قائمة المدونات الإلكترونية

الاثنين، 6 يوليو 2026

وهران.. الباهية وعاصمة الثغر ومحررة القلاع من دنس الاستعمار بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تربض مدينة وهران، أو "الباهية" كما يعشق أهلها تسميتها، على ساحل البحر الأبيض المتوسط في غرب الجزائر كإحدى أهم القواعد البحرية والحواضر التجارية عبر التاريخ. أسسها البحارة الأندلسيون في القرن العاشر الميلادي لتتحول سريعاً إلى ثغر إسلامي عظيم صلة وصل بين المغرب والأندلس. ونظراً لموقعها الجغرافي الاستراتيجي، تعرضت وهران لغزو إسباني شرس عام 1509 استمر لقرون، خاضت خلالها المدينة معارك طاحنة وحصارات مريرة حتى تمكنت الجيوش الإسلامية وقبائل المنطقة من تحريرها بالكامل عام 1792، قبل أن تقع مجدداً تحت وطأة الاحتلال الفرنسي عام 1831 وتتحول إلى معقل من معاقل التحرر.
أهم معالمها
تتزين وهران بـ "قلعة سانتا كروز" الشامخة فوق قمة جبل المرجاجو، والتي تقف كشاهد تاريخي وعسكري عاصر الحروب والتحولات الكبرى في المدينة. وتضم العاصمة "حي سيدي الهواري" العتيق الذي يمثل النواة التاريخية للباهية ويمزج بعمارته بين الطابع الأندلسي، والعثماني، والإسباني. وتكتمل لوحتها بـ "مسجد الباشا" التاريخي وباب إسبانيا، بالإضافة إلى ساحة أول نوفمبر والشواطئ الساحرة التي تروي قصة الجمال والصمود البشري.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت وهران صفحات مجيدة من الصمود الأسطوري في مواجهة محاولات الطمس والفرنسة؛ فكانت معقلاً للحركة الوطنية وفكراً نضالياً بارزاً تخرج من أحيائها كبار قادة ثورة التحرير المظفرة. وبرز دورها النضالي في معركة التحرير كجبهة قوية قادت العمل الفدائي والمسلح في "القطاع الوهراني"، حيث واجه أبناؤها بطش المستعمر ومنظماته الإرهابية (مثل منظمة الجيش السري الفرنسي) ببسالة منقطعة النظير، وقدمت المدينة قوافل من الشهداء في سبيل حرية الجزائر والذود عن هويتها العربية والإسلامية حتى نيل الاستقلال عام 1962.
خاتمة
تبقى وهران الباهية مدينة تجمع بين رقة البحر وعنفوان الجبل؛ فأمواجها التي تداعب شواطئ المرجاجو تحمل في طياتها صدى انتصارات الفاتحين والمحررين، لتظل وهران دائماً منارة للفكر، والحرية، وعاصمة للإباء العربي في غرب الجزائر العزيز.

المقال العشرون: المهدية.. عاصمة الفاطميين الأولى وبانية القاهرة والمعز
تاريخ المدينة
تقع مدينة المهدية على شبه جزيرة ممتدة في شرق الجمهورية التونسية، وهي حاضرة تاريخية استثنائية أسسها الخليفة عبيد الله المهدي عام 303 هـ (916 م) لتكون العاصمة الأولى للدولة الفاطمية الناشئة في بلاد المغرب. اختير موقعها بعناية فائقة ليكون حصناً طبيعياً منيعاً وقاعدة بحرية كبرى انطلقت منها أساطيل الفاطميين لتوحيد الشمال الإفريقي. ومن رحم المهدية وبسواعد قادتها وجيوشها، رُسمت خطة التوجه شرقاً لفتح مصر وبناء مدينة "القاهرة" والجامع الأزهر على يد القائد جوهر الصقلي في عهد الخليفة المعز لدين الله الفاطمي، مما يجعل المهدية الجذع التاريخي الذي تفرعت منه قاهرة المعز.
أهم معالمها
يتربع "باب زويلة" (السقيفة الكحلة) كأعظم معلم تاريخي وحضاري للمدينة، وهو برج دفاعي وضخم يمثل المدخل الوحيد المؤدي إلى المدينة العتيقة عبر أسوارها الحصينة. وتضم المدينة "الجامع الكبير بالمهدية" الذي يتميز بهندسته الفاطمية الفريدة الخالية من المآذن التقليدية عند التأسيس، إلى جانب "البرج الكبير" (البرج العثماني) الشامخ على شواطئها، و"الميناء البونيقي القديم" الذي يحكي تاريخ الأمجاد البحرية العريقة للمدينة.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
شهدت المهدية تاريخاً حافلاً من الصمود الأسطوري في مواجهة الغزوات والحملات الاستعمارية الصليبية والأوروبية عبر العصور؛ وتجلى دورها النضالي في التصدي للحملات البحرية المستمرة من قِبل النورمان، والإسبان، وفرسان القديس يوحنا. ورغم الحصارات العنيفة ومحاولات التدمير والنسف التي تعرضت لها أسوارها التاريخية في بعض الفترات، رفضت المهدية الانكسار وحافظت على مكانتها كرباط بحري متقدم يحمي سواحل تونس وثغور الأمة الإسلامية، مجسدةً روح الثبات والذود عن حياض الوطن.
خاتمة
تظل المهدية عاصمة الفاطميين ومنبع المجد الشامخ عنواناً للأصالة والسيادة التي لا تزول؛ فجدران سقيفتها الكحلة تحكي للأجيال كيف تحولت شبه الجزيرة الصغيرة إلى مركز إمبراطورية كبرى بنت القاهرة ونشرت العلم، لتظل المهدية دائماً فخراً لأمتنا ومنارة للصمود عبر العصور.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي ​بقلم: الناصر خشيني

سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي ​مقدمة ​إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني ال...