قائمة المدونات الإلكترونية

‏إظهار الرسائل ذات التسميات القضية الفلسطينية. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات القضية الفلسطينية. إظهار كافة الرسائل

الاثنين، 8 يونيو 2026

درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان بقلم الناصر خشيني


 حين كتبتُ قبل سنوات مقالي "درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا"، كنتُ أنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الحصار المفروض على أهلنا في غزة ليس مجرد تدبير تقني أو جدار إسمنتي وأسلاك شائكة تُضرب حول بقعة جغرافية، بل هو في جوهره معركة إرادات واختبار وجودي لمفهوم الكرامة الإنسانية والسياسية لأمتنا العربية والإسلامية. واليوم، ونحن نعيش فصول ملحمة تاريخية غير مسبوقة، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة ذلك النص واستحضار أبعاده، فالدم النازف والفعل المقاوم الأسطوري يعيدان اليوم صياغة هذا الدرس التاريخي، لينتقلا بالأمة من حيز "الدفاع عن النفس" إلى مرحلة "فرض المعادلات وصناعة السيادة".

إن الواقع الراهن قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والشرائع الدولية؛ فلم يعد الحصار مجرد منع للإعمار والوقود والمواد الأساسية كما كان في العقود الماضية، بل إننا نعيش اليوم فصلاً مرعباً من "حرب الإبادة الجماعية"، حيث تحول التجويع الممنهج، ومنع حبة القمح وقطرة الماء الروية، ودك المستشفيات إلى سلاح عسكري مباشر ومقصود. هذا التحول البنيوي في عقلية الاحتلال الغاشم لم يعد يستهدف الضغط على الإرادة السياسية للمقاومة فحسب، بل يهدف بوضوح واعتراف علني إلى تهجير الإنسان واقتلاعه من أرضه، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وسط تواطؤ دولي مخزٍ وعجز إقليمي فاضح.
وفي مقارنتي التاريخية التي تمسكتُ بها، ستبقى "غزوة بدر الكبرى" الشاهد والمبرهن الأزلي على أن قلة العدد وشُح العتاد لم يكونا يوماً عائقاً أمام انتزاع النصر وفك طوق الاستضعاف، شريطة توفر القرار الشجاع والإرادة المستقلة والتوكل الصادق. واليوم، يتجسد هذا الإسقاط التاريخي في أبهى وأعقد صوره؛ فغزة التي عُزلت عن العالم وخُنقت برّاً وبحراً وجوّاً لأكثر من عقدين، لم تقف نادبة حظها على أعتاب المساعدات العسكرية الإقليمية التي لم تأتِ. بدلاً من ذلك، حفرت المقاومة في الصخر، وعجنت الركام، وأعادت تدوير مخلفات القذائف لتصنع ترسانتها المعقدة محلياً تحت الأرض. إن "معجزة التصنيع الذاتي" داخل الأنفاق هي الامتداد المعاصر لروح معركة بدر، حيث تحولت القلة المستضعفة إلى قوة اشتباك تفرض شروطها وتجابه أحدث الترسانات التكنولوجية في العالم.
وهنا، لا بد لي أن أجدد نقدي اللاذع والعميق للأنظمة الرسمية العربية، فالأمر اليوم تجاوز مجرد "التقصير" في إرسال قوافل إغاثية، بل تحول إلى عجز بنيوي مخزٍ، تقف فيه عواصم كبرى عاجزة عن فرض إدخال شاحنة طحين أو تأمين ممر إنساني لإنقاذ الأطفال من الموت جوعاً أمام شاشات البث المباشر. هذا الصمت الرسمي يعكس فجوة سحيقة بين وجدان جماهير الأمة وعواصم قرارها، ويؤكد أن الحصار المفروض على غزة هو في الوقت ذاته حصار مضروب على الإرادة السياسية العربية الرسمية المكبلة بتبعيّتها.
ومع ذلك، فإن هذا الحصار والخذلان قابله التفاف وتلاحم شعبي عارم أعاد الروح إلى الجسد العربي المنهك. وهنا نستحضر بفخر الدور التاريخي والمبدئي للشعوب المغاربية وفي مقدمتها شعبنا العربي في تونس؛ هذا الشعب الذي لم يتأخر يوماً عن نصرة الحق الفلسطيني، فانتفضت شوارعه وساحاته، وتوحدت قواه النقابية والطلابية والمدنية في هبة مستمرة ترفض التطبيع وتجعل من قضية فلسطين قضية وطنية تونسية بامتياز. إن هذا الموقف الشعبي المتأصل يعكس عمق الرابطة القومية والإسلامية، ويثبت أن نبض الجماهير في تونس والمغرب العربي يرفض الامتثال لسياسات الأمر الواقع، ويصر على أن يكون شريكاً في معركة فك الحصار وإسقاط الإبادة.
ومثلما تحرك الشارع المغاربي، حدث تحول جوهري على الصعيد الشعبي العالمي. فإذا كنتُ قد أشدتُ سابقاً بقوافل كسر الحصار التضامنية القديمة، فإننا اليوم نشهد طوفاناً شعبيّاً عالميّاً تجاوز المساعدات الرمزية إلى حراك بنيوي: انتفاضة عارمة في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل كولومبيا، والهارفارد، والسوربون)، ومقاطعة اقتصادية شاملة ألحقت خسائر فادحة بالشركات الداعمة للاحتلال، وملاحقة قانونية تاريخية على منصات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما أسقط ورقة التوت الأخلاقية عن المنظومة الاستعمارية وحلفائها.
لذا، فإنني أتوجه من هنا بصرخة واستنهاض مباشر إلى النخب الفكرية والسياسية والوعي الثقافي في أمتنا العربية: إن دوركم اليوم لا يمكن أن يقف عند حدود التوصيف أو البكاء على الأطلال الإنسانية، أو الانكفاء على التنظير البارد خلف الشاشات. إن النخب مطالبة اليوم بقيادة معركة الوعي، وتفكيك السرديات الانهزامية، وبناء جبهة ثقافية وسياسية صلبة ترفض التبعية وتدعم خيار المقاومة والاعتماد على الذات كممر إجباري وحيد للتحرر. إن سقوط المفاهيم والقيم الغربية تحت أقدام أطفال غزة يفرض عليكم صياغة مشروع نهضوي عربي جديد يستمد قوته من كرامة شعبه وعمق تاريخه، لا من فتات الموائد الدولية.
ختاماً، إن الدرس الأكبر والأعمق الذي أردتُ تأكيده وأعيده اليوم بقوة، هو أن كسر الحصار ليس مطلباً إنسانيّاً يُستجدى على أعتاب المنظمات الدولية أو بالاعتماد على "حسن نوايا" المجتمع الدولي. إن كسر الحصار هو معركة سياسية وعسكرية لانتزاع الحرية والسيادة كاملة. لقد أثبتت هذه الملحمة المستمرة أن الكرامة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الرهان على الضمير الرسمي العالمي هو رهان خاسر وصفري. النصر والتحرير يصنعهما الصمود الأسطوري الحاضن للمقاومة على الأرض، والتلاحم الشعبي العابر للقارات، والإيمان اليقيني بأن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالاعتماد على ذاتها، هي أعتى وأبقى من كل ترسانات الإبادة والخراب.

السبت، 6 يونيو 2026

من وحي النكسة: صمود المقاومة وتهافت المظلات الغربية بقلم: الناصر خشيني

 


لم تكن هزيمة الخامس من حزيران (يونيو) عام 1967 مجرد انكسار عسكري عابر على جبهات القتال، بل كانت زلزالاً استراتيجياً وبنيوياً أعاد تشكيل الوعي العربي وصاغ مسارات الصراع في الشرق الأوسط لعقود طويلة [1]. واليوم، ونحن نستحضر ذكرى النكسة في ظل مشهد إقليمي شديد المعاصرة والخطورة، ندرك أن قراءة تلك المرحلة لا تجوز أن تقتصر على البكاء فوق أطلال الهزيمة، بل يجب أن تتحول إلى مختبر فكري لقراءة الحاضر واستشراف لاءات المستقبل العروبي.
من الانهيار إلى الالتفاف: الوعي الجماهيري كحائط صد
كشفت النكسة بمرارة عن فجوة هائلة في أساليب التخطيط، والتفوق التقني والاستخباراتي للعدو، والخلل البنيوي في الإدارة العسكرية العربية آنذاك [2]. لكن العبقرية الحقيقية للمشروع القومي برزت في كيفية امتصاص الصدمة؛ فخطاب التنحي التاريخي للرئيس الراحل جمال عبد الناصر في 9 يونيو لم ينته بانسحاب القائد، بل بتفجير طاقة الرفض الشعبي الكامنة. خرجت الجماهير العربية لترفض الهزيمة، معلنةً أن سقوط الجيوش لا يعني سقوط إرادة الأمة.
هذا الالتفاف الجماهيري العفوي والمنظم مـثّل حجر الأساس لـ "مرحلة الصمود"، والتي تُرجمت سياسياً في قمة الخرطوم (أغسطس 1967)، حيث صاغ العرب جداراً صلباً تمثل في اللاءات الثلاث: لا صلح، لا اعتراف، لا تفاوض [3]. كانت هذه اللاءات إعلاناً صريحاً بأن التنازل عن الحقوق التاريخية تحت وطأة السلاح أمر غير قابل للنقاش.
حرب الاستنزاف وأكتوبر 1973: كسر أسطورة التفوق
لم تقف القيادة العسكرية مكتوفة الأيدي، بل تحولت اللاءات سريعاً إلى عقيدة قتالية تجسدت في حرب الاستنزاف (1967 - 1970). نجحت هذه الحرب في تدمير مفهوم "الأمن المستدام" للاحتلال، وفرضت عليه استنزافاً بشرياً واقتصادياً متواصلاً، وتُوّجت ببناء حائط الصواريخ المعقد الذي حرم العدو من تفوقه الجوي المطلق [4].
أدت هذه المقدمات العلمية والجادة إلى ملحمة أكتوبر 1973، حيث تحطمت تحصينات خط بارليف والجولان في أكبر انهيار وجودي وعسكري شهدته إسرائيل منذ نشأتها [5]. ولم يوقف هذا الانهيار الشامل سوى التدخل الأمريكي المباشر والفوري عبر الجسر الجوي العسكري الشامل (عملية عشب النيكل)، لإنقاذ حليفتها الاستراتيجية في اللحظات الأخيرة.
مقارنة الأرقام: بين "عشب النيكل" والمدد المعاصر
إن التدخل الغربي لحماية الكيان الصهيوني ليس حدثاً طارئاً، بل هو عقيدة إمبراطورية ثابتة تطورت لغتها الإحصائية عبر الزمن بكثافة مرعبة:
  • عام 1973 (عملية عشب النيكل): شحنت واشنطن حوالي 22,325 طناً من الدبابات والمدفعية والذخائر عبر طائرات "سي-5 غالاكسي" و"سي-141"، بالإضافة إلى 560 ألف طن شُحنت بحراً، بكلفة ناهزت 2.2 مليار دولار آنذاك لإنقاذ جيش الاحتلال من الانهيار الكلي [6].
  • الدعم العسكري المعاصر (المعركة الحالية): تجاوز الدعم الأمريكي كل الخطوط القياسية السابقة؛ حيث رصدت واشنطن حزم مساعدات عسكرية تجاوزت 17.9 مليار دولار في عام واحد من الحرب، تضمنت تشغيل جسور جوية ممتدة نقلت عشرات الآلاف من القنابل الموجهة بدقة (مثل GBU-39 وMK-84) وقذائف المدفعية، فضلاً عن النشر المباشر لحاملات الطائرات ومنظومات الدفاع الجوي المتطورة (مثل ثاد تلو الآخر) باعتراف البنتاغون لحماية العمق الإسرائيلي من الهجمات الإقليمية ومسيرات المقاومة الصامدة [7].
يكشف هذا التطور الرقمي أن واشنطن لم تعد تكتفي بدور "المموِّل العسكري الحليف" كما في 1973، بل تحولت إلى شريك عملياتي مباشر في إدارة الميدان وخوض الحرب الإقليمية بالوكالة لحماية منظومة الردع الإسرائيلية المتآكلة.
القواعد الأمريكية: وهم الحماية واستنزاف الثروات
عند إسقاط دروس الماضي على واقعنا الراهن، نجد أن الخريطة الجيوسياسية للمنطقة ما زالت محكومة بنفس الثوابت الاستعمارية. إن الانتشار الواسع للقواعد العسكرية الأمريكية والأجنبية في المنطقة، والذي تم تبريره لسنوات طويلة تحت لافتة "حماية العروش وأنظمة الحكم"، لم يكن يوماً لصالح الاستقرار العربي.
لقد أثبتت المحطات التاريخية الصعبة، وصولاً إلى موجات التصعيد الراهنة والمواجهات العسكرية المباشرة وغير المباشرة مع إيران، أن هذه الترسانات الممتدة والمدفوعة بـ "ترليونات الدولارات" من ثروات الأمة، صُممت بالأساس لخدمة هدفين لا ثالث لهما:
  1. حماية الأمن الوجودي لإسرائيل: وضمان تفوقها العسكري النوعي على محيطها، واعتراض أي تهديد يطال عمقها الاستراتيجي عبر شبكات الرادارات والقواعد المنتشرة.
  2. استنزاف ورهن الموارد العربية: وإبقاء القرار السياسي الإقليمي تابعاً للمظلة الغربية، وتجريد الدول من مقومات الدفاع الذاتي المستقل [7].
الدرس المستفاد: المقاومة كبديل تاريخي
إن الدرس الأبرز المستوحى من روح حزيران، والذي تعيد المقاومة الباسلة في غزة وفلسطين ولبنان واليمن والعراق كتابته بدمائها اليوم، هو أن توازن القوى لا تصنعه الترسانات التكنولوجية وحدها، بل تصنعه "عدالة القضية وعقيدة الصمود".
تماماً كما تحولت نكسة الجيوش عام 1967 إلى طاقة استنزاف ومواجهة شاملة، يثبت الواقع المعاصر أن الرهان على التحالفات الغربية والمظلات الأمريكية لحماية العروش ما هو إلا وهم مكلف. إن المظلة الوحيدة الحقيقية هي التلاحم الشعبي، وبناء القوة الذاتية المستقلة، والتمسك بخيار المقاومة الشاملة لكسر أوهام الهيمنة وتغيير الموازين المفروضة على الأمة منذ عقود.

الهامش والمراجع :
  • [1] الناصر خشيني: قراءات في فكر حزيران وتداعيات النكسة، أرشيف دراسات دنيا الرأي.
  • [2] محمد حسنين هيكل: الانفجار 1967 - حرب الثلاثين سنة، مركز الأهرام للترجمة والنشر.
  • [3] وثائق جامعة الدول العربية: قرارات ومخرجات قمة الخرطوم (مؤتمر اللاءات الثلاث)، أغسطس 1967.
  • [4] الفريق أول محمد فوزي: حرب الاستنزاف 1967 - 1970، مذكرات وزير الحربية المصري الأسبق.
  • [5] المشير أحمد إسماعيل: التوجيه الاستراتيجي وحرب أكتوبر (وثائق عسكرية ومذكرات رسمية).
  • [6] تقارير وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون): سجلات عملية الجسر الجوي "عشب النيكل" (Operation Nickel Grass 1973)، الأرشيف العسكري.
  • [7] نوام تشومسكي: الهيمنة أم البقاء - السعي الأمريكي نحو السيطرة العالمية، دراسات في الجيوسياسية الشرق أوسطية (محدث ببيانات تمويل 

الجمعة، 5 يونيو 2026

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني



مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس

​مقدمة

​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر.

​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1].

​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغاشمة والانتصارات السريعة على الجيوش العربية النظامية، لم يعد بإمكانهم اليوم تحقيق مثل تلك الانتصارات؛ إذ لم يعد الصراع محصوراً في حرب جيوش تقليدية كما كان سابقاً. وقد تجلى ذلك بوضوح بعد الهزيمة المدوية للكيان عام 2006 أمام المقاومة الإسلامية في لبنان في حرب غير متكافئة عُدداً وعُدة، وأمام صمود المقاومة الفلسطينية الباسلة، خاصة في قطاع غزة الذي تحررت أجزاء عديدة منه رغماً عن أنوف الصهاينة بفعل ضربات المقاومة [2].

​أولاً: جوهر الصراع (صراع وجود لا صراع حدود)

​بناءً على المعطيات التاريخية والميدانية، يمكن الجزم بأن طبيعة الصراع لم تتغير؛ فهو صراع وجود لا صراع حدود، وبالتالي فهو صراع لا يُحل بالمعاهدات، أو الاتفاقيات، أو بترسيم الحدود بين الأطراف المتنازعة. إن هذا الصراع لن يتوقف إلا بإنهاء أحد الطرفين للآخر، وهذه هي الحقيقة التاريخية الثابتة للصراعات بين الشعوب المُستعمَرة (بفتح الميم) والقوى المُستعمِرة (بكسر الميم)؛ إذ ينتهي الصراع دائماً لمصلحة الشعوب صاحبة الأرض الشرعية.

​والأدلة التاريخية المعاصرة ماثلة أمام أعيننا:

​اندحار الاستعمار التقليدي: هزيمة الدول الاستعمارية الكبرى أمام حركات التحرر الوطني في العالم الثالث ونيل هذه الشعوب استقلالها.

​انهيار نظام الأبرتهايد: سقوط النظام العنصري في جنوب إفريقيا واختفاؤه إلى الأبد، بالرغم من الدعم المادي والسياسي والعسكري الهائل الذي كان يتلقاه من الدول الغربية الإمبريالية [3].

​وعليه، فإن النظام العنصري الاستيطاني الصهيوني في فلسطين سوف ينهار حتماً، وتعود الأرض إلى أصحابها الشرعيين دون أدنى شك. إن كل قضية أو مشكلة موضوعية في الواقع الاجتماعي لا بد أن يكون لها حل صحيح واحد نهائي مهما تباينت الرؤى والمحاولات، وطبيعة القضية الفلسطينية تقتضي حلاً جذرياً واحداً لا يقبل المساومة أو التجزئة، لأن الحلول الترقيعية لا تزيد المشكلة إلا تعقيداً واستعصاءً.

​ثانياً: نقد الرؤى والحلول القاصرة والمتجاوزة

​منذ قيام دولة العصابات الصهيونية على جزء من الوطن العربي عام 1948، استقطبت هذه القضية الكثير من القوى والحركات الفكرية والسياسية، وسال في سبيلها الكثير من الحبر تنظيراً، والكثير من الدماء دفاعاً عن الأمة. ولكي نفهم المشكلة بصورة علمية وموضوعية، لا بد من نقد وتفكيك بعض الرؤى المطروحة من داخل الساحة العربية، والتي جانبت الصواب وانقادت -من حيث لا تشعر- لخدمة المشروع الصهيوني بسبب قصورها الفكري:

​1. الأطروحة الدينية (اختزال الصراع في البُعد الديني)

​تتمثل هذه الرؤية في الادعاء القائل بأن حقيقة المشكلة في فلسطين هي صراع ديني بحت بين العرب واليهود. وهذا خطأ جسيم في الفهم والتوصيف؛ لأن العروبة قومية واليهودية ديانة، ولكل منهما دلالة واشتراطات مختلفة. إن تصوير القضية كصراع ديني يحلّه "قبول التعايش بين الأديان" هو تشويه للواقع، فالتعايش كان قائماً التاريخ الإسلامي برمتّه وقبل العدوان الصهيوني المدعوم من الاستعمار الغربي، بدليل أن العرب (مسلمين ومسيحيين) قاتلوا معاً صفاً واحداً ضد الغزوات الصليبية تاريخياً [4].

​إن الذين يقدمون الدين بديلاً عن القومية الجامعة سينتهي بهم الأمر -نظرياً وعملياً- إلى قبول اقتسام الوطن العربي بين الأديان الثلاثة، وبالتالي سيكون على كل مسلم أو مسيحي الخروج من "أرض اليهود" في فلسطين، وهو ما يعني القبول بالحل الصهيوني العنصري من حيث يظنون أنهم يحاربونه بالتعصب الديني.

​2. الأطروحة الطبقية والأممية المتجاوزة

​وهو الادعاء الذي يطرح قضية فلسطين على أساس أنها صراع حول ملكية أدوات الإنتاج بين الطبقات الاجتماعية (بين رجعيين وتقدميين). هذا الفهم يُعد خطأً فادحاً حتى لو طُرح كمناورة تكتيكية لشق الجبهة الداخلية للصهاينة؛ لأن تحويل هذا التمزيق الطبقي إلى غاية بديلة عن الغاية التحررية الأصلية سينتهي بالصراع إلى مجرد انتقال أرض فلسطين من فريق صهيوني "رجعي" إلى فريق صهيوني "تقدمي".

​إن إحلال الأممية بدلاً من القومية والاحتكام لوحدة الموقف من علاقات الإنتاج سيعني قبول أن يحل العمال والفلاحون الصهاينة محل العمال والفلاحين العرب المغتصبة أرضهم، واعتبار الصهاينة "حلفاء طبيعيين" للمشردين العرب في المخيمات، وتحويل اللاجئين إلى احتياط بشري تحت قيادة "البروليتاريا الصهيونية" في نضالها الثوري المزعوم من أجل الاشتراكية! وهي مفارقة تنتهي بخلع الشرعية عن حقوق الأمة المعتدى عليها والانتصار للمعتدي الصهيوني [5].

​3. أطروحة "الشرعية الدولية" والاعتراف الواقعي

​وهي الأطروحة القائلة بأن مشكلة اغتصاب الأرض قد حُلت منذ اعتراف المجتمع الدولي بدولة إسرائيل وقبولها عضواً في الأمم المتحدة، وتحولها إلى مشكلة "سلام بين دول متجاورة".

​إن هذه الاعترافات والقرارات الدولية لا تمنح أي شرعية لوجود الكيان على الأرض العربية؛ ففي القانون الدولي، القرارات التي تتخذها الدول غير قابلة لإحداث أثر مشروع خارج نطاق الإقليم الذي تمارس عليه سيادتها الأصيلة [6]. وبما أن الدول التي اعترفت بالكيان لا تملك السيادة على إقليم فلسطين، فإن اعترافها يضفي "قانونية" على تعاملاتها الثنائية فقط، ولكنه لا يضفي "شرعية" على اغتصاب أراضي الغير بالقوة، وهو أمر محظور صراحة في ميثاق الأمم المتحدة نفسه.

​وبالتالي، فإن ما يُسمى بـ"الشرعية الدولية" ليس قدراً محتوماً، والقضية الفلسطينية هي قضية شعب احتُلت أرضه بالقوة وطُرد منها ليحل محله شتات جيء بهم من أوروبا وأصقاع العالم لحل "المسألة اليهودية" الأوروبية على حساب العرب. إن الهروب إلى الحلول السلمية والتسويات لا يمنح الصهاينة الأمن مطلقا؛ لأنهم يعلمون في أعماقهم أنهم مغتصبون، وأن أصحاب الأرض لن يسكتوا عن الظلم.

​أما بخصوص اعتراف بعض النظم العربية أو الأطراف الفلسطينية بالكيان الصهيوني تحت ذريعة "الواقعية السياسية" أو "الظروف الموضوعية"، فإننا -ومع استبعاد تهمة الخيانة العمدية عن الجميع- نضع هذه التنازلات تحت طائلة الأخطاء الاستراتيجية الجسيمة. إن هذا الاعتراف لا يغير من جوهر الصراع شيئاً؛ لأن الطرف المعترف لا يملك أرض فلسطين بمفرده، فهي ملكية مشتركة للأمة العربية بأكملها وعبر أجيالها المتعاقبة. ولو فرضنا جدلاً أن الجيل الحالي استسلم تحت وطأة الظروف، فإن هذا الاعتراف لا يُلزم الأجيال المقبلة التي ستنشأ في ظروف وموازين قوى أفضل [7].

​ثالثاً: مفهوم السلام العادل والشامل

​إن معظم الأطروحات الدولية والمساعي الدبلوماسية التي تتحدث عن "السلام العادل والدائم في الشرق الأوسط" هي أطروحات مخادعة ومخاتلة؛ لأنها مصممة لخدمة الكيان الصهيوني وتثبيت مكاسبه الاستعمارية. السلام الحقيقي لا يمكن أن يتحقق إلا بالاستناد إلى طبيعة الأمة العربية وهويتها الحضارية، والتي تتميز ببعدين أساسيين:

​الأمة العربية أمة مسالمة أصيلة: إن انتماء الأمة للاستنارة والقيم الحضارية والإسلامية (حيث يشكل المسلمون أكثر من 90% والمسيحيون الشرقيون بقيتهم الحية والمشاركة في كل حروب التحرير ضد الصليبيين والاستعمار الحديث) يجعلها أمة ترفض العدوان. الحروب التاريخية للأمة كانت دفاعية ولم تنتج فكراً استعمارياً أو نازياً أو صهيونياً، بل كانت دائماً ضحية لهذه الأفكار الوافدة.

​أمة ترفض الاستسلام ومستعدة للدفاع لآخر رمق: الأمة العربية لا تظلم، ولكنها إذا ظُلمت لا تستكين. وخلافاً لشعوب أخرى أعلنت الاستسلام عقب ضربات كبرى (كاليابان بعد القنبلتين النوويتين)، فإن الشعب العربي لا يستسلم؛ ففي العراق عام 2003، أُلقي من المتفجرات ما يعادل عشرات القنابل النووية ومع ذلك انطلقت مقاومة ضارية أجبرت قوات الاحتلال الأمريكي على الانكفاء والانسحاب لاحقاً [8]. وفي لبنان تم دحر العدو عام 2000 وصمود عام 2006، وكذلك الحال في غزة المحاصرة.

​بناءً على هذه المعطيات، فإن الحل السلمي والعادل والوحيد يكمن في:

​خروج الصهاينة من أرض فلسطين وعودتهم إلى بلدانهم الأصلية التي جاؤوا منها (خاصة وأن جلهم يحتفظ بجنسيته الأصيلة).

​عودة كافة اللاجئين والمشردين إلى ديارهم وتعويضهم عن سنوات الحرمان، وعلى الدول الأوروبية المسؤولة عن المأساة تحمّل كلفة هذا التعويض وتسهيل عودة رعاياها.

​تقديم القيادات الصهيونية المجرمة للمحاكمة العادلة أمام محاكم جرائم الحرب.

​رابعاً: الطريق إلى تحرير فلسطين

​إن التساؤل المشهدى والجوهري المطروح دائماً بعد كل جولة مواجهة أو عدوان يتوقف على قطاع غزة أو غيرها هو: ما السبيل إلى تحرير فلسطين كاملة من البحر إلى النهر دون تنازل عن ذرة تراب واحدة؟

​إن خيار المقاومة هو السبيل الأوحد لإنهاء الوجود الصهيوني، ويتلخص الطريق إلى التحرير في النقاط الاستراتيجية التالية:

​1. استدامة الاشتباك وحرب العصابات

​تفعيل خيار المقاومة بكل أشكالها ومواصلة الاشتباك مع العدو الصهيوني بشكل دائم لعدم ترك الفرصة له لالتقاط أنفاسه. إن الهدف الاستراتيجي للكيان هو توفير "الأمن والرفاه" للمستوطنين المستجلبين، وبمنع تحقيق هذا الهدف ينهار أساس وجود الكيان وتتحول الأرض تحت أقدامه إلى رمال متحركة. المقاومة لا تحتاج بالضرورة لجيوش جرارة توازن العدو في الطائرات والدبابات، بل عبر حرب العصابات والوسائل القتالية غير المتكافئة التي أثبتت جدواها في لبنان وغزة والعراق.

​2. العصيان المدني والتخريب المنظم لبنية الكيان

​استخدام أدوات المقاومة الشعبية والعصيان المدني داخل الأرض المحتلة؛ عبر خرق قوانين الدولة الصهيونية، واستهداف الأعمدة الحيوية وشبكات البنية التحتية من كهرباء وهاتف وتوصيلات مياه وأنابيب صرف صحي، لخلق حالة من الإزعاج الدائم وعدم الاستقرار، وإفهام المستوطن الصهيوني عملياً بأن إقامته فوق هذه الأرض مكلفة وخطيرة جداً. أما التفاوض فلا يكون إلا في المراحل الأخيرة للصراع حول آلية وكيفية رحيلهم.

​3. المقاطعة الاقتصادية الشاملة

​تفعيل سلاح المقاطعة الاقتصادية ومحاصرة الكيان لمنع نموه الاقتصادي، ليبقى دائماً مأزوماً ويعاني من العجز المالي المستمر، مما يضرب ركيزة "الرفاهية الاقتصادية" التي تجذب الهجرات الصهيونية.

​4. المواجهة الإعلامية والقانونية

​تقديم الرواية التاريخية والحقيقة الموضوعية للصراع للرأي العام العالمي، وتأطير المواجهة بصفتها حركة تحرر وطني ضد استعمار استيطاني عنصري (أبرتهايد) شبيه بالنظام البائد في جنوب إفريقيا، مما يسهم في عزل الكيان دولياً وتجريده من غطائه الأخلاقي والسياسي [9].

​خاتمة

​إن الأمة العربية تملك من إمكانيات الصمود والمقاومة، ومن القدرات المادية والمعنوية والحضارية والتاريخية، ما يجعلها قادرة -ولو بعد حين- على فرض الحل الأمثل الذي يردع العدوان ويسترد الكرامة والعزة المسلوبة. إن فلسطين أرض مباركة تعمّدت بالدم والدموع، وتحريرها ليس وهماً، بل هو حتمية تاريخية تفرضها طبيعة الصراع الوجودي.

​المراجع والهوامش (References)

​[1] خشيني، الناصر (2014). طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين. مداخلة منشورة في شبكة الصفصاف الإخبارية (تاريخ النشر: 27 آب/أغسطس 2014).

[2] شفيق، منير (2007). الاستراتيجية والمقاومة: قراءة في تجربة حزب الله وحرب تموز 2006. بيروت: الدار العربية للعلوم. (توضيح لأثر حرب 2006 في تغيير موازين القوى العسكرية التقليدية).

[3] مانديلا، نيلسون (1994). رحلتي الطويلة من أجل الحرية. ترجمة: فاروق عبد القادر. القاهرة: دار الشروق. (للمقارنة التاريخية بين سقوط نظام الأبرتهايد ومستقبل الكيان الصهيوني).

[4] المسيري، عبد الوهاب (1999). موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية (المجلد السادس). القاهرة: دار الشروق. (لبيان الفرق المفهومي بين اليهودية كدين والصهيونية كحركة سياسية استعمارية).

[5] علوش، ناجي (1976). الحركة الوطنية الفلسطينية والصراع الطبقي. بيروت: دار الطليعة. (نقد للأطروحات الأممية والطبقية القاصرة في فهم البعد القومي للقضية الفلسطينية).

[6] القاسم، أنيس (1988). فلسطين والقانون الدولي. عمان: دار الجليل للنشر. (دراسة تفصيلية حول عدم شرعية القرارات الدولية الصادرة بنقل السيادة أو الاعتراف بكيانات استيطانية على أراضٍ مغتصبة).

[7] بشارة، عزمي (2002). من يهودية الدولة حتى شارون. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (تحليل لمفهوم "أخطاء التسوية" والاستراتيجيات العربية الرسمية).

[8] الكبيسي، وميض (2008). المقاومة العراقية والتوازن الاستراتيجي بعد غزو 2003. بغداد: مركز الدراسات الدولية.

[9] بايس، إيلان (2006). التطهير العرقي في فلسطين. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية. (لبيان البُعد العنصري والاستيطاني للكيان الصهيوني والمشابه لنظام جنوب إفريقيا السابق).

الخميس، 4 يونيو 2026

انحسار "إسرائيل الكبرى" وانكفاء الهيمنة الأمريكية في مياه هرمز ​بقلم: الناصر خشيني



​يشهد العالم في مطلع عام 2026 تحولاً دراماتيكياً في موازين القوى؛ حيث لم يعد "مضيق هرمز" مجرد ممر مائي، بل صار مقبرة لأوهام الهيمنة الأحادية. إن ما جرى من "ضربة استباقية" في الفجيرة وما تبعها من مفاجآت استراتيجية على جبهة لبنان، وضع واشنطن وتل أبيب أمام واقع جيوسياسي جديد لا يمكن الالتفاف عليه.
​أولاً: إجهاض حملة الفجيرة والانكفاء الأمريكي
كانت المحاولة الأمريكية لتدشين حملة انطلاقاً من الإمارات تهدف إلى فرض "نسخة مشوهة" من حرية الملاحة تخدم مصالحها المنفردة. إلا أن رد الفعل الإيراني في الفجيرة، كضربة استباقية أجهضت هذه الحملة في مهدها، دفع واشنطن للانتقال من مربع التهديد العسكري إلى مربع "التفاوض الاضطراري" لحماية ما تبقى من تدفقات الطاقة العالمية.
​ثانياً: ملامح اتفاق هرمز المحتمل (الـ 14 بنداً)
تشير المعطيات السياسية الحالية إلى اقتراب واشنطن من توقيع تفاهم مع طهران يتضمن 14 بنداً جوهرياً لنزع فتيل الانفجار الشامل:
​الاعتراف المتبادل بالحقوق الملاحية وضمان أمن الناقلات.
​تحييد الموانئ الاستراتيجية (كالفجيرة) عن أي أعمال عدائية.
​تخفيف العقوبات التقنية والسماح بتصدير كميات محددة من النفط.
​إنشاء خط ساخن مشترك (نظام إنذار مبكر) لتجنب الصدام العرضي.
​جدولة سحب التعزيزات البحرية الأمريكية الاستثنائية من المنطقة.
​وضع ضوابط لتحليق المسيرات فوق الممرات المائية الدولية.
​إطلاق حوار أمني إقليمي مباشر (إيراني-خليجي) برعاية دولية.
​تجميد التصعيد الإعلامي والحملات الدعائية الموجهة.
​تعهد الطرفين بحماية الكابلات البحرية والبنية التحتية للطاقة.
​تشكيل لجان فنية مشتركة لمراقبة سلامة المرور البحري.
​تسوية ملف السجناء والرهائن كبادرة حسن نية.
​رسم خارطة طريق لتقليص الوجود العسكري الأجنبي واستبداله بمنظومة أمن إقليمي.
​التنسيق المشترك في عمليات مكافحة القرصنة البحرية.
​بروتوكول تفتيش فني لا يمس بالسيادة الوطنية للدول المشاطئة.
​ثالثاً: تصدع "إسرائيل الكبرى" وصعود الأقطاب
تزامن هذا الانكفاء الأمريكي مع تآكل بنيوي في قدرات الكيان الصهيوني. إن المواجهات المفاجئة والقوية مع حزب الله أثبتت أن نظرية "الجيش الذي لا يقهر" قد سقطت ميدانياً. لم يعد الكيان قادراً على لعب دور "الشرطي الوظيفي" لأمريكا، بل تحول إلى عبء يتطلب حماية خارجية مستمرة. هذا التراجع الصهيوني فسح المجال لظهور أقطاب دولية كالصين وروسيا، اللتين استغلتا الفراغ لتعزيز نفوذهما الاقتصادي والسياسي، مع تعاظم الدور الإيراني كقطب إقليمي وازن فرض شروطه بالصمود والمقاومة.
​خاتمة وحتمية المواجهة:
إن إرادة شعوب المنطقة التي ذاقت الويلات من "السرطان الصهيوني" هي التي تحسم الموقف اليوم. اللوبي الصهيوني لن يستسلم بسهولة، لكن المقاومة التي انطلقت بزخم متجدد منذ 7 أكتوبر 2023 لا تزال قائمة ومستمرة، وهي الكفيلة بإنهاء مشروع "إسرائيل الكبرى" وإعادة رسم خارطة المنطقة وفق إرادة أصحاب الأرض، لا وفق أهواء القوى الاستعمارية المنكفئة.
​المراجع والمصادر:
​موقع Axios الأمريكي: تقرير "مذكرة التفاهم بين واشنطن وطهران" (مايو 2026).
​صحيفة الخليج: "مسارات التهدئة في مضيق هرمز" (2026).
​تقرير مجلس الأمن الدولي (Security Council Report): "تحديثات الميدان في جنوب لبنان".
​مركز دراسات أسباب (Asbab): "التحولات الجيوسياسية وصعود التعددية القطبية".

الاثنين، 1 يونيو 2026

الأراضي العربية المحتلة: فلسطين ليست وحدها بقلم: الناصر خشيني

 



حين يُذكر الاحتلال في الوطن العربي، تنصرف الأذهان فوراً نحو فلسطين، وهي قضية مركزية عادلة تستحق كلّ تضامن وكلّ نضال. غير أنّ ثمة حقيقة مؤلمة يُسكت عنها السياسيون ويتجاهلها الإعلام: أرض عربية أخرى تُحتلّ على امتداد الخارطة، من شمال أفريقيا إلى الخليج، ومن بلاد الشام إلى القرن الأفريقي. لا يُقلّل هذا التسليط من مركزية القضية الفلسطينية، بل يكشف مدى الهشاشة الجيوسياسية للأمة العربية، وعمق أزمة تشرذمها الذي يجعلها عاجزة عن استعادة ترابها المنهوب.
أولاً: لواء الإسكندرون — الجرح السوري المفتوح
لواء الإسكندرون أرض سورية عربية ضمّتها تركيا عام 1939، بعد أن تنازلت عنها فرنسا في عهد انتدابها على سوريا، وأطلقت عليه تركيا اسم "محافظة هاتاي"(1). وقد سبق ذلك مسلسل من التلاعب الدولي؛ ففي 29 مايو 1937 أصدرت عصبة الأمم قراراً بفصل اللواء عن سوريا وعُيّن له حاكم فرنسي(2). ثم جاء الضمّ القسري الكامل، إذ أُشرف في يونيو 1939 على استفتاء شهد تجاوزات فاضحة كنقل الآلاف من الأتراك بالشاحنات للمشاركة فيه، فيما قاطعه العرب الذين كانوا يمثّلون نحو 40% من سكان المنطقة، وفي أول سبتمبر من العام نفسه أُعلن رسمياً ضمّ اللواء إلى تركيا(3).
كان هذا الضمّ ثمرةَ مؤامرة حاكتها فرنسا وتركيا، ضمنت بموجبها فرنسا انضمام تركيا إلى صفّ الحلفاء في الحرب العالمية الثانية، إذ أُبرم بعد نحو شهر من الضمّ اتفاقٌ يؤسّس لتحالف عسكري فرنسي-إنجليزي-تركي(3). والأخطر أنّ الأعوام التالية شهدت تطبيق سياسة "تتريك" اللواء، إذ تمّ تغيير كافّة الأسماء من العربية إلى التركية، وتعرّض العرب السوريون فيه لحملات تضييق متواصلة(3). وما زالت سوريا رسمياً تعدّ اللواء جزءاً من ترابها الوطني، وما زالت خرائطها تُدرجه باعتباره منطقة سورية محتلة(2).
ثانياً: عربستان (الأحواز) — النفط العربي تحت الهيمنة الفارسية
بدأت قصة معاناة إقليم الأحواز في العشرين من أبريل عام 1925، حين أقدمت إيران الشاهنشاهية على احتلاله، بعد أن استُدرج الشيخ خزعل الكعبي حاكم الإقليم إلى فخٍّ نصبه له قائد الجيش الإيراني الجنرال زهدي، فاعتُقل الشيخ وأُودع سجون طهران حتى اغتياله عام 1936(4). يعود السبب الجوهري لهذا الاحتلال إلى غنى الإقليم بالموارد الطبيعية من نفط وغاز وأراضٍ زراعية خصبة، إذ يُعدّ اليوم المنتج الرئيسي لمحاصيل مثل السكر والذرة في إيران(5). ومنذ ذلك الحين لم تتوقف المأساة؛ فقد اتّبعت السلطات الإيرانية المتعاقبة سياسات تمييزية ضد العرب في التوظيف والثقافة، وحرمتهم من تعلّم اللغة العربية، وحرّفت أسماء المدن والمناطق من العربية إلى الفارسية لطمس الهوية العربية للإقليم(5). وتحفل مسيرة عرب الأحواز بأكثر من ستة عشر انتفاضة، أبرزها ثورة "جنود الأمير خزعل" عام 1925، وحراك عام 2005 إثر تسريب وثيقة تتحدث عن مخطط لتهجير نصف سكان المناطق العربية واستبدالهم بالفرس(6).
ثالثاً: الجزر الإماراتية الثلاث — سطو مسلّح في قلب الخليج
في 30 نوفمبر 1971، وقبل يومين فقط من إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، أقدمت القوات الإيرانية على احتلال جزيرتَي طنب الكبرى وطنب الصغرى وجزيرة أبو موسى بصورة مفاجئة ودون إنذار مسبق، واقتحمت الجزر فجراً مما أفضى إلى سقوط ضحايا وتهجير كثير من السكان الإماراتيين(7). كانت أعلام رأس الخيمة والشارقة ترفرف فوق الجزر الثلاث حتى أُنزلت بيد قوات الاحتلال الإيراني فور انسحاب القوات البريطانية(8). وقد ندّدت الدول العربية بهذا العدوان، فطالبت مصر في الأول من ديسمبر 1971 بسحب القوات الإيرانية، كما ندّدت الكويت وسوريا بهذا الاحتلال السافر(9). وبسبب الموقع الاستراتيجي للجزر في مضيق هرمز، يظلّ أمن الخليج هشّاً في غياب تسوية فاعلة لهذا النزاع(10).
رابعاً: سبتة ومليلية والجزر المغربية — الاستعمار الذي لم ينتهِ
على الضفة الغربية من عالمنا العربي، تتواصل في صمت مريب سيطرة إسبانية على أرض مغربية مسلمة تمتد عبر ست قرون متواصلة. يعود احتلال سبتة إلى عام 1415 حين سقطت في يد البرتغاليين، لتنتقل بعدها إلى الإسبان عام 1668، فيما احتُلّت مليلية خريف عام 1497(11). وإلى هاتين المدينتين تُضاف الجزر الجعفرية الواقعة على بُعد أمتار من الشاطئ المغربي، وتضمّ جزر ليلى وتورة وبادس وسواها من الجزر والصخور المغربية التي تسيطر عليها إسبانيا(12). وهكذا تُشكّل مجتمعةً حزاماً استعمارياً أوروبياً ممتداً على الشمال المغربي لا نظير له في عالم ما بعد الاستقلال.
يرجع هذا الاحتلال المتشعّب إلى ما اعتبرته القوى الأوروبية حروباً صليبية على الوجود العربي المغربي الإسلامي، وقد تعرّض المغرب لثماني عشرة حملة برتغالية وثماني عشرة حملة إسبانية(13). والمفارقة المؤلمة أنّ هذا الاحتلال الأوروبي العتيق ما يزال يُرسم على خرائط العالم باعتباره "أراضي إسبانية"، فيما يصنّفه الاتحاد الأوروبي جزءاً من حدوده الخارجية بدلاً من أن يُعامَل باعتباره بقية استعمارية يفرضها القانون الدولي.
خامساً: الأوغادين — الجرح الصومالي الممتدّ
في القرن التاسع عشر غزا الملك الإثيوبي منليك الثاني إقليم أوغادين الصومالي العربي، مما أشعل صراعاً مديداً وأفضى إلى حملة مناهضة للاستعمار بقيادة سيد محمد بن عبد الله حسن(14). وقد ظلّ الإقليم محوراً للصراع طويلاً؛ ففي حرب أوغادين بين عامَي 1977 و1978 سقط عشرات الآلاف قبل أن تُعيد إثيوبيا هيمنتها بمساندة المستشارين العسكريين السوفييت والقوات الكوبية(15). واستباحت القوات الإثيوبية الإقليم وفرضت حصاراً خانقاً على سكانه الصوماليين العرب، وارتكبت بحقهم جرائم فادحة ظلّت طيّ الكتمان(16). وهو إقليم يرزح في صمت شبه تام عن الرأي العام العربي، رغم أن سكانه يحملون هوية عربية إسلامية راسخة.
سادساً: التجزئة — السلاح الذي يُشلّ الأمة
لا يمكن أن نقرأ هذا المشهد المأساوي لاحتلال الأراضي العربية المتعددة دون أن نُواجه السؤال الجوهري: لماذا تظل هذه الأراضي محتلة؟ الجواب لا يكمن فقط في قوة المحتل، بل في تمزّق الوطن العربي وتفتّت قدرته الجماعية.
يتألّف الوطن العربي اليوم من اثنتين وعشرين دولة، بعضها لا تتجاوز مساحته بضعة آلاف من الكيلومترات، وبعضها الآخر لا يتجاوز عدد سكانه بضعة ملايين. وقد نشأت هذه التجزئة في معظمها من رحم اتفاقيات الاستعمار الغربي كسايكس-بيكو عام 1916، التي رسمت حدوداً صناعية تقطع الجغرافيا الطبيعية والأواصر الثقافية والبشرية. هذه الدولة المجزأة تُفضي حتماً إلى ضعف تفاوضي مزمن، وعجز عن بناء قوة ردع موحّدة، وتنافس مصطنع على الموارد والنفوذ يُغذّي الانقسام بدلاً من التكامل.
والنتيجة الحتمية لهذه الحالة أنّ كلّ قضية تُعالَج بمعزل عن أخواتها: فلسطين وحدها في المحافل الدولية، ولواء الإسكندرون في ضمائر السوريين دون صوت عربي جماعي، وعربستان في الندوات الأكاديمية دون ضغط سياسي، والجزر الإماراتية في البيانات الدورية دون فعل استراتيجي، وسبتة ومليلية في الطروحات الدبلوماسية دون إرادة حقيقية، وأوغادين في طيّ النسيان التام. إنّ غياب المشروع القومي الجامع لا يعني فقط تأجيل التحرير، بل يعني في واقع الأمر التطبيع التدريجي مع الأمر الواقع.
خاتمة: الأرض لا تنتظر
أمام هذا المشهد المتكامل، يتبيّن أنّ قضية الأراضي العربية المحتلة ليست قضية شعب واحد أو إقليم واحد، بل هي أزمة منظومة: أزمة أمة مجزّأة، تفتقر إلى مشروع سيادي موحّد، وتتعامل مع احتلالاتها بمنطق ردّ الفعل الآني لا بمنطق الاستراتيجية التاريخية. فالأراضي العربية تُحتلّ جزئياً أو كلياً منذ عقود وقرون، والخريطة العربية تنزّ جراحاً في أطرافها الأربعة. وما لم يُعَد بناء الوعي الجمعي بهذه الجغرافيا المنهوبة كلّها، وما لم يُتحوّل من خطاب العجز إلى خطاب المطالبة الحقوقية والضغط الدولي المنظّم، فإنّ حدود الوطن العربي ستظلّ خاضعة لمنطق الغنيمة لا لمنطق القانون.
الهوامش والمراجع
(1) موقع ترك برس: "أين نحن من لواء إسكندرون؟ مراجعة للتاريخ ونقد الواقع"، يونيو 2017، متاح على: https://www.turkpress.co/node/35669
(2) ويكيبيديا العربية: مقالة "لواء إسكندرون"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/لواء_إسكندرون
(3) موقع حفريات: "هكذا أصبح لواء الإسكندرون السوري محافظة تركية"، متاح على: https://hafryat.com
(4) موقع المسلم: "الأحواز أو عربستان المحتلة إيرانياً"، متاح على: https://almoslim.net/node/127432
(5) ويكيبيديا العربية: مقالة "الأهواز"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/الأهواز
(6) موقع سكاي نيوز عربية: "عربستان — خزّان ثروات وثورات ضد الهيمنة الإيرانية"، نوفمبر 2018، متاح على: https://www.skynewsarabia.com/world/1202579
(7) موقع misaha.com: "قصة الجزر الإماراتية المحتلة: تاريخٌ من النزاع والمطالبات"، نوفمبر 2024، متاح على: https://misaha.com
(8) موقع UAE71: "تمخضت إيران فأنجبت فأراً — الجزر الثلاث المحتلة إماراتية بمئات الوثائق"، نوفمبر 2024، متاح على: https://www.uae71.com/posts/115342
(9) الدرر السنية — الموسوعة التاريخية: "احتلال إيران الجزر الإماراتية"، متاح على: https://dorar.net/history/event/5400
(10) مجلة العرب للدراسات والبحوث الاستراتيجية: "مسألة الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى"، متاح على: https://araa.sa
(11) موقع TRT عربي: "سبتة ومليلية والجزر الجعفرية — خارطة سيطرة إسبانيا شمال المغرب"، أغسطس 2025، متاح على: https://www.trtarabi.com/article/5624600
(12) موقع نون بوست: "سبتة ومليلية: المدينتان العالقتان بين الجغرافيا المغربية والسيادة الإسبانية"، أغسطس 2025، متاح على: https://www.noonpost.com/323160
(13) موقع الجزيرة نت: "سبتة ومليلية بين استعمار إسبانيا وأخطاء المغرب"، نوفمبر 2007، متاح على: https://aljazeera.net/news/reportsandinterviews/2007/11/5
(14) ويكيبيديا العربية: مقالة "الصراع الإثيوبي الصومالي"، متاح على: https://ar.wikipedia.org/wiki/الصراع_الإثيوبي_الصومالي
(15) مركز الدراسات الأمنية والاستراتيجية في الإمارات (ICSS): "الجوانب السياسية والاقتصادية والأمنية للاتفاق بين إثيوبيا وأرض الصومال"، يناير 2024، متاح على: https://icss.ae
(16) مركز مقديشو للبحوث والدراسات: "اطلالة تاريخية محايدة على تاريخ الصراع الصومالي الإثيوبي في أوغادين"، أغسطس 2018، متاح على: http://mogadishucenter.com

البُعد العروبي في القرآن الكريم ونشأة الأمة العربية بقلم الناصر خشيني - باحث ومحلل سياسي تونس

 


العروبة في النص القرآني - توصيف جوهري لا شكلي

لم يكتفِ القرآن الكريم بأن يكون نصاً مكتوباً بالعربية، بل أعلن عروبته في تسعة مواضع متفرقة، كل موضع منها يُضيف بُعداً جديداً لهذه العلاقة الجوهرية بين الرسالة ولغتها وأمتها. ففي سورة يوسف أكّد: "إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" (يوسف: 2)، وهو توصيف يربط العروبة بالعقل لا بالقبيلة، كأن الله يُشير إلى أن هذا الخطاب موجّه إلى ملَكة التفكير في الإنسان. وفي سورة الشعراء جاء التأكيد على أن الوحي ذاته نزل "بلسانٍ عربيٍّ مبين" (الشعراء: 195)، أي أن البيان العربي ليس قناةً محايدة للرسالة بل هو جزء من طبيعتها ومن قدرتها على الإقناع والتأثير. وفي سورة الزمر أضاف وصفاً نوعياً حين قال: "قرآناً عربياً غير ذي عوج" (الزمر: 28)، فجعل العروبة مقترنةً بالاستقامة المنطقية والسلامة الداخلية للنص. وفي سورة فصّلت ربط العروبة بالمعرفة حين قال: "قرآناً عربياً لقومٍ يعلمون" (فصّلت: 3)، وكأنه يُشترط في المتلقّي أن يكون صاحب علم ليدرك ما في هذه العروبة من عمق. وفي سورة الشورى جاء: "وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها" (الشورى: 7)، فجعل مكة ومحيطها البشري نقطة الانطلاق لهذا الخطاب الكوني.
غير أن الآية الأكثر دلالةً وعمقاً في هذا السياق هي الآية السابعة والثلاثون من سورة الرعد: "وكذلك أنزلناه حكماً عربياً" (الرعد: 37)، وهي تختلف اختلافاً جوهرياً عن سائر الآيات، إذ لا تصف اللغة بل تصف الحُكم، أي المنظومة التشريعية والقيمية بأسرها. فالحكم العربي هنا لا يعني حكماً صيغ بلغة عربية فحسب، بل يعني أن روح هذا التشريع ومزاجه الحضاري وطريقة معالجته للشأن الإنساني نابعةٌ من عبقرية الحضارة العربية وفطرتها الخاصة في موازنة العدل والكرامة والحرية. وقد ذهب المفسر الطبري في "جامع البيان"(¹) إلى أن "الحكم العربي" يعني الحكم الذي يُخاطب الفطرة العربية في بيانها وعدلها، بينما رأى ابن كثير في "تفسير القرآن العظيم"(²) أن في هذا الوصف إشارةً إلى أن القرآن جاء بحكم يتناسب مع طبيعة العقل العربي في تلقّي الحجة ورفض التحكّم.
الحضارة العربية - أصالة سابقة للإسلام وعمق موغل في التاريخ
ولفهم هذه العلاقة في أبعادها الحقيقية، لا بد من التأكيد - كما يرى الناصر خشيني في دراساته المقارنة للحضارات(³) - أن الحضارة العربية ليست وليدة الإسلام بل هي حضارة قديمة موغلة في التاريخ، ليست هجينةً ولا متطفلة على الحضارة الإنسانية، بل هي ركيزة أصيلة فيها. غير أن الإسلام حين جاء أضفى عليها ظلاله بقيمه ومبادئه السمحة، فلم يُلغِها ولم يستبدلها بل رفّعها وصهرها في مشروع حضاري أرقى. وكان من دلائل هذه الأصالة أن ظهور الإسلام جاء في أكثر البيئات العربية تحضراً، أعني مكة "أُم القرى"، المركز التجاري والديني والثقافي للجزيرة العربية، الذي كان قد بنى على مدى قرون شبكةً من العلاقات مع محيطه الإقليمي تجعل منه نقطة تقاطع للحضارات لا هامشاً منعزلاً عنها.
ثم كانت الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة حدثاً حاسماً في تاريخ هذا التكامل، إذ أنجزت أول مولود حضاري حقيقي للعرب المسلمين، وهو إقامة أول دولة عربية إسلامية في التاريخ. وقد صاغت هذه الدولة تحت القيادة النبوية الرشيدة أولَ دستور مدني مكتوب في تاريخ البشرية، إذ إن وثيقة المدينة لم تكن مجرد معاهدة قبلية، بل كانت نظام مجتمع جمع المسلمين وغيرهم على أُسس الحياة المشتركة بينهم جميعاً. ومصدر قوّتها الملزمة لم يكن القسر والإكراه بل استمرار قبول من تنظّم الحياة المشتركة لديهم في رقعة جغرافية واحدة هي المدينة. وقد نظّمت هذه الوثيقة المعاملات بين المؤمنين، ثم فيما بين اليهود، ثم فيما بين الجميع، وسمّتهم "أهل الصحيفة"، وألزمتهم بالدفاع المشترك عن المدينة دون تفرقة على أساس الدين، فكان الكل مواطنين في هذه الدولة الفتية بمعنى المواطنة الحديث قبل أن يُصاغ هذا المفهوم بقرون. وأقامت في الختام حاكماً على المدينة هو الرسول ﷺ، فكانت بحق شهادة ميلاد الأمة العربية الإسلامية في ظل الإسلام، حيث وقع تجاوز الروابط القبلية والعشائرية الضيّقة نحو الطور القومي الأرقى(³).
المعجزة العقلية - لحظة النضج البشري
وفي سياق هذا الميلاد الحضاري الكبير، لا بد من وضعه في إطاره التاريخي الأعمق، وهو أن البشرية حين بلغت القرن السابع الميلادي كانت قد وصلت إلى مرحلة من النضج العقلي لم تبلغها من قبل. وهذا ما يفسّر الفارق الجوهري بين معجزة محمد ﷺ ومعجزات الأنبياء السابقين؛ فموسى عليه السلام جاء بمعجزة مادية محسوسة تفوق قدرة العقل البشري وتُسكته، وعيسى عليه السلام كذلك أتى بآيات تخاطب الحواس وتُدهش البصر. أما معجزة محمد ﷺ فكانت من طبيعة مغايرة تماماً: معجزة عقلية خالصة، هي القرآن الكريم. فالقرآن لا يُسكت العقل ولا يُدهش الحواس بقدر ما يتحدّاه أن يأتي بمثله، أي أنه خطابٌ يُحاكم العقلَ بسلاح العقل ذاته، وهو ما أثبته عبدالقاهر الجرجاني بتفصيل في "دلائل الإعجاز"(⁴) حين أكد أن الإعجاز القرآني بياني عقلي في جوهره لا حسّي.
وقد أشار المفكر محمد إقبال في "تجديد الفكر الديني في الإسلام"(⁵) إلى أن الإسلام جاء في لحظة تاريخية كانت البشرية فيها قادرةً لأول مرة على تلقّي رسالة خطابها الأول هو العقل لا المعجزة الحسية، وأن هذا التحوّل يعكس ثقةً إلهية بالإنسان في مرحلة نضجه. ومن هذا المنطلق ذاته يرى مالك بن نبي في "شروط النهضة"(⁶) أن ظهور الإسلام لم يكن حادثةً عارضة في التاريخ، بل كان استجابةً لقانون حضاري عميق يجعل الأفكار الكبرى تظهر حين تنضج الظروف الموضوعية لاحتضانها.
تصادف ضروري - مجيء الإسلام وولادة الأمة العربية
والسؤال الأعمق في هذه المسألة هو: لماذا تصادف مجيء الإسلام مع ولادة الأمة العربية بالمعنى الحضاري الراقي؟ هل كان ذلك مصادفةً تاريخية أم ضرورةً حضارية؟ الحق أن العرب قبيل الإسلام لم يكونوا أمةً بالمعنى السياسي والحضاري؛ كانوا قبائل تجمعها اللغة والأعراف وتفرّقها العصبية والثأر. بيد أن هذه القبائل كانت قد بلغت في القرن السادس الميلادي مرحلةً من التطور اللغوي الاستثنائي، تمثّلت في نضج الشعر العربي عبر أسواق كعُكاظ وذي المجاز، حتى باتت اللغة العربية الفصحى كياناً حضارياً قائماً بذاته يسبق بوجوده الوجودَ السياسي للأمة. وقد رأى ساطع الحصري في "آراء ومذاهب في الوطنية والقومية"(⁷) أن اللغة المشتركة هي العمود الفقري للأمة قبل الدولة وقبل الدين، وأن العربية كانت قد أنجزت هذه المهمة التأسيسية قبل الإسلام بقرن على الأقل.
فحين جاء الإسلام لم يجد أرضاً خاوية، بل وجد أمةً في طور التشكّل تنتظر المشروع الكبير الذي يحوّلها من قبائل إلى حضارة. ويذهب عبدالله العروي في "العرب والفكر التاريخي"(⁸) إلى أن الإسلام كان الشرارة التي أشعلت الجاهز، وأن ما جرى في شبه الجزيرة العربية في مطلع القرن السابع الميلادي يُشبه من الناحية البنيوية ما يحدث حين تبلغ المادة درجة الحرارة اللازمة للتحوّل من حالة إلى أخرى.
التوحيد - العملة ذات الوجهين
وهنا يبرز ما أصفه بأنه جوهر المعادلة الحضارية بأسرها(³)، وهو أن التوحيد كان أبرز عُملةٍ سلكها الإسلام عند ظهوره في الجزيرة العربية، غير أنها عملة ذات وجهين لا وجه واحد: فوجهها الأول هو التوحيد الديني في الألوهية، ووجهها الثاني هو التوحيد القومي في الحضارة والسياسة والدولة. وقد عمل الوجهان معاً في تكامل عضوي لا انفصام فيه؛ فالتوحيد الديني ساعد على اتساق هوية الجماعة البشرية العربية قومياً وسياسياً، بعد أن كان تعدّد الآلهة يُجسّد تمزّقها القومي والسياسي ويُكرّسه. في المقابل، أسهم التوحيد القومي والسياسي في الدولة الجديدة في حفظ الدين ونشره عبر الفتوحات التي توسّعت في وقت قياسي لتشمل عالم الإسلام الفسيح على حساب الإمبراطوريات الاستعمارية القائمة آنذاك، الفرس والروم. وبذلك كانت العلاقة بين العروبة والإسلام علاقةً جدلية لا تنفصم، وإن كان المدّ الإسلامي حين توقّف عند حدوده قد ضمّ إليه مجتمعات مختلفة في تكوينها الاجتماعي، فكان أثره الحضاري في كل منها مختلفاً بحسب طبيعة كل بيئة وتاريخها(³).
جدلية العروبة والإسلام - التوليف الحضاري
وقد اتسع النقاش الفكري حول طبيعة هذه العلاقة ليُفرز تيارات كبرى. فالتيار الإسلاموي يرى أن العروبة مجرد وعاء اختاره الله لحكمة، وأن الرسالة كونية تتجاوز الأمة العربية إلى البشرية جمعاء. في المقابل ذهب التيار القومي التاريخي كما عبّر عنه ميشيل عفلق في "في سبيل البعث"(⁹) إلى أن الإسلام هو أعلى تعبيرات العبقرية العربية، وأن فهم الإسلام يستلزم فهم العروبة لا العكس. أما التيار التوليفي الأكثر عمقاً ورسوخاً فقد صاغه محمد عابد الجابري في "نقد العقل العربي"(¹⁰)، إذ رأى أن لا تناقض بين العروبة والإسلام ولا تراتبية بينهما، بل هما وجهان لتجربة حضارية واحدة، وأن فصلهما تجريدٌ ينتهي بإفقار الاثنين معاً وتشويه كليهما.
والأقرب إلى الحقيقة التاريخية أن ما جرى في الجزيرة العربية في القرن السابع الميلادي كان لقاءً بين رسالة تبحث عن حاملٍ وأمةٍ تبحث عن روح. فالقرآن حين وصف نفسه "حكماً عربياً" كان يُقرّ بأن هذه العلاقة ليست إجرائية عارضة بل هي جوهرية وبنيوية. والتاريخ اللاحق، من الفتوحات إلى ذروة الحضارة الإسلامية في القرنين الثالث والرابع الهجريين، لم يكن في جوهره إلا التفصيل التاريخي لهذا الإجمال القرآني.
الهوامش والمراجع
(¹) الطبري، محمد بن جرير، جامع البيان في تأويل آي القرآن، تحقيق أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2000، المجلد السادس عشر.
(²) ابن كثير، إسماعيل بن عمر، تفسير القرآن العظيم، دار طيبة للنشر والتوزيع، الرياض، 1999، المجلد الرابع.
(³) خشيني، الناصر، "حضارة الغرب والعرب"، مقال منشور على موقع بلاغ، متاح على: https://www.balagh.com/mosoa/article/حضارة-الغرب-والعرب
(⁴) الجرجاني، عبدالقاهر، دلائل الإعجاز، تحقيق محمود محمد شاكر، مكتبة الخانجي، القاهرة، 1984.
(⁵) إقبال، محمد، تجديد الفكر الديني في الإسلام، ترجمة عباس محمود، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة، 1955، الفصل الأول.
(⁶) بن نبي، مالك، شروط النهضة، ترجمة عمر مسقاوي وعبدالصبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1986.
(⁷) الحصري، ساطع، آراء ومذاهب في الوطنية والقومية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1984.
(⁸) العروي، عبدالله، العرب والفكر التاريخي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1973.
(⁹) عفلق، ميشيل، في سبيل البعث، دار الطليعة، بيروت، 1963.
(¹⁰) الجابري، محمد عابد، نقد العقل العربي (الثلاثية)، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1984-1990.

 

الأحد، 31 مايو 2026

أزمة المياه في الوطن العربي حين يصبح الماء سلاحاً وسياسةً ومصيراً بقلم الناصر خشيني


 

مقدمة: «مثلث العطش»
لا يُعرف الوطن العربي في الأدبيات الجيوسياسية المائية بوصفه منطقةً غنيةً بمواردها الطبيعية فحسب، بل يُعرف أيضاً بلقب مُثير للقلق: «مثلث العطش». فهذه المنطقة التي تمتد على مساحات شاسعة من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي لا تحتوي إلا على أقل من 7% من مخزون المياه العذبة العالمي، وعلى أقل من 1% من نسبة المياه الجارية [1]، في حين تضمّ ما يزيد على 450 مليون نسمة. هذه المعادلة لا تنبئ بأزمة عابرة، بل بأزمة بنيوية متجذّرة تتشابك فيها عوامل الجغرافيا والتاريخ والسياسة والمناخ.
ما يقرب من 50 مليون شخص في المنطقة العربية يفتقرون إلى مياه الشرب الأساسية، ويعيش 390 مليون شخص — أي ما يقرب من 90% من إجمالي السكان — في بلدان تعاني من ندرة المياه [2]. وتُضاف إلى هذا الواقع المُقلق حقيقة أن الشرق الأوسط وشمال أفريقيا باتا أكثر مناطق العالم تعرضاً لنقص المياه، وأن هذه النسبة مرشّحة للارتفاع إلى نحو 80% للشخص الواحد بحلول منتصف هذا القرن [3].
أولاً: الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة
قبل الخوض في تشعبات الأزمة، لا بد من تمييز جوهري كثيراً ما يغيب عن الخطاب الرسمي: الفرق بين الندرة الطبيعية والندرة المُصطنعة.
الندرة الطبيعية — الأمطار التي تتساقط في المنطقة لا تتجاوز 2% من المجموع العالمي [1]، ومعدل موارد المياه المتجددة سنوياً في المنطقة العربية يبلغ حوالي 350 مليار متر مكعب، تُغطّى نسبة 35% منها عن طريق تدفقات الأنهار القادمة من خارج المنطقة: 56 مليار متر مكعب عبر نهر النيل، و25 مليار عبر الفرات، و38 مليار عبر دجلة وفروعه [1]. والأخطر أن نصيب الفرد من المياه تآكل بشكل دراماتيكي: من 2000 متر مكعب سنة 1960 إلى 500 متر مكعب سنة 2011، ومن المتوقع أن يتراجع إلى 250 متر مكعب سنوياً بحلول 2050 [1].
الندرة المُصطنعة — وهي الجانب الأشد مرارةً، لأنها نتاج قرارات سياسية وأولويات حوكمية منحرفة. إذ يصل هدر المياه في شبكات الري إلى ما بين 40 و60% في أغلب الدول العربية، فيما يُوجَّه جزء كبير من المياه الجوفية النادرة نحو محاصيل تصديرية كثيفة الاستهلاك، تُصدَّر معها ما يُسمّى «المياه الافتراضية». ويُضاف إلى ذلك الضخ الجائر للمياه الجوفية والاعتماد المفرط على الآبار، مما خلق عجزاً مزدوجاً: سطحياً وجوفياً في آنٍ واحد [4].
ثانياً: المياه العابرة للحدود — من مصدر رزق إلى ورقة ضغط
ثلثا الموارد المائية في المنطقة العربية تعبر حدوداً سياسية، وهو ما يُحوّل المياه من مسألة بيئية واجتماعية إلى قضية أمن قومي وأداة جيوسياسية.
نهر النيل وسد النهضة: تحدي الوجود المصري — مياه النيل تمثّل حوالي 72.62% من إجمالي الموارد المائية المتاحة في مصر [5]. ومنذ أن شرعت إثيوبيا في بناء سد النهضة، تحوّل هذا الرقم إلى مصدر توتر وجودي. فمصر تعاني من الفقر المائي حتى بدون الأخذ في الاعتبار تأثير السد، الذي تحوّل إلى واحدة من أبرز الأزمات حول تقاسم الموارد في العالم [6]. وتشير دراسات علمية إلى أن ملء الخزان على مدار ثلاث سنوات قد يُفقد مصر ما يصل إلى 88% من أراضيها الزراعية وفق السيناريو الأشد وطأةً [5].
الفرات ودجلة: تحت رحمة السدود التركية — تعود تركيا دورياً إلى سياسة خنق الجريان المائي، لتصل مستويات المياه إلى أقل من نصف الكمية المخصصة لسوريا، مما ينعكس كارثياً على مياه الشرب والزراعة وتوليد الطاقة [7]. وقد وصل الأمر إلى حدّ أن الوارد المائي لسد تشرين انخفض إلى ربع الكمية المتفق عليها، مهدداً حياة أربعة ملايين نسمة [4]. وتزايدت الاتهامات لتركيا باستخدام السدود والمياه سلاحاً في صراعات المنطقة [8]. والمثير للسخرية المُرّة أن العراق اضطُرَّ عام 2025 إلى صيغة «النفط مقابل المياه» مع تركيا، مُقايِضاً ثروته النفطية بما كان يجب أن يكون حقاً طبيعياً مكفولاً بالقانون الدولي.
ثالثاً: المياه الجوفية — الكنز الآيل للنضوب
يعتمد أكثر من نصف الدول العربية على المياه الجوفية مورداً أساسياً للمياه العذبة، وهو رهان محفوف بمخاطر جسيمة. فغالبية هذه المياه هي ما يُعرف بـ«المياه الأحفورية» (Fossil Water)، تراكمت على مدى آلاف السنين في عصور مطيرة سابقة، ولا تتجدد بأي معدل يُعتدّ به. فالضخ الجائر ونقص مياه الأنهار بالاعتماد المفرط على الآبار خلق عجزاً مزدوجاً [4]. ولا يوجد حتى الآن إطار قانوني عربي مشترك لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود، وهو فراغ تشريعي يُفاقم الاستنزاف غير المنظّم.
رابعاً: التغيّر المناخي — مضاعف الأزمة
يضرب تغيّر المناخ بكل قوته في المنطقة العربية، مهدداً أهم مواردها الطبيعية، وسط تحذيرات أممية من زيادة الصراعات وعدم الاستقرار نتيجة ندرة المياه [9]. ورصد تقرير اليونسكو للمياه 2025 أن الدول الأكثر تعرضاً للإجهاد المائي في المنطقة حالياً هي: البحرين والكويت ولبنان وعُمان وقطر، فضلاً عن تونس والإمارات واليمن والعراق ومصر وليبيا والأردن والسعودية وسوريا، مُتوقِّعاً أن يعيش جميع سكان المنطقة في ظل إجهاد مائي مرتفع جداً بحلول 2050 [10]. وارتفاع منسوب البحار يهدد بتملّح المياه الجوفية الساحلية، أي أن المخزون الجوفي الساحلي — ذلك البديل الأخير — هو نفسه مُهدَّد.
خامساً: الاحتلال والصراع — سلب الماء كسلب الوجود
لا يمكن تناول أزمة المياه العربية بمعزل عن السياق السياسي والعسكري. في فلسطين المحتلة، تُمثّل المياه أداةً من أدوات الهيمنة الاستعمارية، إذ تُحكم إسرائيل قبضتها على المياه الجوفية في الضفة الغربية، وتمنح المستوطنين حصصاً تفوق بأضعاف ما يحصل عليه المواطن الفلسطيني. وفي غزة، استُهدفت محطات تحلية المياه وشبكات الصرف الصحي في العدوان المتواصل، لتتحوّل المياه من حق إنساني إلى أداة حصار.
وفي اليمن والعراق وليبيا وسوريا، أفضت الصراعات المسلحة إلى تدمير البنية التحتية المائية بشكل منهجي. والمفارقة المُؤلمة أن الدول الأكثر تضرراً من ندرة المياه هي في الوقت ذاته الأكثر غرقاً في الصراعات والأضعف في قدرتها على الاستثمار في بدائل التحلية والمعالجة [2].
سادساً: ما لا يُقال في الخطاب الرسمي
يدور الخطاب الرسمي العربي عادةً حول ثلاثة محاور: تحلية المياه، والري بالتنقيط، ومعالجة مياه الصرف الصحي. وهي حلول تقنية مشروعة، لكنها تتجاهل ملفات أعمق:
أولاً: الإصلاح الهيكلي لمنظومة الزراعة المستنزِفة للمياه، وإعادة النظر في سياسات الدعم التي تُحفّز على زراعة محاصيل شرهة للمياه في بيئات جافة.
ثانياً: محاسبة شركات التعدين والصناعة الملوِّثة للمصادر المائية — وهو ملف يكاد يكون غائباً تماماً، بما فيها تونس حيث يُلوِّث الفوسفات الموارد المائية دون حساب حقيقي.
ثالثاً: إعادة ترتيب الأولويات بوضع الأمن المائي فوق الأمن العسكري تمويلاً وقراراً. فالماء أولاً وقبل كل شيء منفعة اجتماعية، وهو هبة طبيعية وعنصر ضروري لاستمرار الحياة، والمياه ملك للمجتمع بأسره [3].
سابعاً: الوحدة العربية — الحل الوجودي الذي تتهرّب منه الأنظمة
في خضمّ هذا الواقع المأزوم، يبرز سؤال لا مفرّ منه: هل يمكن لدولة عربية منفردة أن تواجه أزمة مائية بهذا الحجم والتعقيد؟ الجواب الصريح: لا. فالمياه في الوطن العربي لا تعرف الحدود، وأزمتها لا تُحلّ بقرارات وطنية مجزّأة بينما تنتهج دول المنبع — من إثيوبيا إلى تركيا — سياسات تحقق فيها مكاسب انفرادية على حساب حقوق الشعوب العربية المائية.
التجزئة العربية ليست مجرد عائق سياسي، بل هي في حقل المياه عامل تهديد وجودي. فغياب الموقف العربي الموحّد في مفاوضات سد النهضة أفضى إلى أن تواجه مصر والسودان ضغوطاً هائلة وحيدتَين دون ظهير عربي جماعي فاعل. وغياب التنسيق العربي التركي أعطى أنقرة هامشاً واسعاً للمناورة في ملف دجلة والفرات، بينما تتعطّش العراق وسوريا. وانعدام المنظومة القانونية العربية المشتركة لحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود يفتح الباب لاستنزاف غير مراقَب.
ما الذي تعنيه الوحدة في الملف المائي تحديداً؟
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه لا تعني شعارات رومانسية، بل تعني منظومة عمل مشترك متكاملة:
— إنشاء هيئة عربية عليا للأمن المائي بصلاحيات قانونية ملزِمة في إدارة المياه المشتركة والتفاوض الجماعي مع دول المنبع غير العربية.
— تأسيس بنك عربي لبيانات المياه الجوفية، إذ لا تزال خرائط المياه الجوفية العابرة للحدود ناقصة أو محتجزة لدواعي السيادة الوطنية الضيّقة، في حين أن مشاركتها هي التي تصون السيادة الجماعية الحقيقية.
— إطار تمويل عربي مشترك لمشاريع التحلية ومعالجة المياه في الدول الأكثر فقراً مائياً كاليمن والأردن وفلسطين، بدلاً من إيكال هذه المهمة لصناديق دولية مشروطة.
— تنسيق دبلوماسي عربي موحّد في المحافل الدولية لرفع اتفاقيات المياه العابرة للحدود إلى مستوى الحق المُقنَّن في القانون الدولي، وإلزام دول المنبع بمبدأ «عدم الإضرار».
— شبكة عربية لنقل التقنيات المائية، إذ تمتلك دول الخليج تجارب متقدمة في التحلية يمكن توطينها في الدول العربية الأفقر بتكاليف أقل بكثير مما تفرضه شركات التقنية الغربية.
تقول الإسكوا إن الإدارة الفعالة المشتركة للموارد المائية هي المخرج الحقيقي من الأزمة [2]، ولكن «الإدارة المشتركة» تستلزم بالضرورة وجود «شريك مشترك»، وهو ما لا تُوفِّره التجزئة العربية الراهنة. فكيف تُدار مياه مشتركة في ظل حدود مرسومة بالمصالح الاستعمارية وتحرسها نظم ترى في الانقسام ضماناً لبقائها؟
التجزئة: العدو الأول للماء
لا يجب أن يغيب عن الأذهان أن اتفاقية سايكس-بيكو ووعد بلفور لم يُقسّما الأرض فحسب، بل قسّما أيضاً الأنهار والأحواض المائية وحوّلا الحقوق المائية الطبيعية إلى موضوع تفاوض بين دول لها حدود بلا منطق جغرافي أو هيدرولوجي [11]. فنهر الفرات الذي كان شرياناً حضارياً موحّداً أصبح اليوم ساحة توتر بين ثلاث دول. ونهر الأردن الذي أروى حضارات قديمة بات مُجزَّأً بين سلطات متعددة أضعفها فلسطين المحتلة. ونهر النيل الذي شكّل هوية مصر الحضارية باتت إثيوبيا تحتجزه وراء سد عملاق بينما تتفرج جامعة الدول العربية بعجز مُذهل.
الوحدة العربية في مواجهة أزمة المياه ليست ترفاً فكرياً أو حلماً رومانسياً، بل هي الشرط الموضوعي الأدنى لبقاء المجتمعات العربية. دولة قُطرية منفردة لا يمكنها إلزام تركيا بضخ حصة المياه المتفق عليها، لكن موقفاً عربياً موحداً مدعوماً بأوراق اقتصادية وسياسية قد يُغيّر المعادلة. ولن يتحقق ذلك طالما أن حكومات تُفضّل إدارة التجزئة على بناء التضامن.
خاتمة: الماء وجوداً لا رفاهيةً — ووحدةً لا خياراً
أزمة المياه في الوطن العربي ليست أزمة جفاف وحسب، بل هي أزمة حوكمة وأزمة سيادة وأزمة أولويات، وفوق كل ذلك هي أزمة تجزئة. إنها تكشف بجلاء كيف يمكن لثروة طبيعية حيوية أن تتحوّل إلى ورقة ضغط جيوسياسية ووسيلة هيمنة حين يغيب الوعي الجماعي والإرادة السياسية.
المنطقة التي أبدعت في السدود والقنوات منذ آلاف السنين — من سدود اليمن القديمة إلى منظومات ري بلاد الرافدين — باتت اليوم عاجزة عن صون ما تبقى من مائها بسبب ترهّل الحوكمة وتغوّل الصراعات وغياب التضامن الإقليمي. الرهان على المستقبل لا يكون بالتحسينات التقنية المجزّأة، بل بإعادة تعريف المياه باعتبارها حقاً سيادياً جماعياً يستوجب استراتيجيات عربية مشتركة.
إن كان ثمة درس واحد تُعلِّمه أزمة المياه، فهو أن التجزئة ليست محايدة — بل هي في حد ذاتها سياسة لصالح من يريد استنزاف الماء العربي. والوحدة ليست حلماً رومانسياً — بل هي الحد الأدنى من العقل السياسي الذي يصون الحياة.
المراجع والمصادر
[1] ويكيبيديا العربية، «المياه في الوطن العربي»، استناداً إلى بيانات البنك الدولي وتقارير الأمم المتحدة.
https://ar.wikipedia.org/wiki/المياه_في_الوطن_العربي
[2] الإسكوا — اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، تصريحات الأمينة التنفيذية رولا دشتي، ومجلة آراء الاستراتيجية: «أزمة نقص المياه في الوطن العربي تتطلب حلولاً واقعية في إطار جماعي».
https://araa.sa
[3] صحيفة الخليج الإماراتية، «الوطن العربي كبير بمساحته فقير بمياهه العذبة»، مارس 2015.
https://www.alkhaleej.ae
[4] صحيفة الشرق الأوسط، «الجفاف يلاحق أنهاراً بالمنطقة: أزمة مناخ أم ممارسات بشرية؟»، ديسمبر 2025.
https://aawsat.com
[5] عوده جهاد وآخرون، «سد النهضة الإثيوبي والزراعة المصرية»، 2020، منظومة أغريس — منظمة الأغذية والزراعة (FAO).
https://agris.fao.org
[6] موقع الجزيرة نت، «من المغرب إلى العراق.. أزمة شح المياه تتفاقم في العالم العربي»، يناير 2025.
https://www.aljazeera.net/science/2025/1/2
[7] موقع الأخبار اللبناني، «انخفاض جسيم في مياه الفرات: تركيا مستمرة في تعطيش سوريا»، مايو 2025.
https://www.al-akhbar.com/arab/834739
[8] موقع RT عربي، «سلاح السدود التركي: خفض مياه الفرات يهدد بكارثة بيئية في سوريا»، 2020.
https://arabic.rt.com
[9] موقع سكاي نيوز عربية، «شح المياه في الوطن العربي: الأسباب والمخاطر المتوقعة».
https://www.skynewsarabia.com
[10] تقرير اليونسكو العالمي للمياه 2025، نتائج اليوم العالمي للمياه، مارس 2025.
https://aawsat.com
[11] مجلة الدراسات السياسية والاجتماعية، «دور تجارة المياه الافتراضية في التحديات المائية في الشرق الأوسط»، أكتوبر 2022.
https://jpsa.journals.ekb.eg/article_269195
© جميع حقوق النشر محفوظة للكاتب — الناصر خشيني — 2025





 



توظيف الدين وتزوير التراث: قراءة نقدية في ظاهرة الفتوى السلطانية بقلم الناصر خشيني

مدخل: التراث بين التقديس والنقد حين نُقبل على التراث الفكري والديني الذي خلّفه لنا الأوائل، تستوقفنا ظاهرة لافتة تتمثل في اختلاط الجيّد بالر...