قائمة المدونات الإلكترونية
الثلاثاء، 7 يوليو 2026
الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي بقلم: الناصر خشيني
الاثنين، 6 يوليو 2026
سلسلة اعلام الامة : جمال الدين الأفغاني.. موقظ الشرق وعرّاب الجامعة الإسلامية بقلم الناصر خشيني
سلسلة اعلام الامة العربية مصطفى كامل
مولده ونشأته
ولد مصطفى كامل بحي “الصليبة” قسم الخليفة المأمون بمدينة القاهرة يوم 14 أغسطس 1874، وكان والده “علي أفندي محمد” ضابطًا بالجيش المصري، كما كان مهندسًا؛ إذ كان فى أواخر عهده بالحكومة مهندسًا ملكيًا، وكان معروفًا بالاستقامة والشهامة، وكان له من غير شك فضلًا كبيرًا في تكوين شخصية ابنه مصطفى كامل، إذ كان يعنى بتربية أولاده ونشأتهم النشأة الصالحة.
لمس والد مصطفى كامل في ابنه من الذكاء وقوة البديهة ما جعله يبذل الكثير من الإهتمام به، فما أن أتم مصطفى كامل السادسة من عمره حتى أدخله والده مدرسة “والدة عباس الأول الإبتدائية”، وفي هذا السن المبكر بدت عليه علامات الشمم والإباء والشجاعة، لكنه انتقل من هذه المدرسة إلى مدرسة إبتدائية أخرى لما لحقه على يد أحد الأساتذة من إهانة أمام زملائه، فكانت المدرسة الثانية هي “مدرسة السيدة زينب الإبتدائية” التي أتم فيها مصطفى كامل دراسته بتفوق، وأبدى تميزًا في الحساب والتاريخ، وحصل على شهادة الإبتدائية سنة 1877.
التحق بعد ذلك بالمدرسة التجهيزية “الخديوية” سنة 1877، أي فى نفس العام، وفيها ظهرت مواهبه من الشجاعة والجرأة والذكاء وقوة الذاكرة واستقلال الفكر وعلوّ النفس، وحسن الإلقاء، فنال إحترام أساتذته وزملاؤه جميعًا، وقد عرفه في ذلك الحين “علي باشا مبارك”، الذي كان وزيرًا للمعارف العمومية، فأعجب بفصاحته وشجاعته، وقال له ذات مرة: “إنك امرؤ القيس” وبشره بأنه سيكون شخصية عظيمة. وقد قابله مصطفى كامل يومًا في سرايا الوزارة وشكى إليه من نظام الإمتحان الذي أدى إلى رسوبه ورسوب زملائه، فأعجب بجراءته واقتنع بحجته، فعدل من هذا النظام مما أدى إلى نجاح مصطفى وكثير من زملائه، وقد قربه على مبارك إليه وكان يدعوه إلى منزله ويناقشه، ويقدمه إلى جلسائه من العلماء والكبراء.
وفي سنة 1891 حصل مصطفى كامل على شهادة البكالوريا “الثانوية”، والتحق بمدرسة الحقوق الخديوية، ولكنه انتقل منها بعد نجاحه في العام الأول إلى مدرسة الحقوق الفرنسية، حتى حصل أخيرًا على شهادة الحقوق من كلية الحقوق “جامعة تولوز” في نوفمبر 1894.
بداية نشاطه الوطني
بدأ الإتجاه والشعور الوطني لمصطفى كامل يظهر عندما كان طالبًا في المدرسة الثانوية؛ فقد بدأ وهو في سن السادسة عشر من عمره تأسيس جمعية وطنية أدبية أطلق عليها اسم “جمعية الصليبة الأدبية”، واختار أعضاءها من أصدقائه التلاميذ ممن توسم فيهم الفضل والذكاء والكفاية.
وكان مصطفى كامل في نفس الوقت ممن يرتادون جمعية الإعتدال التى أنشأها “أحمد لطفي السيد”، وبفضل هذه الجمعية تعرف مصطفى كامل على أحمد لطفى السيد ولفيف كبير من أعاظم الأدباء ورجال الفكر والسياسة في مصر، وراح يدعوهم جميعًا إلى جمعيته حتى أتمت الجمعية نموًا عظيمًا في وقت قليل.
لذلك يمكننا أن نحدد بداية نشأة مصطفى كامل الوطنية سنة 1890، وهى أصح السنين لتأريخ ظهور تلك العبقرية الوطنية.
وبعد أن التحق مصطفى كامل بمدرسة الحقوق بدأ يكتب في جريدتي “الأهرام” و”المؤيد”، وذلك في سنة 1892، وفي 1893 أنشأ مجلة سماها “المدرسة” وقد صدر العدد الأول منها في 18 فبراير 1893، وكانت مجلة أدبية وطنية تهذيبية تصدر في أول كل شهر عربي، وجعل شعارها المطبوع في بداية كل عدد “حبك مدرستك حبك أهلك ووطنك” وكان هو مديرها ومحررها.
وقد استكتب لهذه المجلة بعض مشاهير الكتاب مثل “عبد الله النديم” خطيب الثورة العربية، الذى عاد إلى مصر من منفاه سنة 1892، حيث اتصل به مصطفى كامل وتوثقت صلته به، وكثرت اللقاءات بينهما، وعرف منه الكثير عن خبث الإنجليز ودسائس السياسة البريطانية، وأخطاء الثورة العرابية.
وفي يونيو 1893 سافر مصطفى كامل إلى فرنسا لاستكمال دراسته في كلية الحقوق الفرنسية، فكانت زيارته زيادة لمعرفته، والتقى بالعديد من الشخصيات
الفرنسية وغير الفرنسية، ولسوف تزداد علاقته بفرنسا مستقبلاً، وتساعده فى مجالات كفاحة الوطني ضد الإحتلال البريطاني لمصر. وقد بذل جهدًا مضاعفًا في اختصار فترة دراسته في سنة واحدة، بدلاً من سنتين، وحصل في نوفمبر 1894 على شهادة الحقوق من جامعة تولوز، وكان عمره عشرون عامًا.
وقد ألف في تلك الفترة مسرحية “فتح الأندلس”، التي تعتبر أول مسرحية مصرية، وبعد عودته إلى مصر سطع نجمه في سماء الصحافة، واستطاع أن يتعرف على بعض رجال وسيدات الثقافة والفكر في فرنسا، ومن أبرزهم الأديبة الكبيرة مدام “جولييت آدم”، وازدادت شهرته مع هجوم الصحافة البريطانية عليه.
كفاحه من أجل الوطن منذ 1894
عندما عاد مصطفى كامل إلى مصر في ديسمبر 1894 عزم على أن يهب حياته كلها للجهاد فى سبيل الوطن، وهذه كانت نيته التى عقد عليها عزمه منذ حصوله على شهادة الحقوق. وقد رأى أن الدعاية للقضية المصرية فى الخارج من أفضل الأسلحة في مجاهدة الإحتلال، لأن المسألة المصرية كانت مجهولة للرأي العام الأوروبي، وكانت الرحلة الأولى لمصطفى كامل إلى أوروبا لعرض المسألة المصرية بتكليف من الخديو “عباس حلمي الثاني” عام 1895، ولم يترك مصطفى كامل أي حادثة يمكن أن يستغلها لإبراز نظام الإحتلال واستبداده أمام الرأي العام حتى يكسب التأييد الدولي لمصر ضد بريطانيا، ويدفعها إلى تنفيذ وعودها بالجلاء.
واستمرت رحلة كفاحه التى استغل فيها كافة مواهبه السياسية والخطابية، إلى جانب علاقاته العامة برجال الفكر والسياسة في مصر وخارجها فنشر الكثير من المقالات والكتب، وعقد الكثير من المؤتمرات الشعبية، كما عقد الكثير من اللقاءات والإجتماعات برجال السياسة في أوروبا كلما تمكن من السفر لعرض قضية الوطن.
دعوته إلى نشر التعليم القومى
اتجهت عزيمة مصطفى كامل منذ سنة 1899 إلى العمل على نشر التعليم القومي في أرجاء البلاد لكي تقوي الروح الوطنية في نفوس الجيل الجديد، فقام
على أثر دعوته هذه اثنين من الشبان الوطنيين بتأسيس مدرسة باسم مصطفى كامل في سنة 1899 في جهة باب الشعرية وتولاها بنفسه وقام بإدارتها وتحمل نفقاتها.
وقد دعى مصطفى كامل إلى إنشاء الجامعة المصرية، فقام بإرسال رسالة إلى الشيخ “علي يوسف” صاحب جريدة المؤيد يدعو فيها إلى فتح باب التبرع لمشروع الجامعة، وأعلن مبادرته إلى الاكتتاب بخمسمائة جنيه لمشروع إنشاء هذه الجامعة، وكان هذا المبلغ كبيرًا في تلك الأيام؛ فنشرت الجريدة رسالة الزعيم الكبير في عددها الصادر بتاريخ 11 شعبان 1324هـ الموافق 30 سبتمبر 1906م.
ونتيجة لذلك توالت خطابات التأييد للمشروع من جانب أعيان الدولة، وسارع بعض الكبراء وأهل الرأي بالاكتتاب والتبرع، ونشرت الجريدة قائمة بأسماء المتبرعين، غير أن عملية الاكتتاب لم تكن منظمة، فاقترحت المؤيد على مصطفى كامل أن ينظم المشروع، وتقوم لجنة لهذا الغرض تتولى أمره وتشرف عليه من المكتتبين في المشروع، فراقت الفكرة لدى مصطفى كامل، ودعا المكتتبين للاجتماع لبحث هذا الشأن، واختيار اللجنة الأساسية، وانتخاب رئيس لها من كبار المصريين من ذوي الكلمة المسموعة حتى يضمن للمشروع أسباب النجاح والاستقرار. أتمت لجنة الاكتتاب عملها ونجحت في إنشاء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) بعد وفاة مصطفى كامل.
تأسيسه جريدة اللواء
رأى مصطفى كامل أنه لا بد من جريدة يومية يتصل من خلالها بالرأي العام، ويغذي بها عقول القراء ونفوسهم، وتكون علمًا للحركة الوطنية التي بعثها واقتاد زمامها، واختار لهذه الجريدة اسم “اللواء”، فأصبحت اللواء هي الراية التي التفت حولها الوطنيون سنين عديدة طول حياته وبعد وفاته، وكان ظهور اللواء من أبرز أعمال مصطفى كامل وأكبرها اثرًا فى الشعب وفي الحركة الوطنية، حتى صار أكبر تعريف له بين معاصريه أنه صاحب اللواء، وعلت منزلة اللواء في نفوس الشعب، وصار محببًا إلى النفوس، وقد صدر العدد الأول منها يوم الثلاثاء الموافق 2 يناير 1900.
على أثر دعوته هذه اثنين من الشبان الوطنيين بتأسيس مدرسة باسم مصطفى كامل في سنة 1899 في جهة باب الشعرية وتولاها بنفسه وقام بإدارتها وتحمل نفقاتها.
وقد دعى مصطفى كامل إلى إنشاء الجامعة المصرية، فقام بإرسال رسالة إلى الشيخ “علي يوسف” صاحب جريدة المؤيد يدعو فيها إلى فتح باب التبرع لمشروع الجامعة، وأعلن مبادرته إلى الاكتتاب بخمسمائة جنيه لمشروع إنشاء هذه الجامعة، وكان هذا المبلغ كبيرًا في تلك الأيام؛ فنشرت الجريدة رسالة الزعيم الكبير في عددها الصادر بتاريخ 11 شعبان 1324هـ الموافق 30 سبتمبر 1906م.
ونتيجة لذلك توالت خطابات التأييد للمشروع من جانب أعيان الدولة، وسارع بعض الكبراء وأهل الرأي بالاكتتاب والتبرع، ونشرت الجريدة قائمة بأسماء المتبرعين، غير أن عملية الاكتتاب لم تكن منظمة، فاقترحت المؤيد على مصطفى كامل أن ينظم المشروع، وتقوم لجنة لهذا الغرض تتولى أمره وتشرف عليه من المكتتبين في المشروع، فراقت الفكرة لدى مصطفى كامل، ودعا المكتتبين للاجتماع لبحث هذا الشأن، واختيار اللجنة الأساسية، وانتخاب رئيس لها من كبار المصريين من ذوي الكلمة المسموعة حتى يضمن للمشروع أسباب النجاح والاستقرار. أتمت لجنة الاكتتاب عملها ونجحت في إنشاء الجامعة المصرية (جامعة القاهرة الآن) بعد وفاة مصطفى كامل.
تأسيسه جريدة اللواء
رأى مصطفى كامل أنه لا بد من جريدة يومية يتصل من خلالها بالرأي العام، ويغذي بها عقول القراء ونفوسهم، وتكون علمًا للحركة الوطنية التي بعثها واقتاد زمامها، واختار لهذه الجريدة اسم “اللواء”، فأصبحت اللواء هي الراية التي التفت حولها الوطنيون سنين عديدة طول حياته وبعد وفاته، وكان ظهور اللواء من أبرز أعمال مصطفى كامل وأكبرها اثرًا فى الشعب وفي الحركة الوطنية، حتى صار أكبر تعريف له بين معاصريه أنه صاحب اللواء، وعلت منزلة اللواء في نفوس الشعب، وصار محببًا إلى النفوس، وقد صدر العدد الأول منها يوم الثلاثاء الموافق 2 يناير 1900.
مصطفى كامل وحادثة دنشواي
في أوائل صيف 1906، خرج خمسة ضباط إنجليز إلى قرية دنشواي بمحافظة المنوفية لصيد الحمام، وأطلق أحدهم عيارًا ناريًا أصاب امرأة كما أصاب جرن قمح فاشتعلت به النيران، ففر الضباط، وكان الحر شديد فأصيب أحدهم بضربة شمس ومات، فاستاء الإنجليز وأمرو بالقبض على عدد كبير من أهالي القرية وقدموهم لمحكمة استثنائية قضت بإعدام أربعة أشخاص وسجن آخرين وجلد البعض الآخر، واتخذ مصطفى كامل حادثة دنشواي وسيلة للتشهير والتنديد بفظائع الإحتلال واستبداد وظلم اللورد كرومر المعتمد البريطاني، حتى اضطره إلى الإستقاله من منصبه في مارس 1907، واستمر مصطفى كامل فى دفاعه عن منكوبي دنشواي حتى صدر العفو عن المسجونيين منهم في يناير 1908.
تأسيسه الحزب الوطني 1907
في يوم 22 أكتوبر 1907، أعلن مصطفى كامل في خطبته بالإسكندرية عن تأسيس الحزب الوطني، وقال إن أهداف الحزب الوطنى هي جلاء الإنجليز عن مصر، وبث الروح الوطنية فى الشعب، وعمل دستور يكفل الرقابة البرلمانية على الحكومة، وترقية الزراعة والصناعة والتجارة والعمل لاستقلال الأمة علميًا واقتصاديًا. وقد اتفق أعضاء الحزب الوطني على أن يكون مصطفى كامل رئيسًا للحزب مدى الحياة، لكنه توفي بعد تأسيس الحزب بأربعة شهور.
مؤلفاته
1- فتح الأندلس (مسرحية) 2- حياة الأمم والرق عند الرومان
3- المسألة الشرقية
5- الشمس المشرقة
من أقواله المشهورة
- لا يأس مع الحياة ولا معنى للحياة مع اليأس.
- أحرارًا في أوطاننا، كرماءً مع ضيوفنا.
- الأمل هو دليل الحياة والطريق إلى الحرية.
- إني أعتقد أن التعليم بلا تربية عديم الفائدة.
- إن الأمة التي لا تأكل مما تزرع وتلبس مما لا تصنع أمة محكوم عليها بالتبعية والفناء.
- إن من يتهاون في حق من حقوق دينه وأمته ولو مرة واحدة يعش أبد الدهر مزعزع العقيدة سقيم الوجدان.
وفاته
توفي مصطفى كامل في 10 فبراير 1908، وهو لا يزال في الرابعة والثلاثين من عمره، وتسببت وفاته في حالة كبيرة من الحزن الشعبي، وحضر جنازته مئات الآلاف الذين اعتبروه بطلهم.
الأحد، 5 يوليو 2026
ساطع الحصري.. مهندس الفكر القومي العربي الحديث بقلم: الناصر خشيني
سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي
مقدمة
شهد القرن العشرين تحولات جيوسياسية وفكرية كبرى أعادت رسم خارطة الشرق الأوسط بعد سقوط الخلافة العثمانية. وفي خضم البحث عن هوية جامعة تجمع الشتات وتواجه المد الاستعماري الغربي، برز اسم أبو خلدون "ساطع الحصري" ليس كمنادٍ بالوحدة فحسب، بل كمنظّر وعالم اجتماع صاغ الأركان الفلسفية والتربوية للقومية العربية، محولاً إياها من عاطفة وجدانية إلى أيديولوجيا سياسية ومشروع تعليمي عابر للحدود الإقليمية.
أولاً: النشأة والتعليم (بين الهوية العثمانية والوجدان العربي)
تعتبر السيرة المبكرة للحصري نموذجاً فريداً للمفارقات التاريخية التي تصنع كبار المفكرين:
الميلاد والبيئة الأولى: وُلد ساطع الحصري في أغسطس 1879 في مدينة صنعاء باليمن، حيث كان والده (المنحدر من أسرة حلبية عريقة) يعمل قاضياً معيناً من قِبل الدولة العثمانية. هذا التنقل المبكر منحه أفقاً جغرافياً واسعاً منذ صغره.
التعليم في الحاضرة العثمانية: انتقل إلى إسطنبول وتلقى تعليمه في أرقى معاهدها، متخرجاً من "المدرسة الملكية الشاهانية" عام 1900، وهي مدرسة مخصصة لإعداد كبار رجال الإدارة والسياسة في الدولة. ركزت دراسته هناك على العلوم الطبيعية، والاجتماع، والتاريخ الأدبي والسياسي.
المفارقة اللغوية: نشأ الحصري وتعلّم وتخرّج وهو لا يجيد اللغة العربية إجادة تامة؛ فكانت اللغة التركية العثمانية هي لغة تفكيره، وكتابته، وعمله الإداري كحاكم محلي وتربوي في البلقان لسنوات طويلة. إلا أن نقطة التحول الكبرى حدثت عقب سيادة النزعة الطورانية (القومية التركية المتطرفة) داخل حزب الاتحاد والترقي، مما دفعه، كغيره من المثقفين العرب، إلى إعادة اكتشاف هويته والانحياز التام لأرومته العربية، مكرساً بقية حياته لتعلم لغة الضاد والذود عنها.
ثانياً: الفلسفة والنظرية القومية عند الحصري
بنى الحصري فلسفته القومية استناداً إلى المنهج العلمي والمدارس الفكرية الأوروبية، متأثراً بشكل خاص بالنظرية الألمانية (فيشته وهيردر) التي تُعلي من شأن الروابط العضوية والروحية للأمة، ومخالفاً للمدرسة الفرنسية القائمة على العقد الاجتماعي والسياسي.
وتتلخص نظريته في عدة أركان ثابتة:
ثنائية (اللغة والتاريخ): اعتبر الحصري أن الأمة تتشكل وتستمر بوجود عنصرين أساسيين لا غنى عنهما:
اللغة: هي روح الأمة، وأداة التفكير، والوجدان المشترك. وقد صاغ قاعدته الشهيرة: "كل من يتكلم العربية هو عربي، يجب عليه أن يشعر بذلك، ويجب علينا أن نعتبره كذلك".
التاريخ: هو شعور الأمة بذاتها، وذاكرتها المشتركة التي توحد آمالها وآلامها عبر العصور.
علمانية القومية: تميز فكر الحصري بأنه لم يربط القومية بالدين. فالإسلام عنده يمثل إطاراً ثقافياً وحضارياً عظيماً حمى اللغة العربية وساهم في نشرها، لكن الهوية القومية جامعة تشمل المسلم والمسيحي على حد سواء دون تفرقة.
محاربة النزعات الإقليمية: وقف الحصري حجر عثرة أمام الحركات الانعزالية التي بدأت تظهر بعد الاستقلال؛ فهاجم بشدة "الفِرعونية" في مصر، و"الفينيقية" في لبنان، و"الآشورية" في العراق، معتبراً هذه النزعات مجرد أوهام تاريخية تصب في مصلحة الاستعمار وتفتت الكيان العربي الواحد.
ثالثاً: الإنجازات التنفيذية والمشاريع التربوية
لم يكن الحصري مجرد فيلسوف يقبع وراء الكتب، بل امتاز بقدرة إدارية وتنفيذية فذة تجلت في عدة محطات رئيسية:
(1919 - 1920) معارف الدولة العربية (سوريا): بعد الحرب العالمية الأولى وسقوط العثمانيين، التحق بالملك فيصل الأول في دمشق وعُين وزيراً للمعارف في الحكومة العربية القصيرة العمر. وضع هناك اللبنات الأولى لتعريب المناهج والإدارة.
(1921 - 1941) الهندسة التربوية والتعليم (العراق): انتقل مع الملك فيصل إلى بغداد لتأسيس المملكة العراقية، وتولى منصب "مدير المعارف العام". في هذه المحطة الذهبية، وضع الحصري مناهج تعليمية قومية صارمة ركزت على التاريخ العربي المشترك والجغرافيا الموحدة، واستقطب المعلمين من كافة أرجاء الوطن العربي، لينشأ جيل عراقي كامل متشرب بالفكرة الوحدوية.
(فترة الثلاثينيات) التعليم العالي وعمادة الحقوق: أدار كلية الحقوق في بغداد وحولها إلى مركز إشعاع فكري وقانوني رفد الدولة العراقية والعربية بكفاءات وقيادات سياسية بارزة.
(1947 - 1957) العمل الثقافي في جامعة الدول العربية (مصر): بعد خروجه من العراق إثر أحداث عام 1941، استقر لاحقاً في القاهرة مستشاراً ثقافياً لجامعة الدول العربية، وتولى إدارة "معهد الدراسات العربية العالية"، مواصلاً نشر مؤلفاته وتوحيد الجهود الثقافية العربية.
رابعاً: الأثر في حركة التاريخ والأمة والنقد الأكاديمي
يمتد أثر ساطع الحصري إلى الأجيال التي قادت حركات التحرر الوطني والمد القومي في الخمسينيات والستينيات؛ فمناهجه التربوية في العراق أنتجت النواة الأولى للضباط والمفكرين الذين قادوا التحولات السياسية اللاحقة. كما أن أدبياته شكلت المرجعية الأساسية لحزب البعث العربي الاشتراكي وللتيارات الناصرية والوحدوية.
النقد الأكاديمي الموجه لأطروحته:
بمنظور التحليل الأكاديمي الموضوعي، واجه فكر الحصري عدة انتقادات من مؤرخين وعلماء اجتماع:
إغفال الحرية والديمقراطية: ركز الحصري بشكل مطلق على "الدولة والوحدة" مضحياً أحياناً بـ "الفرد وحريته السياسية"، حيث كان يرى أن مصلحة المجموع تلغي التعددية الحزبية إن كانت تسبب الفرقة.
الحتمية اللغوية الصارمة: انتُقدت نظريته لكونها صارمة جداً وصهرت التنوع العرقي والثقافي الموجود في العالم العربي (كالأكراد، والأمازيغ) في قالب واحد دون مراعاة كافية لخصوصياتهم الثقافية المحلية.
خاتمة المقال
رحل ساطع الحصري في بغداد عام 1968، تاركاً خلفه مكتبة ضخمة من المؤلفات وصرحاً فكرياً لا يمكن تجاوزه عند دراسة الفكر العربي المعاصر. لقد أثبت الحصري أن الأمة لا تحيا فقط بالحدود السياسية، بل بالذاكرة المشتركة واللسان الموحد، ليظل بحق "الأب الروحي وعرّاب القومية العربية".
مراجع المقال للاستزادة والتوثيق:
الحصري، ساطع. آراء وأحاديث في القومية العربية، دار العلم للملايين، بيروت.
الحصري، ساطع. مذكراتي في العراق (بجزأيه)، دار الطليعة، بيروت.
الحصري، ساطع. أبحاث مختارة في القومية العربية، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
كوثراني، وجيه. ساطع الحصري: من الوعي العثماني إلى الفكر القومي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
هلال، علي الدين. الفكر السياسي العربي المعاصر: دراسة نقادية، دار الشروق، القاهرة.
Cleveland, William L. The Making of an Arab Nationalist: Sati' al-Husri, Princeton University Press.
الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي بقلم: الناصر خشيني
سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي مقدمة إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني ال...
-
يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إل...
-
مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنه...
-
مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس مقدمة يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف ع...



