الذين صمتوا، كما أنه لا ينسى الذين خاضوا معارك التنوير عندما كان الفكر المتشدد والتيارات المؤدلجة في أوج سطوتها.
منذ خمسة عشر عاماً خلت، أخذت على عاتقي —من واقع تخصصي في الشريعة الإسلامية وفهمي لمقاصدها الحقيقية— مهمة تفكيك وتخطئة الأفكار الوهابية المتشددة وخطاب تيارات الإسلام السياسي. أسستُ رفقة الدكتور رياض الصيداوي "صحيفة التقدمية" في سويسرا، وجعلناها منبراً لفضح الفتاوى التي اعتبرناها ضالة ومشوهة لجوهر الدين. انتقدنا بشدة النظرة الدونية للمرأة، وسيادة الرجل المطلقة عليها، والفتاوى الممعنة في الغرابة والتي وصلت إلى حد تحريم استخدام المرأة للإنترنت إلا بوجود مَحرم (كما نُسب للشيخ سعد الغامدي)، أو تحريم قيادة السيارة، وصولاً إلى فتاوى تحريم كرة القدم، والتصوير، والفنون التشكيلية.
ولم يتوقف نقدنا عند الفتاوى الاجتماعية والاجتهادات الخاطئة، بل امتد ليفضح الانحراف الأخلاقي والسياسي في فتاوى النوازل والحروب. ولقد وقفتُ بقلمي شاهداً وناقداً ومندداً بتلك المحطة التاريخية الخطيرة عام 2013، حين اجتمع في القاهرة —إبان عهد محمد مرسي— أكثر من 500 عالم وممثل لـ 70 جمعية ومنظمة إسلامية في مؤتمر جرى فيه توجيه الأمة نحو اقتتال داخلي مدمر.
لقد انتقدتُ بشدة مخرجات ذلك الاجتماع الذي أعلن "وجوب الجهاد في سوريا" بالنفس والمال والسلاح، في وقت كانت فيه بوصلة فلسطين تُنسى وتُهمش. كان هذا التوجه انسجاماً مع الفتاوى والخطابات التحريضية الصادرة عن الشيخ يوسف القرضاوي، الذي لم يكتفِ بشرعنة الاقتتال الداخلي، بل دعا علانية إلى اغتيال القادة (مثل القذافي وبشار الأسد) وشرعن التدخلات العسكرية وقصف العواصم العربية كطرابلس ودمشق. لقد تسببت تلك الفتاوى في "أفغنة" الصراعات العربية، وسالت بسببها دماء مئات الآلاف من الأبرياء، ودُمرت أوطان بأكملها تحت غطاء ديني زائف برر الاستقواء بالخارج لتدمير الداخل.
كنا نبحث —عبر صحيفتنا وكتاباتنا— عن "إصلاح ديني وجذري" يعيد للمجتمع توازنه، ويصون دماء المسلمين، وينصف المرأة، ويصوب بوصلة الأمة نحو قضاياها الوجودية العادلة كقضية فلسطين، ويفتح الباب أمام الفنون والعلوم لمواكبة العصر ضمن إطار اجتهادي تنويري أصيل. وضغطنا بكل ما نملك من قوة الكلمة والحجة الشرعية، وانتظرنا أن تثمر هذه الجهود عن نهضة فكرية وعقلانية يقودها المثقفون المتنورون.
لكن المفارقة التاريخية المريرة، هي أن التغيير في المنطقة عندما جاء، لم يأتِ نتيجة نضج مجتمعي أو حراك فكري تقوده النخب التنويرية، بل جاء بقرار سياسي فوقي تحول بموجبه المشهد من أقصى اليمين المتشدد إلى النقيض الآخر تماماً. وبدلاً من الانفتاح العقلاني المدروس، شهدنا تحولات اتسمت بالسطحية، حيث فُتحت الأبواب لما وُصف بمهرجانات العري، وتجاوزت التنازلات الثوابت السياسية والقومية لتصل إلى التطبيع مع الكيان المحتل.
إن المرارة التي أستشعرها اليوم —والتي وثقتها في كتابي "فتاوى التقدمية" المنشور رقمياً— تنبع من رؤية التوجه الغالب وهو ينقاد لإرادة الحكام والتقلبات السياسية، لا لإرادة وفكر المثقفين المتنورين.
أكتب هذا للأجيال القادمة ليعلموا أن تحرير العقل وبناء الأوطان لا يحدث بالقفز من التشدد الأعمى والفتن المذهبية إلى الانفتاح السطحي والتطبيع، بل بالوعي، والتعليم، والاجتهاد المقاصدي الحقيقي الذي يحقن الدماء ويحفظ الهوية. ستبقى مواقفنا شهادة على مرحلة صعبة، ولن يتوقف قلم المثقف عن النقد، لأن معركة التنوير الحقيقية هي معركة بناء الإنسان وحماية الأوطان، لا معركة ترفيه عابر أو مصالح سياسية متقلبة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...