لم يكن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882 - 1963) مجرد زعيم ثورة إقليمية محصورة في تضاريس ريف المغرب الأقصى، بل كان ظاهرة ثورية تقدمية عابرة للحدود، غيّرت المجرى التاريخي لحركات التحرر العالمي وصاغت مبكراً مفهوم "الكتلة التاريخية والمقاومة الشعبية الشاملة". إن قراءة مسيرته من منظور قومي تقدمي تكشف عن أبعاد فكرية وعسكرية سابقت عصرها، وجعلت من ثورة الريف حجر الزاوية في انهيار المنظومة الاستعمارية التقليدية.
أبعاد الفكر التقدمي والأممي في مسيرة الخطابي:
- صياغة الفكر العسكري العالمي وحرب الشعب: إن تفكيك المنظومة العسكرية الاستعمارية الإسبانية في معركة أنوال الخالدة (1921) لم يكن مجرد طفرة حماسية، بل جاء نتاج ابتكار تكتيكي علمي اعتمد على "حرب العصابات الشعبية الشاملة" القائمة على المباغتة، والانتشار السريع، وحفر شبكات الخنادق المترابطة، والاعتماد المطلق على الحاضنة الشعبية. هذا النموذج المتطور ألهم عمالقة الفكر الثوري واليساري العالمي؛ فالزعيم الصيني ماو تسي تونغ أكد في لقاءاته مع الوفود العربية أنه استرشد بتكتيكات الخطابي في مسيرته الكبرى، كما أن الثائر الأممي تشي جيفارا زار الخطابي في منزله بالقاهرة عام 1959 ليتعلم منه آليات مواجهة الجيوش النظامية الكبرى بواسطة المقاومة الشعبية.
- تأسيس الدولة الحديثة وتجاوز البنى التقليدية: نجح الخطابي في صهر القبائل الريفية التي كانت تعيش صراعات ثأرية وقبلية مزمنة في بوتقة سياسية واجتماعية واحدة. لقد أجهض مبكراً مخططات الاستعمار الرامية لإثارة النعرات العرقية والجهوية (والتي توجت لاحقاً بـ"الظهير البربري")، فأسس "جمهورية الريف" ككيان سياسي حديث له دستور مدني، ومجلس وزراء، وميزانية مالية، وجهاز قضائي موحد ألغى الأعراف القبلية البالية. هذه الخطوة التقدمية مثّلت قفزة نوعية نحو مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المؤسسات لا على العصبية الإثنية.
- الوحدة القومية والمصير المشترك (لجنة تحرير المغرب العربي): انطلاقاً من إيمانه القومي الراسخ بأن حرية أقطار الأمة العربية كلٌ لا يتجزأ، وأن الاستعمار يمثل وحدة عضوية يجب مواجهتها بوحدة نضالية مضادة، أسس الخطابي من منفاه في القاهرة عام 1947 "لجنة تحرير المغرب العربي". لم تكن هذه اللجنة مجرد واجهة سياسية، بل كانت غطاءً جبهوياً جمع قادة المقاومة من تونس والجزائر والمغرب (مثل الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي وممثلي جبهة التحرير لاحقاً) لتنسيق الدعم المالي والعسكري المشترك، مؤكداً أن معركة التحرير في شمال إفريقيا هي معركة عروبية واحدة.
- مبدأ رفض "الاستقلال الناقص" والتبعية: تجسد الموقف المبدئي الصلب للخطابي في رفضه القاطع للتعامل مع معاهدات "الاستقلال الشكلي" التي وُقعت عام 1956 (اتفاقية إكس ليبان نموذجاً)، معتبراً إياها التزامات تضمن بقاء المصالح الاستعمارية والقواعد العسكرية الأجنبية. وآثر الأمير البقاء مرابطاً في قاهرته العروبية، رافضاً العودة إلى المغرب إلا بعد جلاء آخر جندي أجنبي عن كامل التراب المغاربي والعربي، ليظل متمسكاً بالسيادة الوطنية المطلقة حتى وفاته.
هوامش ومراجع المقال الأول:
- [1] علال الفاسي (1948). الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، القاهرة: دار المعارف، ص 112-115.
- [2] Pennell, C. R. (1986). A Country with a Government and a Flag: The Rif War in Morocco 1921-1926. London: Menas Press, pp. 142-147.
- [3] جيفارا، إرنستو تشي (1960). حرب العصابات، (الترجمة العربية)، بيروت: دار الطليعة، (يُراجع ملحق المذكرات حول اللقاء التاريخي في القاهرة 1959).
- [4] المساري، محمد العربي (2002). محمد بن عبد الكريم الخطابي: من أجدير إلى القاهرة، الرباط: منشورات الزمن، ص 54-58.
- [5] شرف، عبد العزيز (1985). المغرب العربي: نضال مشترك ووحدة مصير، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 89-14.
- [6] الخطابي، محمد بن عبد الكريم (1950). مذكرات الأمير الخطابي، القاهرة: مطبعة لجنة تحرير المغرب العربي، ص 201-205.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق