قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضا عربية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات قضا عربية. إظهار كافة الرسائل

الأحد، 28 يونيو 2026

القيروان: حاضرة المغرب العربي ومشكاة الحضارة الإسلامية بقلم الناصر خشيني



تحتل مدينة القيروان التونسية مكانة استثنائية في الوجدان العربي والإسلامي؛ فهي لم تكن مجرد مدينة عابرة في جغرافيا المغرب العربي، بل كانت منطلقاً لقرون من الإشعاع الفكري، والديني، والعسكري الذي غير وجه المنطقة. تأسست القيروان لتكون "معسكر الأمة" الحصين، وتحولت سريعاً إلى عاصمة علمية وحضارية نافست بغداد وقرطبة. 
 التأسيس والنشأة: درع العروبة والإسلام
أُسست القيروان عام 50 للهجرة (670 ميلادي) على يد القائد الأموي عقبة بن نافع. واختار لها موقعاً استراتيجياً في قلب السهول التونسية بعيداً عن السواحل لحمايتها من غارات البيزنطيين البحرية. [1, 2, 3]
  • الاسم والدلالة: اشتق اسم المدينة من المعنى الفارسي "كاروان" (المعسكر أو محط الرحال)، لتكون قاعدة انطلاق للفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا والأندلس. 
  • عاصمة الأغالبة: بلغت المدينة أوج ازدهارها السياسي والمعماري في عهد الدولة الأغلبية (القرن الثالث الهجري)، حيث أصبحت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي بأكمله. 
 شواهد الحضارة: أبرز المعالم التاريخية في القيروان
تزخر المدينة العتيقة، المصنفة كإرث عالمي من طرف اليونسكو، بمعالم هندسية استثنائية تحكي قصة تفوق المسلمين في شتى العلوم: 
  • جامع عقبة بن نافع (الجامع الكبير): أيقونة العمارة الإسلامية في المغرب العربي. يتميز بمئذنته المربعة الشامخة التي تعد الأقدم من نوعها، وبمنبره المصنوع من خشب الساج الذي يُعد أقدم منبر إسلامي محفوظ في العالم. كما يضم بيت الصلاة فيه مئات الأعمدة الرخامية البديعة. 
  • فسقيات الأغالبة: أعظم منشأة مائية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى. هي عبارة عن أحواض مائية دائرية ضخمة صُممت بعبقرية هندسية فائقة لتجميع مياه الأمطار وتزويد المدينة بالمياه، مما جعلها تتغلب على شح الموارد المائية في المنطقة. 
  • مقام الصحابي أبي زمعة البلوي (سيدي الصحبي): معلم روحي ومعماري فائق الجمال. يضم ضريح الصحابي الذي كان يحمل معه خصلات من شعر الرسول ﷺ، ويتميز المقام بزخارف الخزف (الزليج) والنقوش الجصية الأندلسية والمغربية. 
  • جامع الأبواب الثلاثة: أحد أقدم المساجد التي تمتاز بواجهتها المنقوشة بالخط الكوفي البديع والزخارف النباتية والهندسية، مما يجعله وثيقة تاريخية معمارية فريدة. [1]
  • بئر بروطة وسوق الربع: قلب المدينة العتيقة النابض. حيث ترتبط الذاكرة الشعبية ببئر بروطة التاريخي، وتحيط به أسواق الحرف التقليدية لاسيما صناعة "الزربية القيروانية" (السجاد المنسوج يدوياً) الشهيرة عالمياً. [1, 2]
 القيمة الثقافية والفكرية
لم تكن القيروان مجرد عمارة، بل كانت مدرسة فكرية رائدة. فمن خلال "بيت الحكمة" القيرواني وجامع عقبة، تخرج أبرز علماء الفقه، والطب، والأدب مثل الإمام سحنون وابن الجزار القيرواني، لتكون القيروان الممهد الحقيقي لنشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية في كامل ربوع المغرب الكبير. 
 خاتمة المقال
تظل القيروان بوابتنا المشرقة نحو فهم عمق الهوية العربية والإسلامية في شمال إفريقيا، وشاهداً حياً على عظمة الأجداد الذين طوعوا الحجر والماء لبناء حضارة إنسانية خالدة. إن قلم ابن القيروان البار، ومعه كل غيور على تاريخ هذه الأمة، ينظر اليوم إلى ربوعها بكثير من الفخر والإجلال، متطلعاً إلى أن تستعيد حواضرنا التاريخية دورها القيادي كمنارات للعلم والكرامة والسيادة، وأن تظل القيروان دائماً كما أرادها مؤسسوها: حصناً منيعاً لروح الأمة وعروبتها

الاثنين، 15 يونيو 2026

«ابن تيمية في قفص الاتهام المعاصر: هل شرعنت فتاوى الغزو التتاري وحشية الإرهاب الحديث؟» بقلم الناصر خشيني.

  


        تُعد إشكالية التراث الفقهي وعلاقته بظاهرة العنف المعاصر من أدق المباحث الفكرية التي تستدعي تفكيكاً بنيوياً هادئاً، بعيداً عن الانحياز الأيديولوجي أو الدفاع الاعتذاري. ويقع تراث الشيخ أحمد بن تيمية (ت 728هـ) في قلب هذا السجال، لا سيما الفتاوى التي عُرفت تاريخياً بـ "يستتاب وإلا قُتل". يسعى هذا المقال إلى قراءة هذه الفتاوى ضمن سياقها التاريخي المحكوم بالحروب الصليبية والغزو المغولي، مع رصد طبيعة تأثر حركات العنف المعاصر بها، وعرض الرؤى النقدية والتحليلية التي قدمها الفقهاء المعاصرون لتفكيك هذه المعضلة الفكرية.

أولاً: بنية الفتاوى الحَدّية وسياق "فقه النوازل" التاريخي
يكشف الاستقراء الإحصائي لمدونات ابن تيمية الفقهية، ولا سيما "مجموع الفتاوى"، عن وجود مساحة واسعة للأحكام المشروطة بصيغة الحسم القضائي: "يستتاب فإن تاب وإلا قُتل" [1]. وتشير الدراسات الاستقصائية المعاصرة إلى أن هذه الصيغة تكررت في سياقات مختلفة تتراوح ما بين 428 إلى أكثر من 460 موضعاً [2]، وشملت مسائل عقائدية فرعية، وعبادات عملية (كالمجاهرة بلفظ النية)، ومخالفات للمشهور من الفقه [3].
من الناحية التحليلية، لا يمكن فهم هذه الحدّة التشريعية بمعزل عن "فقه النوازل والحروب"؛ فقد عاش ابن تيمية في حقبة شهدت تصدعاَ جيوسياسياً مروعاً للأمة الإسلامية، تمثل في تزامُن بقايا الحملات الصليبية مع الاجتياح المغولي الكاسح الذي أسقط الخلافة العباسية في بغداد [4]. بناءً على هذا الواقع، تحولت الفتوى عنده من مجرد بيان للحكم الشرعي التكليفي الهادئ، إلى أداة لحفظ التماسك الاجتماعي، وحماية الجبهة الداخلية من التحلل والردة المقنّعة التي قد تمهد للغزو الخارجي، وهو ما يتضح جلياً في فتاواه الشهيرة ضد التتار [5].

ثانياً: آلية التوظيف الأيديولوجي لدى جماعات العنف المعاصر
انتقلت هذه الفتاوى من فضاء "التاريخ والنوازل الموقتة" إلى فضاء "العمل الحركي العابر للزمان" بفعل القراءة الانتقائية التي مارستها قوى التطرف والتشدد المعاصرة (كالتنظيمات الجهادية والتكفيرية) [6]. وتتمثل هذه الآلية في عدة نقاط جوهرية:
  • تجريد النصوص من بيئتها الزمانية والمكانية: انتزاع الأحكام التي قيلت في مجتمعات الحروب والمغاصة بالخيانة، وإسقاطها على مجتمعات الدولة الوطنية الحديثة [7].
  • تجاوز شرط "السلطة القضائية": تحويل صيغة "يستتاب وإلا قتل" من حكم قضائي منوط بولي الأمر والدولة الشرعية حصراً، إلى تفويض مفتوح للأفراد والتنظيمات لتنفيذ أحكام الإعدام والتكفير [8].
  • توسيع مفهوم "الطائفة الممتنعة": الاستناد إلى فتاوى قتال التتار لتكفير الحكومات والجيوش والمجتمعات المعاصرة بدعوى عدم تطبيق الشريعة كاملاً [9].
  • عولمة "فقه التترس": القياس الفاسد لفتوى "جواز قتل الأسرى المسلمين إذا تترس بهم العدو لمنع سقوط البيضة"؛ واستخدامها لتبرير العمليات التفجيرية والانتحارية في الأسواق العامة وسقوط الضحايا المدنيين.

ثالثاً: جغرافيا المواقف الفقهية المعاصرة (بين الدفاع والتفكيك)
إزاء هذا التوظيف الخطير، انقسمت مواقف الفقهاء والمفكرين المعاصرين إلى اتجاهين رئيسيين يحمل كل منهما أدواته التحليلية:
1. المنهج الاعتذاري الدفاعي
يمثله قطاع من العلماء والمؤسسات ذات المنزع السلفي، ويرتكز تحليلهم على تبرئة ابن تيمية كلياً وتحميل الجناية لـ "سوء الفهم الجاهل" [10]. ويسوق هذا التيار حججاً بنيوية:
  • عموم المصطلح الفقهي: إن عبارة "يستتاب وإلا قتل" ليست ابتكاراً تيمياً، بل هي مصطلح إجرائي سائد في مدونات المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) في أبواب الحدود والردة والسياسة الشرعية [11].
  • حتمية المؤسسة القضائية: التأكيد على أن ابن تيمية ربط تطبيق هذه الأحكام بوجود القاضي والسلطان، ولم يبحها قط للعامة أو الجماعات المتمردة على الدولة [12].
2. المنهج النقدي التفكيكي
يمثله علماء المؤسسات الدينية العريقة كالأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، وعدد من الباحثين التنويريين. يرى هذا المنهج أن التبرير السطحي لا يحل المشكلة، ويقدم نقداً أعمق يتلخص في:
  • التوسع المفرط والتشديد الفقهي: يُؤخذ على ابن تيمية توسيع دائرة الأحكام بالقتل لتشمل هفوات مسلكية وفروعاً فقهية يسعها الخلاف، مما أوجد تضخماً في نصوص العنف الفقهي شكلت مادة خاماً مغرية للمتطرفين [14].
  • تجميد اللحظة التاريخية: غياب التمييز في مدوناته بين ما هو "حكم شرعي كلي مستقر" وبين ما هو "موقف سياسي حربي موقت"، مما سهّل عملية استيراد فقه القرن الثامن الهجري ووضعه قسراً في واقع القرن الحادي والعشرين المعاصر [15].
  • نبرة الإقصاء والحدة: تأثر أسلوبه بظروف محنته الشخصية وسجونه المتكررة، مما صبغ خطابه بحدة واضحة تجاه خصومه من المتكلمين والفلاسفة والصوفية [16].

رابعاً: معالجات معاصرة لنزع السلاح الفكري من قوى الإرهاب
لم تقتصر جهود العلماء المعاصرين على التوصيف، بل اتجهت نحو المعالجة التأصيلية؛ وكان من أبرز تلك الجهود "مؤتمر ماردين العالمي" الذي انعقد لمراجعة "فتوى ماردين" الشهيرة لابن تيمية [17].
أثبت المحققون في هذا المؤتمر أن الجماعات المتطرفة اعتمدت على نسخة محرفة للفتوى تنص على: (يُعامل المسلم الخارج عن شرائعها بما يستحقه من القتال)، في حين أن اللفظ الصحيح في المخطوطة الأصلية هو: (يُعامل المسلم الخارج عن شرائعها بما يستحقه من العِقَال) أي الحبس والزجر القضائي، وليس القتل [18]. وخرج المؤتمر بتأصيل حاسم يعلن أن فتاوى ابن تيمية المرتبطة بالحقبة التتارية والصليبية لا يمكن إسقاطها على واقع "الدولة الوطنية الحديثة" التي تحكمها عقود المواطنة والقوانين الدولية المستقرة.

الهوامش والتعليقات المرجعية
[1] انظر: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة.
[2] حبش، محمد، دراسات استقصائية في الفكر الفقهي المعاصر: إحصاء وتفكيك فتاوى الاستتابة والقتل، دار التجديد، بيروت.
[3] انظر تفصيل ذلك في المجلدات العقائدية من مجموع الفتاوى، صنف "باب العقائد والرد على أهل البدع".
[4] المَقريزي، أحمد بن علي، السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب العلمية، بيروت (يرصد أحوال الشام ومصر إبان الحروب الصليبية والغزو التتاري).
[5] ابن تيمية، الرسالة التتارية (ما يقوله الفقهاء في قتال التتار)، المجلد 28 من مجموع الفتاوى.
[6] فضل، عبد القادر، أيديولوجيا الجماعات المسلحة: قراءة في المرجعيات والآليات، مركز دراسات الحركات الإسلامية، عمان.
[7] العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، دار سينا للنشر، القاهرة.
[8] ولد الددو، محمد الحسن، فقه السياسة الشرعية وضوابط إقامة الحدود، محاضرات وبحوث فقهية منشورة.
[9] انظر أدبيات تنظيم القاعدة، ولا سيما كتابات أيمن الظواهري في الاستشهاد بـ "فتاوى ماردين وقتال الطائفة الممتنعة".
[10] البوطي، محمد سعيد رمضان، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، دار الفكر، دمشق.
[11] انظر على سبيل المثال: ابن رشد (الحفيد)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، كتاب الأقضية والحدود؛ والمقدسي، المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل.
[12] ولد الددو، مرجع سابق.
الطيب، أحمد (شيخ الأزهر)، بيانات ومواقف الأزهر الشريف في تفنيد الفكر المتطرف ونقد آليات الاجتزاء الفقهي، مشيخة الأزهر، القاهرة.
[14] عمارة، محمد، ابن تيمية بين المأزق التاريخي والتأويل المعاصر، دار الشروق، القاهرة.
[15] مرجع سابق، مؤتمر ماردين العالمي (2010)، البيان الختامي وأوراق العمل.
[16] النشار، علي سامي، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة (في تحليله لموقف ابن تيمية من الفلاسفة والمتكلمين).
[17] مؤتمر ماردين: جدارية السلام ونقض فتاوى التكفير، المنعقد في تركيا بمشاركة دار الإفتاء المصرية ومؤسسات إسلامية عالمية، مارس 2010.
[18] بن بيه، عبد الله، فتاوى ومواقف في فقه المواطنة والسلام العالمي: تصحيح تحريف فتوى ماردين، أبوظبي.

الأحد، 31 مايو 2026

الحدود والتجزئة: جذور التخلف العربي ومسالك الخلاص بقلم الناصر خشيني — باحث ومحلل سياسي، نابل، تونس



مقدمة
حين رسم الضابطان البريطاني مارك سايكس والفرنسي فرانسوا جورج بيكو خطوطهما الشهيرة عام 1916 على خريطة المشرق العربي، لم يكونا يرسمان حدوداً بين دول متجاورة، بل كانا يشقّان في جسد أمة واحدة شرايين النزيف التي لم تُقفل حتى اليوم.(1)
في تلك اللحظة الاستعمارية الفارقة، تقرّر مصير مئات الملايين من البشر لعقود قادمة؛ فالخريطة التي أُنجزت لتقسيم المغانم بين لندن وباريس باتت شرطاً للوجود السياسي لكيانات هشّة، أُريد لها أن تتقاتل فيما بينها وتتبعثر طاقاتها في رسم حدود خيالية بدلاً من بناء مستقبل مشترك. فالحدود الوهمية التي زرعها المستعمر في جغرافيا العرب لم تكن أبداً إجراءً إدارياً بريئاً، بل كانت مشروع تخلف ممنهج أُريد به أن يكون دائماً.
تسعى هذه الدراسة إلى كشف الترابط العضوي بين هذه التجزئة المفروضة والتخلف الشامل الذي يعانيه الوطن العربي على الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية، كما تسعى إلى التدليل على أن لا خروج من هذا المأزق الحضاري دون إعادة بناء الوحدة العربية على أسس ديمقراطية اشتراكية، وذلك هو الطريق الوحيد نحو التحرر الفعلي، بما في ذلك استعادة فلسطين والأراضي العربية المحتلة من دول الجوار.
أولاً: جراح سايكس بيكو — التشريح التاريخي للتجزئة
1-1 الحدود الاستعمارية: خريطة بلا جغرافيا
قبل اتفاقية سايكس بيكو، كان الوطن العربي يشكّل فضاءً جغرافياً وحضارياً متواصلاً؛ لغة واحدة، وثقافة مشتركة، وأسواق تجارية متصلة من المغرب إلى الخليج، وتاريخ تشكّل عبر قرون من التفاعل والتمازج. وما أن انتهت الحرب الكونية الأولى وتوزّعت ريحها الاستعمارية حتى وجد العرب أنفسهم أمام حدود لم يرسمها شعب ولم تفرزها حضارة، بل رسمتها إرادات أجنبية متوحشة.(2)
تلك الحدود لم تكن جغرافية ولا طبيعية، بل كانت في كثير منها ذات طابع هندسي خالص، خطوط مستقيمة تتجاهل الأودية والجبال والتجمعات البشرية على حدٍّ سواء. وهو ما أشار إليه الجغرافي البريطاني هاملتون ماكيندر حين ربط بين السيطرة على القلب الأوراسي والهيمنة الكونية، فكانت التجزئة العربية جزءاً من مشروع استراتيجي أعمق لمنع أي قوة إقليمية من الظهور.(3)
أمّا المفكر العربي عبد الله العروي فقد كشف كيف أن الحداثة التي جاءت إلى المنطقة العربية لم تكن حداثة التحرر بل حداثة الاستتباع، إذ أنتجت كيانات سياسية مسخاً لا هي دول قومية ناجزة ولا هي وحدات قبلية متجانسة، بل هي كائنات انتقالية معلّقة بين أزمنة متعارضة.(4)
1-2 الاقتصاد الممزق: ثروات موزّعة وفقر مركّب
يكفي أن ننظر إلى الأرقام لنفهم حجم الجريمة التي ارتكبتها التجزئة بحق الاقتصاد العربي: ثروات طبيعية هائلة من نفط وغاز ومعادن وموارد زراعية، تُقدَّر بعشرات التريليونات من الدولارات، وفي المقابل يعيش نحو مئة مليون عربي تحت خط الفقر.(5)
التبادل التجاري البيني بين الدول العربية لا يتجاوز 10% من إجمالي تجارتها الخارجية، وهو رقم يكشف مدى الانفصال البنيوي بين اقتصادات متجاورة كان يمكنها أن تشكّل كتلة اقتصادية من أضخم كتل العالم. يُعادل الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو أربعة تريليونات دولار، وهو يوازي اقتصاد فرنسا وحدها، رغم أن المنطقة تحتوي على عدد سكان يزيد عشر مرات.(6)
يحتضن الوطن العربي نحو 60% من الاحتياطيات النفطية العالمية المؤكّدة، غير أن عائداتها تتسرّب إلى الخارج أو تُنفق على أنظمة حرب وتوتر وصراع بين إخوة فرّقتهم الخرائط المصطنعة.(7)
هذه الفجوة الهائلة بين الثروة الكامنة والفقر الفعلي لا تُفسَّر بالتأخر الحضاري ولا بقصور الإنسان العربي، بل بالتجزئة التي حالت دون بناء سوق مشتركة وتكامل صناعي وزراعي وتقني يمكن أن يُخرج هذه الشعوب من دوامة التبعية والاستنزاف.
ثانياً: أبعاد التخلف الشامل — قراءة في المنظومة
2-1 التخلف السياسي: أنظمة بلا أمة
أفرزت الكيانات الهشة التي خرجت من رحم سايكس بيكو أنظمة سياسية مشوّهة بطبيعتها؛ أنظمة لا تستمد شرعيتها من إرادة شعوبها، بل من اعتراف المراكز الاستعمارية القديمة والجديدة، ومن قدرتها على إدارة التوازن الداخلي الهشّ بين عشائر وطوائف ومناطق تشكّل مكوّنات متنافسة داخل حدود مصطنعة.
الديمقراطية في هذه الكيانات المجزّأة تغدو مستحيلة من منطلق بنيوي قبل أن تكون مستحيلة لأسباب ثقافية أو دينية كما يروّج بعضهم. فحين يكون الوطن نفسه موضع خلاف، حين تكون الحدود مشروع استعمار لا إطاراً للعيش المشترك، تتحوّل الانتخابات إلى حروب قبلية وطائفية، وتتحول المعارضة إلى خيانة مشبوهة، وتتحوّل الوحدة القسرية إلى استبداد لا مفرّ منه.
لذلك، ليس من قبيل المفارقة أن ظاهرة الاستبداد العربي ليست غريبة عن التجزئة، بل هي إحدى ثمارها المنطقية؛ الدولة التي لا تملك وطناً حقيقياً تُعوّض ذلك بقمع هائل.(8)
2-2 التخلف الاقتصادي: هدر الطاقات المتكاثرة
يمتلك الوطن العربي من الموارد الطبيعية والبشرية ما يكفي لإقامة نهضة اقتصادية ضخمة، غير أن التجزئة جعلت كل دولة تُدير اقتصاداً ناقصاً يعتمد على الخارج بدلاً من أن يتكامل مع محيطه العربي.(9)
الصحراء الكبرى الممتدة عبر عدة دول تخفي في باطنها ثروات معدنية ومائية هائلة تظل عصيّة على الاستثمار لأن استغلالها يستلزم تعاون دول عدة لا تملك إرادة مشتركة. والنيل الذي ينبع من أفريقيا الوسطى ويخترق السودان ويصبّ في مصر يتحوّل إلى مصدر نزاع بدلاً من أن يكون محور تكامل. وثروات الخليج النفطية تظل رهينة اختلال بنيوي حاد بين الفائض المالي الضخم والعجز في الأيدي العاملة الكفؤة، اختلال لو وُجدت وحدة عربية فعلية لحلّه السوق المشتركة من تلقاء نفسها.
يُضاف إلى ذلك نزيف الأدمغة المتصاعد؛ حيث يهاجر أكثر من مئة ألف كفاءة عربية سنوياً نحو أوروبا وأمريكا وكندا وأستراليا، لا لأن البلاد العربية لا تملك موارد لإبقائهم، بل لأن التشتت السياسي والتجزئة الاقتصادية يجعلان البيئة الداخلية طاردة للكفاءة وجاذبة للتبعية.(10)
2-3 التخلف الثقافي والتعليمي: أمة مجزأة في عقلها قبل حدودها
يبلغ معدل الأمية في بعض الدول العربية ما يزيد على 30%، فيما تتصدر المنطقة العربية العالم في معدلات الأمية الوظيفية حتى بين من التحقوا بالمدارس. وتحتضن الجامعات العربية مجتمعة عدداً من الباحثين ومراكز البحث العلمي لا يُقارن بما تملكه دولة متوسطة الحجم في أوروبا.(11)
غير أن الأعمق من ذلك هو ما حدث للوعي الثقافي العربي؛ إذ أُعيد إنتاج الحدود الاستعمارية داخل العقل الجمعي نفسه، فبات المغربي يرى المشرق بعين الغريب، والخليجي يرى الشامي كما يرى جاره الأجنبي. المستعمر لم يكتفِ بتقسيم الأرض بل قسّم الذاكرة، وهو ما أشار إليه فرانتز فانون حين تناول آليات زرع الثقافة الاستعمارية في عقل المستعمَر.(12)
ثالثاً: الحل — الدولة العربية الواحدة الديمقراطية الاشتراكية
3-1 لماذا الوحدة؟ الحجة الاقتصادية
ليست الوحدة العربية شعاراً عاطفياً ولا حلماً رومانسياً، بل هي ضرورة اقتصادية موضوعية تفرضها قوانين الاقتصاد السياسي الحديث. فالدول الصغيرة في عالم متكتل لا تستطيع أن تبني صناعة ثقيلة ولا أن تنافس في التقنية الحديثة ولا أن تفرض شروطاً عادلة في تجارتها مع الكتل الاقتصادية الكبرى.(13)
الوحدة العربية وحدها قادرة على إنشاء سوق داخلية ضخمة تضم أكثر من 450 مليون مستهلك، وعلى إرساء منظومة صناعية تكاملية تستثمر التنوع الجغرافي بين موارد النفط في الخليج وزراعة النيل وثروات المغرب المعدنية وكفاءات المشرق البشرية.(14)
وقد أثبتت تجارب التكامل الاقتصادي الإقليمي في العالم — من الاتحاد الأوروبي إلى آسيان — أن الترابط البنيوي بين اقتصادات متجاورة يُضاعف الناتج ويقلص الفقر ويُرسّخ السلم. فما الذي يمنع العرب من بناء نموذجهم؟ ليس العائق حضارياً ولا لغوياً ولا ثقافياً، بل هو سياسي بامتياز، وهو ما صنعته التجزئة الاستعمارية وتُعيد إنتاجه أنظمة الاستبداد الراهنة.(15)
3-2 لماذا الديمقراطية؟ شرط الحرية
الدولة العربية الواحدة التي ندافع عنها ليست إمبراطورية مركزية أحادية تُلغي تنوّع الشعوب والثقافات، بل هي دولة اتحادية ديمقراطية تقوم على الإرادة الشعبية الحرة، وتضمن التعددية والحقوق المدنية وسيادة القانون وتداول السلطة.
الديمقراطية في هذا السياق ليست ترفاً سياسياً بل شرط وجودي لأي وحدة صحيحة ومتينة. الوحدة القائمة على الاستبداد كما أثبتت تجربة الوحدة المصرية السورية بين 1958 و1961 مآلها الانهيار المبكر، لأنها تفتقر إلى الشرعية الشعبية التي تمنحها المناعة.(16)
ومن هنا فإن المطالبة بالوحدة العربية تستلزم الوقوف في وجه الاستبداد العربي لا الوقوف معه، وإدراك أن تحرير الإنسان العربي في وطنه شرط لتحرير الأمة من هيمنة الخارج. الديمقراطية والوحدة ليستا متناقضتين بل هما في جوهرهما شرطان متلازمان.
3-3 لماذا الاشتراكية؟ العدالة التوزيعية شرط الاستقرار
أثبتت التجارب التاريخية في الوطن العربي وخارجه أن الوحدة السياسية دون عدالة اجتماعية تنتهي إلى تركّز الثروة في أيدي نخب متحكمة تستبدل الاستعمار الخارجي بنهب داخلي. وما كشفته الثروات المنهوبة في تونس وغيرها من الدول العربية من استنزاف ممنهج للموارد الطبيعية يُرسّخ القناعة بأن التحرر الوطني لا يكتمل دون توزيع عادل للثروة.(20)
الاشتراكية التي ندافع عنها ليست الأممَ الستالينية ولا الإدارة البيروقراطية الصماء، بل هي منظومة الاقتصاد المختلط الذي تحتفظ فيه الدولة بالسيادة على الموارد الطبيعية والقطاعات الاستراتيجية، بينما تُحرَّر المبادرة الخاصة في الفضاءات الأخرى وتُضبط بسياسات تضامن اجتماعي فعّالة.(17)
رابعاً: فلسطين والأراضي المحتلة — ثمرة الوحدة الحتمية
لا يمكن الحديث عن التجزئة العربية واستتباعاتها دون الوقوف أمام قضية فلسطين، القضية التي كانت أولى ضحايا التجزئة وستكون أولى منتصرات الوحدة.(18)
فلسطين التي قُدِّر لها أن تكون وطناً قومياً لليهود بموجب وعد بالفور عام 1917 لم تكن لتتحوّل إلى مشروع استيطاني قابل للحياة لولا التفتيت الذي مهّد طريق الاستيطان الصهيوني في جسد عربي مشرذم. وحين خاض العرب حرب 1948 كانوا جيوشاً لدول حديثة العهد تفتقر إلى قرار موحّد وإمداد منتظم وإرادة سياسية متجانسة. وتكرّر الأمر في 1967 حين كشفت الهزيمة الساحقة عن عمق التفكك البنيوي للمنظومة العربية.
والأراضي العربية المحتلة — من الجولان السوري إلى سبتة ومليلية إلى جزر الإمارات — تظل قضايا معلّقة لأن التجزئة أفقدت الوطن العربي ورقة ضغطه الاستراتيجية. دولة عربية واحدة بعدد سكاني يتجاوز 450 مليوناً وناتج اقتصادي يمكن أن يُعادل ما يزيد على عشر تريليونات دولار ستمتلك من رصيد القوة ما يجعل السلام التفاوضي العادل ممكناً.(19)
إن تحرير فلسطين الكامل، إلى جانب عودة كامل الأراضي العربية المحتلة، ليس بعيداً عن قدرة أمة موحّدة تستعيد ذاتها وتُدار ثرواتها لصالح أبنائها. ولعل الربط الذي تعمّده المستعمر بين تجزئة العرب وتأسيس إسرائيل ليس من قبيل الصدفة التاريخية، بل هو جزء من مشروع واحد لإيجاد قوة وظيفية تحرس التجزئة من الداخل.
خاتمة: الطريق الشاق والضروري
إن مشروع الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية ليس أمنية مثالية منفصلة عن إكراهات الواقع، بل هو استجابة عقلانية للتحديات الجذرية التي تواجه الأمة العربية. فالتجزئة الاستعمارية لم تُنتج فقط تخلفاً اقتصادياً أو هشاشةً سياسية، بل أنتجت اغتراباً حضارياً عميقاً يجعل الإنسان العربي غريباً في وطنه مُقيَّداً لمصالح الخارج.
نعلم أن الطريق طويل وأن العقبات جمّة: مقاومة الأنظمة القائمة التي تستمد وجودها من التجزئة، وعقبة المصالح الاستعمارية الكبرى المنتفعة من الوضع الراهن، وتحدي بناء مؤسسات اتحادية ديمقراطية في مناخات لم تعتد الممارسة الديمقراطية. غير أن هذه العقبات ليست عوامل يأس بل هي عوامل إيضاح تُجلّي ما يجب العمل عليه.
إن الشعوب العربية التي صنعت ربيعها رغم الحديد والنار أثبتت أن إرادة التغيير موجودة؛ وما ينقصها هو الأفق الجامع الذي يتجاوز تغيير الوجوه إلى تغيير البنية. ذلك الأفق هو الدولة العربية الواحدة الديمقراطية الاشتراكية، التي تجمع في مشروعها بين الحرية والعدالة ووحدة الأرض ووحدة الإنسان.
ليست الوحدة العربية ترفاً تاريخياً بل هي الشرط الوجودي لتحرير هذه الأمة من ربقة التخلف والاستبداد والتبعية. وبلا هذا الأفق تظل الأجيال القادمة تتلقى الجروح نفسها بأسماء مختلفة.
ناصر خشيني — نابل، تونس — 2025
الهوامش والمراجع
(1) سايكس بيكو: اتفاقية سرية أبرمت عام 1916 بين الدبلوماسيين مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو لتقسيم المشرق العربي إلى مناطق نفوذ، نُشرت تفاصيلها بعد الثورة البلشفية عام 1917. انظر: David Fromkin, A Peace to End All Peace: The Fall of the Ottoman Empire and the Creation of the Modern Middle East, Henry Holt, New York, 1989.
(2) أنطون سعادة، نشوء الأمم، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 1994، ص 87-90.
(3) Halford Mackinder, "The Geographical Pivot of History", The Geographical Journal, Vol. 23, No. 4, 1904, pp. 421-437.
(4) عبد الله العروي، مفهوم الأمة، المركز الثقافي العربي، بيروت-الدار البيضاء، 2011، ص 43-56.
(5) البنك الدولي، تقرير التنمية البشرية في الوطن العربي، واشنطن، 2022، ص 14.
(6) صندوق النقد العربي، التقرير الاقتصادي العربي الموحد، أبوظبي، 2023، ص 31-35.
(7) Organization of Arab Petroleum Exporting Countries (OAPEC), Annual Report 2022, Kuwait, 2023.
(8) برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2022، نيويورك، 2022، ص 62.
(9) جمال حمدان، شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان، الجزء الثالث، دار الهلال، القاهرة، 1981، ص 210.
(10) International Labour Organization, Arab Employment Report 2022, Geneva, 2022.
(11) المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو)، إحصاءات التعليم في الوطن العربي 2021، تونس، 2022، ص 5.
(12) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, Grove Press, New York, 1963, pp. 148-205.
(13) ميشيل عفلق، في سبيل البعث، دار الطليعة، بيروت، 1963، ص 121-130.
(14) عمر بهاء الدين الأميري، دراسات في النظرية الاشتراكية العربية، دار المعرفة، دمشق، 1975، ص 44.
(15) جمال عبد الناصر، فلسفة الثورة، دار المعارف، القاهرة، 1955، ص 72.
(16) United Nations Conference on Trade and Development (UNCTAD), Trade and Development Report 2022, Geneva, 2022, p. 78.
(17) Samir Amin, The Arab Nation: Nationalism and Class Struggles, Zed Press, London, 1978, pp. 63-72.
(18) Frantz Fanon, The Wretched of the Earth, Grove Press, New York, 1963, pp. 148-205.
(19) إعلان استقلال دولة فلسطين، الجزائر، 15 نوفمبر 1988. وثيقة الأمم المتحدة A/43/827.
(20) الناصر خشيني، الثروات المنهوبة في تونس، مخطوطة معدّة للنشر، 2024. وانظر كذلك: وليد خدوري، النفط العربي: التحديات والمسؤوليات، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2005.

 




جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...