التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرأتُ لكم التقدّم… على الطريق المسدود لعصمت سيف الدولة بقلم الناصر خشيني



حين يتحوّل وهم الحل إلى جزء من المشكلة                 
      لا يمكن أن يكون هذا الكتاب سردًا تاريخيًا آخر للقضية الفلسطينية، ولا محاولة لتكديس الوقائع منذ 1897 إلى ما بعد 1967، بل هو – في جوهره – محاكمة فكرية لمسار سياسي كامل، سُمّي زورًا “تقدّمًا”، بينما كان في الواقع سيرًا متدرجًا نحو الطريق المسدود.

ينطلق المؤلف من مسلّمة مركزية:
أن مأزق القضية الفلسطينية ليس نتاج الهزيمة العسكرية فقط، بل ثمرة تراكم خيارات سياسية خاطئة، ورهانات مكرورة، وانتقال متدرّج من منطق التحرير إلى منطق التكيّف مع الهزيمة.

من وعد بلفور إلى نكبة 1948، ثم إلى نكسة 1967، لا يرى الكاتب هذه المحطات كصدمات منفصلة، بل كحلقات في سلسلة واحدة:سلسلة التنازلات المؤجلة، والمقاومة المؤطّرة، والرهان الدائم على الخارج.

1. وهم “التقدّم” في الخطاب السياسي العربي

يُفكك الكتاب مفهوم “التقدّم” كما استُخدم في الخطاب العربي الرسمي:
تقدّم نحو التسوية،
تقدّم نحو الواقعية،
تقدّم نحو الحل المرحلي…

لكن الكاتب يطرح السؤال الحاسم:
تقدّم إلى أين؟ وبأي كلفة؟ وعلى حساب من؟

فالتحوّل من فلسطين التاريخية إلى فلسطين المجزأة،
ومن التحرير الكامل إلى دولة منقوصة،
ومن الكفاح الشعبي إلى التفاوض اللامتكافئ،
لم يكن – في نظره – تقدّمًا، بل إعادة تعريف للهزيمة بوصفها إنجازًا سياسيًا.

2. 1967: لحظة انكشاف لا لحظة قطيعة

يرفض المؤلف اعتبار هزيمة 1967 مجرد منعطف عسكري، ويقرأها باعتبارها لحظة انكشاف عميق لبنية النظام العربي:
أنظمة رفعت شعارات كبرى، لكنها افتقرت إلى مشروع تحرري حقيقي،
وجيوش استُنزفت في الداخل أكثر مما وُجهت إلى العدو،
ونخب سياسية تعاملت مع فلسطين كورقة شرعية لا كقضية وجود.

ومن هنا، يرى أن ما بعد 1967 لم يكن تصحيحًا للمسار، بل إدارة ذكية للهزيمة، عبر تسويق الحلول المرحلية، وتحويل الصراع من صراع تحرّر إلى نزاع حدود.

3. المشروع الصهيوني: وضوح الهدف مقابل ارتباك الخصم

في مقابل التخبط العربي، يُبرز الكتاب سمة مركزية في المشروع الصهيوني:
ثبات الهدف وتدرّج الوسيلة.

من 1897 إلى 1948، ثم إلى ما بعد 1967، لم يتنازل المشروع الصهيوني عن جوهره، بل كان يتقدّم خطوة خطوة، بينما كان الطرف العربي يتراجع خطوة خطوة، ويُسمي التراجع “واقعية”.

وهنا تكمن المفارقة المؤلمة التي يلحّ عليها المؤلف:
أن من قدّموا أنفسهم دعاة “العقلانية السياسية” كانوا في الواقع أكثر من خدم منطق القوة لدى العدو.

4. الطريق المسدود: حين يصبح الحل جزءً من الأزمة

يصل الكتاب إلى خلاصته القاتمة:
أن ما سُمّي “حلًا” للقضية الفلسطينية، منذ أواخر الستينات، لم يفتح أفقًا، بل أغلقه.فلا الأرض عادت،ولا السيادة تحققت و،لا اللاجئون استعادوا حقهم،ولا العدو توقّف عن التوسع.

الطريق المسدود، إذن، ليس حدثًا طارئًا، بل نتيجة طبيعية لمسار بُني على قبول منطق القوة، والتعايش مع ميزان مختل، والتنازل المسبق عن عناصر الصراع.

5. ما الذي يبقى من هذا الكتاب اليوم؟

قيمة هذا الكتاب لا تكمن في تفاصيله التاريخية فقط، بل في منهجه النقدي الذي لا يزال صالحًا:
نقد الأوهام،
تفكيك اللغة السياسية،
والتحذير من تحويل الهزيمة إلى ثقافة.

هو كتاب يذكّرنا بأن أخطر ما في الصراع العربي–الصهيوني
ليس تفوق العدو،
بل اعتيادنا على الخسارة، وتسويقها كحكمة سياسية.

خاتمة
«التقدّم… على الطريق المسدود» ليس كتاب يأس، بل كتاب تحذير.
تحذير من تكرار المسار ذاته مع انتظار نتيجة مختلفة.
وهو، في زمن الانهيارات العربية المتلاحقة، قراءة ضرورية لفهم كيف نصل دائمًا متأخرين… وكيف نسمّي التراجع “خيارًا استراتيجيًا”.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...