التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرأت لكم في كتاب: "نظرية الثورة العربية (3): المنطلقات - ما هو مجتمعنا... من نحن؟" تأليف: د. عصمت سيف الدولة بقلم: الناصر خشيني



مدخل منهجي: من الارتجال إلى العلمية الثورية

في هذا الجزء المحوري من مشروعه الفكري، يضع الدكتور عصمت سيف الدولة يده على الجرح النازف في جسد النضال العربي. إن المنهجية التي يتبعها الكاتب، والتي نسعى لتسليط الضوء عليها، تنطلق من إيمان عميق بأن "الفعل الثوري" لا يمكن أن يثمر نتائج حقيقية ما لم يستند إلى "وعي نظري" صلب.

يرى سيف الدولة أن المرحلة التي سبقت هزيمة 1967 كانت غارقة في "التجريبية العفوية"؛ حيث كان القرار السياسي العربي رهيناً للصدفة والظروف والنجاحات العارضة، مما أدى إلى غياب "الالتزام العقائدي". ومن هنا، يؤسس الكاتب لضرورة الانتقال من العفوية إلى العلمية، معتبراً أن أي مواجهة للمستقبل بغير نظرية واضحة هي "مغامرة غير محسوبة العواقب".

أولاً: مشكلة المنهج وتفكيك الاغتراب الفكري

يخصص سيف الدولة حيزاً هاماً لتحليل "المصطلح"، فهو يرى أن ضبابية المفاهيم هي أولى عوائق التحرر.

  1. تحديد مفهوم "النظرية": يرفض الكاتب استيراد المفاهيم المعلبة. فكلمة "نظرية" كما تُستخدم في الغرب أو في المنظومات القانونية والرياضية قد لا تفي بغرض "الثورة العربية". لذا، هو يسعى لتحديد نظرية تكون "دليلاً للعمل" نابعاً من صلب الواقع العربي.

  2. عقدة النموذج الماركسي: يتناول الكاتب بجرأة تأثير الفكر الماركسي على المثقف العربي. فهو، وإن كان يقدر الماركسية كجهد إنساني وعلمي، إلا أنه ينتقد "التبعية الفكرية" التي وقع فيها البعض. ويؤكد أن البحث عن نظرية عربية لا يعني بالضرورة معادة الماركسية، بل يعني رفض تحويلها إلى "قالب جاهز" يُقحم فيه الواقع العربي قسراً.

ثانياً: المنطلقات الوجودية (ما هو مجتمعنا؟.. من نحن؟)

يمثل هذا السؤال حجر الزاوية في الكتاب. إن البحث عن "الذات العربية" عند سيف الدولة ليس بحثاً رومانسياً في التاريخ، بل هو بحث في "القوى المنتجة" و"العلاقات الاجتماعية" و"المصالح الطبقية" التي تشكل المجتمع العربي اليوم.

  • البناء الإيجابي: يشدد الكاتب على أن نقد الآخر (الغرب أو الشرق) يجب أن يكون من أجل "الإثبات" وليس مجرد "النفي". فنحن بحاجة لمعرفة "من نحن" لنعرف "ماذا نريد" وكيف نصل إليه.

  • رفض التجزئة: ينطلق سيف الدولة من رؤية قومية شاملة ترى في "المجتمع العربي" وحدة تحليلية واحدة، معتبراً أن التجزئة هي عائق معرفي قبل أن تكون عائقاً سياسياً.

ثالثاً: نحو نظرية عربية مستقلة

يدعو الكتاب إلى "ثورة في التفكير" تسبق "ثورة التغيير". هذه النظرية التي ينشدها يجب أن تتسم بـ:

  1. الأصالة: نابعة من تاريخنا وواقعنا.

  2. العلمية: مستندة إلى تحليل دقيق للظروف المادية والاجتماعية.

  3. الحركية: لا تكتفي بوصف الواقع بل تسعى لتغييره.

الخاتمة 

إن قراءتنا لكتاب "المنطلقات" تفضي بنا إلى استنتاج جوهري: إن الدكتور عصمت سيف الدولة لم يكن مجرد منظر سياسي، بل كان "مهندساً للهوية العربية الحديثة". لقد نجح في هذا الكتاب في:

  • تحرير العقل العربي من أسر الثنائيات الضيقة (يمين/يسار، قديم/حديث) ليضعه أمام مسؤولية "الاجتهاد الذاتي".

  • التأسيس لوعي قومي جديد يربط بين الحرية والاشتراكية والوحدة برباط "النظرية العلمية" التي لا تقبل الارتجال.

إن هذا الكتاب يظل مرجعاً حياً لكل من يبحث عن مخرج من أزماتنا الراهنة، مؤكداً أن الطريق إلى المستقبل يبدأ من فهمنا الصحيح لأنفسنا كأمة، ومن امتلاكنا لزمام التفكير 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...