قائمة المدونات الإلكترونية

الاثنين، 6 يوليو 2026

عبد الناصر والاخوان بقلم عبد الحليم قنديل

 




2011-08-07

 القدس العربي

قصة صدام عبدالناصرمع الإخوان طويلة، ولا يتسع المجال لرواية تفاصيلها، وإنما نقف عند أبرز ملامحها ومغازيها.

ويلزم أن نرفع عما جرى صفتين: أولهما: أن يكون صداما دينيا، ثانيهما: أن يكون صداما مدفوعا إليه أو تم لحساب جهات أجنبية، وأغلب كتابات الإخوان تدور حول التفسيرين، ووصل الحال بكاتبة إخوانية هي السيدة زينب الغزالي أن تقول في مذكراتها: ‘إن المخابرات الأمريكية والمخابرات الروسية والصهيونية العالمية قدمت تقارير مشفوعة بتعليمات لعبد الناصر بالقضاء على الحركة الإسلامية’.

وتفسير تآمري كهذا لايصمد لنقاش، بل من العبث أن يناقشه أحد، إنه يجور على بديهية إستقلالية عبد الناصر وعدائه الصارم للغرب بكافة تلاوينه وأطيافه، كذلك لايجوز التفسير الديني، لأنه ليس للإخوان، ولا لغيرهم حق إدعاء سلطة دينية ليست في الإسلام، ثم إن عبد الناصر لم يكن غريبا عن الإسلام، بل كان وارثا ومجددا لصيغة التوفيق الفعال بين الإسلام والعقل الثوري المنفتح على العصر.

لم يبق غير التفسير الواقعي جدا، وهو أن ما جرى كان صداما بين تنظيمين وصيغتين، وأن ما حدث من تجاوزات مدان من الجميع، وأولهم الناصريون، لكنه لايصح أن يعمينا عن رؤية ماهو جوهري في القصة كلها.

كان الإخوان يمثلون موروثا يتحدى الوافد ويصارعه، كانوا حالة دفاع عن ثقافة وحضارة مهددة، كانوا يعرفون مالا يريدون، أما ما يريدونه فلم يكن معلوما بالدقة ولا بالإجمال المفيد، بينما عبد الناصر كان يعرف طريقه، لاأعني أنه كانت لديه إيديولوجيات متكاملة منذ البداية، بل كان في الواقع دليله ووراءه ميراث التوفيق الفعال في التاريخ المصري الحديث والمعاصر بالذات. ودعونا نعيد تأمل ما جرى:

نشأت بداية حركة الضباط الأحرار ـ كما هو معروف ـ سنة 1938، وقتها كان عبد الناصر يعمل في منقباد، ويقول لزملائه من الضباط الوطنيين: ‘إن الإنجليز أصل بلائنا كله’ والتاريخ له مغزاه، ففي العام نفسه تحولت حركة الإخوان إلى العمل السياسي، وأعلنت حركة مصر الفتاة عن تحولها إلى حزب، ثم كانت معاهدة 1936 تؤتي أكلها، فقد تفسخت المؤسسة السياسية القديمة بكل أحزابها، وقنع زعماؤها بدور الشريك الأصغر لقصر الملك ودور المندوب السامي، وقررت سلطات الإحتلال فتح أبواب الكلية الحربية لفئات كانت محرومة، وكان الهدف تقوية االجيش المصري لتوريطه في الصدام مع جيوش النازي الزاحفة من شمال إفريقيا، ويذكر اليوناني ‘فاتيكيوتيس’ في كتابه (الجيش المصري في السياسة): ‘أن الأحد عشر ضابطا الذين ضمتهم الهيئة التأسيسية لجماعة الضباط الأحرار في أواخر 1949 دخل منهم الكلية الحربية سنة 1936 ثمانية والباقون دخلوا بعدها، وأن خمسة منهم ولدوا سنة 1918 واثنين 1917 والباقون أقل سنا، وكانت غالبيتهم من أصول شعبية، كما أن صلتهم بالريف لاتبعد عن جيل الآباء أو الأجداد’.

وكانت حركة الضباط الأحرار نوعا من الاستطراد في ظروف جديدة لتقليد راسخ في حركة الوطنية المصرية، فقد نشأ الجيش الحديث مع تجربة محمد على الاستقلالية، وتحرك الجيش المصري وراء عرابي، وفي ثورة 1919 تحركت جمعيات سرية مساندة في أوساط الجيش كما يقول اللواء محمد نجيب في مذكراته، وبعد الحرب العالمية الثانية نما النشاط الوطني في صفوف الجيش المصري باطراد، فقد التفت مجموعة من الضباط الشبان (بينهم عبد اللطيف بغدادي ـ حسن إبراهيم ـ عبد المنعم عبد الرءوف) حول عزيز المصري، وكان عزيز المصري معروفا بشدة عدائه للإنجليز وتعاونه مع حركة رشيد عالي الكيلاني في العراق، وكان جمال عبد الناصر يعتبر عزيز المصري بمثابة الأب الروحي، وإن لم ينضم لجماعته، واقترب عبد الناصر من تنظيم سري آخر في الجيش تابع لجماعة الإخوان المسلمين، ثم انشق عن التنظيم الإخواني سنة 1947، بعد مناهضة الإخوان لإنتفاضة العمال والطلبة سنة 1946، وخرج معه آخرون بينهم كمال الدين حسين وخالد محيى الدين، وإلى جوار هذين التنظيمين كان هناك تنظيم عسكري ثالث لحركة ‘حدتو’ الماركسية تشكل سنة 1945، ثم انشق عنه أغلب أعضائه بعد التزام حدتو (الحركة الديمقراطية للتحرر الوطني) بموقف الاتحاد السوفيتي المؤيد لإنشاء إسرائيل وتقسيم فلسطين، وإلى جوار تلك التنظيمات الشخصية والأيديولوجية الثلاثة، كان هناك عدد هائل من الضباط وصف الضباط الوطنيين استفزهم حادث 4 شباط/فبراير 1942، وهو الحادث الذي أجبر خلاله الملك فاروق على تعيين وزارة وفدية بأمر مباشر من المندوب السامي البريطاني السير ‘مايلز لامبسون’ وتحت تهديد الدبابات التي تطوق القصر الملكي.

وكان عبد الناصر يتأمل ماجرى في الجيش، ثم يتلمس مراكز التأثير خارجه، وقد احتك بالوفد حينا وانضم إلى مصر الفتاة حينا آخر، واقترب من الإخوان والماركسيين والحزب الوطني وجهازه السري بقيادة عبد العزيز علي، ثم كان اشتراكه كقائد فيلق في حرب 1948 نقطة النهاية في رسوخ اليقين لديه بضرورة التغيير وأداته الممكنة، وأدرك عبد الناصر وهو محاصر في منطقة الفالوجا الفلسطينية: ‘أن المشكلة ليست في الأسلحة الفاسدة التي زود بها الجيش المصري، بل في ترك العواصم للذئاب ترعاها’، وعاد إلى القاهرة ليجمع كل معارفه من الضباط الوطنييين من كل الاتجاهات في تنظيم واحد أطلق عليه إسم ‘الضباط الأحرار’، وتم اجتماعه القيادي الأول في تشرين الاول/أكتوبر 1949، وهنا تجلت موهبة عبد الناصر في التنظيم المحكم الذي تنتهى كل خيوطه إليه شخصيا، كما نجح في جعل التنظيم مرآة عاكسة لكل تيارات الأجيال الجديدة ‘فقد تفرعت عن قيادة الضباط الأحرار إدارة اسمها ‘إدارة الاتصال بالكتل الشعبية’ إلى جوار أربع إدارات أخرى للتجنيد والتمويل والإرهاب والأمن ‘ وفي سنة 1950 وضع عبد الناصر للتنظيم الجبهوي برنامجا من ست نقاط: القضاء على الاستعمار وأعوانه من الخونة المصريين، والقضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم، إقامة عدالة إجتماعية، إقامة جيش وطني قوي، وإقامة حياة ديمقراطية سليمة.

وقد يسأل سائل: وأين الإسلام ؟ سؤال طرحه حسن الهضيبي مرشد الإخوان على عبد الناصر في أيام الثورة الأولى، ورد عليه عبد الناصر: ‘إن التحرر من الإستعمار والاستغلال بداية العمل للإسلام’ ويقول د. حسن حنفي ـ وكان وقتها عضوا بحركة الإخوان ـ: ‘إذا كان القرآن هو الدستور، فإن ذلك يعني خلع الملك والقضاء على الفساد والظلم الاجتماعي وتحقيق الجلاء، وهو ما حققته الثورة’ ويضيف د. حنفي: ‘لم يتجاوز الإخوان حدود الشعارات الدينية ولم يملأوها بمضمون سياسي، في حين حققت الثورة المضمون دون الشعار’.

كانت تلك صيغة البداية، وفيها يتضح تأثر عبد الناصر بحاجات الواقع وبصيغة ‘التوفيق الفعال’، وقد يصح هنا أن نضيف لمحة عن خريطة القراءات التي أسهمت في تشكيل وعي عبد الناصر قبل الثورة، وقد نشر السويسري ‘جورج فوشيه’ قائمة إصدارات بالعربية والإنجليزية استعارها عبد الناصر من مكتبة مدرسته الثانوية ثم من مكتبة الكلية الحربية التي تعلم بها وعمل بها بعد تخرجه، وتبرز في قائمة فوشيه مؤلفات رموز ‘التوفيق الفعال’ الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان وسيرة مصطفى كامل ومؤلفات عبد الرحمن الرافعي عن تاريخ الثورة المصرية وديوان على الغاياتي ‘وطنيتي’، وتبرز أيضا قراءاته في التاريخ والاقتصاد السياسي والاستراتيجية العسكرية بعدها تجئ قراءاته في سيرة بسمارك والثورة الفرنسية، ومجلد ضخم إسمه ‘معجزة اليابان’ كتجربة بلد حقق تنمية هائلة بعيدا عن سيطرة الغرب.

‘ كاتب مصري


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الإمام محمد عبده.. رائد التجديد الفقهي وهندسة الإصلاح المؤسسي ​بقلم: الناصر خشيني

سلسلة مقالات: أعلام الأمة العربية - حركة التاريخ والوعي ​مقدمة ​إذا كان الشرق قد استيقظ في القرن التاسع عشر على صيحات جمال الدين الأفغاني ال...