قائمة المدونات الإلكترونية

الاثنين، 20 يوليو 2026

خداع ترامب الجديد... وإيران التي لقّنت واشنطن درس الردع بقلم: الناصر خشيني



مدخل

كل اتفاق وقّعته واشنطن مع طهران في العقود الأخيرة كان جسراً إلى خرق جديد، لا إلى سلام حقيقي. هذه ليست مصادفة، بل بنية متكررة في العقل الاستراتيجي الأمريكي الذي يرى في المفاوضات أداة لكسب الوقت، لا التزاماً بالكلمة. وها هي الإدارة الأمريكية، بعد أشهر من التلويح بالتفاوض، تُقدم على ما وصفه ترامب نفسه بأن إيران "ستدفع الثمن"، في تصعيد عسكري مباشر تجاوز كل الخطوط التي كانت تُرسم سابقاً كحدود للاشتباك غير المعلن.

الرد الذي لم يكن ينتظره أحد بهذا الاتساع

المعطيات الواردة من مصادر إيرانية ومقاومة تتحدث عن عملية متعددة الجبهات، طالت في وقت متزامن تقريباً قواعد ومنشآت أمريكية في سوريا والكويت والأردن والبحرين، إضافة إلى استهداف مواقع في قطر وعُمان والعراق بحسب تقارير دولية موثقة. وبحسب بيان الحرس الثوري، استُهدف 21 موقعاً أمريكياً، من بينها حظيرة لطائرات F-35 في قاعدة الأزرق الأردنية، إلى جانب ضربات صاروخية ومسيّرة طالت قاعدة "علي السالم" في الكويت والأسطول الخامس في البحرين.

هذه ليست "مناوشة" بالمعنى العسكري التقليدي. إنها رسالة ردع مركّبة، صيغت لتقول لواشنطن إن أي عدوان على الأراضي الإيرانية سيُقابَل بثمن يتوزع على كامل الخريطة التي تنتشر فيها القواعد الأمريكية في المنطقة — لا في إيران وحدها.

التنف: رمزية الأرض التي لا تُنسى

الرواية الإيرانية تتحدث عن استهداف "التنف" كرد على ما وصفته بضربة أمريكية قرب مستشفى للأطفال المصابين بالسرطان في إيران. صحيح أن القوات الأمريكية كانت قد أعلنت انسحابها الرسمي من هذه القاعدة في فبراير الماضي ضمن إعادة انتشار أوسع، لكن الرمزية هنا أهم من التفاصيل اللوجستية: التنف كانت لعقد كامل عنوان الوجود الأمريكي غير الشرعي على الأرض السورية، واستهدافها — ولو رمزياً أو جزئياً — يحمل رسالة أن "الاستكبار" لا يملك أرضاً آمنة في هذا الإقليم، حتى بعد أن أخلاها.

الخليج: حين تتحول القواعد إلى عبء أمني على مضيفيها

الأخطر في هذا التصعيد ليس فقط الخسائر المادية المزعومة في الكويت والأردن والبحرين، بل السؤال الذي بات يُطرح بإلحاح متزايد في دول الخليج نفسها: إلى متى تبقى هذه القواعد ثمناً تدفعه شعوب لا ناقة لها ولا جمل في حرب لا تخوضها؟ حين تتحول مدن مثل الدوحة والمنامة إلى ساحات تُطلق فيها صفارات الإنذار وتُغلق فيها الأجواء، يصبح السؤال عن جدوى استضافة القواعد الأمريكية سؤالاً وجودياً لا سياسياً فقط.

قراءة في الخطاب لا في الحقائق وحدها

من المهم، كصحافيين وكتّاب رأي، أن نميّز بين ما تؤكده المصادر الدولية المستقلة وما تعلنه الأطراف المتحاربة عن نفسها. الحرس الثوري يتحدث عن نجاح شبه كامل في ضرب أهدافه؛ واشنطن، في المقابل، لم تصدر حصراً رسمياً شاملاً للخسائر. هذا الغموض بالذات هو سلاح إيراني بامتياز: فحتى لو كانت الأضرار الفعلية أقل مما تصفه البيانات الإيرانية، فإن مجرد قدرة طهران على تنفيذ ضربة متعددة الجبهات، متزامنة، وصلت إلى ست دول في وقت واحد تقريباً، هي بحد ذاتها رسالة ردع تفوق قيمتها العسكرية المباشرة.

السر الذي يتكتم عليه البنتاغون: صمت يتحدث أكثر من أي بيان

في مقابل الحماس الإعلامي الإيراني بنشر تفاصيل كل ضربة ومعداتها ونتائجها، يلتزم البنتاغون بصمت مطبق يثير أكثر مما يهدئ. فمنذ الليلة الأولى للتصعيد، لم تصدر واشنطن حصيلة رسمية شاملة للخسائر البشرية أو المادية في قواعدها بالمنطقة، مكتفية ببيانات مقتضبة تتحدث عن "اعتراض ناجح" لمعظم التهديدات، دون تفاصيل تُذكر عن حجم الأضرار الفعلية أو عدد المصابين.

هذا النمط ليس جديداً على العقيدة العسكرية الأمريكية. فمنذ حرب فيتنام، ومروراً بالعراق وأفغانستان، دأب البنتاغون على تبني سياسة "التعتيم الانتقائي": الإعلان السريع عن أي نجاح عسكري، مقابل تأخير أو تجزئة أو حتى حجب الأرقام الحقيقية للخسائر، تحت ذريعة "الأمن التشغيلي" أو "عدم منح العدو معلومات استخباراتية". لكن خلف هذه الذريعة التقنية، تكمن حسابات سياسية أعمق: فالرأي العام الأمريكي، الذي أنهكته حروب الشرق الأوسط الطويلة، لا يحتمل صوراً جديدة لتوابيت ملفوفة بالعلم الأمريكي وهي تعود من قواعد لم يسمع بأسمائها أغلب الناخبين أصلاً.

أما دور الإعلام الغربي السائد في هذا المشهد فليس بريئاً بدوره. فالتغطية التي تصف الضربات الإيرانية بـ"محدودة" أو "رمزية"، دون انتظار تأكيد مستقل لحجم الأضرار، تعكس انحيازاً بنيوياً أقرب إلى الاصطفاف السياسي منه إلى الحياد المهني. حين تتحول عبارات مثل "مصادر دفاعية رفضت التعليق" إلى الصيغة الوحيدة المتاحة للجمهور الغربي، فإن الفراغ الذي يتركه هذا الصمت الرسمي والإعلامي يصبح مساحة مفتوحة للتساؤل المشروع: هل الحصيلة الحقيقية للضربات الإيرانية أكبر بكثير مما تعترف به واشنطن؟ وهل يخشى البنتاغون أن الاعتراف الكامل بحجم الأضرار سيكشف هشاشة منظومة الدفاع الجوي الأمريكية المنتشرة في المنطقة، بعد عقود من الترويج لها كدرع لا يُخترق؟

خاتمة: معادلة "الرد بالرد"

ما يجري اليوم ليس مجرد جولة تصعيد عابرة، بل اختبار حقيقي لمعادلة جديدة تحاول طهران فرضها: كل عدوان أمريكي أو إسرائيلي سيُقابَل برد يتجاوز الحدود الإيرانية نفسها ليطال شبكة الوجود العسكري الأمريكي بأكملها في المنطقة. وفي المقابل، صمت البنتاغون لا يخدم الشفافية بقدر ما يخدم سردية سياسية داخلية تحاول إدارة ترامب من خلالها تجنب الإحراج، وتأجيل لحظة الحساب أمام كونغرس وناخبين متعبين من حروب لا نهاية لها. سواء نجحت هذه المعادلة في ردع واشنطن أو لا، فإنها تعيد كتابة قواعد الاشتباك في الشرق الأوسط، وتضع شعوب المنطقة — لا حكوماتها فقط — أمام سؤال الثمن الحقيقي لاستضافة حروب الآخرين على أراضيها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...