التخطي إلى المحتوى الرئيسي

​قرأت لكم: قراءة في كتاب "جناية البخاري" وموجات نقد الموروث بقلم: الناصر خشيني



​لا يزال الموروث الديني والتاريخي يشكل المادة الأكثر خصوبة للجدل في الفكر العربي المعاصر، خاصة حين يقترب البحث من منطقة "الثوابت والمقدسات" التي استقرت في الوجدان الجمعي لقرون. وضمن هذا السياق، يأتي كتاب "جناية البخاري: إنقاذ الدين من إمام المحدثين" للباحث السوري زكريا أوزون، ليمثل نموذجاً صارخاً للقراءات الصدامية التي حاولت تفكيك منهجية تدوين السنة النبوية، وما تلا ذلك من ردود أفعال وحملات مضادة.

​أولاً: المحاور الأساسية وأطروحة الكتاب

​ينطلق زكريا أوزون في كتابه من رؤية عقلانية تدعو إلى إعادة فحص الروايات التاريخية وعرضها على محكم القرآن الكريم والعقل الحصيف. ويمكن تلخيص جوهر أطروحته في نقاط محددة:

  • ​بشرية الجهد المعرفي: يرى المؤلف أن كتاب "صحيح البخاري" حظي عبر التاريخ بهالة من التقديس رفعت مكانته إلى مرتبة قريبة من القرآن، وهو ما يعتبره خطأً تشريعياً ومعرفياً؛ مؤكداً أن نقده لا يستهدف شخص الإمام البخاري كعالم مجتهد في عصره، بل يستهدف الروايات المنسوبة للرسول ﷺ والتي تراها القراءة العقلية متعارضة مع جوهر الدين.
  • ​نقد المتن مقابل نقد السند: يجادل أوزون بأن علماء الحديث ركزوا جهدهم الأكبر على "نقد السند" (الرجال وسلاسل الرواة) وأغفلوا "نقد المتن" (نص الحديث ومضمونه)، معتبراً أن وثاقة الراوي وصلاحه لا تضمن عصمته من السهو أو النقل بالمعنى الذي قد يغير الدلالة.
  • ​تصنيف الأحاديث المنتقدة: يقسم الكتاب الروايات التي يراها مشكلة إلى فئات: أحاديث يراها متعارضة مع ظاهر القرآن (مثل بعض صيغ أحاديث الشفاعة أو حد الردة)، وأحاديث يرى أنها تمس بالعصمة النبوية والمقام الأخلاقي (كأحاديث السحر)، وأحاديث تخالف المنطق والعلم التجريبي (كحديث الذباب).
  • ​التداعيات الفكرية: يربط الكاتب بين الاعتماد المطلق على هذه الروايات وحالة الجمود الفقهي، معتبراً أن إغلاق باب الاجتهاد العقلي ساهم في نشوء قراءات متشددة تعتمد على ظاهر النص وتغفل المقاصد الكلية للشريعة.

​ثانياً: الحملات والمواجهات الفكرية والقضائية

​فور صدوره، لم يمر الكتاب مرور الكرام، بل تعرض لعواصف عاتية من الرفض والمواجهة في الأوساط الدينية والفكرية، تمثلت في مستويات عدة:

  • ​الرفض المؤسساتي والفتاوى: واجه الكتاب صدوداً قاطعاً من المؤسسات الدينية الرسمية كالأزهر الشريف وهيئات كبار العلماء، حيث صدرت فتاوى تحذر من قراءته، وصُنِّف كـمحاولة للتشكيك في السنة النبوية ككل باعتبارها المصدر الثاني للتشريع.
  • ​المصنفات المضادة (كتب الردود): سارع علماء الحديث والمفكرون إلى تأليف كتب كاملة لتفنيد أطروحة أوزون، ومن أشهرها كتاب "جناية زكريا أوزون على البخاري"، و*"جناية أوزون"*. وتركزت هذه الردود على اتهام الكاتب بـ "الجهل الفاضح" بعلوم الحديث، وقواعد الجرح والتعديل، وآليات الرواية.
  • ​الاتهام بالسطحية والسرقة الأدبية: اعتبر نقاد الكتاب أن أوزون لم يقدّم جديداً يذكر، بل قام بإعادة تدوير وتبسيط "شبهات" قديمة أثارها المستشرقون وتيار "القرآنيين" سابقاً، دون أن يمتلك الأدوات العلمية واللغوية اللازمة لخوض هذا الغمار.
  • ​الإجراءات الإدارية والقضائية: تعرض الكتاب للمنع والمصادرة في العديد من معارض الكتب العربية والمكتبات الوطنية بدعوى الحفاظ على السلم المجتمعي والثوابت الدينية. كما شُنّت حملات إعلامية حادة ضد المؤلف وصلت إلى أروقة المحاكم عبر دعاوى تتهمه بازدراء الأديان وتشويه الرموز التاريخية.

​خلاصة واستنتاج

​يظل كتاب "جناية البخاري" حلقة من حلقات الصراع الفكري المستمر بين تيار يرى في الموروث الحديثي كلاً متكاملاً حُسمت صحته بأدوات المتقدمين ولا يجوز العبث به، وتيار يرى ضرورة إخضاع كل ما هو بشري وتاريخي للنقد والمراجعة المستمرة.

​إن غـربـلـة الموروث—في نظر الداعين إليها—هي محاولة لإنقاذ جوهر الدين، بينما يراها حراس التراث هدماً لأركان الهوية التشريعية؛ وبينهما يبقى العقل العربي في مواجهة مفتوحة مع أسئلة التجديد والتراث.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...