قائمة المدونات الإلكترونية

الأربعاء، 1 يوليو 2026

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني



مقدمة

يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند المسلمين. لكن هذه المكانة نفسها جعلت كل موقف يصدر عنه محط تدقيق ونقاش واسعين، خاصة في السنوات الأخيرة التي شهدت تحولات كبرى في السياسة السعودية تجاه ملفات حساسة كالتطبيع مع إسرائيل والعلاقة مع السلطة. هذا المقال يحاول عرض الجدل بموضوعية: ما الذي قيل طفعلاً، وما هي حجج المدافعين، وما السياق الفكري الأوسع الذي يوضع فيه هذا النقاش.

خطبة 2020: نقطة التحول في الجدل

في 4 سبتمبر/أيلول 2020، أي بعد نحو ثلاثة أسابيع من إعلان اتفاق التطبيع الإماراتي الإسرائيلي، ألقى السديس خطبة جمعة تحدّث فيها عن حسن معاملة الإسلام لليهود، مستشهداً بوقائع من السيرة النبوية مثل تعامل النبي محمد مع جاره اليهودي ويهود خيبر، حيث استشهد بأن النبي مات ودرعه مرهونة عند يهودي، وعامل يهود خيبر على الشطر مما يخرج من زروعهم وثمارهم. كما تحدث عن التفريق بين "الولاء والبراء" العقدي وبين حسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية مع غير المسلمين.

اعتبر كثير من الناشطين والمعلقين، ومنهم أكاديميون معروفون مثل محمد المختار الشنقيطي، أن توقيت الخطبة ومضمونها كانا بمثابة تمهيد إعلامي وديني لمسار التطبيع الخليجي مع إسرائيل، واتُّهم السديس بأنه يستغل منبر الحرم المكي للتمهيد لذلك. في المقابل، لفت السديس نفسه في الخطبة ذاتها إلى أن قضية فلسطين والمسجد الأقصى تظل "القضية الإسلامية الأولى" التي لا يجب أن تُنسى في خضم الصراعات والتحولات دون مزايدات إعلامية أو مبالغات صحفية، وهو ما يستخدمه المدافعون عنه كدليل على أن كلامه لم يكن دعوة صريحة للتطبيع بقدر ما كان توضيحاً فقهياً لمفهوم متداول أصلاً في التراث الإسلامي.

تحوّل ملحوظ في الخطاب

رصد منتقدون أيضاً تبايناً بين خطابه قبل هذه المرحلة وبعدها؛ فقد كان في السابق يُعرف ببكائه أثناء الدعاء للفلسطينيين ووصفه للاحتلال الإسرائيلي بـ"الغزاة والمعتدين"، بينما دعا لاحقاً إلى تجنّب "التعبيرات العاطفية والحماسية" في الحديث عن هذا الملف. كما امتدح في تصريح سابق له عام 2017 الشراكة السعودية الأمريكية بوصفها قيادة للعالم نحو "الأمن والسلام والاستقرار والرخاء"، في وقت كان الرئيس الأمريكي حينها قد اتخذ مواقف مثيرة للجدل تجاه القضية الفلسطينية.

من زاوية أخرى، يمكن قراءة هذا التحول ضمن سياق أعم: فالسديس كإمام معيّن من السلطة السعودية يخطب بصفته الرسمية، ولا يُتوقع منه سياسياً أن يتبنى مواقف تتعارض مع السياسة الخارجية للدولة التي يمثلها من على منبرها الأكثر رمزية. هذا لا ينفي الجدل، لكنه يضع الموقف في سياق العلاقة البنيوية بين المؤسسة الدينية الرسمية والدولة، وليس بالضرورة موقفاً شخصياً منعزلاً.

مفهوم "علماء السلطان": جذور تاريخية

الجدل حول السديس ليس ظاهرة جديدة في الفكر الإسلامي، بل يندرج ضمن نقاش قديم حول ما يُعرف بـ"علماء السلطان" أو "فقهاء البلاط" — وهو مصطلح يُطلق تاريخياً على علماء الدين الذين يقتربون من الحكام ويصدرون فتاوى أو مواقف تخدم شرعية السلطة الحاكمة، مقابل علماء آخرين اختاروا المسافة النقدية من الحكم، وأحياناً دفعوا ثمن ذلك سجناً أو نفياً أو أذى.

هذا التصنيف يمتد إلى قرون من التاريخ الإسلامي، وارتبط بجدل فقهي حول حدود طاعة ولي الأمر، ومتى تصبح هذه الطاعة تواطؤاً مع الظلم. من الناحية الفكرية، يرى منتقدو هذا النمط أن قرب رجل الدين من السلطة يمكن أن يُفقد خطابه استقلاليته الأخلاقية، بينما يرى مؤيدو "طاعة ولي الأمر" ضمن الفقه السني التقليدي أن الحفاظ على وحدة الجماعة واستقرار الدولة يُقدَّم على المعارضة العلنية، تجنباً للفتنة والفوضى. وقد استحضر السديس نفسه هذا المنطق الفقهي في إحدى خطبه حين تحدث عن "لزوم الجماعة وحسن السمع للإمام والطاعة" في مقابل ما وصفه بـ"منهج الخوارج المارقين"، مستخدماً وصف "البغاة المقيتين والأحزاب الضالة وجماعات العنف المسلحة" لمن يكفّرون الولاة ويخرجون على الأئمة.

هذا النقاش ليس محصوراً بالسديس أو بالسياق السعودي، بل تكرر عبر التاريخ الإسلامي مع علماء آخرين اتُّهموا بمسايرة السلطة في عصورهم، مقابل علماء عُرفوا بالنقد الصريح للحكام حتى في أوقات القمع.

الجدل حول الثروة: ادعاءات بلا إثبات

إلى جانب النقد المتعلق بالمواقف السياسية، تتداول بعض المواقع المعارضة والإعلام الإيراني (مثل قناة العالم وموقع "سعودي ليكس") منذ سنوات ادعاءات حول ثروة شخصية كبيرة للسديس، وربطتها بعضها بتسريبات عن استيلاء جهات نافذة عليها. تجدر الإشارة إلى أن هذه الادعاءات لم تثبتها أي مصادر مستقلة أو تحقيقات صحفية محايدة، وأن بعض الأخبار المرتبطة بها — كخبر "إقالته بتهمة فساد مالي" — تبيّن أنها لم تصدر عن أي جهة إعلامية رسمية. ما هو موثق فعلاً هو أن أئمة الحرمين موظفون حكوميون رسميون يتقاضون رواتب ومخصصات وفق سلم رسمي (السديس برتبة وزير)، وهذا في حد ذاته ليس "فضيحة" بل تفصيل معروف عن طبيعة المنصب. أما ادعاءات الثروة الطائلة تحديداً، فتبقى في خانة غير المؤكد، وينبغي التعامل معها بحذر نظراً لمصدرها ذي المصلحة السياسية المباشرة في الخصومة مع السعودية.

بين الرمزية الدينية والموقع الرسمي

يبقى من المهم التمييز بين نوعين من النقد الموجَّه للسديس: نقد يتعلق بمواقف علنية موثقة (كخطبة التطبيع، أو التصريحات المتعلقة بالعلاقة الأمريكية السعودية)، ونقد آخر أقرب إلى الاتهامات الشخصية غير الموثقة (كنمط الحياة الشخصي أو الثروة)، والتي يصعب التحقق منها أو تعميمها دون مصادر موثوقة. النقد الموضوعي الجاد يستفيد من التركيز على الأول: المواقف العلنية القابلة للتوثيق والمناقشة، بدل الانزلاق إلى تخمينات شخصية.

خلاصة

الجدل حول السديس يعكس توتراً أعمق في العلاقة بين المؤسسة الدينية الرسمية والدولة في المنطقة، وهو توتر له جذور تاريخية طويلة تحت مسمى "علماء السلطان". سواء اعتبر المرء موقفه انعكاساً لواجب مؤسسي كخطيب رسمي، أو تماهياً غير مبرر مع سياسات مثيرة للجدل، فإن القضية تستحق نقاشاً هادئاً يستند إلى الوقائع الموثقة والمقارنة التاريخية، أكثر مما تستحق خطاباً تجريحياً موجهاً لشخصه.

المصادر: عنب بلدي، CNN بالعربية، الجزيرة نت، الجزيرة مباشر، القدس العربي (تغطيات سبتمبر 2020 لخطبة السديس)، إضافة إلى تقارير لاحقة تناولت مواقفه من قضية غزة والادعاءات المتعلقة بثروته.

بيروت والضاحية الجنوبية.. منارة الفكر وعاصمة المقاومة والإباء بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تتربع بيروت "ست الدنيا" على شاطئ البحر الأبيض المتوسط كواحدة من أعرق الحواضر الثقافية والسياسية في العالم، حيث عاصرت الحضارات الفينيقية، والرومانية، والبيزنطية، والعثمانية. عُرفت بيروت تاريخياً بأنها عاصمة النور، والفكر، والصحافة الحرة، ومطبعة الشرق التي احتضنت التنوع والنقاش الفكري العربي. شهدت المدينة محطات تاريخية قاسية من حروب واجتياحات، لكنها كانت دائماً تمتلك سر "القيامة" والنهوض من تحت الرماد، لتؤكد دورها التاريخي كمركز ريادي في صياغة الوعي العربي والسيادة الوطنية.
أهم معالمها
تتعدد المعالم الحضارية في بيروت لتجمع بين الطبيعة والتاريخ؛ فـ "صخرة الروشة" تقف شامخة في عرض البحر كرمز لشموخ العاصمة، ويبرز "وسط بيروت التراثي" (الداون تاون) بمعالمه المتنوعة كالمسجد العمري الكبير والحمامات الرومانية الأثرية. وفي امتدادها الحيوي، تبرز "الضاحية الجنوبية" بأحيائها النابضة مثل حارة حريك، وبرج البراجنة، والشياح، والتي تضم مجمعات ثقافية، وإعلامية، ودينية كبرى تحولت إلى معالم حضارية شاهدة على صناعة التاريخ الحديث ومسيرة الوعي والمقاومة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
تحمل بيروت فخر كونها أول عاصمة عربية تنجح المقاومة الشعبية الباسلة في طرد الاحتلال الصهيوني من شوارعها بعد حصار عام 1982 التاريخي. وفي العصر الحديث، شكلت "الضاحية الجنوبية" لبيروت القلعة الحصينة والحاضنة الشعبية والسياسية للمقاومة؛ حيث نجحت في صياغة معادلات الردع والكرامة ضد الاعتداءات الإسرائيلية. وتجلى دورها البطولي في ملحمة صمود حرب تموز عام 2006، حين واجهت أعتى حملات التدمير والدمار الشامل، وأثبتت للعالم أن إرادة المقاومة والإباء الشعبي قادرة على إسقاط أهداف العدوان وتحقيق النصر.
خاتمة
إن بيروت وضاحيتها الجنوبية تمثلان التلاحم الأبدي بين الفكر والبندقية، وبين منارة الثقافة وساحة المواجهة؛ لتظل هذه المدينة بقعة جغرافية يتردد فيها صدى الكرامة العربية، وتثبت للعالم أجمع أن الحرية تؤخذ عنوة وصموداً بوعي الشعوب وإصرارها على الحياة العزيزة.

الفلوجة.. مآذن الصمود وصخرة كبرياء العروبة على ضفاف الفرات بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
نشأت مدينة الفلوجة على ضفاف نهر الفرات في محافظة الأنبار بالعراق، وهي مدينة تمتد جذورها في عمق التاريخ العراقي كمركز تجاري وعشائري متميز يربط بغداد ببلاد الشام والجزيرة العربية. تميزت الفلوجة عبر العصور بكونها منارة علمية وروحيّة، وحملت لقباً عزيزاً في قلوب العراقيين وهو "مدينة المساجد"، نظراً لكثرة الجوامع والمآذن الشامخة التي تزين سماءها، والتي تخرج منها كبار العلماء والفقهاء، وظلت عبر تاريخها الطويل معقلاً للقيم العربية الأصيلة والشيم العشائرية القائمة على النخوة وعزة النفس.
أهم معالمها
يأتي "الجامع الكبير" (جامع الفلوجة الكبير) في مقدمة المعالم الحضارية والدينية للمدينة، حيث يمثل مركز الإشعاع الفكري والحاضنة الروحية والاجتماعية لكل الأحداث المفصلية التي مرت بها. كما يعد "الجسر الحديدي القديم" المشيد فوق نهر الفرات في ثلاثينيات القرن العشرين تحفة هندسية ومعلماً رمزياً شاهداً على تاريخ المدينة الحافل، بالإضافة إلى أسواقها التراثية العريقة التي تعكس الطابع المعماري البغدادي والأنباري الأصيل، وحركة التجارة التقليدية التي تميزت بها الفلوجة لعقود طويلة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت الفلوجة اسمها بأحرف من نور في سجلات الشرف العالمي عام 2004، عندما تحولت إلى صخرة صلبة تكسرت عليها غطرسة وجبروت الاحتلال الأمريكي. ففي معركتي الفلوجة الأولى والثانية، انتفض أهالي المدينة وعشائرها الأبية في وجه أقوى ترسانة عسكرية حديثة، وأذاقوا قوات الاحتلال باساً شديداً تكبدت فيه خسائر بشرية ومادية فادحة لم تشهدها منذ حرب فيتنام. وغدت أزقة الفلوجة وبيوتها مقبرة لآليات المحتل، لتتحول المدينة إلى أيقونة عالمية للمقاومة الشعبية الباسلة ومثالاً حياً يُدرس في كيفية دحر المحتلين وحفظ كرامة الأوطان.
خاتمة
تبقى الفلوجة نموذجاً فريداً للمدينة التي تزاوج بين عمق الإيمان وصلابة الموقف؛ فمآذنها التي تكبر وتدعو للسلام، هي ذاتها التي أعلنت الثورة وحمت الكبرياء العربي، لتظل الفلوجة دائماً فخراً للأمة وبوابة للصمود الذي لا يلين في وجه الطغيان.

مدينة الخليل.. تراتيل الرباط وكرم الأنبياء في وجه الطغيان بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد مدينة الخليل واحدة من أقدم المدن المأهولة بالسكان في العالم، حيث يعود تاريخ تأسيسها إلى العهد الكنعاني قبل أكثر من خمسة آلاف عام. ارتبطت المدينة تاريخياً بروح الأنبياء، واكتسبت قدسيتها ومكانتها العظيمة بعد أن أقام فيها النبي إبراهيم عليه السلام "خليل الله"، ل تُعرف منذ ذلك الحين باسم "خليل الرحمن". تعاقبت عليها العصور الإسلامية من الأمويين حتى العباسيين، وشهدت نهضة عمرانية وحضارية فريدة في العهدين المملوكي والعثماني، لتظل حجر زاوية في جغرافية الوجدان العربي والإسلامي، ومركزاً تجارياً وثقافياً نابضاً بروح الأصالة العريقة.
أهم معالمها
يتربع "الحرم الإبراهيمي الشريف" كقلب نابض للمدينة وأعظم معالمها الدينية والتاريخية، وهو البناء المهيب الذي يضم مقامات الأنبياء إبراهيم وإسحق ويعقوب وزوجاتهم عليهم السلام. وينبثق من طهر هذا المكان "التكية الإبراهيمية"، ذلك المعلم الإنساني الشاهد على قيم التكافل منذ العهد الفاطمي وصلاح الدين الأيوبي، حيث لا يبيت في المدينة جائع. وتكتمل لوحة الخليل الحضارية بـ "البلدة القديمة" بأزقتها المسقوفة وحاراتها العتيقة مثل حارة السكافية، ومصانع الزجاج والخزف التقليدية، إلى جانب "بركة السلطان" المملوكية التي تروي حكاية المجد الخالد.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت الخليل في التاريخ الحديث والقديم ملاحم بطولية في مواجهة الغزاة والمستعمرين؛ فمن ثوراتها العارمة ضد الانتداب البريطاني كـ "ثورة البراق" عام 1929، إلى دورها المحوري في الانتفاضات الفلسطينية المتعاقبة، بقيت المدينة قلعة عصية على الكسر. ويتجلى دورها النضالي اليوم في الصمود الأسطوري لأهلها المرابطين داخل البلدة القديمة وفي باحات الحرم الإبراهيمي، حيث يواجه السكان بصدورهم العارية وجهاً لوجه سياسات التهويد، والاستيطان، والتقسيم القسري، متمسكين بهوية مدينتهم العربية والإسلامية ومدافعين عن إرث الأمة.
خاتمة
إن الخليل ليست مجرد مدينة من حجر وتاريخ، بل هي مدرسة في الثبات والرباط؛ يمتزج فيها كرم الأنبياء بإرادة المقاومين، لتبقى دليلاً حياً على أن الهوية العربية الفلسطينية عصية على المحو، وأن قلاع الكرامة لا تسقط طالما أن هناك شعباً يتنفس الإباء ويرفض الانحناء.

دعاة على ابواب جهنم القرضاوي نموذجا

 




فتوى التقدمية تنسخ فتوى يوسف القرضاوي للناتو بقصف طرابلس ودمشق وتسفهها وتعتبرها باطلة شرعا. بقلم الأستاذ الناصر خشيني

تاريخ النشر 2011

التقدمية / خاص / بقلم الأستاذ الناصر خشيني / مما لا شك فيه أن الشيخ القرضاوي له مكانة علمية مرموقة في العالم الإسلامي إلى درجة أنه يترأس حاليا الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين نظرا للهالة الإعلامية التي اكتسبها من خلال قناة الجزيرة وما أدراك ما هي هذه القناة العملاقة التي توظف جيشا من الصحفيين والموظفين والعمال قوامه ستة آلاف فرد علاوة على ميزانية سخية في حدود المليار دولار سنويا فمن الطبيعي أن تعطيه إطلالته عليها ومنذ سنوات وفي برنامجه الشهير الشريعة والحياة الأسبوعي والذي يستحوذ فيه على نصيب الأسد إضافة إلى خطبة الجمعة التي تنقلها قنوات عديدة مباشرة من قطر فمن الطبيعي أن يكون له شأن عظيم في المجال الديني خاصة وهو متخرج من المدرسة الإخوانية بمصر ولكن عندما يتحول هذا الداعية الكبير في مجال تخصصه الديني إلى سياسي محترف فمن الطبيعي أن يدخل مجالا آخر هو غير الديني المقدس وهنا تنطبق عليه مواصفات السياسي الذي يقع تحت طائلة الخطأ والصواب فلا مجال هنا للقبول بفتاواه باعتبارها مواقف سياسية أملتها عليه مصلحته السياسية بحكم وجوده في دولة قطر وتبني مواقفها والدعوة إليها إضافة إلى كون مرجعيته السياسية الإخوانية ذات الميول اليمينية فمن الطبيعي أن تكون مواقفه مندرجة في هذا الإطار وغير خارجة عنه وبالتالي فان فتاواه الدينية تسقط تبعا لذلك .

وانطلاقا من هذا نتناول ما تداولته وسائل الإعلام مؤخرا من فتاواه السياسية غير المقدسة والتي شجع فيها على إمكانية الاستعانة بالأجنبي لضرب ليبيا وسوريا كما ورد على لسانه في الشريط المأخوذ عن الجزيرة وقد أربكه المذيع بالسؤال صراحة عن الاستعانة بالناتو وهذا رابط الشريط

وقد نقلت العديد من وسائل الإعلام إصدار الشيخ يوسف القرضاوي فتوى يرى فيها أن من حق السوريين الطلب من دول أجنبية التدخل في بلادهم في حال فشلت الدول العربية وقف ما أسماه القرضاوي حمام الدم في سورية. وقال القرضاوي، في مقابلة مع صحيفة فايننشال تايمز البريطانية، إنه كان ممن دعوا للثورات العربية » قبل أن تبدأ وبعد أن بدأت.

يذكر أن القرضاوي، الذي أعلن عن دعمه للثورات في العالم العربي وانتفاض الشعوب ضد الأنظمة الديكتاتورية، كان من الداعمين للنظام البحريني في قمعه للمتظاهرين، مشيراً إلى أن هؤلاء يثورون انطلاقاً من خلفية مذهبية وأنهم على علاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية. ومن هنا يتبين لنا مدى الانتقائية في مواقفه السياسية فلماذا الصمت إزاء ما يحدث في البحرين أم أنها من دول الخليج المشمولة بصمته عما يحدث هناك من قمة الديكتاتورية وبخاصة أنه يقطن غير بعيد عن أكبر قاعدتين أمريكيتين في قطر لهما دور كبير في قتل أكثر من مليوني عراقي أم أن الدم العراقي رخيص إلى هذا الحد عند شيخنا ألم تستفزه الدماء التي سالت أنهارا في العراق .

ولا يسعنا هنا قبل أن نؤصل استعانة المسلمين بغيرهم نذكر الشيخ القرضاوي بالبعض من التاريخ سواء المظلم أو المنير ضمن مواقف لا يزال التاريخ يذكرها لأخذ العبرة منها ونظرة سريعة إلى التاريخ الإسلامي في عهد الدولة العباسية نتيجة استنصار المسلمين على بعضهم بأعداء الدين كما ذكر الخضري في محاضراته عن الدولة العباسية :

فقد أرسل خلفاء الدولة العباسية إلى بني بويه ليخلصوهم من استبداد الأتراك البغداديين وتحكمهم فيهم وأرسلوا إلى طغربلك شاه السلجوقي ليخلصهم من تحكم البساسيري وأرسلوا إلى خوارزمشاه ليخلصهم من السلاجقه وكان من نتيجة ذلك الاستبداد والتفرق وضياع شمل المسلمين وطغيان عدوهم عليهم من أجل الحفاظ على دنياهم

ولكن الأمر أعظم عندما كان من هؤلاء من استعان بالمغول المشركين من أجل تخليص ملكهم فقد قام الناصر لدين الله بطلب العون من جنكيز خان يحرضه على الخروج إلى خوارزمشاه لما خالف الناصر لدين الله وطلب من جنكيز خان التعرض لمملكته من أجل أن تنكسر شوكة خوارزمشاه ويشتغل عنه بنفسه وظن الناصر لدين الله أن جنكيزخان لن يصل إليه لبعد المسافة بينهما ولحميم الصداقة ولم يكن ليظن أن يصل الضعف به ما يجعله يجفل أمام جنكيز خان كالحمامة تجفل من صقرها. وكانت هذه المقدمة سبيلا إلى جنكيز خان ليجد طريقه إلى بلاد الإسلام والمسلمين وبمعاونة الشيعة ومن ثم القضاء على الخلافة الإسلامية آنذاك وتدمير عاصمة الإسلام بغداد وقيل أنه قتل أكثر من مليون شخص خلال أربعين يوما وكان هذا سببا لجنكيزخان من أجل أن يجتاح بلاد المسلمين ولكن لم يكن كافيا لوحده بل فتح الباب على المسلمين بذلك الطلب وفتح باب الحرب على خوارزم شاه ومن ثم اجتياح بلاد المسلمين .

ولا ننسى سقوط الأندلس ودور المأمون وتحالفه مع فرناندو الثالث ملك قشتاله حتى قدم المأمون عددا من الحصون والبلاد الأندلسية ثمنا للنصارى ليساندوه ضد أخيه حفاظا على عرشه وكرسيه ومن صور الغدر والخيانة ممن استعان بالنصارى : وقوف ابن الأحمر بقواته مع النصارى في سقوط اشبيلية تنفيذا لتعهداته معهم ضد المسلمين ليمكن لنفسه من السيطرة على غرناطة حتى سقطت اشبيلية ولم يبق من معالم الإسلام فيها شيئا يذكر ومن الجدير بالذكر أن نذكر هنا موقفا تاريخيا للمعتمد بن عباد عندما أراد محاربة ألفنسو السادس وأراد أن يستعين بيوسف بن تاشفين رحمه الله فنصحه مستشاروه أن لا يفعل ذلك خوفا أن يملك يوسف بن تاشفين الأندلس على أن يستعين ببعض النصارى بدلا منه فأجابهم بمقولته المشهورة :رعي الجمال خير من رعي الخنازير « فهذه المواقف من تاريخنا الا تشير الى خطورة الاستعانة بالأجنبي وتؤكد منذ القديم أن الأجنبي يخدم مصالحه دون غيرها ويسيطر ويهيمن على الأمة ويذل الحكام المستعينين به كما هو حاصل اليوم في الخليج العربي وخاصة ما تقوم به دولة قطر التي يتخذ منها شيخنا مقرا لاقامته اليس الأجدر به أن يغادرها ويتخذ أي مكان آخر ليواصل رسالته الجهادية ان كان حاملا لها هل يصل الأمر بشيخ له مكانة مرموقة أن يحتمي بحكام يتعاملون صراحة مع العدو الصهيوني وقناتهم الجزيرة تطبع مع العدو الصهيوني وتستضيف المسؤولين الصهاينة ثم يأتي شيخنا ويتكلم ربما في نفس المصدح الذي تكلم منه صهيوني مغتصب لأرض فلسطدين أم ان شيخنا الجليل يفهم الاسلام أكثر مما نفهمه نحن الناس العاد يين والذين لا يمتلكون أموالا ولا وسائل اعلامية مثلما هو في قطر.

هذا وقد رأى الإمام الشوكاني وبعض أهل العلم قديما عدم جواز الاستعانة بالكافر في القتال مطلقا. أما جمهور الفقهاء فقد أجازوا الاستعانة بالكافر على الكافر بشرط أن يكون فرداً وتحت راية المسلمين.

وبالعودة إلى سيرة رسول الله، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، نجد أن هناك روايات، تكلم فيها بعض أهل العلم، تشير إلى جواز الاستعانة بأفراد مشركين في قتال الكفار. إلا أن الثابت أن الله حرم الاستعانة بالكفار حال كونهم طائفة مستقلة تحت راية الكفر.

– كما يستدل بأن قبيلة خزاعة خرجت مع النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عام الفتح لمحاربة قريش، وكانت حينئذ لا تزال مشركة، حتى قال لها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « يا معشر خزاعة ، ارفعوا أيديكم عن القتال، فقد كثر القتل ان نفع، لقد قتلتم قتلاً لأدينّه » فهذه الأحاديث كلها صحيحة، تدل دلالة صريحة على جواز الاستعانة بالكفار أفرادا، أي على جواز أن يكون الكافر في جيش المسلمين يقاتل العدو مع المسلمين

والرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، سكت عن مشاركة الكفار بأحد، واستعان بهم في فتح مكة، ورفض الاستعانة في بدر، ورفض الاستعانة بخبيب والرجل الذي معه حتى أسلما، فكون الرسول ثبت عنه أنه استعان بأفراد من الكفار وهم على كفرهم، وثبت أنه رفض الاستعانة بأفراد حتى أسلموا، دليل على الاستعانة بأفراد في القتال جائزة وأنها موكولة لرأي الحاكم، إن شاء قبل الاستعانة وإن شاء رفضها، بل إن استعانته بأفراد من المشركين في فتح مكة متأخر على رفضه مشاركتهم في بدر فلو قال قائل أن عدم الاستعانة بأفراد الكفار كان في أول الأمر محرماً ثم نسخ بعد ذلك لما كان بعيداً عن الصواب

والموالاة: مصدر من (وَالَى)، يوالي، موالاة. والولاء هو الدنو والقرب. و(الموالاة) أعم من (التَوَلِّي)، حيث أن الموالاة هي المحبة، بغض النظر عن مرتبة هذا الحب ودرجته، فكل من أحببته، وأعطيته، ابتداء من غير مكافأة، فقد أَوْلَيْتَه، ووَالَيْتَه. والمعنى: أحببته، وقربته، وأدنيته إلى نفسك! والموالاة ضد المعاداة. والولاء ضد العداء. والولاية ضد العداوة. والوَلِيّ ضد العدو. والموالاة تدور حول معاني: المودة، والمحبة، والمتابعة، والقرابة، والصداقة، والحلف، والنصرة.

و(التولِّي) أخص من الموالاة، وهي: «الانقطاع التام في نصرة المتبوع، وتقريبه وتأييده»، أو هي: «تقديم كامل النصرة والمحبة للمتولي، بحيث يكون المتولِّي مع المتولي كالظل مع الجسم»، أو هي: «الموالاة المطلقة العامة»، فالتولي هو أعلى مراتب الموالاة، ومعنى النصرة والحلف جوهري فيها.

و«التولي»، أو بلفظ آخر «الموالاة المطلقة العامة»، للكفار يستلزم الدفاع عنهم، وإعانتهم بالمال، والنفس، والرأي. وهذا يقتضي بالضرورة الشك في صدق الإسلام، أو جحوده، أو بغضه، أو احتقاره والسخرية منه، أو نبذه والإعراض عنه إعراضاً كلياً. وكل ذلك كفر صريح يخرج من الملة الإسلامية، لا محالة. أما موالاة الكفار لغرض دنيوي، وغلبة شهوة، مع سلامة أصل الاعتقاد، وعدم إضمار الكفر، أو انشراح الصدر به، فجريمة نكراء، وكبيرة من كبائر الذنوب، بالأدلة التالية:

وقال:

لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان التوبة؛ 9:23).

* وقال:

لا تجد قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم، أو أبناءهم، أو إخوانهم، أو عشيرتهم، أولئك كتب في قلوبهم الإيمان ..

(المجادلة؛ 58:22).

* وقال:

لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء، إلا أن تتقوا منهم تقاة ، ويحذركم الله نفسه، وإلى الله المصير

(آل عمران؛ 3:28).

* وجعل تباركت أسماؤه، اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين الصفة الرئيسية المميزة للمنافقين نفاقاً اعتقادياً مخرجاً من الملة، أهل الدرك الأسفل من النار، فقال:

بشر المنافقين بأن لهم عذاباً أليماً * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، أيبتغون عندهم العزة؟! فإن العزة لله جميعاً، إلى قوله، جل من قائل: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين! أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطاناً مبيناً ؟! * إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار، ولن تجد لهم نصيراً

(النساء؛ 4:138-145).

* وقال، جل من قائل، مثنياً على إبراهيم وصحبه: قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه، إذ قالوا لقومهم: إنا برءاء منكم، ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده

(الممتحنة؛ 60:4).

* وقوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا، لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء

(المائدة؛ 5:51).

* وقال تعالى:

ولو كانوا يؤمنون بالله، والنبي، وما أنزل إليه، ما اتخذوهم أولياء

المائدة؛ 5:81).

* وقوله:

لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء

(الممتحنة؛ 60:1).

* وقال:

وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، والله ولي المتقين

(الجاثية؛ 45:19)

* وأخرج الإمام أبو بكر عبد الله بن أبي شيبة، بإسناد حسن عن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله». وأخرجه الطبراني في الكبير عن عبد الله بن مسعود، كما رواه أحمد في مسنده.

* كما روى الطبراني في الكبير، بإسناد حسن، عن عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما، أن رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال: «أوثق عرى الإيمان: الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله».

* أخرج الإمام ابن جرير الطبري، والإمام محمد بن نصر المروزي بأسانيدهم من كلام ابن عباس: (من أحب في الله، وأبغض في الله، ووالى في الله، وعادى في الله، فإنما تنال ولاية الله بذلك! ولن يجد عبد طعم الإيمان، وإن كثرت صلاته وصومه، حتى يكون كذلك! وقد صارت مؤاخاة الناس على أمر الدنيا، وذلك لا يجدي على أهله شيئاً).

لاحظ أن الأثر السابق من كلام ابن عباس، لله دره، ليس إلا إتباعاً للحديث قبله وعملاً بالفهم الصحيح له، ولغيره من نصوص الكتابوالسنة المتضافرة، لم يكتف بذكر «الحب»، و«البغض»، بل أكد على «الموالاة»، و«المعاداة». فلا يكفي مجرد «الحب»، و«البغض» القلبيين المجردين، بل لا بد من «الموالاة» وهي الإكرام، والاحترام، والانتماء، والإعانة، والتحالف، والنصرة، والكينونة مع المحبوبين ظاهراً، وباطناً، ولا بد من ضدها وهو «المعاداة»: الشاملة للمقت، والتحقير، والمفاصلة، والهجر، والخذلان، والمنبذة، والمقاتلة بالسلاح، والبراءة من المبغوضين، والكفر بهم، ونبذهم، والبعد عنهم ظاهراً، وباطناً!

* والموالاة لا تنقطع بما يقع بين المؤمنين من تظالم ،وقتال، وشر، قال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا! إن الله يحب المقسطين * إنما المؤمنون إخوة، فأصلحوا بين أخويكم! واتقوا الله لعلكم ترحمون، (الحجرات؛ 49:9).

، قال تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما

…، فجعلهم إخوة مع وجود القتال والبغي، وأمر بالإصلاح بينهم. فليتدبر المؤمن: أن المؤمن تجب موالاته، وإن ظلمك واعتدى عليك؛ والكافر تجب معاداته، وإن أعطاك وأحسن إليك.

* وقال اللّه تعالى : لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، ومن يفعل ذلك فليس من اللّه في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة و يحذركم اللّه نفسه و إلى الله المصير

وكذلك قوله تعالى: بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين

وقوله تعالى: لا تجد قومًا يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حادَّ اللّه ورسوله

وقوله:

لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء وقوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء

إلى غير ذلك من الآيات.

وقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين

وقوله تعالى: لا تجد قومًا يؤمنون باللّه واليوم الآخر يوادون من حادَّ اللّه ورسوله

وقوله: لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء وقوله: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء

إلى غير ذلك من الآيات. فالموضوع موضوع موالاة المؤمنين للكافرين، فقط لا غير، وباقي الآية تفصيل للموضوع. وذلك لأن اللّه تعالى نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء لهم، وقرن هذا النهي بالجزم القاطع بأن من يفعل ذلك فيتخذ الكافرين أولياء فإن اللّه بريء منه، وقد انقطعت صلته بالله. وهذا تحريم بات، مطلق، أبدي، لكل موالاة للكفار، أي لكل معنى من معاني الموالاة في اللغة العربية، ثم استثنى من هذا النهي الجازم حالة واحدة: وهي أن يحذر المؤمن من الكافر أذىً فإنه يجوز له موالاة الكافر دفعًا لهذا الأذى، وهذا لا يتصور إلا إذا كان المسلم تحت سلطان الكافر مغلوبًا على أمره، أي أن الحذر من الكافر يجيز موالاته، فإذا ذهب الحذر حَرُمت الموالاة بجميع أشكالها ومظاهرها مطلقاً.

ومعنى الآية هو نهي مغلظ جازم للمؤمنين عن أن يتخذوا الكافرين أولياء لهم، وأن يدخلوا معهم في حلف عسكري، أو يؤجروهم قواعد عسكرية، وأن يستعينوا بهم، ويلتجئوا إليهم، وأن يصادقوهم، وأن ينصروهم، وأن تكون بينهم وبينهم محبة أو مودة ظاهرة. فحرّم على المؤمنين موالاة الكافرين من دون المؤمنين ثم استثنى من ذلك حالة واحدة فقط: وهي أنه في حالة وجود خوف منهم عندما يكون المسلمون مقهورين من الكفار وتحت سلطانهم فإنه يجوز إظهار المحبة لهم ومصادقتهم لدفع شرهم وأذاهم. أي يجوز أن يُتَّخَذوا أولياء، أي أصدقاء، وحلفاء، في حالة وجود خوف منهم عندما يكون المسلمون تحت حكمهم، وما عدا ذلك فلا يجوز مطلقًا. وهذا بالنسبة للكفار فقط مع المؤمنين، فإن الآية نزلت في شأن المؤمنين الذين كانت لهم صلات بالمشركين في مكة فهي تنهى الذين في المدينة عن موالاة المشركين في مكة، وتنهى جميع المؤمنين، وتستثني من ذلك المؤمنين الذين كانوا في مكة فإنهم كانوا مغلوبين على أمرهم، فاستثنتهم لوجود حالة خوف لديهم من أذى الكافرين.

هذا هو موضوع الآية وهذا هو معناها وهذا هو الحكم الشرعى الذي يُستنبط منها، وهو تحريم موالاة المؤمنين للكفار بجميع أنواع الموالاة من تحالف، ونصرة، وصداقة، واستعانة، وغير ذلك، لأن كلمة أولياء في الآية جاءت عامة فتشمل جميع معانيها في لغة العرب، وجواز موالاتهم في حالة حذرهم، أي خوف بطشهم وأذاهم، عندما يكون الكفار غالبين على المسلمين، ويكون المسلمون مغلوبين على أمرهم، تمامًا كحالة المسلمين في مكة مع المشركين، ولا يوجد للآية معنى آخر، ولا يستنبط منها أي حكم سوى هذا الحكم.

وتتضاعف الجريمة، ويتأكد الإثم، إذا كانت القواعد العسكرية الأجنبية في جزيرة العرب، التي حكم الله، ولا أحسن من حكمه، على لسان رسول الله، بأبي هو وأمي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وهو على فراش الموت، في السياق الأخير: «أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب!»، وكذلك، في أيامه الأخيرة: «أن لا يجتمع فيها دينان»، و«أن يخرج منها اليهود، والنصارى، حتى لا يبقى فيها إلا مسلماً»، و«أن يُخْرَج منها المشركون»!

لكن حكام الخليج ومن سولت لهم انفسهم من علماء الدين الذين أفتوا لهم بذلك خلافا لمقاصد الشرع الحكيم أبوا إلا أن يضربوا بذلك عرض الحائط، فتصادقوا وتحالفوا مع الدول الاجنبية، وقاتلوا تحت رايتها وها هم هناك: يحاصرون العراق، ويدمرون بنيته التحتية، ويقتلون أهله، ويذلونهم، ويبيضون ويفرخون، ويلاوطون، ويزنون، ويساحقون، ويتسافدون تسافد الحُمُر، وما من حسيب أو رقيب!

وهكذا اذن نستنتج أن المصطلحات التي استعملها القدماء من علماء الأمة هي مصطلحات الكفر والايمان ودار الحرب ودار الاسلام ونجد أنفسنا اليوم نحاول تجنبها باستعمال مصطلحات أخرى تتناسب مع ظروف عصرنا وهي من قبيل مصطلح طلب التدخل الأجنبي وهو بطبعه معاد للأمةخاصة الغرب بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية التي تدعم بلا حدود العدو الصهيوني وتستهدف من خلال تدخلها في معظم شؤوننا ضمان تدفق النفط وضمان أمن واستقرار الكيان الصهيوني وبذطلك فان أي استعانة بها تدخل ضمن النهي الذي أشارت اليه الآيات السابقة وكذلك السنة النبوية التي نستثني منها في حالات فردية استعانته ببعض الكفار في مهام محدودة ولا يمكن أن نقيس عليها فتوى الشيخ القرضاوي والتي أشرنا في البداية أنه قد خرج من الاجتهاد الديني المحض الذي لو أخطأ فيه ما كنا لنعتبره مذنبا اعتمادا على مبدإ من اجتهد وأصاب فله أجران ومن اجتهد ولم يصب فله أجر واحد ولكنه في حال الوضع في ليبيا وسوريا ما كان له أن يفتي بجواز التدخل الأجنبي وكان عليه أن يدعو إلى تظاهرات سلمية كما حصل في تونس ومصر وكما يحصل في اليمن ومع ذلك وقع التغيير المنشود وان كان في الحالة اليمنية السلاح متوفر ولكن شعبنا هناك أثبت وأنه جدير بالحرية والانعتاق ولم يقبل التدخل الأجنبي رغم جسامة التضحيات وبناء عليه فان فتاوى القرضاوي في مثل هذه الأمور لا تعدو كونها مجرد تنظير سياسي نعتبره خاطئا تماما ولا علاقة له بالاسلام الدين الذي يرفض الاستعانة بالأجنبي في مواجهة من يخالفك سياسيا وقد رأينا مواقف من بغض المسلمين قديما رفضهم الاستعانة بالغير لما في ذلك من المخاطر على الاستقلال الوطني وحتى على الدين نفسه وبناء عليه ندعو لشيخنا بالهداية عن هذا الخطأ الجسيم الذي ارتكبه وبقية حكام الخليج في حق الأمة والوضع في العراق وفلسطين خير شاهد على ذلك ..

آفة المخدرات في تونس: خطر يتهدد مستقبل الشباب ويقوّض الأمن والاقتصاد بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة
لم تعد ظاهرة المخدرات في تونس مجرد قضية أمنية عابرة، بل تحوّلت إلى أزمة مجتمعية شاملة تنخر في جسد الدولة والمجتمع معًا. فمن بلد كان يُعتبر تقليديًا محطة عبور للمواد المخدرة نحو أوروبا، أصبحت تونس اليوم، بحسب تحذيرات أممية حديثة، سوقًا استهلاكية متنامية بذاتها، يطال خطرها الشباب في المدارس والجامعات والأحياء الشعبية على حد سواء.
الظاهرة بالأرقام: تصاعد مقلق
تكشف بيانات وزارة الداخلية التونسية، التي عُرضت خلال جلسة استماع بلجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب في جوان 2026، عن حجم الظاهرة وتفاقمها:
سُجّلت خلال سنة 2025 وحدها نحو 15,253 قضية مخدرات، تورّط فيها ما يقارب 27,338 شخصًا، من بينهم أكثر من 10 آلاف مروّج.
الفئة العمرية بين 19 و40 سنة تمثل حوالي 89% من مجموع المتورطين، وهو ما يعني أن الظاهرة تستهدف بامتياز شريحة الشباب والقوى المنتجة في المجتمع.
على مدى العشرية الأخيرة، بلغ عدد قضايا المخدرات في تونس نحو 86,599 قضية، شملت أكثر من 156 ألف متورط و104 آلاف مستهلك.
في مجال الحجوزات، تم ضبط أكثر من 2.5 مليون قرص مخدر خلال سنة 2025 وحدها، إضافة إلى نحو 132 كيلوغرامًا من الكوكايين، و408 أطنان من القنب الهندي، وكميات من الهيروين.
جغرافيًا، تتركز الظاهرة في تونس الكبرى والشريط الساحلي وبعض مناطق الشمال الغربي، فيما يبقى الشريط الحدودي الغربي بؤرة رئيسية لعمليات التهريب.
هذه الأرقام لا تعكس فقط اتساع رقعة الاستهلاك، بل تشير أيضًا إلى تحوّل نوعي خطير: فتونس التي كانت "بلد عبور" أصبحت، وفق تصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين، "مركزًا للاستهلاك" بحد ذاته. كما يحذّر التقرير العالمي للمخدرات لسنة 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة من اختراق الكوكايين لأسواق البيع بالتجزئة في شمال إفريقيا بما فيها تونس، وظهور مؤشرات على تصنيع مادة الكبتاغون إقليميًا بعد تفكيك مختبراته في سوريا أواخر 2024.
الانعكاسات على مستقبل الشباب
استهداف الفئة العمرية الشابة ليس صدفة، بل نتيجة استراتيجية ممنهجة تعتمدها شبكات الترويج التي تستغل:
الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية: البطالة، خاصة بين حاملي الشهادات، والفقر في المناطق الداخلية والأحياء الشعبية، يخلقان بيئة خصبة للانجذاب نحو الترويج كمصدر رزق أو نحو الاستهلاك كهروب من الواقع.
التفكك الأسري والانقطاع المبكر عن الدراسة: يشير مختصون في علم الاجتماع إلى أن غياب الرقابة الأسرية والمدرسية يزيد من قابلية الوقوع في دائرة الإدمان.
وسائل التواصل الاجتماعي: أصبحت منصة رئيسية للاستقطاب وإبرام صفقات البيع بعيدًا عن الرقابة التقليدية.
الفضاءات الترفيهية الصيفية: تتحول الشواطئ والمنتجعات خلال الموسم السياحي إلى فضاءات تستغلها الشبكات نظرًا لكثافة الحضور وصعوبة المراقبة.
النتيجة هي جيل كامل مهدد في صحته النفسية والجسدية، وطاقاته العلمية والمهنية، ما ينذر بخسارة استراتيجية على المدى البعيد لرأس المال البشري الذي تحتاجه تونس لنهوضها الاقتصادي.
الدور التخريبي على المجتمع والاقتصاد
لا تقتصر أضرار المخدرات على الأفراد المتعاطين، بل تمتد لتشمل:
تصاعد الجريمة المصاحبة: من سرقات وعنف وجرائم مالية مرتبطة بتمويل شبكات الترويج.
تآكل النسيج الاجتماعي: انتشار ثقافة "الزطلة" كـ"منشط" مقبول اجتماعيًا لدى بعض فئات الشباب، ما يصعّب جهود التوعية.
الكلفة الاقتصادية غير المباشرة: تكاليف العلاج والإدماج الاجتماعي، وتراجع الإنتاجية، وأعباء إضافية على المنظومة الأمنية والقضائية والصحية.
تسييل الاقتصاد الموازي: ارتباط تجارة المخدرات بشبكات تهريب أوسع تشمل السلاح والعملة، ما يغذي اقتصادًا غير رسمي يوازي الاقتصاد الوطني ويستنزف موارده.
كما تحذر تقارير دولية، منها مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، من أن التقاء "ثلاثية المال والمخدرات والإرهاب" يشكل خطرًا مركّبًا يهدد استقرار الدول ويفكك مجتمعاتها من الداخل.
جهود الدولة: أمنية، قضائية، وتشريعية
على الجبهة الأمنية، تسجل وحدات الحرس الوطني والأمن الوطني والديوانة إنجازات ملموسة تتمثل في تفكيك شبكات ترويج وحجز كميات كبيرة من المواد المخدرة سنويًا، إلى جانب حملات أمنية واسعة تستهدف محيط المؤسسات التربوية والجامعية ومحطات النقل العمومي.
أما على الصعيد التشريعي، فتشهد تونس حاليًا نقاشًا جوهريًا حول مراجعة شاملة للقانون عدد 52 لسنة 1992 المتعلق بمكافحة المخدرات، وقد أحدثت لجنة تضم ممثلين عن مختلف الوزارات لإعداد نص قانوني جديد يواكب التحولات التي تشهدها الظاهرة، خاصة أن القانون الحالي طالما وُصف بالصرامة المفرطة تجاه المستهلك دون تمييز كافٍ بينه وبين المروّج، وهو ما أثار جدلاً مجتمعيًا وحقوقيًا واسعًا على مدى سنوات.
كما تنظم السلطات الصحية حملات توعية موسمية، خاصة خلال فصل الصيف، تستهدف الشباب عبر أنشطة تثقيفية وورشات تعبيرية، لكن مختصين يرون أن هذه الجهود تبقى غير كافية في غياب خطة وطنية شاملة ومندمجة لمكافحة الظاهرة تجمع بين البعد الأمني والوقائي والعلاجي والتربوي.
دور اللوبيات والعصابات في تقزيم دور الدولة
رغم الجهود الأمنية، تواجه الدولة تحديات بنيوية تحد من فعالية تدخلها:
الطابع العابر للحدود للجريمة المنظمة: الموقع الاستراتيجي لتونس يجعلها معبرًا مفضلاً لشبكات دولية، ما يصعّب المراقبة الكاملة للحدود البرية والبحرية.
تطور أساليب الشبكات: تحوّلت العصابات إلى بنى تنظيمية معقدة تعتمد وسائل تشفير واتصال متطورة، ما يفرض على أجهزة الدولة مواكبة تقنية مستمرة.
إغراق السوق بمواد مستوردة: كشفت مصادر أمنية عن تدفق أقراص مخدرة (مثل مادة البريغابالين) مصنّعة خصيصًا لشبكات التهريب، حتى أن أسعارها تُطبع بالدينار التونسي أو الجزائري مباشرة من بلد المنشأ، وهو مؤشر على درجة التنظيم التي بلغتها هذه الشبكات.
الفساد وتقاطع المصالح: يربط عدد من المحللين بين اقتصاد المخدرات وشبكات فساد أوسع، حيث تشكل الأرباح الطائلة أداة نفوذ يمكن أن تخترق مفاصل إدارية أو تُستخدم للضغط والإفلات من العقاب، ما "يقزّم" أحيانًا قدرة الدولة على المواجهة الحاسمة.
هذا التشابك بين المال والجريمة المنظمة يجعل من معركة مكافحة المخدرات معركة مركبة، تتجاوز الجانب الأمني الصرف لتشمل الحوكمة، والشفافية، والتعاون الدولي.
خاتمة: نحو مقاربة شاملة
إن مواجهة آفة المخدرات في تونس تستدعي مقاربة متكاملة لا تكتفي بالحل الأمني والزجري، بل تشمل:
تسريع مراجعة الإطار التشريعي (القانون عدد 52) بما يوازن بين الردع والحماية الاجتماعية للمستهلك.
تعزيز برامج الوقاية والتوعية في المؤسسات التربوية بشكل دائم لا موسمي.
توفير فرص اقتصادية واجتماعية حقيقية للشباب في المناطق الأكثر هشاشة.
تكثيف التعاون الدولي والإقليمي لمواجهة الطابع العابر للحدود لهذه الجريمة.
الحزم في مواجهة أي تقاطع بين شبكات المخدرات ومنظومات الفساد.
فالمعركة ضد المخدرات ليست معركة أمنية فحسب، بل معركة وجود تتعلق بمستقبل جيل كامل وباستقرار الدولة والمجتمع في آن واحد.
المصادر: بيانات وزارة الداخلية التونسية المعروضة أمام لجنة التشريع العام بمجلس نواب الشعب (جوان 2026)، التقرير العالمي للمخدرات 2026 الصادر عن مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة، مؤشر الجريمة المنظمة العالمي، وتصريحات مسؤولين أمنيين وجمركيين تونسيين.

 


البصرة.. ثغر العراق الباسم ومستودع الفكر والعروبةبقلم الناصر خشيني



البصرة هي فيء العراق الباسم، ورئة بلاد الرافدين على الخليج العربي. هي أول مدينة إسلامية بُنيت خارج شبه الجزيرة العربية، لتتحول سريعاً إلى خزان فكري وعلمي واقتصادي هائل أثرى الثقافة العربية والإسلامية، ومثلت دائماً الثغر الحصين والحارس الشرقي للهوية العربية.
 التأسيس والنشأة: منطلق الفتوحات والعلم
تأسست البصرة عام 14 للهجرة (636 ميلادي) بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب وبتنفيذ من القائد عتبة بن غزوان:
  • الهدف الاستراتيجي: بُنيت لتكون معسكراً ومرتكزاً للجيوش العربية الإسلامية المنطلقة نحو المشرق، وميناءً تجارياً يربط العراق بالعالم عبر شط العرب والخليج.
  • عاصمة النحو والأدب: شهدت البصرة ولادة أرقى المدارس الفكرية والعلمية، فظهرت مدرسة البصرة النحوية التي أسسها أبو الأسود الدؤلي وبلورها الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه. كما كانت مهد "إخوان الصفا" والجاحظ، ومسقط رأس الحسن بن الهيثم.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية والعمرانية
تمتلك البصرة طابعاً مائياً وتراثياً خاصاً جعلها تُلقب بـ "فينيسيا الشرق":
  • شط العرب: الملتقى الأسطوري لنهري دجلة والفرات، وهو الشريان الحيوي للمدينة ومصدر خيرها وجمالها، وعلى ضفافه تمتد كورنيشات البصرة النابضة بالحياة.
  • البيوت الشناشيل (الشناشيل البصرية): من أجمل الشواهد المعمارية التقليدية في العراق. وهي بيوت خشبية ممتدة فوق الشوارع بزخارف مشبكة دقيقة تعكس الخصوصية الاجتماعية والجمال العمراني العراقي.
  • مسجد البصرة القديم (مسجد خطوة الإمام علي): أول مسجد بني في العراق وخارج الجزيرة العربية، وكان مركزاً علمياً وقضائياً بارزاً تلقى فيه كبار الصحابة والتابعين علومهم.
  • نهر العشار والأسواق التراثية: كـ "سوق الهنود" و"سوق المغايز"، التي تختزل تاريخ البصرة التجاري العريق كمركز للتبادل البحري مع الهند وشرق آسيا.
 المكانة القومية والرمزية السياسية
ظلت البصرة عبر التاريخ الصخرة الحامية للبوابة الشرقية للأمة العربية:
  • الحارس القومي: في شتى المحطات الفاصلة، وخصوصاً في الحرب الحامية بالقرن الماضي، دافعت البصرة ببسالة عن عروبة الخليج والعراق، وتصدت للأطماع الإقليمية والتوسعية التي حاولت النفاذ إلى العمق العربي.
  • عاصمة الاقتصاد والصمود: عانت البصرة من ويلات الحروب والحصار، لكنها بقيت المغذي الرئيسي لموازنة العراق بثرواتها النفطية والزراعية (حيث تشتهر بملايين أشجار النخيل وإنتاج أفضل أنواع التمور).
 الخاتمة
تبقى البصرة ثغر العراق وعنوان عزته الأصيل، ومستودعاً لا ينضب للفكر القومي واللغوي العربي. إن قلم الكاتب العروبي ينظر للبصرة اليوم كرافعة حقيقية لنهضة العراق واستعادة دوره الريادي في المنظومة العربية، متجاوزاً جراح الماضي وتحديات الحاضر، لتظل البصرة دائماً كما كانت: منطلقاً للعروبة، وحارساً للهوية، وشرياناً يربط قلب الرافدين بنبض الأمة بأسرها.


حلب الشهباء.. عاصمة المجد الكنعاني وقاهرة الإرهاب بقلم الناصر خشيني



حلب ليست مجرد مدينة أثرية، بل هي سفر ضخم من أسفار الحضارة الإنسانية. هي "الشهباء" التي طالما تغنى الشعراء بجمالها وعزتها. وفي التاريخ الحديث، واجهت حلب واحدة من أخطر المؤامرات في العصر الحديث، لتثبت مجدداً أنها صخرة صلبة تتحطم عليها قوى البغاة وقطعان الإرهاب التي حاولت سلخها عن حضنها القومي السوري والعروبي.
التأسيس والعراقة: أقدم الحواضر المستمرة
تتنافس حلب مع دمشق على لقب أقدم مدينة مأهولة في العالم، حيث يعود تاريخها إلى أكثر من 8000 عام:
  • الأصل والتسمية: تعود تسمية حلب إلى العصور الأمورية والكنعانية القديمة (وتعني الحديد أو النحاس)، بينما تروي الذاكرة الشعبية أن اسم "الشهباء" يعود إلى لون بقرة كان يحلبها النبي إبراهيم عليه السلام في قلعتها لإطعام الفقراء.
  • عاصمة الحمدانيين: عاشت حلب عصرها الذهبي في العهد الحمداني (القرن الرابع الهجري) بقيادة سيف الدولة الحمداني، الذي جعل منها عاصمة سياسية وعلمية وعسكرية فذة، وضمت بلاطه عباقرة كالمتنبي وأبي الفراس الحمداني والفارابي.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية
تتميز حلب القديمة بتلاصق أسواقها وعمرانها، وهي مسجلة بالكامل كإرث عالمي:
  • قلعة حلب: أعظم القلاع العسكرية في العصور الوسطى وأكثرها مناعة. تتربع على تلة دائرية تشرف على المدينة كاملة، وتضم أبواباً حديدية معقدة وممرات سرية، وظلت عبر التاريخ عصية على السقوط أمام أعتى الجيوش.
  • الجامع الأموي الكبير بحلب: صرح ديني ومعماري عريق بناه الأمويون ويضم ضريح النبي زكريا عليه السلام. اشتهر بمئذنته المربعة البديعة التي تعود للعهد السلجوقي قبل أن تطالها يد الغدر والتخريب.
  • أسواق حلب القديمة: أطول الأسواق المغطاة في العالم (تمتد لعدة كيلومترات)، وتتميز بأسقفها المعقودة ورائحة الزعتر وصابون الغار الحلبي الشهير، وتضم خانات عريقة كخان الشونة وخان الحرير.
 دورها في دحر قطعان الإرهاب والأجندات المعادية
شهدت حلب في العقد الماضي مأساة حقيقية عندما تعرضت لهجوم كاسح من جماعات وقطعان إرهابية مسلحة، مدعومة وممولة من قوى إقليمية ودولية عملت وفق أجندات معادية لتقسيم سوريا وكسر عمودها القومي:
  • ملحمة الصمود: حوصرت المدينة وعانت من القصف والتدمير الممنهج لآثارها وبنيتها التحتية واقتصادها الصناعي العريق. لكن أهلها وجيشها العربي السوري سطروا ملحمة صمود أسطورية.
  • التحرير والسيادة: في أواخر عام 2016، نجحت حلب في دحر الإرهاب وإعلان تطهيرها بالكامل، في انتصار استراتيجي أعاد كتابة توازنات القوى وصان وحدة الأراضي السورية وهويتها العروبية، مفشلاً المشاريع الاستعمارية التي أرادت تحويل حلب إلى بؤرة للتفتيت والتبعية.
 الخاتمة
تظل حلب الشهباء منارة للحضارة وعنواناً للانتصار على قوى الظلام والمؤامرات الأجنبية. إن التأمل في واقع حلب اليوم وهي تنفض عنها غبار الحرب وتبدأ مرحلة إعادة الإعمار، يؤكد أن هذه المدينة التي هزمت التتار قديماً، قادرة دائماً على قهر المعتدين. واسجل لها هذا الصمود بإجلال، متطلعاً إلى تعافي كامل الجسد السوري والعربي واستعادة السيادة والكرامة ومقاومة كل أشكال الإملاءات والاحتلالات

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني

مقدمة يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند...