التخطي إلى المحتوى الرئيسي

النبطية.. مدينة الحسين وبوابة المقاومة وعنفوان جبل عامل بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
تُعد مدينة النبطية عاصمة جبل عامل والجنوب اللبناني، وهي حاضرة تاريخية وعلمية عريقة تمتد جذورها لقرون طويلة كمركز ديني وثقافي وتجاري أساسي في المنطقة. ارتبطت النبطية تاريخياً بروح الثورة والإباء المستمدة من الفكر الحسيني، وشهدت منذ القرن الماضي انطلاق حركات الوعي والتحرر ضد الاستعمار والمشاريع الاستسلامية. واجهت النبطية وطأة الاعتداءات الصهيونية المستمرة والغارات العنيفة منذ عام 1948، وظلت دائماً خط الدفاع الأول والحاضنة الشعبية والسياسية والفكرية الكبرى التي انطلقت منها أولى شرارات المقاومة المسلحة والمنظمة في الجنوب.
أهم معالمها
تتميز النبطية بمعالمها الحضارية والروحية الفريدة، وفي مقدمتها "النادي الحسينى الكبير" وساحة عاشوراء التي تحتضن أكبر وأقدم المراسم السنوية لذكرى استشهاد الإمام الحسين عليه السلام في لبنان لتكرس ثقافة رفض الظلم. وتضم المدينة "سوق النبطية الأثري" (سوق الإثنين) الذي يعكس أصالة العمارة التراثية والحركة التجارية التقليدية، وتحفها "قلعة الشقيف" (شقيف أرنون) التاريخية الشامخة فوق مجرى نهر الليطاني الشاهدة على تحطم الحملات الصليبية والغزوات عبر العصور.
صمودها ودورها النضالي والتاريخي
سطرت النبطية ملاحم من الصمود الأسطوري في وجه الغطرسة الإسرائيلية؛ وتجلى دورها النضالي الرائد في معركة 16 تشرين الأول 1983 الشهيرة، عندما انتفضت جماهير المدينة بصدورها العارية وزيتها المغلي ضد دورية عسكرية إسرائيلية تجرأت على تدنيس مراسم عاشوراء، لتشعل هذه المواجهة شرارة "الانتفاضة الشعبية المسلحة" التي دحرت الاحتلال عن صيدا وصور والنبطية لاحقاً. قدمت المدينة مواكب مهيبة من الشهداء القادة والاستشهاديين، ورغم المجازر الغادرة والنزيف والمستمر والألم الحاضر، ترفض النبطية الانكسار وتواصل دورها كشريان نابض للمقاومة وحارس أمين لعزة الوطن.
خاتمة
إن النبطية تظل التجسيد الحي للعلاقة الأبدية بين الفكر الحسيني الثائر وبندقية المقاوم الشريف؛ فمآذنها وقلاعها وسواعد أبطالها تؤكد للعالم أجمع أن جبل عامل لا يقبل المهانة، وأن النبطية كانت وستبقى عاصمة العنفوان، وقلعة التصدي التي لا تنحني مهما جارت عليها عواصف الأيام.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...