قائمة المدونات الإلكترونية

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي ​بقلم: الناصر خشيني



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
​مقدمة
​إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني الثورية والسياسية، فإن تحويل تلك الصيحات إلى مشاريع عمل، ومناهج تعليم، وتجديد فقهي ومؤسسي على أرض الواقع، كان ثمرة العبقرية الهادئة لتلميذه البار الإمام الشيخ محمد عبده. فلم يكن الإمام مجرد عالم دين تقليدي، بل كان المجدد الفكري الأول الذي واجه جمود الماضي وتحديات الحداثة الغربية معاً، تاركاً أثراً عميقاً في مسار الفكر الإسلامي المعاصر عبر إصلاح التعليم، وتطوير القضاء، وتجديد مؤسسة الفتوى.
​أولاً: النشأة والتحول من الثورة إلى المؤسسة
​وُلد محمد عبده عام 1849 في دلتا مصر لأسرة فلاحية، وتلقى تعليمه في جامع السيد البدوي بطنطا ثم في الجامع الأزهر. عانى الإمام في بداياته من المناهج العقيمة القائمة على الحفظ والجمود، حتى التقى بالشيخ درويش خضر الذي حبب إليه التصوف المستنير، ثم جاء اللقاء الفاصل بالأفغاني ليفجر طاقاته العقلية.
​انخرط الإمام في العمل الحركي، وشارك أستاذه في تأسيس جريدة "العروة الوثقى" في باريس بعد نفيه إثر فشل الثورة العرابية (1882). إلا أن تجربة المنفى قادت الشيخ إلى قناعة تاريخية جديدة: "إن إصلاح الأمة لا يأتي بانقلابات سياسية فوقية، بل بإصلاح التعليم وتربية العقول وتجديد الفكر الديني من الداخل". ومن هنا، عاد إلى مصر ليبدأ رحلة الإصلاح المؤسسي الهادئ والطويل.
​ثانياً: رائد التجديد الإفتائي وعصرنة الفقه
​تجلت عبقرية الإمام محمد عبده عند توليه منصب "مفتي الديار المصرية" عام 1899م، حيث استمر في هذا المنصب ست سنوات كاملة حتى وفاته عام 1905م. ويُعد أول مفتٍ عام مستقل عن مشيخة الأزهر، محولاً الفتوى من مجرد نقل للنصوص القديمة إلى أداة لحل مشكلات العصر والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
​وإذا ألقينا نظرة تحليلية على تراثه الإفتائي، نجد تنوعاً هائلاً يعكس التزام الإمام بقضايا المجتمع الواقعية:
​الفتاوى المالية والاقتصادية (80% من نتاجه): بلغت فتاواه في هذا الباب 728 فتوى، شملت قضايا الوقف، والميراث، والمعاملات المالية كالبيع والشراء، والرهن، والإجارة، والوصاية، والشركة، واستقلال المرأة المالي والاقتصادي. وتميز بجراءة فقهية واقتصادية بالغة أثارت ضجة في عصره، مثل فتواه الشهيرة بتحليل أرباح وصناديق التوفير المودعة في مصلحة البريد (معتبراً إياها نوعاً من المضاربة الاستثمارية لا الربا المحرم)، فضلاً عن فتواه الجريئة بإباحة التصوير والنحت كوسيلة للعلم والفن والتوثيق لا للعبادة.
​الأحوال الشخصية وقضايا الأسرة: بلغت 100 فتوى، تناولت تنظيم الزواج، والطلاق، والنفقة، والإرضاع، والحضانة، ساعياً لحماية الأسرة والمرأة من التعسف في استخدام الحقوق الشرعية.
​الجنايات والقصاص: بلغت 29 فتوى ركزت على قضايا القود، والقتل، والقصاص بتدقيق قانوني وشرعي رفيع.
​موضوعات متنوعة: بلغت قرابة 87 فتوى أجاب فيها على نوازل العصر الفكرية والاجتماعية.
​ثالثاً: جهود إصلاح القضاء والأزهر والأثر الامتدادي
​لم يكتفِ الإمام بالفتوى، بل امتدت يده الإصلاحية إلى شرايين الدولة التعليمية والقضائية:
​إصلاح المحاكم الشرعية: قدم الإمام في عام 1899م "تقرير إصلاح المحاكم الشرعية"، وهو دراسة سوسيولوجية وقانونية عميقة لتطوير الجهاز القضائي، وتحديث صياغة القوانين، والارتقاء بأداء القضاة الشرعيين وتدريبهم.
​تحديث التعليم الأزهري: خاض معارك ضارية لإدخال العلوم الحديثة (كالجغرافيا، والتاريخ، والرياضيات، والعلوم الطبيعية) إلى مناهج الأزهر، محارباً التمذهب الضيق والجمود العقلي.
​الأثر والامتداد (مدرسة محمد عبده): ترك الإمام مدرسة فكرية تفرعت وتأثر بها نوابغ الأمة؛ فامتد أثره وتأثير تلميذه المقرب الشيخ مصطفى عبد الرازق (شيخ الأزهر لاحقاً) الذي قاد حركة تجديد الفلسفة الإسلامية والدفاع عن منهج أستاذه داخل أروقة الأزهر الشريف، كما تأثر به قادة الحركة الوطنية والاجتماعية كسعد زغلول وقاسم أمين.
​رابعاً: الثروة الفكرية والمؤلفات
​ترك الإمام محمد عبده مدرسة بيانية وفلسفية رفيعة المستوى، تجلت في مؤلفاته وتحقيقاته التي أعادت إحياء أمهات الكتب العربية بأسلوب عصري رصين، ومن أبرزها:
​في العقيدة والفلسفة والردود الحضارية:
​"رسالة التوحيد": صاغ فيها العقيدة الإسلامية بأسلوب عقلاني مبسط يبتعد عن تعقيدات المتكلمين الجافة.
​"الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية": صدر عام 1902م، وهو رد علمي وفلسفي عميق على أطروحات المؤرخ الفرنسي إرنست رينان وهانوتو، أثبت فيه أن الإسلام دين يحث على العلم والمدنية والتقدم.
​في البلاغة واللغة والأدب:
​تحقيق وشرح "دلائل الإعجاز" و**"أسرار البلاغة"** للإمام عبد القاهر الجرجاني (لإعادة بعث الذوق البلاغي العربي).
​شرح "نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه.
​شرح "مقامات بديع الزمان الهمذاني".
​في المنطق والتنظيم التنفيذي:
​تحقيق وشرح "البصائر النصيرية في علم المنطق" للطوسي.
​"تقرير إصلاح المحاكم الشرعية" سنة 1899م.
​تراثه الصحفي والوحدوي في مجلة "العروة الوثقى" بالاشتراك مع معلمه جمال الدين الأفغاني.
​الموسوعات التجميعية لأعماله:
​حظي تراث الشيخ بعناية فائقة من المحققين المعاصرين لإخراجه بدقة، ومن أهمها:
​"الأعمال الكاملة للشيخ محمد عبده" (في خمسة أجزاء)، بتحقيق المؤرخ والمفكر الدكتور محمد عمارة (نشر دار الشروق)، وهي الموسوعة الأعم التي جمعت شتات فكره وفتاواه.
​"سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده"، بتحقيق الدكتور علي شلش (نشر دار رياض الريس)، والتي كشفت عن مقالات ورسائل نادرة للإمام.
​"ديوان الإمام محمد عبده"، بتحقيق الأستاذ ماجد صلاح الدين (نشر دار الفكر الإسلامي)، لتوثيق الجانب الأدبي والشعري في حياته.
​خاتمة المقال
​رحل الإمام محمد عبده عام 1905م، لكن معالمه الإصلاحية بقيت حية. لقد نجح في تقديم نموذج فريد للمسلم المعاصر: مستمسك بأصول دينه وعقيدته، ومنفتح على علوم عصره ومدنيته دون ذوبان أو تبعية. لقد أثبت بفتاواه ومواقفه أن الشريعة مرنة وقادرة على قيادة الحياة الاقتصادية والاجتماعية في كل زمان ومكان، ليظل إمام المجددين في العصر الحديث.
​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:
​عمارة، د. محمد. الأعمال الكاملة للإمام محمد عبده (خمسة أجزاء)، دار الشروق، القاهرة.
​شرف الدين، د. أحمد. فتاوى الإمام محمد عبده ومأثوراته الفقهية والشرعية.
​أمين، أحمد. زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت.
​شلش، علي. سلسلة الأعمال المجهولة: محمد عبده، دار رياض الريس، بيروت.
​صلاح الدين، ماجد. ديوان الإمام محمد عبده، دار الفكر الإسلامي.


 



الاثنين، 6 يوليو 2026

السويس.. قلعة التصدي الباسلة ومقبرة العدوان الثلاثي بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد مدينة السويس المصرية، الرابطة بين البحر الأحمر وقناة السويس، واحدة من أعرق المدن الثغرية والاستراتيجية في العالم ومصر، وعُرفت قديماً باسم "القلزم". اكتسبت المدينة مكانة جغرافية وسياسية واقتصادية بالغة الأهمية كبوابة مصر الشرقية وملتقى للتجارة العالمية وقوافل الحجيج المتوجهة إلى الأراضي المقدسة. وتوالت عليها العصور، وظلت دائماً حجر زاوية في الدفاع عن العمق الاستراتيجي المصري، والمدينة التي صاغت بجهد أبنائها وتضحياتهم معالم السيادة والكرامة الوطنية.
أهم معالمها
يأتي "سد السويس" ومجرى "قناة السويس" العالمي كأبرز المعالم الاستراتيجية والاقتصادية للمدينة والشاهدة على صراع الإرادة والسيادة. وتضم المدينة "مسجد الغريب" الأثري (مسجد سيدي عبد الله الغريب) الذي يمثل رمزاً روحياً وتاريخياً ارتبط بحكايات الدفاع عن المدينة قديماً وحديثاً، بالإضافة إلى "بورتوفيق" التاريخية ومتاحف المدينة ومناطق الآثار الأيوبية والعثمانية التي تروي تجذر التاريخ العسكري والحضاري في هذه الأرض الطاهرة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سجلت السويس اسمها بأحرف من نار ونور في سجلات الشرف العربي عام 1956، عندما تحولت إلى قلعة عصية تكسرت عليها أوهام وغطرسة "العدوان الثلاثي" (البريطاني، الفرنسي، والإسرائيلي). انتفض أبناء السويس بـ "المقاومة الشعبية" الباسلة جنباً إلى جنب مع الجيش المصري، وخاضوا معارك فدائية شرسة في شوارع المدينة وضواحيها. وتوج هذا الصمود الأسطوري لاحقاً في معركة 24 أكتوبر 1973 الخالدة، حيث تحولت شوارع السويس إلى مقبرة لدبابات العدو وآلياته، ورفضت المدينة الاستسلام لتصنع يوماً وطنياً مجيداً يثبت أن إرادة الشعوب أصلب من الحديد.
خاتمة
إن السويس الباسلة تظل نموذجاً للمدينة التي واجهت المدافع بصدور عارية وحولت الحصار إلى انتصار؛ فمياه قناتها التي تتدفق بالخير تحمل في طياتها حكايات أبطال المقاومة الشعبية، لتظل السويس دائماً درع مصر الشرقي وحصناً منيعاً من حصون الكرامة والعروبة والإباء.

المهدية.. عاصمة الفاطميين الأولى وبانية القاهرة والمعز بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تقع مدينة المهدية على شبه جزيرة ممتدة في شرق الجمهورية التونسية، وهي حاضرة تاريخية استثنائية أسسها الخليفة عبيد الله المهدي عام 303 هـ (916 م) لتكون العاصمة الأولى للدولة الفاطمية الناشئة في بلاد المغرب. اختير موقعها بعناية فائقة ليكون حصناً طبيعياً منيعاً وقاعدة بحرية كبرى انطلقت منها أساطيل الفاطميين لتوحيد الشمال الإفريقي. ومن رحم المهدية وبسواعد قادتها وجيوشها، رُسمت خطة التوجه شرقاً لفتح مصر وبناء مدينة "القاهرة" والجامع الأزهر على يد القائد جوهر الصقلي في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مما يجعل المهدية الجذع التاريخي الذي تفرعت منه قاهرة المعز.
أهم معالمها
يتربع "باب زويلة" (السقيفة الكحلة) كأعظم معلم تاريخي وحضاري للمدينة، وهو برج دفاعي وضخم يمثل المدخل الوحيد المؤدي إلى المدينة العتيقة عبر أسوارها الحصينة. وتضم المدينة "الجامع الكبير بالمهدية" الذي يتميز بهندسته الفاطمية الفريدة الخالية من المآذن التقليدية عند التأسيس، إلى جانب "البرج الكبير" (البرج العثماني) الشامخ على شواطئها، و"الميناء البونيقي القديم" الذي يحكي تاريخ الأمجاد البحرية العريقة للمدينة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
شهدت المهدية تاريخاً حافلاً من الصمود الأسطوري في مواجهة الغزوات والحملات الاستعمارية الصليبية والأوروبية عبر العصور؛ وتجلى دورها النضالي في التصدي للحملات البحرية المستمرة من قِبل النورمان، والإسبان، وفرسان القديس يوحنا. ورغم الحصارات العنيفة ومحاولات التدمير والنسف التي تعرضت لها أسوارها التاريخية في بعض الفترات، رفضت المهدية الانكسار وحافظت على مكانتها كرباط بحري متقدم يحمي سواحل تونس وثغور الأمة الإسلامية، مجسدةً روح الثبات والذود عن حياض الوطن.
خاتمة
تظل المهدية عاصمة الفاطميين ومنبع المجد الشامخ عنواناً للأصالة والسيادة التي لا تزول؛ فجدران سقيفتها الكحلة تحكي للأجيال كيف تحولت شبه الجزيرة الصغيرة إلى مركز إمبراطورية كبرى بنت القاهرة ونشرت العلم، لتظل المهدية دائماً فخراً لأمتنا ومنارة للصمود عبر العصور.

وهران.. الباهية وعاصمة الثغر ومحررة القلاع من دنس الاستعمار بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة وهران، أو "الباهية" كما يعشق أهلها تسميتها، على ساحل البحر الأبيض المتوسط في غرب الجزائر كإحدى أهم القواعد البحرية والحواضر التجارية عبر التاريخ. أسسها البحارة الأندلسيون في القرن العاشر الميلادي لتتحول سريعاً إلى ثغر إسلامي عظيم صلة وصل بين المغرب والأندلس. ونظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، تعرضت وهران لغزو إسباني شرس عام 1509 استمر لقرون، خاضت خلالها المدينة معارك طاحنة وحصارات مريرة حتى تمكنت الجيوش الإسلامية وقبائل المنطقة من تحريرها بالكامل عام 1792، قبل أن تقع مجدداً تحت وطأة الاحتلال الفرنسي عام 1831 وتتحول إلى معقل من معاقل التحرر.
أهم معالمها
تتزين وهران بـ "قلعة سانتا كروز" الشامخة فوق قمة جبل المرجاجو، والتي تقف كشاهد تاريخي وعسكري عاصر الحروب والتحولات الكبرى في المدينة. وتضم العاصمة "حي سيدي الهواري" العتيق الذي يمثل النواة التاريخية للباهية ويمزج بعمارته بين الطابع الأندلسي، والعثماني، والإسباني. وتكتمل لوحتها بـ "مسجد الباشا" التاريخي وباب إسبانيا، بالإضافة إلى ساحة أول نوفمبر والشواطئ الساحرة التي تروي قصة الجمال والصمود البشري.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت وهران صفحات مجيدة من الصمود الأسطوري في مواجهة محاولات الطمس والفرنسة؛ فكانت معقلاً للحركة الوطنية وفكراً نضالياً بارزاً تخرج من أحيائها كبار قادة ثورة التحرير المظفرة. وبرز دورها النضالي في معركة التحرير كجبهة قوية قادت العمل الفدائي والمسلح في "القطاع الوهراني"، حيث واجه أبناؤها بطش المستعمر ومنظماته الإرهابية (مثل منظمة الجيش السري الفرنسي) ببسالة منقطعة النظير، وقدمت المدينة قوافل من الشهداء في سبيل حرية الجزائر والذود عن هويتها العربية والإسلامية حتى نيل الاستقلال عام 1962.
خاتمة
تبقى وهران الباهية مدينة تجمع بين رقة البحر وعنفوان الجبل؛ فأمواجها التي تداعب شواطئ المرجاجو تحمل في طياتها صدى انتصارات الفاتحين والمحررين، لتظل وهران دائماً منارة للفكر، والحرية، وعاصمة للإباء العربي في غرب الجزائر العزيز.

المقال العشرون: المهدية.. عاصمة الفاطميين الأولى وبانية القاهرة والمعز
تاريخ المدينة
تقع مدينة المهدية على شبه جزيرة ممتدة في شرق الجمهورية التونسية، وهي حاضرة تاريخية استثنائية أسسها الخليفة عبيد الله المهدي عام 303 هـ (916 م) لتكون العاصمة الأولى للدولة الفاطمية الناشئة في بلاد المغرب. اختير موقعها بعناية فائقة ليكون حصناً طبيعياً منيعاً وقاعدة بحرية كبرى انطلقت منها أساطيل الفاطميين لتوحيد الشمال الإفريقي. ومن رحم المهدية وبسواعد قادتها وجيوشها، رُسمت خطة التوجه شرقاً لفتح مصر وبناء مدينة "القاهرة" والجامع الأزهر على يد القائد جوهر الصقلي في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مما يجعل المهدية الجذع التاريخي الذي تفرعت منه قاهرة المعز.
أهم معالمها
يتربع "باب زويلة" (السقيفة الكحلة) كأعظم معلم تاريخي وحضاري للمدينة، وهو برج دفاعي وضخم يمثل المدخل الوحيد المؤدي إلى المدينة العتيقة عبر أسوارها الحصينة. وتضم المدينة "الجامع الكبير بالمهدية" الذي يتميز بهندسته الفاطمية الفريدة الخالية من المآذن التقليدية عند التأسيس، إلى جانب "البرج الكبير" (البرج العثماني) الشامخ على شواطئها، و"الميناء البونيقي القديم" الذي يحكي تاريخ الأمجاد البحرية العريقة للمدينة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
شهدت المهدية تاريخاً حافلاً من الصمود الأسطوري في مواجهة الغزوات والحملات الاستعمارية الصليبية والأوروبية عبر العصور؛ وتجلى دورها النضالي في التصدي للحملات البحرية المستمرة من قِبل النورمان، والإسبان، وفرسان القديس يوحنا. ورغم الحصارات العنيفة ومحاولات التدمير والنسف التي تعرضت لها أسوارها التاريخية في بعض الفترات، رفضت المهدية الانكسار وحافظت على مكانتها كرباط بحري متقدم يحمي سواحل تونس وثغور الأمة الإسلامية، مجسدةً روح الثبات والذود عن حياض الوطن.
خاتمة
تظل المهدية عاصمة الفاطميين ومنبع المجد الشامخ عنواناً للأصالة والسيادة التي لا تزول؛ فجدران سقيفتها الكحلة تحكي للأجيال كيف تحولت شبه الجزيرة الصغيرة إلى مركز إمبراطورية كبرى بنت القاهرة ونشرت العلم، لتظل المهدية دائماً فخراً لأمتنا ومنارة للصمود عبر العصور.

سلسلة اعلام الامة : جمال الدين الأفغاني.. موقظ الشرق وعرّاب الجامعة الإسلامية بقلم الناصر خشيني



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
​مقدمة
​في القرن التاسع عشر، كان العالم العربي والإسلامي يمر بأحلك فتراته؛ فالدولة العثمانية تعاني التفكك، والاستعمار الغربي يمد أظفاره في جسد الأمة، والجهل والجمود الفكري يخيمان على العقول. في هذا الفضاء القاتم، ظهر كالنجم الثاقب رجل هزّ عروش السلاطين، وأيقظ همم الشعوب، واعتبرته بريطانيا أخطر أعدائها في الشرق؛ إنه السيد جمال الدين الأفغاني، الفيلسوف الثائر الذي جعل من الفكر سلاحاً، ومن الإصلاح الديني والسياسي قضية حياة.
​أولاً: لغز النشأة والتحول الموسوعي
​تكتنف سيرة الأفغاني المبكرة تفاصيل لطالما كانت محط نقاش أكاديمي واسع:
​جدل الموطن الأصلي: هناك رأيان شهيران حول أصله؛ الأول وهو ما اشتهر به وعرّف به نفسه أنه وُلد في "أسعد آباد" بأفغانستان لأسرة ينتهي نسبها إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما. والرأي الثاني الذي يرجحه بعض المؤرخين المحدثين استناداً إلى وثائق رسمية أنه وُلد في "أسعد آباد" بإيران ونشأ في بيئة شيعية، ولكنه تلقب بـ "الأفغاني" ليتجاوز الحساسيات المذهبية في العالم الإسلامي السني ويسهل تحركه بين عواصمه.
​التعليم الموسوعي العابر للحدود: تلقى تعليماً دينياً وفلسفياً عميقاً في أفغانستان وإيران والعراق (النجف)، ولم يكتف بالعلوم الشرعية التقليدية، بل درس الفلسفة، والمنطق، والتاريخ، والرياضيات، والفلك. ثم سافر إلى الهند في شبابه، وهناك اطلع على العلوم الحديثة الغربية واللغة الإنجليزية، مما خلق لديه صدمة حضارية مبكرة قادته إلى نتيجة واحدة: "الشرق يجب أن يستيقظ ويثور".
​ثانياً: الفلسفة والمنهج الإصلاحي (الجامعة الإسلامية)
​لم يكن الأفغاني مصلحاً تقليدياً يكتفي بالوعظ، بل كان فيلسوفاً حركياً تمحورت فلسفته حول ثلاثة ركائز أساسية:
​فكرة "الجامعة الإسلامية": رأى الأفغاني أن الرابطة الدينية والثقافية المشتركة هي الدرع الوحيد القادر على صد التمدد الاستعماري (البريطاني والفرنسي). ولم يكن يدعو إلى دولة دينية استبدادية، بل إلى اتحاد سياسي متين بين الأقطار الإسلامية يجمع شتاتها ويحفظ سيادتها.
​التحرر من الجمود والتواكل: هاجم بشدة التفسيرات القاصرة للدين والقدرية التي تكرس الخنوع للحكام المستبدين. وطالب بفتح باب "الاجتهاد" وإحياء العقل، معتبراً أن الإسلام في جوهره دين حرية، وعلم، وحركة.
​مزاوجة الفلسفة بالعمل السياسي: كان يؤمن أن العلم بلا حركة موت، والحركة بلا علم عشوائية. لذلك، كان فكره يترجم فوراً إلى تنظيمات سرية، وصحف، وخطب في المقاهي والمحافل.
​ثالثاً: الأثر الحركي والثوري (الرحالة المتمرد)
​عاش الأفغاني حياة أشبه برواية بوليسية سياسية، حيث تنقل بين كبريات العواصم مشعلاً للثورات:
​المحطة المصرية (1871 - 1879): تعتبر العصر الذهبي لأثره. في القاهرة، التف حوله نوابغ الشباب (مثل محمد عبده، وسعد زغلول، وأديب إسحاق). أسس مجالس الفكر، ودخل المحافل الماسونية (قبل أن ينفصل عنها بعد اكتشافه لأهدافها السياسية الاستعمارية)، وأسس محفلاً وطنياً قاد الحراك الشعبي والوعي السياسي الذي مهد لاحقاً للثورة العرابية، مما دفع الخديوي إسماعيل ثم توفيق إلى نفيّه من مصر.
​المحطة الباريسية وجريدة "العروة الوثقى" (1884): التقى بتلميذه الإمام محمد عبده في باريس، وأصدرا معاً جريدة "العروة الوثقى". رغم أنها لم تصدر سوى لشهور قليلة (18 عدداً) بسبب حظرها من قبل المخابرات البريطانية، إلا أنها كانت بياناً ثورياً أيقظ الوعي من المغرب إلى الهند.
​المحطة الإيرانية وثورة التنباك: زار إيران بدعوة من الشاه ناصر الدين، لكن فكره التحرري أرعب الشاه فنفاه. من منفاه في لندن، حرك الأفغاني العلماء والجماهير في إيران عبر رسائله الشهيرة، مما أدى لاندلاع "ثورة التنباك" (مقاطعة التبغ) التي كسرت الاحتكار البريطاني وهزت عرش الشاه.
​المحطة الأخيرة في إسطنبول (1892 - 1897): استدعاه السلطان عبد الحميد الثاني للاستفادة من مشروعه (الجامعة الإسلامية)، لكن نفوذ الأفغاني الفكري وكاريزمته الطاغية أخافت السلطان، ففرض عليه إقامة جبرية مقنعة ("القفص الذهبي") حتى توفي بمرض السرطان (وهناك شكوك تاريخية حول تسميمه) عام 1897.
​رابعاً: الأثر التاريخي والنقد الأكاديمي
​تكمن عبقرية الأفغاني التاريخية في أنه "البذرة الأولى" التي تفرعت منها جل التيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي والإسلامي الحديث:
​من عباءته التربوية خرج التيار التنويري العقلاني الليبرالي (عبر تلاميذ تلميذه كقاسم أمين وأحمد لطفي السيد).
​ومن أطروحته السياسية خرجت تيارات الإسلام السياسي وحركات التحرر الإسلامي (التي اتخذت من الجامعة الإسلامية منطلقاً لها).
​النقد الأكاديمي الموجه لشخصيته وفكره:
​رغم عظمته، واجه الأفغاني نقداً من المؤرخين والباحثين:
​البراغماتية السياسية المفرطة: عاب عليه البعض تقلباته السياسية ومحاولاته المتكررة للتحالف مع الملوك والسلاطين (كشاه إيران والسلطان العثماني وخديوي مصر) لتحقيق مشروعه، وهي تحالفات انتهت دائماً بالتصادم والنفي.
​التركيز على السياسي على حساب الفكري العميق: نظراً لعيشه حياة الثائر المطارد، لم يترك الأفغاني مؤلفات نسقية ضخمة (باستثناء كتاب "الرد على الدهريين" وبعض الرسائل والمقالات)، فكان أثره في "شخصه وتلاميذه" أكثر من أثره في "كتبه".
​خاتمة المقال
​لم يكن جمال الدين الأفغاني مجرد رجل مر في تاريخ هذه الأمة، بل كان زلزالاً فكرياً حطم جدران الخوف والجمود. علم الشعوب العربية والإسلامية أن الاستعمار ليس قدراً محتوماً، وأن الشرق قادر على استعادة أمجاده إذا ما امتلك الإرادة والوعي. رحل بجسده، لكن روحه الثائرة ظلت تلهم حركات التحرر لـعقود طويلة.
​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:
​الأفغاني، جمال الدين. الرد على الدهريين (ترجمة محمد عبده).
​الأفغاني، جمال الدين والشيخ محمد عبده. جريدة العروة الوثقى (الأعداد الكاملة)، دار الكتاب العربي، بيروت.
​المخزومي، محمد باشا. خاطرات جمال الدين الأفغاني (وهو الكتاب العمدة في تسجيل آرائه وأقواله في أيامه الأخيرة بإسطنبول).
​أمين، أحمد. زعماء الإصلاح في العصر الحديث، دار الكتاب العربي، بيروت.
​عمارة، د. محمد. جمال الدين الأفغاني: موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، دار الشروق، القاهرة.
​Keddie, Nikki R. Sayyid Jamal ad-Din "al-Afghani": A Political Biography, University of California Press.

 


سلسلة اعلام الامة العربية مصطفى كامل

 


المصدر من هذا الموقع

 مولده ونشأته

ولد مصطفى كامل بحي “الصليبة” قسم الخليفة المأمون بمدينة القاهرة يوم 14 أغسطس 1874، وكان والده “علي أفندي محمد” ضابطًا بالجيش المصري، كما كان مهندسًا؛ إذ كان فى أواخر عهده بالحكومة مهندسًا ملكيًا، وكان معروفًا بالاستقامة والشهامة، وكان له من غير شك فضلًا كبيرًا في تكوين شخصية ابنه مصطفى كامل، إذ كان يعنى بتربية أولاده ونشأتهم النشأة الصالحة.

لمس والد مصطفى كامل في ابنه من الذكاء وقوة البديهة ما جعله يبذل الكثير من الإهتمام به، فما أن أتم مصطفى كامل السادسة من عمره حتى أدخله والده مدرسة “والدة عباس الأول الإبتدائية”، وفي هذا السن المبكر بدت عليه علامات الشمم والإباء والشجاعة، لكنه انتقل من هذه المدرسة إلى مدرسة إبتدائية أخرى لما لحقه على يد أحد الأساتذة من إهانة أمام زملائه، فكانت المدرسة الثانية هي “مدرسة السيدة زينب الإبتدائية” التي أتم فيها مصطفى كامل دراسته بتفوق، وأبدى تميزًا في الحساب والتاريخ، وحصل على شهادة الإبتدائية سنة 1877.

التحق بعد ذلك بالمدرسة التجهيزية “الخديوية” سنة 1877، أي فى نفس العام، وفيها ظهرت مواهبه من الشجاعة والجرأة والذكاء وقوة الذاكرة واستقلال الفكر وعلوّ النفس، وحسن الإلقاء، فنال إحترام أساتذته وزملاؤه جميعًا، وقد عرفه في ذلك الحين “علي باشا مبارك”، الذي كان وزيرًا للمعارف العمومية، فأعجب بفصاحته وشجاعته، وقال له ذات مرة: “إنك امرؤ القيس” وبشره بأنه سيكون شخصية عظيمة. وقد قابله مصطفى كامل يومًا في سرايا الوزارة وشكى إليه من نظام الإمتحان الذي أدى إلى رسوبه ورسوب زملائه، فأعجب بجراءته واقتنع بحجته، فعدل من هذا النظام مما أدى إلى نجاح مصطفى وكثير من زملائه، وقد قربه على مبارك إليه وكان يدعوه إلى منزله ويناقشه، ويقدمه إلى جلسائه من العلماء والكبراء.

وفي سنة 1891 حصل مصطفى كامل على شهادة البكالوريا “الثانوية”، والتحق بمدرسة الحقوق الخديوية، ولكنه انتقل منها بعد نجاحه في العام الأول إلى مدرسة الحقوق الفرنسية، حتى حصل أخيرًا على شهادة الحقوق من كلية الحقوق “جامعة تولوز” في نوفمبر 1894.

بداية نشاطه الوطني

بدأ الإتجاه والشعور الوطني لمصطفى كامل يظهر عندما كان طالبًا في المدرسة الثانوية؛ فقد بدأ وهو في سن السادسة عشر من عمره تأسيس جمعية وطنية أدبية أطلق عليها اسم “جمعية الصليبة الأدبية”، واختار أعضاءها من أصدقائه التلاميذ ممن توسم فيهم الفضل والذكاء والكفاية.

وكان مصطفى كامل في نفس الوقت ممن يرتادون جمعية الإعتدال التى أنشأها “أحمد لطفي السيد”، وبفضل هذه الجمعية تعرف مصطفى كامل على أحمد لطفى السيد ولفيف كبير من أعاظم الأدباء ورجال الفكر والسياسة في مصر، وراح يدعوهم جميعًا إلى جمعيته حتى أتمت الجمعية نموًا عظيمًا في وقت قليل.

لذلك يمكننا أن نحدد بداية نشأة مصطفى كامل الوطنية سنة 1890، وهى أصح السنين لتأريخ ظهور تلك العبقرية الوطنية.

وبعد أن التحق مصطفى كامل بمدرسة الحقوق بدأ يكتب في جريدتي “الأهرام” و”المؤيد”، وذلك في سنة 1892، وفي 1893 أنشأ مجلة سماها “المدرسة” وقد صدر العدد الأول منها في 18 فبراير 1893، وكانت مجلة أدبية وطنية تهذيبية تصدر في أول كل شهر عربي، وجعل شعارها المطبوع في بداية كل عدد “حبك مدرستك حبك أهلك ووطنك” وكان هو مديرها ومحررها.

وقد استكتب لهذه المجلة بعض مشاهير الكتاب مثل “عبد الله النديم” خطيب الثورة العربية، الذى عاد إلى مصر من منفاه سنة 1892، حيث اتصل به مصطفى كامل وتوثقت صلته به، وكثرت اللقاءات بينهما، وعرف منه الكثير عن خبث الإنجليز ودسائس السياسة البريطانية، وأخطاء الثورة العرابية.

وفي يونيو 1893 سافر مصطفى كامل إلى فرنسا لاستكمال دراسته في كلية الحقوق الفرنسية، فكانت زيارته زيادة لمعرفته، والتقى بالعديد من الشخصيات

الفرنسية وغير الفرنسية، ولسوف تزداد علاقته بفرنسا مستقبلاً، وتساعده فى مجالات كفاحة الوطني ضد الإحتلال البريطاني لمصر. وقد بذل جهدًا مضاعفًا في اختصار فترة دراسته في سنة واحدة، بدلاً من سنتين، وحصل في نوفمبر 1894 على شهادة الحقوق من جامعة تولوز، وكان عمره عشرون عامًا.

وقد ألف في تلك الفترة مسرحية “فتح الأندلس”، التي تعتبر أول مسرحية مصرية، وبعد عودته إلى مصر سطع نجمه في سماء الصحافة، واستطاع أن يتعرف على بعض رجال وسيدات الثقافة والفكر في فرنسا، ومن أبرزهم الأديبة الكبيرة مدام “جولييت آدم”، وازدادت شهرته مع هجوم الصحافة البريطانية عليه.

كفاحه من أجل الوطن منذ 1894

عندما عاد مصطفى كامل إلى مصر في ديسمبر 1894 عزم على أن يهب حياته كلها للجهاد فى سبيل الوطن، وهذه كانت نيته التى عقد عليها عزمه منذ حصوله على شهادة الحقوق. وقد رأى أن الدعاية للقضية المصرية فى الخارج من أفضل الأسلحة في مجاهدة الإحتلال، لأن المسألة المصرية كانت مجهولة للرأي العام الأوروبي، وكانت الرحلة الأولى لمصطفى كامل إلى أوروبا لعرض المسألة المصرية بتكليف من الخديو “عباس حلمي الثاني” عام 1895، ولم يترك مصطفى كامل أي حادثة يمكن أن يستغلها لإبراز نظام الإحتلال واستبداده أمام الرأي العام حتى يكسب التأييد الدولي لمصر ضد بريطانيا، ويدفعها إلى تنفيذ وعودها بالجلاء.

واستمرت رحلة كفاحه التى استغل فيها كافة مواهبه السياسية والخطابية، إلى جانب علاقاته العامة برجال الفكر والسياسة في مصر وخارجها فنشر الكثير من المقالات والكتب، وعقد الكثير من المؤتمرات الشعبية، كما عقد الكثير من اللقاءات والإجتماعات برجال السياسة في أوروبا كلما تمكن من السفر لعرض قضية الوطن.

دعوته إلى نشر التعليم القومى

اتجهت عزيمة مصطفى كامل منذ سنة 1899 إلى العمل على نشر التعليم القومي في أرجاء البلاد لكي تقوي الروح الوطنية في نفوس الجيل الجديد، فقام

على أثر دعوته هذه اثنين من الشبان الوطنيين بتأسيس مدرسة باسم مصطفى كامل في سنة 1899 في جهة باب الشعرية وتولاها بنفسه وقام بإدارتها وتحمل نفقاتها.

وقد دعى مصطفى كامل إلى إنشاء الجامعة المصرية، فقام بإرسال رسالة إلى الشيخ “علي يوسف” صاحب جريدة المؤيد يدعو فيها إلى فتح باب التبرع لمشروع الجامعة، وأعلن مبادرته إلى الاكتتاب بخمسمائة جنيه لمشروع إنشاء هذه الجامعة، وكان هذا المبلغ كبيرًا في تلك الأيام؛ فنشرت الجريدة رسالة الزعيم الكبير في عددها الصادر بتاريخ 11 شعبان 1324هـ الموافق 30 سبتمبر 1906م.

ونتيجة لذلك توالت خطابات التأييد للمشروع من جانب أعيان الدولة، وسارع بعض الكبراء وأهل الرأي بالاكتتاب والتبرع، ونشرت الجريدة قائمة بأسماء المتبرعين، غير أن عملية الاكتتاب لم تكن منظمة، فاقترحت المؤيد على مصطفى كامل أن ينظم المشروع، وتقوم لجنة لهذا الغرض تتولى أمره وتشرف عليه من المكتتبين في المشروع، فراقت الفكرة لدى مصطفى كامل، ودعا المكتتبين للاجتماع لبحث هذا الشأن، واختيار اللجنة الأساسية، وانتخاب رئيس لها من كبار المصريين من ذوي الكلمة المسموعة حتى يضمن للمشروع أسباب النجاح والاستقرار. أتمت لجنة الاكتتاب عملها ونجحت في إنشاء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) بعد وفاة مصطفى كامل.

تأسيسه جريدة اللواء

رأى مصطفى كامل أنه لا بد من جريدة يومية يتصل من خلالها بالرأي العام، ويغذي بها عقول القراء ونفوسهم، وتكون علمًا للحركة الوطنية التي بعثها واقتاد زمامها، واختار لهذه الجريدة اسم “اللواء”، فأصبحت اللواء هي الراية التي التفت حولها الوطنيون سنين عديدة طول حياته وبعد وفاته، وكان ظهور اللواء من أبرز أعمال مصطفى كامل وأكبرها اثرًا فى الشعب وفي الحركة الوطنية، حتى صار أكبر تعريف له بين معاصريه أنه صاحب اللواء، وعلت منزلة اللواء في نفوس الشعب، وصار محببًا إلى النفوس، وقد صدر العدد الأول منها يوم الثلاثاء الموافق 2 يناير 1900.

على أثر دعوته هذه اثنين من الشبان الوطنيين بتأسيس مدرسة باسم مصطفى كامل في سنة 1899 في جهة باب الشعرية وتولاها بنفسه وقام بإدارتها وتحمل نفقاتها.

وقد دعى مصطفى كامل إلى إنشاء الجامعة المصرية، فقام بإرسال رسالة إلى الشيخ “علي يوسف” صاحب جريدة المؤيد يدعو فيها إلى فتح باب التبرع لمشروع الجامعة، وأعلن مبادرته إلى الاكتتاب بخمسمائة جنيه لمشروع إنشاء هذه الجامعة، وكان هذا المبلغ كبيرًا في تلك الأيام؛ فنشرت الجريدة رسالة الزعيم الكبير في عددها الصادر بتاريخ 11 شعبان 1324هـ الموافق 30 سبتمبر 1906م.

ونتيجة لذلك توالت خطابات التأييد للمشروع من جانب أعيان الدولة، وسارع بعض الكبراء وأهل الرأي بالاكتتاب والتبرع، ونشرت الجريدة قائمة بأسماء المتبرعين، غير أن عملية الاكتتاب لم تكن منظمة، فاقترحت المؤيد على مصطفى كامل أن ينظم المشروع، وتقوم لجنة لهذا الغرض تتولى أمره وتشرف عليه من المكتتبين في المشروع، فراقت الفكرة لدى مصطفى كامل، ودعا المكتتبين للاجتماع لبحث هذا الشأن، واختيار اللجنة الأساسية، وانتخاب رئيس لها من كبار المصريين من ذوي الكلمة المسموعة حتى يضمن للمشروع أسباب النجاح والاستقرار. أتمت لجنة الاكتتاب عملها ونجحت في إنشاء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) بعد وفاة مصطفى كامل.

تأسيسه جريدة اللواء

رأى مصطفى كامل أنه لا بد من جريدة يومية يتصل من خلالها بالرأي العام، ويغذي بها عقول القراء ونفوسهم، وتكون علمًا للحركة الوطنية التي بعثها واقتاد زمامها، واختار لهذه الجريدة اسم “اللواء”، فأصبحت اللواء هي الراية التي التفت حولها الوطنيون سنين عديدة طول حياته وبعد وفاته، وكان ظهور اللواء من أبرز أعمال مصطفى كامل وأكبرها اثرًا فى الشعب وفي الحركة الوطنية، حتى صار أكبر تعريف له بين معاصريه أنه صاحب اللواء، وعلت منزلة اللواء في نفوس الشعب، وصار محببًا إلى النفوس، وقد صدر العدد الأول منها يوم الثلاثاء الموافق 2 يناير 1900.

مصطفى كامل وحادثة دنشواي

في أوائل صيف 1906، خرج خمسة ضباط إنجليز إلى قرية دنشواي بمحافظة المنوفية لصيد الحمام، وأطلق أحدهم عيارًا ناريًا أصاب امرأة كما أصاب جرن قمح فاشتعلت به النيران، ففر الضباط، وكان الحر شديد فأصيب أحدهم بضربة شمس ومات، فاستاء الإنجليز وأمرو بالقبض على عدد كبير من أهالي القرية وقدموهم لمحكمة استثنائية قضت بإعدام أربعة أشخاص وسجن آخرين وجلد البعض الآخر، واتخذ مصطفى كامل حادثة دنشواي وسيلة للتشهير والتنديد بفظائع الإحتلال واستبداد وظلم اللورد كرومر المعتمد البريطاني، حتى اضطره إلى الإستقاله من منصبه في مارس 1907، واستمر مصطفى كامل فى دفاعه عن منكوبي دنشواي حتى صدر العفو عن المسجونيين منهم في يناير 1908.

تأسيسه الحزب الوطني 1907

في يوم 22 أكتوبر 1907، أعلن مصطفى كامل في خطبته بالإسكندرية عن تأسيس الحزب الوطني، وقال إن أهداف الحزب الوطنى هي جلاء الإنجليز عن مصر، وبث الروح الوطنية فى الشعب، وعمل دستور يكفل الرقابة البرلمانية على الحكومة، وترقية الزراعة والصناعة والتجارة والعمل لاستقلال الأمة علميًا واقتصاديًا. وقد اتفق أعضاء الحزب الوطني على أن يكون مصطفى كامل رئيسًا للحزب مدى الحياة، لكنه توفي بعد تأسيس الحزب بأربعة شهور.

مؤلفاته

1- فتح الأندلس (مسرحية)                     2- حياة الأمم والرق عند الرومان

3- المسألة الشرقية                             4- دفاع مصري عن بلاده

5- الشمس المشرقة                            6- مصر والإحتلال والانجليزي.

من أقواله المشهورة

  • لا يأس مع الحياة ولا معنى للحياة مع اليأس.
    • أحرارًا في أوطاننا، كرماءً مع ضيوفنا.
    • الأمل هو دليل الحياة والطريق إلى الحرية.
    • إني أعتقد أن التعليم بلا تربية عديم الفائدة.
    • إن الأمة التي لا تأكل مما تزرع وتلبس مما لا تصنع أمة محكوم عليها بالتبعية والفناء.
    • إن من يتهاون في حق من حقوق دينه وأمته ولو مرة واحدة يعش أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان.

    وفاته

    توفي مصطفى كامل في 10 فبراير 1908، وهو لا يزال في الرابعة والثلاثين من عمره، وتسببت وفاته في حالة كبيرة من الحزن الشعبي، وحضر جنازته مئات الآلاف الذين اعتبروه بطلهم.

عبد الناصر والاخوان بقلم عبد الحليم قنديل

 




2011-08-07

 القدس العربي

قصة صدام عبدالناصرمع الإخوان طويلة، ولا يتسع المجال لرواية تفاصيلها، وإنما نقف عند أبرز ملامحها ومغازيها.

ويلزم أن نرفع عما جرى صفتين: أولهما: أن يكون صداما دينيا، ثانيهما: أن يكون صداما مدفوعا إليه أو تم لحساب جهات أجنبية، وأغلب كتابات الإخوان تدور حول التفسيرين، ووصل الحال بكاتبة إخوانية هي السيدة زينب الغزالي أن تقول في مذكراتها: ‘إن المخابرات الأمريكية والمخابرات الروسية والصهيونية العالمية قدمت تقارير مشفوعة بتعليمات لعبد الناصر بالقضاء على الحركة الإسلامية’.

وتفسير تآمري كهذا لايصمد لنقاش، بل من العبث أن يناقشه أحد، إنه يجور على بديهية إستقلالية عبد الناصر وعدائه الصارم للغرب بكافة تلاوينه وأطيافه، كذلك لايجوز التفسير الديني، لأنه ليس للإخوان، ولا لغيرهم حق إدعاء سلطة دينية ليست في الإسلام، ثم إن عبد الناصر لم يكن غريبا عن الإسلام، بل كان وارثا ومجددا لصيغة التوفيق الفعال بين الإسلام والعقل الثوري المنفتح على العصر.

لم يبق غير التفسير الواقعي جدا، وهو أن ما جرى كان صداما بين تنظيمين وصيغتين، وأن ما حدث من تجاوزات مدان من الجميع، وأولهم الناصريون، لكنه لايصح أن يعمينا عن رؤية ماهو جوهري في القصة كلها.

كان الإخوان يمثلون موروثا يتحدى الوافد ويصارعه، كانوا حالة دفاع عن ثقافة وحضارة مهددة، كانوا يعرفون مالا يريدون، أما ما يريدونه فلم يكن معلوما بالدقة ولا بالإجمال المفيد، بينما عبد الناصر كان يعرف طريقه، لاأعني أنه كانت لديه إيديولوجيات متكاملة منذ البداية، بل كان في الواقع دليله ووراءه ميراث التوفيق الفعال في التاريخ المصري الحديث والمعاصر بالذات. ودعونا نعيد تأمل ما جرى:

نشأت بداية حركة الضباط الأحرار ـ كما هو معروف ـ سنة 1938، وقتها كان عبد الناصر يعمل في منقباد، ويقول لزملائه من الضباط الوطنيين: ‘إن الإنجليز أصل بلائنا كله’ والتاريخ له مغزاه، ففي العام نفسه تحولت حركة الإخوان إلى العمل السياسي، وأعلنت حركة مصر الفتاة عن تحولها إلى حزب، ثم كانت معاهدة 1936 تؤتي أكلها، فقد تفسخت المؤسسة السياسية القديمة بكل أحزابها، وقنع زعماؤها بدور الشريك الأصغر لقصر الملك ودور المندوب السامي، وقررت سلطات الإحتلال فتح أبواب الكلية الحربية لفئات كانت محرومة، وكان الهدف تقوية االجيش المصري لتوريطه في الصدام مع جيوش النازي الزاحفة من شمال إفريقيا، ويذكر اليوناني ‘فاتيكيوتيس’ في كتابه (الجيش المصري في السياسة): ‘أن الأحد عشر ضابطا الذين ضمتهم الهيئة التأسيسية لجماعة الضباط الأحرار في أواخر 1949 دخل منهم الكلية الحربية سنة 1936 ثمانية والباقون دخلوا بعدها، وأن خمسة منهم ولدوا سنة 1918 واثنين 1917 والباقون أقل سنا، وكانت غالبيتهم من أصول شعبية، كما أن صلتهم بالريف لاتبعد عن جيل الآباء أو الأجداد’.

وكانت حركة الضباط الأحرار نوعا من الاستطراد في ظروف جديدة لتقليد راسخ في حركة الوطنية المصرية، فقد نشأ الجيش الحديث مع تجربة محمد على الاستقلالية، وتحرك الجيش المصري وراء عرابي، وفي ثورة 1919 تحركت جمعيات سرية مساندة في أوساط الجيش كما يقول اللواء محمد نجيب في مذكراته، وبعد الحرب العالمية الثانية نما النشاط الوطني في صفوف الجيش المصري باطراد، فقد التفت مجموعة من الضباط الشبان (بينهم عبد اللطيف بغدادي ـ حسن إبراهيم ـ عبد المنعم عبد الرءوف) حول عزيز المصري، وكان عزيز المصري معروفا بشدة عدائه للإنجليز وتعاونه مع حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وكان جمال عبد الناصر يعتبر عزيز المصري بمثابة الأب الروحي، وإن لم ينضم لجماعته، واقترب عبد الناصر من تنظيم سري آخر في الجيش تابع لجماعة الإخوان المسلمين، ثم انشق عن التنظيم الإخواني سنة 1947، بعد مناهضة الإخوان لإنتفاضة العمال والطلبة سنة 1946، وخرج معه آخرون بينهم كمال الدين حسين وخالد محيى الدين، وإلى جوار هذين التنظيمين كان هناك تنظيم عسكري ثالث لحركة ‘حدتو’ الماركسية تشكل سنة 1945، ثم انشق عنه أغلب أعضائه بعد التزام حدتو (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) بموقف الاتحاد السوفيتي المؤيد لإنشاء إسرائيل وتقسيم فلسطين، وإلى جوار تلك التنظيمات الشخصية والأيديولوجية الثلاثة، كان هناك عدد هائل من الضباط وصف الضباط الوطنيين استفزهم حادث 4 شباط/فبراير 1942، وهو الحادث الذي أجبر خلاله الملك فاروق على تعيين وزارة وفدية بأمر مباشر من المندوب السامي البريطاني السير ‘مايلز لامبسون’ وتحت تهديد الدبابات التي تطوق القصر الملكي.

وكان عبد الناصر يتأمل ماجرى في الجيش، ثم يتلمس مراكز التأثير خارجه، وقد احتك بالوفد حينا وانضم إلى مصر الفتاة حينا آخر، واقترب من الإخوان والماركسيين والحزب الوطني وجهازه السري بقيادة عبد العزيز علي، ثم كان اشتراكه كقائد فيلق في حرب 1948 نقطة النهاية في رسوخ اليقين لديه بضرورة التغيير وأداته الممكنة، وأدرك عبد الناصر وهو محاصر في منطقة الفالوجا الفلسطينية: ‘أن المشكلة ليست في الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، بل في ترك العواصم للذئاب ترعاها’، وعاد إلى القاهرة ليجمع كل معارفه من الضباط الوطنييين من كل الاتجاهات في تنظيم واحد أطلق عليه إسم ‘الضباط الأحرار’، وتم اجتماعه القيادي الأول في تشرين الاول/أكتوبر 1949، وهنا تجلت موهبة عبد الناصر في التنظيم المحكم الذي تنتهى كل خيوطه إليه شخصيا، كما نجح في جعل التنظيم مرآة عاكسة لكل تيارات الأجيال الجديدة ‘فقد تفرعت عن قيادة الضباط الأحرار إدارة اسمها ‘إدارة الاتصال بالكتل الشعبية’ إلى جوار أربع إدارات أخرى للتجنيد والتمويل والإرهاب والأمن ‘ وفي سنة 1950 وضع عبد الناصر للتنظيم الجبهوي برنامجا من ست نقاط: القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، إقامة عدالة إجتماعية، إقامة جيش وطني قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وقد يسأل سائل: وأين الإسلام ؟ سؤال طرحه حسن الهضيبي مرشد الإخوان على عبد الناصر في أيام الثورة الأولى، ورد عليه عبد الناصر: ‘إن التحرر من الإستعمار والاستغلال بداية العمل للإسلام’ ويقول د. حسن حنفي ـ وكان وقتها عضوا بحركة الإخوان ـ: ‘إذا كان القرآن هو الدستور، فإن ذلك يعني خلع الملك والقضاء على الفساد والظلم الاجتماعي وتحقيق الجلاء، وهو ما حققته الثورة’ ويضيف د. حنفي: ‘لم يتجاوز الإخوان حدود الشعارات الدينية ولم يملأوها بمضمون سياسي، في حين حققت الثورة المضمون دون الشعار’.

كانت تلك صيغة البداية، وفيها يتضح تأثر عبد الناصر بحاجات الواقع وبصيغة ‘التوفيق الفعال’، وقد يصح هنا أن نضيف لمحة عن خريطة القراءات التي أسهمت في تشكيل وعي عبد الناصر قبل الثورة، وقد نشر السويسري ‘جورج فوشيه’ قائمة إصدارات بالعربية والإنجليزية استعارها عبد الناصر من مكتبة مدرسته الثانوية ثم من مكتبة الكلية الحربية التي تعلم بها وعمل بها بعد تخرجه، وتبرز في قائمة فوشيه مؤلفات رموز ‘التوفيق الفعال’ الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان وسيرة مصطفى كامل ومؤلفات عبد الرحمن الرافعي عن تاريخ الثورة المصرية وديوان على الغاياتي ‘وطنيتي’، وتبرز أيضا قراءاته في التاريخ والاقتصاد السياسي والاستراتيجية العسكرية بعدها تجئ قراءاته في سيرة بسمارك والثورة الفرنسية، ومجلد ضخم إسمه ‘معجزة اليابان’ كتجربة بلد حقق تنمية هائلة بعيدا عن سيطرة الغرب.

‘ كاتب مصري


الأحد، 5 يوليو 2026

ساطع الحصري.. مهندس الفكر القومي العربي الحديث ​بقلم: الناصر خشيني



سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي

​مقدمة

​شهد القرن العشرين تحولات جيوسياسية وفكرية كبرى أعادت رسم خارطة الشرق الأوسط بعد سقوط الخلافة العثمانية. وفي خضم البحث عن هوية جامعة تجمع الشتات وتواجه المد الاستعماري الغربي، برز اسم أبو خلدون "ساطع الحصري" ليس كمنادٍ بالوحدة فحسب، بل كمنظّر وعالم اجتماع صاغ الأركان الفلسفية والتربوية للقومية العربية، محولاً إياها من عاطفة وجدانية إلى أيديولوجيا سياسية ومشروع تعليمي عابر للحدود الإقليمية.

​أولاً: النشأة والتعليم (بين الهوية العثمانية والوجدان العربي)

​تعتبر السيرة المبكرة للحصري نموذجاً فريداً للمفارقات التاريخية التي تصنع كبار المفكرين:

​الميلاد والبيئة الأولى: وُلد ساطع الحصري في أغسطس 1879 في مدينة صنعاء باليمن، حيث كان والده (المنحدر من أسرة حلبية عريقة) يعمل قاضياً معيناً من قِبل الدولة العثمانية. هذا التنقل المبكر منحه أفقاً جغرافياً واسعاً منذ صغره.

​التعليم في الحاضرة العثمانية: انتقل إلى إسطنبول وتلقى تعليمه في أرقى معاهدها، متخرجاً من "المدرسة الملكية الشاهانية" عام 1900، وهي مدرسة مخصصة لإعداد كبار رجال الإدارة والسياسة في الدولة. ركزت دراسته هناك على العلوم الطبيعية، والاجتماع، والتاريخ الأدبي والسياسي.

​المفارقة اللغوية: نشأ الحصري وتعلّم وتخرّج وهو لا يجيد اللغة العربية إجادة تامة؛ فكانت اللغة التركية العثمانية هي لغة تفكيره، وكتابته، وعمله الإداري كحاكم محلي وتربوي في البلقان لسنوات طويلة. إلا أن نقطة التحول الكبرى حدثت عقب سيادة النزعة الطورانية (القومية التركية المتطرفة) داخل حزب الاتحاد والترقي، مما دفعه، كغيره من المثقفين العرب، إلى إعادة اكتشاف هويته والانحياز التام لأرومته العربية، مكرساً بقية حياته لتعلم لغة الضاد والذود عنها.

​ثانياً: الفلسفة والنظرية القومية عند الحصري

​بنى الحصري فلسفته القومية استناداً إلى المنهج العلمي والمدارس الفكرية الأوروبية، متأثراً بشكل خاص بالنظرية الألمانية (فيشته وهيردر) التي تُعلي من شأن الروابط العضوية والروحية للأمة، ومخالفاً للمدرسة الفرنسية القائمة على العقد الاجتماعي والسياسي.

​وتتلخص نظريته في عدة أركان ثابتة:

​ثنائية (اللغة والتاريخ): اعتبر الحصري أن الأمة تتشكل وتستمر بوجود عنصرين أساسيين لا غنى عنهما:

​اللغة: هي روح الأمة، وأداة التفكير، والوجدان المشترك. وقد صاغ قاعدته الشهيرة: "كل من يتكلم العربية هو عربي، يجب عليه أن يشعر بذلك، ويجب علينا أن نعتبره كذلك".

​التاريخ: هو شعور الأمة بذاتها، وذاكرتها المشتركة التي توحد آمالها وآلامها عبر العصور.

​علمانية القومية: تميز فكر الحصري بأنه لم يربط القومية بالدين. فالإسلام عنده يمثل إطاراً ثقافياً وحضارياً عظيماً حمى اللغة العربية وساهم في نشرها، لكن الهوية القومية جامعة تشمل المسلم والمسيحي على حد سواء دون تفرقة.

​محاربة النزعات الإقليمية: وقف الحصري حجر عثرة أمام الحركات الانعزالية التي بدأت تظهر بعد الاستقلال؛ فهاجم بشدة "الفِرعونية" في مصر، و"الفينيقية" في لبنان، و"الآشورية" في العراق، معتبراً هذه النزعات مجرد أوهام تاريخية تصب في مصلحة الاستعمار وتفتت الكيان العربي الواحد.

​ثالثاً: الإنجازات التنفيذية والمشاريع التربوية

​لم يكن الحصري مجرد فيلسوف يقبع وراء الكتب، بل امتاز بقدرة إدارية وتنفيذية فذة تجلت في عدة محطات رئيسية:

​(1919 - 1920) معارف الدولة العربية (سوريا): بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط العثمانيين، التحق بالملك فيصل الأول في دمشق وعُين وزيراً للمعارف في الحكومة العربية القصيرة العمر. وضع هناك اللبنات الأولى لتعريب المناهج والإدارة.

​(1921 - 1941) الهندسة التربوية والتعليم (العراق): انتقل مع الملك فيصل إلى بغداد لتأسيس المملكة العراقية، وتولى منصب "مدير المعارف العام". في هذه المحطة الذهبية، وضع الحصري مناهج تعليمية قومية صارمة ركزت على التاريخ العربي المشترك والجغرافيا الموحدة، واستقطب المعلمين من كافة أرجاء الوطن العربي، لينشأ جيل عراقي كامل متشرب بالفكرة الوحدوية.

​(فترة الثلاثينيات) التعليم العالي وعمادة الحقوق: أدار كلية الحقوق في بغداد وحولها إلى مركز إشعاع فكري وقانوني رفد الدولة العراقية والعربية بكفاءات وقيادات سياسية بارزة.

​(1947 - 1957) العمل الثقافي في جامعة الدول العربية (مصر): بعد خروجه من العراق إثر أحداث عام 1941، استقر لاحقاً في القاهرة مستشاراً ثقافياً لجامعة الدول العربية، وتولى إدارة "معهد الدراسات العربية العالية"، مواصلاً نشر مؤلفاته وتوحيد الجهود الثقافية العربية.

​رابعاً: الأثر في حركة التاريخ والأمة والنقد الأكاديمي

​يمتد أثر ساطع الحصري إلى الأجيال التي قادت حركات التحرر الوطني والمد القومي في الخمسينيات والستينيات؛ فمناهجه التربوية في العراق أنتجت النواة الأولى للضباط والمفكرين الذين قادوا التحولات السياسية اللاحقة. كما أن أدبياته شكلت المرجعية الأساسية لحزب البعث العربي الاشتراكي وللتيارات الناصرية والوحدوية.

​النقد الأكاديمي الموجه لأطروحته:

​بمنظور التحليل الأكاديمي الموضوعي، واجه فكر الحصري عدة انتقادات من مؤرخين وعلماء اجتماع:

​إغفال الحرية والديمقراطية: ركز الحصري بشكل مطلق على "الدولة والوحدة" مضحياً أحياناً بـ "الفرد وحريته السياسية"، حيث كان يرى أن مصلحة المجموع تلغي التعددية الحزبية إن كانت تسبب الفرقة.

​الحتمية اللغوية الصارمة: انتُقدت نظريته لكونها صارمة جداً وصهرت التنوع العرقي والثقافي الموجود في العالم العربي (كالأكراد، والأمازيغ) في قالب واحد دون مراعاة كافية لخصوصياتهم الثقافية المحلية.

​خاتمة المقال

​رحل ساطع الحصري في بغداد عام 1968، تاركاً خلفه مكتبة ضخمة من المؤلفات وصرحاً فكرياً لا يمكن تجاوزه عند دراسة الفكر العربي المعاصر. لقد أثبت الحصري أن الأمة لا تحيا فقط بالحدود السياسية، بل بالذاكرة المشتركة واللسان الموحد، ليظل بحق "الأب الروحي وعرّاب القومية العربية".

​مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:

​الحصري، ساطع. آراء وأحاديث في القومية العربية، دار العلم للملايين، بيروت.

​الحصري، ساطع. مذكراتي في العراق (بجزأيه)، دار الطليعة، بيروت.

​الحصري، ساطع. أبحاث مختارة في القومية العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

​كوثراني، وجيه. ساطع الحصري: من الوعي العثماني إلى الفكر القومي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.

​هلال، علي الدين. الفكر السياسي العربي المعاصر: دراسة نقادية، دار الشروق، القاهرة.

​Cleveland, William L. The Making of an Arab Nationalist: Sati' al-Husri, Princeton University Press.

الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي ​بقلم: الناصر خشيني

سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي ​مقدمة ​إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني ال...