التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قرات لكم كتاب "الأسس الجرء الاول" للدكتور عصمت سيف الدولة بقلم: الناصر خشيني






   يمثل كتاب "الأسس" حجر الزاوية في مشروع عصمت سيف الدولة الفكري (نظرية الثورة العربية)، حيث يسعى فيه إلى نقل العقل العربي من مرحلة "الانفعال بالحدث" إلى مرحلة "الفعل العلمي المنظم". وفيما يلي تفصيل منهجي لمحتويات الكتاب وأهم أفكاره:

أولاً: أزمة المنهج والبديل العلمي (مقدمة الكتاب)

يبدأ سيف الدولة بتشخيص دقيق للمرحلة التي تلت انتصارات الخمسينيات، معتبراً أن الحركة العربية وقعت في فخ "منهج التجربة والخطأ".

  • منهج الضرورة: يرى المؤلف أن هذا المنهج كان اضطرارياً تفرضه المعارك الملحة وضيق الوقت، وقد حقق انتصارات لكنه كان مكلفاً وأدى إلى تمزق الصفوف وتبديد الطاقات.

  • البحث عن المنهج العلمي: يطرح الكتاب ضرورة إيجاد منهج علمي يكون بديلاً عن العفوية، وظيفته:

    1. تجميع الطليعة العربية على أهداف محددة (حرية، وحدة، اشتراكية).

    2. تحديد العلاقات البينية بين هذه الأهداف.

    3. أن يكون مرجعاً (حكماً) عند الاختلاف لضمان وحدة القوى الثورية.

ثانياً: في جدل الإنسان (الرؤية الفلسفية)

هذا الجزء هو الجوهر الذي تقوم عليه "الأسس"، حيث يحلل سيف الدولة الكيان الإنساني من منظور جدلي:

  • الإنسان ككائن عظيم: يرفض المؤلف النظرات الضيقة للإنسان التي تحصره في المادة أو في الروح فقط، بل يراه كائناً يتفاعل مع واقعه ليغيره ويتحرر به.

  • جدلية الحرية: الحرية هنا ليست مجرد غاية، بل هي "أولاً... وأخيراً" المحرك لوجود الإنسان. الإنسان في نظر سيف الدولة هو "مشروع حرية" دائم، ونضاله هو عملية مستمرة لتحويل الضرورة (القيود) إلى حرية.

ثالثاً: الموقف من التراث والإسلام (منهج الاجتهاد)

يتناول سيف الدولة في فصول الكتاب علاقة الثورة بالدين، وهو طرح يميزه عن غيره من القوميين:

  • الدين والمنهج: يفرق بين "الدين" كعقيدة وشريعة مطلقة وشاملة وغير محدودة بزمان، وبين "المنهج" الذي هو اجتهاد بشري لحل مشكلات زمن محدد.

  • نقد الهروب إلى التراث: ينتقد أولئك الذين يلوذون بالدين هرباً من عناء البحث العلمي والاجتهاد العقلي. بالنسبة له، الإسلام يحرض على الاجتهاد، والبحث عن منهج للقرن العشرين هو استجابة لروح الدين وليس خروجاً عنه.

رابعاً: ثلاثية الثورة (الحرية، الوحدة، الاشتراكية)

يفصل الكتاب في هذه الأهداف بوصفها أوجهاً لعملة واحدة:

  • الوحدة: ضرورة قومية لتحرير الأرض وحماية الإنسان من القوى الاستعمارية.

  • الاشتراكية: هي المضمون الاجتماعي للحرية، وبدونها تظل الحرية السياسية ناقصة.

  • التكامل: لا يمكن تحقيق الحرية في قطر معزول، ولا اشتراكية حقيقية دون وحدة اقتصادية وسياسية توفر الحماية والموارد.

خامساً: قاعدة الانطلاق (التجربة الناصرية نموذجاً)

يحلل سيف الدولة تجربة الجمهورية العربية المتحدة (1958) بوصفها كانت "قاعدة انطلاق" وليست مجرد دولة إقليمية. ويرى أن فشل أو نجاح هذه التجربة كان مرتبطاً بمدى وضوح الأسس العلمية التي تقوم عليها، وهو ما يبرر كتابته لهذا العمل ليكون دليلاً للأجيال القادمة لتلافي أخطاء الماضي.

الخاتمة: المنهج كقائد للثورة

يخلص الدكتور عصمت سيف الدولة في "الأسس" إلى أن الثورة العربية لا يمكن أن تنتصر بمجرد العاطفة أو الإخلاص، بل بالوعي العلمي بالمنهج. إن الحرية التي ينشدها هي حرية الإنسان العربي من القهر السياسي (الاستبداد)، والقهر القومي (الاستعمار والتمزق)، والقهر الاجتماعي (الاستغلال).

 


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...