قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 10 يوليو 2026

خارطة الطريق اليمنية: ورقة توقّفت عند حدود النوايا بقلم الناصر خشيني



مدخل: سلامٌ يُكتب على الورق ولا يُصرف في الواقع

ثمة مفارقة تكاد تلخّص عبثية السياسة في هذا الشرق المنهك: حربٌ استمرت قرابة عقد كامل، أنهكت شعباً بأكمله، ثم يُعلن فجأة أن ثمة "خارطة طريق" ترسم مساراً واضحاً للخروج منها — وقف نار، رفع حصار، صرف مرتبات، توحيد بنك مركزي، خروج قوات أجنبية، حوار وطني، إعمار — كل هذا موثّق ومرتّب على مراحل زمنية دقيقة: ستة أشهر، ثم ستة أشهر أخرى، ثم سنتان للحل الشامل. وفجأة أيضاً، يتبخر كل هذا الترتيب الأنيق في دهاليز المماطلة والتسويف، وتبقى الورقة حبراً على ورق بينما يستمر اليمنيون في العيش بلا رواتب، وبلا مطارات مفتوحة بالكامل، وبلا أفق سياسي.

بين النية المعلنة والفعل المؤجَّل

الخارطة التي بلورتها الوساطة العُمانية عام 2023، وتبنّتها لاحقاً جهود أممية بقيادة المبعوث الخاص هانس غروندبرغ، لم تكن يوماً وثيقة نظرية. لقد ترجمت زيارات متبادلة، ومشاورات في مسقط والرياض، بل وتصريحات رسمية سعودية وصفت الخارطة بأنها "جاهزة". غير أن الجاهزية على الورق شيء، والالتزام بالتنفيذ على الأرض شيء آخر تماماً. فبعد ثلاث سنوات كاملة من الإعلان عن هذه الخارطة، ما تزال بنودها الأكثر حساسية — توحيد الإيرادات، خروج القوى الأجنبية، الحوار السياسي الشامل — معلّقة في انتظار "الظرف المناسب" الذي لا يأتي أبداً.

من يعطّل، ومن يستفيد من التعطيل؟

الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرواية هنا ليست أحادية كما تروّج بعض الأدبيات: فالحكومة اليمنية المعترف بها دولياً حمّلت في أكثر من مناسبة صنعاء مسؤولية التصعيد وعدم الاستفادة من فرصة الخارطة، بينما ترى أطراف أخرى أن الرياض هي من تسحب قدميها كلما اقترب موعد استحقاق جوهري، مفضّلة "تعليق الحرب" على إنهائها فعلياً، لأن استمرار حالة اللا-حرب واللا-سلم يحفظ لها هامش مناورة إقليمية لا تريد التفريط فيه. المبعوث الأممي نفسه وصف المسار، بعد عامين من الحديث عنه، بأنه "معطّل بالكامل"، في غياب — كما قال — شريك تفاوضي حقيقي وملموس.

وبين هذا وذاك، يبقى الثابت الوحيد هو أن اليمني العادي هو من يدفع الفاتورة: موظف بلا راتب، ومريض بلا دواء يصل عبر ميناء مقيَّد، ومسافر يخضع لتفتيش وتأخير في مطار لم تُرفع عنه القيود بالكامل رغم مرور سنوات على "الاتفاق" المزعوم.

خاتمة: السلام حين يتحول إلى أداة مماطلة

لا يمكن الحديث عن خارطة طريق حقيقية للسلام حين تتحول بنودها إلى ورقة ضغط تتقاذفها الأطراف كل بحسب مصلحته الآنية. فإما أن يُترجم التوقيع إلى التزام، بجدول زمني ملزم ورقابة دولية فعلية، أو يُعترف صراحة بأن ما جرى لم يكن أكثر من هدنة تكتيكية أُريد لها أن تبدو سلاماً. والفارق بين الاثنين ليس تفصيلاً لغوياً، بل هو الفارق بين شعب يستعيد كرامته ووطنه، وشعب يُترك ينتظر إلى أجل غير مسمى.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

​إيطاليا والأمن القومي العربي: من الأطماع الرومانية والفاشية إلى التعديات البحرية والتخادم الصهيوني ​بقلم: الناصر خشيني

  ​في سياق قراءتنا القومية التقدمية المتواصلة لمهددات الأمن القومي العربي من جهة الجوار الجغرافي، يبرز الجوار الأورو-متوسطي عبر البوابة الإي...