مدخل: مرآة الواقع الغربي المتداعي حين نتأمل المشهد الراهن في القارة الأوروبية، وتحديداً في فرنسا ، لا نقف أمام مجرد تظاهرات مطلبية عابرة أو احتكاكات أمنية تقليدية، بل نحن أمام أزمة بنيوية حادة تعصف بالنموذج الرأسمالي الغربي في طبعته النيوليبرالية المتوحشة . إن الشوارع الملتهبة في باريس وميلانو ومدريد وبرلين تعكس، بشكل قاطع، انسداد الآفاق السياسية والاجتماعية لهذه الأنظمة التي طالما سوّقت لنفسها كواحة "للمعايير الحقوقية"، بينما تكشف اليوم عن وجهها الحقيقي كأدوات قمعية تحمي مصالح رأس المال والمنظومة الأطلسية العابرة للقارات على حساب قوت الشعوب والطبقات الكادحة. أولاً: جغرافيا التمرد العارم وعودة "السترات الصفراء" في فرنسا انطلقت شرارة التمرد الأخير في فرنسا خلال منتصف سبتمبر من قاع المنظومة التربوية الكسيحة؛ حيث أعلن الطلاب والشباب انتفاضتهم رفضاً لتردي قطاع التعليم، واكتظاظ الفصول، والنقص الفادح في المعلمين والاضطرار للتعلم في ظروف مناخية قاسية. لكن هذا الحراك لم يلبث أن تلاحم بنيوياً مع نقابات العمال العريضة وقوى "السترات الصفراء" ، ليتحول سريعاً من اح...
يُمثّل نهب المال العمومي في تونس ظاهرة بنيوية ممتدة عبر التاريخ المعاصر والحديث، ارتبطت دائماً بأزمات الحكم، والتبعية للخارج، وغياب آليات الرقابة الصارمة والتداول السلمي الرشيد على السلطة. ولم تكن قضايا الاختلاس وتبديد الثروات مجرد انحرافات فردية، بل شكلت أداة لإفقار الدولة وتكبيل سيادتها؛ بدءاً من صدمات القرن التاسع عشر التي انتهت بالاستعمار المباشر، مروراً بفساد عهد المحسوبية، وصولاً إلى الفوضى المالية والاستنزاف الممنهج لميزانية الدولة تحت غطاء "العدالة الانتقالية" والتعويضات السياسية خلال ما عُرف بـ"العشرية السوداء" (2011–2021). نستعرض في هذا التحليل الموسّع الجذور التاريخية والامتدادات المعاصرة لظاهرة السطو على الخزينة العامة التونسية من خلال المحطات الأساسية التالية: 1. القرن التاسع عشر: الفساد المالي كبوابة للاستعمار المباشر شهد هذا العهد أكبر عمليات تهريب ونهب منظّم للمال العام، تحوّل فيها مسؤولو الخزينة إلى "مستثمرين أجانب" هربوا بثروات البلاد ليتركوا الشعب في بؤس تام وعرضة للاحتلال الأجنبي: محمود بن عياد (وزير المالية وقابض الخزينة): يُعدّ را...