قائمة المدونات الإلكترونية

الأربعاء، 17 يونيو 2026

​قرأت لكم : قراءة نقدية في كتاب "جناية سيبويه" لزكريا أوزون ​بقلم: الناصر خشيني


تأتي قراءتنا لكتاب الباحث السوري زكريا أوزون "جناية سيبويه: الرفض المعرفي والبديل النحوي" كحلقة اخرى في سلسلتنا (قرأت لكم)، لنقارب من خلالها قضية فكرية ولغوية وتاريخية بالغة الأهمية. إن هذا الكتاب لا يستهدف النيل من شخص "سيبويه" كقيمة تاريخية، بل يسعى إلى تفكيك "الظاهرة السيبويهية" التي تحولت بمرور الزمن إلى سلطة معرفية مطلقة أدت إلى جمود اللسان وتحنيط الفكر.

​أولاً: اللغة كائن حي.. عبقرية النشأة وضريبة التحنيط

​إن المنطلق الأساسي الذي نؤمن به ونؤكد عليه منذ عقود، هو أن "اللغة كائن حي يتطور، ولا يمكن تحنيطه في قوالب وقواعد أُعدت منذ أكثر من ألف سنة".

​لقد نطق العربي الفصيح لغته بسليقته وفطرته المرنة، وجاءت القواعد لاحقاً لخدمة هذه اللغة وضبط التواصل بها. لكن "غلاة التقليد" حوّلوا النحو من وسيلة للتعبير والفهم إلى غاية في حد ذاتها، مما خلق فجوة معرفية بين واقع الحياة المتجدد وبين القوالب المثالية المهجورة في بطون الكتب. هذا التصلب النحوي أنتج ظاهرتين خطيرتين في مسيرتنا الحضارية:

​تخويف الأجيال: تحول النحو إلى "حقل ألغام" يخشى المبدع اقتحامه خوفاً من اللحن والتخطئة.

​الانفصام اللغوي: اتساع الفجوة بين لغة الحياة والإنتاج العلمي المعاصر، ولغة القواعد القديمة الجامدة.

​ثانياً: سياق التقعيد وأثره في ركود الحضارة

​لكي نفهم الأبعاد العميقة للأزمة، لا بد من وضع "ظهور سيبويه" في سياقه التاريخي؛ فقد ظهر في ذروة "عصر التدوين والتقعيد الشامل" (لغة، وفقهاً، وتفسيراً، وحديثاً).

​لقد كان دافع ذلك العصر هو "هاجس الخوف من الضياع واللحن" بعد اتساع رقعة الدولة، وهو دافع مشروع بوقته، لكنه أدى لاحقاً إلى نتائج عكسية:

​مرحلة التشبع: عندما اعتقدت الثقافة أنها صاغت لكل شيء قاعدة نهائية، دخلت في حالة اكتفاء ذاتي وتوقف العقل التوليدي عن الإبداع، ليحل محله عقل الاجترار والشروح والحواشي.

​الظروف السياسية والاجتماعية: مع انكسار المشهد السياسي العربي وتوالي الغزوات الخارجية، مال المجتمع غريزياً إلى "المحافظة والتقديس" خوفاً من الاندثار، فتحالفت السلطة السياسية مع التيار التقليدي لإخماد السؤال النقدي الحر.

​ثالثاً: نحو تعامل نقدي لا إقصائي مع التراث

​إن رسالتنا المعرفية التي خططناها في العديد من المقالات على مدار أكثر من عقدين، تتلخص في أن التراث ليس كله سيئاً؛ بل يتضمن جوانب إيجابية وإبداعية عظيمة لا شك فيها، تمثل جذور هويتنا (كالعقلانية عند المعتزلة، وإبداعات ابن رشد وابن خلدون، والمنهج التأسيسي الأولي للنحاة).

​ولكنه في الوقت نفسه يتضمن جوانب سلبية جامدة لا يمكن الإبقاء عليها في عصرنا الحالي. إن البديل الحقيقي والمنهجي يتلخص في الآتي:

​الرفض المعرفي للإقصاء التام: الإقصاء يبتر الأمة عن تاريخها ويصنع مسخاً بلا هوية.

​التبني الكامل للمنهج النقدي (الغربلة): نتعامل مع التراث كـ "منتج بشري" خاضع لسياقه التاريخي، فنستبقى جوهره الإبداعي ونتجاوز بجرأة قوالبه المعطلة للفكر.

​رابعاً: الفكر العربي في عصر الرقمنة والتقدم العلمي

​نعيش اليوم في ظل تقدم علمي رهيب، تميزه الرقمنة ويسر أدوات المعرفة والاتصالات التي اخترقت كل مناحي الحياة. هذا الواقع الرقمي الجديد يمنح العقل العربي المعاصر أدوات نقدية ومقارنات لسانية ميسرة لم تكن تملكها الأجيال السابقة.

​لم يعد ممكناً، ولا مقبولاً، إقناع الأجيال الجديدة بقوالب معرفية جافة لا تواكب منطق العصر السريع والعملي. إن إحياء الحضارة العربية يتطلب إخراج أدواتها المعرفية ولغتها من "غرفة التحنيط" إلى فضاء الحياة الرقمية والتوليد الإبداعي المستمر.

​خاتمة:

إن كتاب "جناية سيبويه" لزكريا أوزون، ومن خلال قراءتنا النقدية المتزنة له، يمثل نموذجاً حياً على أن العرب أمة ذات حضارة راقية ومتطورة، تملك شجاعة النقد الذاتي وتفكيك موروثها بمسؤولية. نحن لا نهدم موروثنا، بل نغربله بأدوات العصر الرقمي لنعبر به نحو المستقبل كأمة حية، قادرة على العطاء المعرفي المتجدد كما كانت في عصورها الزاهرة.




 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

منهجية الإمام مالك بين إكراهات السياسة وسلطة المأثور بقلم الناصر خشيني

    قراءة نقدية تفكيكية في بنية المذهب النَّقلي وتوطنه المغاربي إن إشكالية التعامل مع التراث المعرفي والفقهي الإسلامي تفرض علينا اليوم، أكثر...