قائمة المدونات الإلكترونية
الثلاثاء، 21 يوليو 2026
صرخة تنويرية في مهب التحولات: عندما تسبق السياسةُ الوعيَ الاجتماعي بقلم: الناصر خشيني
الاثنين، 20 يوليو 2026
الجمعة، 17 يوليو 2026
الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة بقلم: الناصر خشيني
مدخل
حين نتأمل خارطة الوطن العربي الممزقة إلى اثنتين وعشرين دويلة، لا نقف أمام تنوع طبيعي في أشكال الحكم، بل أمام جريمة تاريخية مكتملة الأركان، صيغت بنودها في اتفاقية سايكس-بيكو، وأُحكم تنفيذها عبر أنظمة وُلدت من رحم الاستعمار وترعرعت في كنف الرضا الغربي. الإقليمية ليست ظاهرة سياسية بريئة، ولا هي تعبير عن "خصوصيات" وطنية كما يروّج دعاتها؛ إنها، في جوهرها، الوظيفة التي يقوم بها كل نظام عربي قطري، وهي ذاتها الوظيفة التي يقوم بها الكيان الصهيوني: اقتطاع جزء من الجسد العربي الواحد، وتسييجه بحدود مصطنعة، ومنع الأمة من استعادة وحدتها الطبيعية.
أولاً: الإقليمية كأداة سياسية للتفتيت
الحدود التي تُرسم اليوم على الخرائط لم تُرسم لحماية الشعوب، بل لحماية الأنظمة من شعوبها ومن محيطها العربي في آن واحد. كل "دولة قطرية" أنشأت جهازاً أمنياً ضخماً، لا لحراسة حدود خارجية حقيقية، بل لضبط الحدود الداخلية بين الوطن العربي ونفسه. هذه الأنظمة، التي وصل أغلبها إلى الحكم برضا غربي أو بتواطؤ معه، حوّلت السيادة إلى قناع تُمارس تحته الوصاية الأجنبية، فيما يُلهى الشعب بشعارات "الاستقلال الوطني" و"الأمن القومي القطري"، وهي في الحقيقة أمن الأنظمة لا أمن الأمة.
ثانياً: الإقليمية كأداة اقتصادية للنهب
اقتصادياً، أنتجت الإقليمية اثنتين وعشرين سوقاً صغيرة متنافرة بدل سوق عربية موحدة كان يمكن أن تنافس الكتل الاقتصادية الكبرى. النفط العربي يُستخرج في قطر ويُستثمر في الغرب، والعمالة العربية تُصدَّر كسلعة رخيصة بين الأقطار بشروط مذلة، بينما تبقى الثروات المائية والزراعية والمعدنية حبيسة حسابات إقليمية ضيقة. لو توحدت الإرادة السياسية العربية، لكانت الأمة اليوم قوة اقتصادية عالمية؛ لكن التجزئة أبقتها سوقاً استهلاكية تابعة، ومصدراً للمواد الخام، ومستورداً للسلاح الذي يُستخدم أحياناً ضد أبناء الأمة أنفسهم.
ثالثاً: الإقليمية كأداة اجتماعية وثقافية للتذويب
على الصعيد الاجتماعي والثقافي، عملت الإقليمية على اختراع "هويات قطرية" مصطنعة تتصادم مع الهوية العربية الجامعة، فرُوّج لخطاب "الخصوصية" و"التميز الوطني" بهدف تفكيك الشعور القومي وإحلال الولاء القطري الضيق محله. المناهج التعليمية أُعيدت صياغتها في كثير من الأقطار لتُقصي التاريخ العربي المشترك، وتُضخّم السرديات المحلية على حساب الرابطة القومية، تماماً كما يفعل الكيان الصهيوني حين يُنتج رواية تاريخية منقطعة عن السياق الفلسطيني والعربي.
رابعاً: الإقليمية والمشروع الصهيوني... تكامل لا تشابه
ليس من قبيل المبالغة القول إن بقاء الكيان الصهيوني مرهون ببقاء التجزئة العربية. فكل حدود قطرية جديدة هي في الواقع خط دفاع إضافي عن "إسرائيل"، وكل نظام عربي يكرّس القطرية إنما يمنح الكيان فسحة أكبر للتمدد. التطبيع، بهذا المعنى، ليس انحرافاً طارئاً عن السياسة القطرية، بل هو تتويج منطقي لها؛ فمن يقبل بالحدود المصطنعة بين دمشق وبغداد، لن يجد حرجاً كبيراً في قبول الحدود المصطنعة بين يافا والقدس.
خامساً: فرية "الإبراهيمية" وتوظيف الدين لتمييع الهوية
الترويج لمفهوم "الديانة الإبراهيمية" الجامعة ليس اجتهاداً لاهوتياً بريئاً، بل هندسة أيديولوجية مقصودة، الهدف منها إذابة الفوارق العقدية الجوهرية بين الإسلام واليهودية والمسيحية في قالب توفيقي فضفاض، يُراد منه تمهيد الأرضية النفسية لقبول الوجود الصهيوني كجزء "شرعي" من نسيج ديني مشترك، لا ككيان استعماري إحلالي اغتصب أرضاً وشرّد شعباً. حين يُختزل الصراع في فلسطين إلى "خلاف بين أبناء إبراهيم" يمكن حله بالحوار والتسامح الديني، تُمحى القضية المركزية للأمة من طابعها التحرري لتتحول إلى ملف "مصالحة روحية"، وهذا بالضبط ما تسعى إليه اتفاقيات ومراكز التطبيع الديني التي تناسلت في السنوات الأخيرة تحت شعارات "التعايش" و"الأخوة الإبراهيمية".
سادساً: الانسلاخ عن العروبة والإسلام كوظيفة، لا كنتيجة عرضية
التطبيع بهذا المعنى ليس غاية في ذاته، بل أداة لإعادة تعريف هوية الفرد العربي: من مواطن ينتمي لأمة عربية إسلامية لها قضية مركزية وعدو واضح المعالم، إلى "مواطن إقليمي" منسلخ عن عمقه الحضاري، مرتبط بمصالح قطرية ضيقة وشراكات اقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني. هذا الانسلاخ يُمهَّد له عبر مناهج تعليمية معدَّلة، وإعلام يُطبّع الصورة، ومنتجات ثقافية وفنية مشتركة، إلى أن يصبح العداء التاريخي المشروع لمشروع استعماري إحلالي "تطرفاً" ينبغي تجاوزه.
سابعاً: الأرقام تفضح الوهم الاقتصادي للتطبيع
يُسوَّق للتطبيع بوصفه بوابة لـ"ازدهار اقتصادي" و"شرق أوسط جديد" مزدهر بالتكامل، لكن الأرقام الحقيقية للاقتصاد العربي تكشف زيف هذا الطرح من جهة أخرى تماماً: أزمة التجزئة الاقتصادية العربية نفسها. فرغم أن حجم التجارة العربية الكلية في السلع والخدمات تجاوز 3.6 تريليون دولار خلال 2024، فإن التجارة العربية البينية في السلع لم تتجاوز 250 مليار دولار، أي ما لا يزيد عن 9% فقط من إجمالي التجارة العربية السلعية [1]. بمعنى أن أكثر من 90% من التبادل التجاري العربي يذهب إلى خارج المنظومة العربية، نحو شركاء دوليين كالصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما تبقى الأمة، رغم امتلاكها لكل مقومات التكامل من موارد طبيعية وأسواق استهلاكية وموقع جغرافي استراتيجي، غريبة عن نفسها اقتصادياً.
هذا النمط ليس صدفة إحصائية، بل انعكاس مباشر لبنية اقتصادية استعمارية لم تتغير جوهرياً منذ عصر الانتداب: الأقطار العربية تصدّر المواد الخام (نفط، غاز، فوسفات، معادن، منتجات زراعية أولية) إلى الخارج، ثم تستوردها مصنّعة بقيمة مضافة أعلى بأضعاف مضاعفة، في نزيف اقتصادي مزمن يُبقي الأمة في موقع التابع لا الشريك. والمفارقة الصادمة أن التبادل التجاري بين بعض الدول العربية المطبِّعة والكيان الصهيوني ينمو بمعدلات تفوق أحياناً نمو التبادل العربي-العربي نفسه: فقد بلغت التجارة الثنائية بين الإمارات والكيان الصهيوني نحو 3.24 مليار دولار في نهاية 2024، بزيادة تناهز 11% عن العام السابق [2]، فيما استحوذت أبوظبي وحدها على أكثر من ثلثي إجمالي حجم التبادل التجاري بين الدول العربية المطبِّعة والكيان مجتمعة [3]. وفي الوقت الذي كانت فيه صادرات الإمارات إلى الكيان تمثل أكثر من 81% من إجمالي الصادرات العربية إليه [4]، سجّلت التجارة بين المغرب والكيان قفزات لافتة بلغت 124% خلال أشهر معدودة [5]، رغم أن قيمتها المطلقة لا تزال متواضعة قياساً بحجم اقتصاد المملكة. هذه الأرقام تكشف مفارقة قاتلة: دول عربية تُنمّي علاقاتها التجارية مع كيان يخوض حرب إبادة ضد إخوتها في غزة، بمعدلات نمو تفوق أحياناً معدل نمو تجارتها مع أشقائها العرب، وهو ما يختصر بجلاء أولويات مشروع "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد فرضه على المنطقة.
ثامناً: منتدى النقب وممر IMEC... هندسة الاندماج القسري
لم يعد التطبيع يقتصر على اتفاقيات ثنائية معزولة، بل تحوّل إلى بنية مؤسسية إقليمية متكاملة، أبرز تجلياتها "منتدى النقب" الذي أُطلق سنة 2022 بمشاركة وزراء خارجية الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة، ومصر، والإمارات، والبحرين، والمغرب، والذي وُضع لتحويل التطبيع من ملف سياسي متقلب إلى إطار عمل دائم يشمل الأمن والمياه والطاقة والتكنولوجيا، أي كل مفاصل الحياة الاقتصادية للمنطقة. هذا المنتدى ليس آلية تعاون متكافئ بين ندّين، بل هيكل يضع الكيان الصهيوني في موقع المركز التقني والأمني الذي تدور حوله الأقطار العربية المطبِّعة كأطراف تابعة.
ويأتي "الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC)، الذي أُعلن عنه في قمة العشرين بنيودلهي سنة 2023، ليكرّس هذا المنطق على نطاق أوسع: مشروع بنية تحتية عملاقة يربط الهند بأوروبا عبر موانئ الإمارات والسعودية، مروراً بموانئ الكيان الصهيوني على المتوسط، متجاوزاً بذلك قناة السويس المصرية ومتجاهلاً أي دور مركزي لمعظم الأقطار العربية الأخرى. هذا الممر، المسوَّق إعلامياً بوصفه "طريق حرير جديد"، هو في جوهره إعادة رسم لخارطة النفوذ الاقتصادي الإقليمي بما يخدم دمج الكيان الصهيوني في قلب شبكات التجارة العالمية العابرة للمنطقة العربية، بدل أن يُدمَج الوطن العربي في ذاته عبر مشاريعه الخاصة كالسوق العربية المشتركة أو خط سكك حديد عربي موحد لم يبصر النور يوماً بسبب غياب الإرادة السياسية القومية.
تاسعاً: التخلف الحضاري كنتيجة حتمية للتجزئة
حين تغيب السوق العربية الموحدة، تغيب معها شروط النهضة الصناعية والتكنولوجية: فلا استثمار مشترك في البحث العلمي، ولا سلاسل إنتاج متكاملة بين الأقطار، ولا مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود بمستوى الطموح القومي. كل قطر يعيد اختراع نفس الصناعات الأساسية بشكل مكرر وغير تنافسي، بينما تبقى الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة حكراً على الخارج، ويُستورد حتى غذاء الأمة من الخارج رغم امتلاكها لأراضٍ زراعية شاسعة معطّلة بفعل التشرذم السياسي وغياب سياسات مائية وزراعية عربية موحدة. التطبيع، في هذا السياق، لا يحل هذه المعضلة، بل يعمّقها، لأنه يُدخل الكيان الصهيوني كوسيط تقني واقتصادي إضافي بين الأمة ومقدراتها، بدل أن يفتح الطريق أمام تكامل عربي-عربي حقيقي.
عاشراً: أين الحل؟
الأدبيات القومية التقدمية لم تكتفِ بنقد الواقع القطري، بل قدّمت البديل: دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية، التي تجمع الأمة تحت مشروع سياسي واحد يعيد توزيع الثروة على أساس العدالة الاجتماعية، ويؤسس لديمقراطية شعبية حقيقية بدل الاستبداد القطري المموّه بالانتخابات الصورية. الوحدة هنا ليست حلماً رومانسياً، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني-الغربي، الذي لا يمكن مواجهته بقوى قطرية مبعثرة ومتناحرة، ولا بشراكات اقتصادية مع الكيان تحت مسميات "الإبراهيمية" أو "الممرات الاقتصادية".
خاتمة
الإقليمية العربية، إذن، ليست خياراً وطنياً مشروعاً كما يُصوَّر، بل هي استمرار للمشروع الاستعماري بأدوات محلية، والتطبيع هو المرحلة الأخيرة من هذا المشروع: بعد تفكيك الأمة سياسياً عبر الحدود القطرية، يأتي تفكيكها عقدياً عبر فرية "الإبراهيمية"، ثم تفكيكها اقتصادياً عبر إدماجها في منظومة إقليمية يقودها الكيان الغاصب بدل أن تُدمَج في ذاتها. والأرقام لا تكذب: تسعة بالمئة فقط من التجارة العربية تبقى داخل الوطن العربي، بينما تنمو تجارة بعض الأقطار المطبِّعة مع الكيان الصهيوني بمعدلات لافتة، وهذا وحده كافٍ لفضح زيف كل خطاب "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد منه تعويض الوحدة العربية الغائبة بشراكة مع العدو التاريخي للأمة. والتحرر الحقيقي لن يكتمل إلا بإسقاط هذه المنظومة القطرية-التطبيعية برمّتها، لا بترميمها أو "إصلاحها"، وبناء المشروع القومي الوحدوي الذي وحده يملك أدوات المواجهة الشاملة: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.
المراجع:
[1] الشرق الأوسط، "التجارة العربية البينية في السلع ترتفع 16.6% خلال 2024 لتتجاوز 250 مليار دولار"، 2025.
[2] الإمارات ليكس، "إحصائيات رسمية تكشف ارتفاع التبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل"، فبراير 2025.
[3] الإمارات ليكس، "الإمارات تستحوذ على أكثر من ثلثي حجم تجارة الدول العربية مع إسرائيل"، ديسمبر 2024.
[4] موقع عربي 71، "الإمارات بنسبة 81.4%.. دول عربية صدَّرت لـ'إسرائيل' بـ2 مليار دولار خلال العدوان على غزة"، يوليو 2024.
[5] القدس (نسخة إلكترونية)، "زيادة التبادل التجاري بين إسرائيل و4 دول عربية"، أغسطس 2024.
السبت، 11 يوليو 2026
العلاقات العربية القبرصية: من خندق التحرر الناصري إلى منصة الاختراق الأمني للشرق العربي بقلم: الناصر خشيني
- جبهة عدم الانحياز: كانت القاهرة ونيقوسيا ركيزتين أساسيتين في تأسيس وتفعيل "حركة عدم الانحياز"، لقطع الطريق أمام محاولات الأحلاف الغربية إخضاع شعوب المنطقة.
- الدعم المصري للاستقلال: ساندت مصر الناصرية نضال القبارصة ضد الاستعمار البريطاني وحقهم في تقرير المصير، وقدمت الدعم السياسي لنيقوسيا في المحافل الدولية.
- موقف مكاريوس المشرف (1956): تجسد هذا التحالف في رفض الأسقف مكاريوس القاطع لاستخدام القواعد البريطانية الموجودة فوق أراضي الجزيرة لشن هجمات على مصر خلال العدوان الثلاثي عام 1956، معتبراً أن الجيرة العربية أبقى من الإملاءات الاستعمارية.
- الاحتضان الدبلوماسي للفلسطينيين: ظلت نيقوسيا لعقود صوتاً مدافعاً عن الحقوق العربية، وفتحت باكراً مكاتب منظمة التحرير الفلسطينية، متبنية مواقف صارمة ضد الكيان الصهيوني في الأمم المتحدة.
- الغزو التركي وانقسام الجزيرة (1974): شكّل الاجتياح العسكري التركي لثمال الجزيرة صدمة وجودية لنيقوسيا. ومع غياب ظهير عربي قوي (خاصة بعد رحيل عبد الناصر وانشغال الجمهوريات العربية بأزماتها الداخلية)، شعرت قبرص بالضعف والعزلة وعمدت إلى البحث عن حلفاء جدد يوفرون لها غطاءً أمنياً ومظلة حماية.
- الانضمام للاتحاد الأوروبي (2004): نَقَل هذا التحول قبرص بالكامل إلى المنظومة السياسية والاقتصادية الغربية. وبموجب هذا الانضمام، أصبحت الجزيرة مُلزمة بمواءمة قراراتها الدبلوماسية مع التوجهات الأوروبية والأمريكية، مما أدى إلى تآكل روابط التضامن التاريخية مع القضايا القومية العربية.
- ترسيم الحدود البحرية ومنتديات الغاز: شكلت اكتشافات الطاقة في شرق البحر المتوسط مصلحة اقتصادية وسياسية عليا لربط قبرص بالكيان. وجرى توقيع اتفاقيات لترسيم الحدود البحرية وصياغة "منتدى غاز شرق المتوسط" بشكل تجاوز المصالح الاقتصادية والسيادية العربية، لا سيما اللبنانية والمصرية.
- الاستيطان العقاري الصهيوني: شهدت الساحة القبرصية مؤخراً ظاهرة خطيرة تتمثل في تنامي عمليات شراء الأراضي والعقارات وتأسيس البنى التحتية المغلقة من قبل مستثمرين وجماعات صهيونية (مثل حركة حباد) في الشطرين الجنوبي والشمالي، مما أثار مخاوف قوى سياسية قبرصية محلية (كحزب أكيل اليساري) التي حذرت من تحول الجزيرة إلى عمق ديموغرافي واقتصادي للكيان.
- المناورات العسكرية المشتركة (محاكاة غزو لبنان): احتضنت المرتفعات القبرصية (مثل جبال ترودوس) مناورات عسكرية ضخمة ومستمرة لجيش الاحتلال الصهيوني (مثل مناورات "عربات النار" وتمارين "شمس زرقاء"). واختيرت تضاريس الجزيرة بدقة نظراً لتشابهها الشديد مع جغرافية وطبيعة جنوب لبنان، حيث تدربت النخبة العسكرية الصهيونية هناك على سيناريوهات غزو بري وخوض معارك جبلية ضد قوى المقاومة.
- قاعدة أكروتيري البريطانية وسلاسل الإمداد والتجسس: على الرغم من تمتع القواعد البريطانية (أكروتيري وديكيليا) بصفة "سيادية" بموجب اتفاقيات الاستقلال القديمة، إلا أن تساهل الحكومات القبرصية المتعاقبة جعل منها منطلقاً لأعمال عدائية سافرة. وتؤكد التقارير والتحقيقات الدولية تسيير بريطانيا لأكثر من 500 رحلة طيران استطلاعي من قاعدة أكروتيري فوق قطاع غزة ولبنان وسوريا لجمع معلومات استخبارية عسكرية مررت مباشرة للكيان. كما استُخدمت القاعدة كشريان إمداد لنقل الذخائر والمعدات الأمريكية والبريطانية لدعم الآلة الحربية الصهيونية.
- الرادارات العملاقة وخرق الأجواء الشامية: تضم الجزيرة منظومات رصد وتشويش فائقة التطور (مثل المحطة المقامة فوق قمة جبل أوليمبوس) تديرها المخابرات الغربية بالتنسيق مع الكيان. تُستخدم هذه المنظومات لكشف المجال الجوي السوري واللبناني، ورصد التحركات الدفاعية، والتشويش على شبكات الرادار القومية، مما يسهل الاعتداءات الجوية المتكررة على الأراضي العربية.
إن استعراض هذا الشريط التاريخي يؤكد للعقل القومي التقدمي أن غياب المشروع العربي الجامع، والارتماء في أحضان الاتفاقيات الغربية، يحول دول الجوار الجغرافي من بوابات صداقة إلى منصات طعن استراتيجي. ستبقى قبرص عهد عبد الناصر ومكاريوس درساً في كيف تبنى العلاقات على المبادئ، وتحولها الراهن انذاراً صارخاً بضرورة حماية الأمن القومي العربي من الاختراقات الاستخبارية والعسكرية التي تستهدف تصفية قوى المقاومة والتحرر في منطقتنا.
- [1] د. فاسيليس كابيتانيس ومجموعات البحث التاريخي بجامعة نيقوسيا (2022): دراسة علمية حول "علاقات جمهورية قبرص مع مصر وإسرائيل خلال عهد الأسقف مكاريوس (1960-1977)"، والتي وثقت التلاحم والتعاون الدبلوماسي بين مكاريوس وعبد الناصر وموقف الجزيرة من قضايا حركة عدم الانحياز والأمم المتحدة.
- [2] تقارير ومراسلات وزارة الخارجية اللبنانية وبعثاتها الدبلوماسية (يونيو 2022): التقرير الرسمي حول استدعاء السفير القبرصي في بيروت (بانيوتيس كيرياكو) لطلب توضيح عاجل حول طبيعة مناورات جيش الاحتلال الإسرائيلي (عربات النار/ Beyond the Horizon) فوق تضاريس جبال ترودوس القبرصية لمحاكاة قتال حزب الله وجنوب لبنان.
- [3] نشرة وكالة الأنباء العسكرية المتخصصة "جانيس" للتطوير الدفاعي (Janes Defence) - يونيو 2023: تقرير عسكري تقني حول مناورات سلاح الجو الإسرائيلي المشتركة في قبرص تحت اسم "الشمس الزرقاء" (Exercise Blue Sun)، وتصريحات قادة أسراب الطيران الإسرائيلي حول التدرب على بيئة جغرافية تحاكي الجبهة الشمالية (لبنان).
- [4] الخطاب التاريخي لقيادة المقاومة في لبنان (19 حزيران 2024): التحذير الاستراتيجي الموجه للحكومة القبرصية برئاسة نيكوس خريستودوليدس حول تبعات فتح الأجواء والمطارات القبرصية أمام طيران العدو الصهيوني.
- [5] تحقيقات منظمة "دي كلاسيفايد بريطانيا" الاستقصائية (Declassified UK) - الأعوام 2024، 2025، و2026: سلسلة تقارير موثقة بالأرقام وخرائط الطيران حول تسيير بريطانيا لأكثر من 518 رحلة تجسسية واستطلاعية بواسطة طائرات (Shadow R1) من قاعدة RAF Akrotiri السيادية في قبرص فوق أجواء غزة ولبنان، وتزويد الاستخبارات الصهيونية بالبيانات المباشرة.
- [6] البيانات السياسية الرسمية لحزب التجمع التقدمي للشعب العامل القبرصي "أكيل" (AKEL Party Reports - 2025/2026): التحذيرات والاحتجاجات الرسمية التي أطلقها الأمين العام للحزب ستيفانوس ستيفانو ضد التغلغل والاستيطان العقاري الصهيوني الكثيف، وشراء مساحات شاسعة من أراضي الجزيرة من قبل مجموعات تابعة للاحتلال.
- [7] مرصد الصحافة السياسية اللبنانية والسورية لشرق المتوسط (تقارير التحديث الأمني - مارس 2026): رصد وتوثيق تداعيات الهجمات بالطائرات المسيرة التي استهدفت الملحقات العسكرية بقاعدة أكروتيري البريطانية في جنوب قبرص، والاحتجاجات الشعبية القبرصية بمدينة ليماسول المطالبة بطرد القواعد البريطانية لحماية الجزيرة من الانخراط في الحروب الصهيونية.
إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني بقلم: الناصر خشيني
في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإيطالية كأحد الخطوط الجيوسياسية التاريخية التي طالما شكلت مصدر عدوانٍ ومحاولات إخضاع مستمرة للأمة العربية، وتحديداً في شمالها الإفريقي. إن استقراء السلوك الإيطالي يثبت تلازماً عضوياً بين إرث روما الاستعماري القديم، وفاشية القرن العشرين، والتجاوزات "النيو-إمبريالية" الراهنة التي تستهدف السيادة البحرية والثروات العربية في تونس وليبيا، فضلاً عن الاصطفاف السياسي والعسكري التقليدي لروما إلى جانب الكيان الصهيوني.
الجمعة، 10 يوليو 2026
فرنسا وشمال إفريقيا العربي: من الاحتلال المباشر إلى الاستعمار الجديد وأدوات التبعية الفرنكوفونية بقلم: الناصر خشيني
خارطة الطريق اليمنية: ورقة توقّفت عند حدود النوايا بقلم الناصر خشيني
مدخل: سلامٌ يُكتب على الورق ولا يُصرف في الواقع
ثمة مفارقة تكاد تلخّص عبثية السياسة في هذا الشرق المنهك: حربٌ استمرت قرابة عقد كامل، أنهكت شعباً بأكمله، ثم يُعلن فجأة أن ثمة "خارطة طريق" ترسم مساراً واضحاً للخروج منها — وقف نار، رفع حصار، صرف مرتبات، توحيد بنك مركزي، خروج قوات أجنبية، حوار وطني، إعمار — كل هذا موثّق ومرتّب على مراحل زمنية دقيقة: ستة أشهر، ثم ستة أشهر أخرى، ثم سنتان للحل الشامل. وفجأة أيضاً، يتبخر كل هذا الترتيب الأنيق في دهاليز المماطلة والتسويف، وتبقى الورقة حبراً على ورق بينما يستمر اليمنيون في العيش بلا رواتب، وبلا مطارات مفتوحة بالكامل، وبلا أفق سياسي.
بين النية المعلنة والفعل المؤجَّل
الخارطة التي بلورتها الوساطة العُمانية عام 2023، وتبنّتها لاحقاً جهود أممية بقيادة المبعوث الخاص هانس غروندبرغ، لم تكن يوماً وثيقة نظرية. لقد ترجمت زيارات متبادلة، ومشاورات في مسقط والرياض، بل وتصريحات رسمية سعودية وصفت الخارطة بأنها "جاهزة". غير أن الجاهزية على الورق شيء، والالتزام بالتنفيذ على الأرض شيء آخر تماماً. فبعد ثلاث سنوات كاملة من الإعلان عن هذه الخارطة، ما تزال بنودها الأكثر حساسية — توحيد الإيرادات، خروج القوى الأجنبية، الحوار السياسي الشامل — معلّقة في انتظار "الظرف المناسب" الذي لا يأتي أبداً.
من يعطّل، ومن يستفيد من التعطيل؟
الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرواية هنا ليست أحادية كما تروّج بعض الأدبيات: فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً حمّلت في أكثر من مناسبة صنعاء مسؤولية التصعيد وعدم الاستفادة من فرصة الخارطة، بينما ترى أطراف أخرى أن الرياض هي من تسحب قدميها كلما اقترب موعد استحقاق جوهري، مفضّلة "تعليق الحرب" على إنهائها فعلياً، لأن استمرار حالة اللا-حرب واللا-سلم يحفظ لها هامش مناورة إقليمية لا تريد التفريط فيه. المبعوث الأممي نفسه وصف المسار، بعد عامين من الحديث عنه، بأنه "معطّل بالكامل"، في غياب — كما قال — شريك تفاوضي حقيقي وملموس.
وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد هو أن اليمني العادي هو من يدفع الفاتورة: موظف بلا راتب، ومريض بلا دواء يصل عبر ميناء مقيَّد، ومسافر يخضع لتفتيش وتأخير في مطار لم تُرفع عنه القيود بالكامل رغم مرور سنوات على "الاتفاق" المزعوم.
خاتمة: السلام حين يتحول إلى أداة مماطلة
لا يمكن الحديث عن خارطة طريق حقيقية للسلام حين تتحول بنودها إلى ورقة ضغط تتقاذفها الأطراف كل بحسب مصلحته الآنية. فإما أن يُترجم التوقيع إلى التزام، بجدول زمني ملزم ورقابة دولية فعلية، أو يُعترف صراحة بأن ما جرى لم يكن أكثر من هدنة تكتيكية أُريد لها أن تبدو سلاماً. والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو الفارق بين شعب يستعيد كرامته ووطنه، وشعب يُترك ينتظر إلى أجل غير مسمى.
تركيا والأمن القومي العربي: أطماع التمدد، التعطيش الممنهج، والتخادم مع مشاريع التفتيت بقلم: الناصر خشيني
في إطار قراءتنا القومية التقدمية للصراع المحتدم حول الأمة العربية، ندرك أن جبهات الاستهداف لا تأتي فقط من العدو الصهيوني المباشر، بل تتقاطع مع أدوار إقليمية لجوار جغرافي طالما وظّف شعارات مخادعة لإخفاء نزعاته التوسعية وإرثه الاستعماري. وتبرز تركيا اليوم كأحد أبرز هذه الأطراف الإقليمية التي مارست، وما تزال، أدواراً عدوانية ألحقت أبلغ الأضرار بالأمن القومي العربي، متمثلة في انتهاك السيادة، ورعاية الإرهاب التفتيتي، والتعطيش الممنهج لبلاد الرافدين والشام، فضلاً عن ارتماء نظامها في أحضان علاقات استراتيجية متطورة مع الكيان الصهيوني على حساب دماء شعبنا العربي في فلسطين.
الأربعاء، 8 يوليو 2026
إثيوبيا وتحدي الأمن القومي العربي بقلم: الناصر خشيني
مقدمة
السودان الجريح: الحرب المنسية ومؤامرة الحصار والتفتيت بقلم: الناصر خشيني
مقدمة: بينما تتجه أنظار الإعلام العالمي والمحلي بشكل مكثف وصاخب نحو بؤر مشتعلة في الشرق الأوسط مثل غزة ولبنان، أو تتابع ارتدادات الحرب في اليمن، تقبع في الزاوية المعتمة من المشهد الدولي مأساة إنسانية وجيوسياسية تفوق في فظاعتها المادية والاجتماعية الكثير مما رصدته الكاميرات؛ إنها الحرب الأهلية في السودان. هذا الصراع المستمر لا يمثل مجرد نزاع داخلي على السلطة، بل هو مخطط ممنهج لحصار السودان، تفتيت بنيته الدولة، ومصّ مقدراته وثرواته لصالح أجندات إقليمية ودولية [1].
الثلاثاء، 7 يوليو 2026
من القضايا المسكوت عنها:المدن والبلدات الصحراوية الخاضعة لسيطرة جبهة البوليساريو بقلم الناصر خشيني
جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني
نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...
-
يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إل...
-
مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنه...
-
مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس مقدمة يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف ع...









