التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الغابات التونسية: الرئة الخضراء في مواجهة الجحيم بقلم: الناصر خشيني


 مقدمة: حين كان المسافر يسير في الظل

يروي كبار السن أن تونس كانت يوماً بلاد الظل والخضرة، وأن المسافر كان يقطع مسافات طويلة بين الشمال والجنوب دون أن تلفحه الشمس، تحت أقواس من أشجار البلوط والصنوبر والفلين والزيتون البري. اليوم، تبدو تلك الصورة بعيدة، إذ تتآكل الثروة الغابية التونسية عاماً بعد عام في صمت مدوٍّ، تحت وطأة الحرائق المتكررة والاحتطاب الجائر والصيد غير القانوني وغياب الإرادة الحقيقية للحماية.
أولاً: ثروة بالأرقام
تمتد الغابات في تونس على مساحة تقارب 4.6 مليون هكتار، أي ما يعادل 34 بالمئة من مساحة التراب الوطني. ويبلغ عدد سكان الغابات 800 ألف متساكن، أي حوالي 7 بالمئة من مجموع السكان. وتُقدَّر القيمة الاقتصادية للغابات والمراعي بنحو 932 مليون دينار، كما توفر الغابات 14 بالمئة من استهلاك الطاقة.  
وثروة جندوبة وحدها تكشف حجم ما يُهدر؛ إذ توفر غابات ولاية جندوبة 55 بالمئة من المداخيل الجملية للغابات التونسية، وتوفر هذه الغابات 700 ألف يوم عمل سنوياً، وتُدرّ ثمار الصنوبر الحلبي والبحري وزيوت الريحان والإكليل والضرو التي تشهد إقبالاً متزايداً في الصناعات الصيدلية ومواد التجميل.  
غير أن عائدات الغابات سنوياً لا تناهز سوى 20 مليون دينار، من ضمنها ما بين 10 و15 مليون دينار في شكل مداخيل مباشرة إلى خزينة الدولة.   رقم هزيل قياساً بالحجم الحقيقي لهذه الثروة الطبيعية.
ثانياً: ثلاثة أوجه للنهب
الوجه الأول — الحرائق: مئات الألوف من الهكتارات في الرماد
الحريق هو أشد أعداء الغابة فتكاً وأسرعها تدميراً. تُفيد الأرقام الرسمية أن عدد الحرائق ارتفع من 400 سنة 2012 إلى 458 حريقاً سنة 2021، أما المساحات المتضررة فتوسّعت من 2400 هكتار إلى 25808 هكتارات خلال الفترة نفسها.  
وخسرت تونس خلال السنوات الممتدة من 2016 إلى 2023 قرابة 56 ألف هكتار من الغابات، تجددت منها 22 ألف هكتار طبيعياً و16 ألف هكتار تستوجب التدخل.   وما يزيد الطين بلةً أن بحلول عام 2030 من الممكن أن تتسبب الحرائق في خسارة 180,000 هكتار أو 17 بالمئة من المساحة الغابية في تونس، نظراً لأن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار يزيدان تدريجياً من شدة الحرائق.  
والأكثر إيلاماً أن هذه الحرائق في معظمها ليست قدراً طبيعياً؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن نسبة 95 بالمئة من حرائق الغابات في تونس مفتعلة، في حين أن 90 بالمئة من الملفات سُجِّلت ضد مجهول لعدم التوصل إلى الجناة.  
الوجه الثاني — الاحتطاب الجائر: جرح صامت في كل موسم
يأتي الاحتطاب غير القانوني في المرتبة الثانية في استنزاف الثروة الغابية. يرى المختصون أن خروج استغلال الثروات الغابية عن إطارها المنظم يمكن أن يهدد العديد من المنتوجات الغابية أهمها نبتة الحلفاء التي تمثل مورد رزق هام لآلاف سكان المناطق الجبلية، لكنها في آن واحد تحتاج إلى المراقبة مخافة تصحر أغلب المناطق التي تنبت فيها.  
والاحتطاب ليس دوماً نتيجة جشع أصحاب الشاحنات والتجار، بل هو في كثير من الأحيان صرخة جوع من سكان الغابة الذين لم تُقدِّم لهم الدولة بديلاً. فالحطب هو الوقود الوحيد في مئات القرى الجبلية المعزولة.
الوجه الثالث — الصيد غير القانوني: نزيف الحياة البرية
أوجدت ممارسات الصيد غير القانوني الاتجارَ بأصناف عدة من الحيوانات المهددة بالانقراض. ومن بين المخالفات الموثقة بيع أنواع من الحيوانات البرية في الأسواق التونسية أو تهريب بعضها عبر الحدود إلى الجزائر أو ليبيا.  
وتتمحور المخالفات بغالبيتها حول الصيد دون ترخيص أو امتلاك بندقية صيد غير مرخصة، وسط نقص ملحوظ في عدد المراقبين.   فالأنواع النادرة من الطيور والثدييات تُصطاد في وضح النهار بينما يقف الغطاء السياسي أحياناً حائلاً دون الملاحقة القضائية.
ثالثاً: قانون موجود... وتطبيق غائب
تمتلك تونس منذ 1988 مجلة الغابات التي نُقِّحت عدة مرات، آخرها سنة 2005، وتتضمن أحكاماً رادعة للاحتطاب والصيد والحرائق المتعمدة. لكن تنقيح مجلة الغابات وحده لا يكفي في غياب آليات التطبيق الفعلي على أرض الواقع.  
والهشاشة أرقام لا تكذب: تعاني إدارة الغابات من نقص كبير في عدد الحراس الذي يبلغ حالياً 7500، في حين أن العدد الواجب توفيره هو 13300 حارساً، وهو ما يجعل كل عون مسؤولاً عن 2000 هكتار.  
وإعادة التشجير تراجعت هي الأخرى؛ إذ شهدت عمليات إعادة تشجير الغابات انخفاضاً حاداً بين سنتي 2009 و2017 من 11249 هكتاراً إلى 2601 هكتار فقط.  وحتى ما يُشجَّر لا يصمد دائماً، إذ تتلف قرابة 50 بالمئة من المساحات المشجرة بسبب عوامل طبيعية وبشرية متشابكة.  
رابعاً: الجذر الحقيقي للمشكلة — الإنسان المهمَّش
لا يمكن فهم نهب الغابات دون فهم البؤس الذي يحيط بها. يتركز 9 بالمئة من سكان تونس أي ما يقارب 250 ألف عائلة في تجمعات قروية وحضرية تقع في المناطق الغابية، يستوطن ثلاثة أرباعهم في منطقتي الشمال الغربي والوسط الغربي اللتين توصفان اقتصادياً بـ"الأقل حظاً من التنمية"، وحيث تتجاوز نسب البطالة ضعف معدلها الوطني.  
وتكشف البيانات الرسمية أن نسبة البطالة في الوسط الغابي تفاقمت لتبلغ حالياً 30 بالمئة، فيما ارتفعت نسبة الفقر في هذا الوسط إلى نحو 45 بالمئة.  
إنسان جائع، يسكن في غابة، لا يجد عملاً، ولا تصله خدمات الدولة — هذا هو المحرك الحقيقي لكثير من جرائم الغابة. لم تحجب كثافة الغابات الممتدة بؤس الوضع الاجتماعي لمن سكنوا فجواتها، ولم يؤدِّ اعتبار الغابة ثروة اقتصادية إلى تغيير معتبر في هذا الواقع  
خامساً: السبيل لتعود تونس خضراء
تعود تونس خضراء لا بالشعارات ولا بشجرة واحدة في عيد الشجرة، بل بمقاربة متكاملة تقوم على خمسة محاور:
أولاً — إشراك السكان لا محاربتهم: التسريع بالتعويضات وإيجاد منوال تنمية يخص سكان الغابات والمنفرجات والمناطق المتاخمة لها يُساعد بشكل كبير في تشجيع المتساكنين على اليقظة وحماية غاباتهم، كما أن تشريكهم في حماية مجالهم الحيوي من شأنه أن يعزز روح المواطنة لديهم.  سكان الغابة هم أفضل حارس لها حين يشعرون أنها لهم لا عليهم.
ثانياً — مضاعفة طاقم الحراسة: لا معنى لقانون بلا إنسان يطبقه. يجب الرفع الفوري من عدد حراس الغابات من 7500 إلى العدد المطلوب 13300، مع تزويدهم بالتجهيزات الحديثة وصلاحيات تنفيذية حقيقية.
ثالثاً — التشجير الذكي بأصناف مقاومة: إعادة التشجير يجب أن تتجاوز حصة الصنوبر السريعة الاشتعال، نحو أصناف أصيلة مقاومة للجفاف كالبلوط والعرعار والفلين، التي تعيد للغابة طابعها الطبيعي وتجعلها أقل قابلية للاشتعال.
رابعاً — تحديث مجلة الغابات بما يجرّم الحرق المتعمد: يجب أن تُطبَّق عقوبات رادعة حقيقية على مرتكبي الحرائق المتعمدة، مع توفير الإثبات الجنائي عبر الصور الجوية والأقمار الاصطناعية. لا يمكن أن تبقى 90 بالمئة من ملفات الحرائق مصنفة "ضد مجهول".
خامساً — تحويل الغابة إلى اقتصاد مستدام: إنتاج الفلين والزيوت العطرية والعسل الغابي وسياحة الطبيعة — كلها موارد يمكن أن تجعل من الغابة مصدر رزق قانونياً للسكان المحيطين بها، بدلاً من أن تكون مصدر خوف أو إغراء للنهب.                                                 سادساً: الإدارة الذكية — الغابة في عصر التكنولوجيا
لا يكفي الحارس الراجل وحده في مواجهة آلاف الهكتارات من الغطاء الغابي المتناثر بين الجبال والوديان. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تستثمر تونس في التكنولوجيا الحديثة لحماية ثروتها الغابية؟
أبراج المراقبة الذكية المرتبطة بالأقمار الاصطناعية
تعتمد دول رائدة في حماية الغابات كالبرتغال وكندا والبرازيل منظومة متكاملة من أبراج المراقبة المجهزة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار للدخان ودرجات الحرارة، مرتبطة مباشرة بمراكز عمليات تتلقى صور الأقمار الاصطناعية في الوقت الفعلي. هذه المنظومة تُمكِّن من الكشف عن بداية الحريق في دقائق لا ساعات، وهو الفارق الذي يحدد بين إنقاذ غابة أو رمادها. وتونس، بانخراطها في برامج الاتحاد الأوروبي للمراقبة البيئية عبر منظومة كوبيرنيكوس Copernicus، تملك نظرياً النافذة التقنية اللازمة — لكن الاستثمار في البنية التحتية الأرضية المكملة لهذه النافذة لا يزال دون المستوى المطلوب.
طائرات الدرون: العيون الطائرة فوق الغابة
تُشكِّل الطائرات المسيَّرة (الدرون) ثورة حقيقية في مراقبة الغابات. فهي قادرة على تغطية مئات الهكتارات في وقت قصير، ورصد الدخان قبل أن يتحول إلى حريق جامح، وتتبع المحتطبين وصائدي الحيوانات المهددة بالانقراض في عمق الغابة حيث لا تصل السيارات. ويمكن للدرون المجهزة بكاميرات الأشعة تحت الحمراء اكتشاف النيران في الليل ومنذ شرارتها الأولى. بعض الدول ذهبت أبعد من ذلك بتطوير درون لإعادة التشجير، إذ تُطلق آلاف بذور الأشجار في المناطق المحترقة بدقة جغرافية متناهية.
منظومة الإنذار المبكر المتكاملة
الحل الأمثل يجمع بين الثلاثة: أبراج مراقبة ثابتة + درون متحركة + صور الأقمار الاصطناعية، كلها مرتبطة بمركز قيادة وطني واحد للغابات يعمل على مدار الساعة طوال أشهر الجفاف. هذه المنظومة لا تكتفي بالاستجابة للحريق بل تتنبأ به عبر رسم خرائط الخطر بناءً على درجات الحرارة وسرعة الرياح ومؤشرات الجفاف — وهو ما بدأت تونس بخطوات أولية متواضعة نحوه، لكنه يحتاج إلى قرار سياسي واضح وتمويل مستدام.
ما تكلفته؟
الاستثمار في هذه المنظومة ليس ترفاً. إذا كان احتراق الهكتار الواحد يُكلِّف بين 20 و50 ألف دينار، وإذا كانت تونس تخسر آلاف الهكتارات سنوياً، فإن درون مراقبة بعشرات الآلاف من الدنانير ستوفر على خزينة الدولة مئات الملايين. المعادلة مربحة بكل المقاييس — لكن يبدو أن منطق الطوارئ لا يزال يتغلب على منطق الوقاية في قرارات الدولة التونسية.
خلاصة: الغابة مرآة الدولة
حال الغابة التونسية هي حال الدولة بالضبط: قوانين موجودة دون تطبيق، ثروات حقيقية دون حماية، وإنسان مهمَّش يُدفع قسراً إلى الاستنزاف. تُكلِّف تكلفة احتراق الهكتار الواحد بين 20 و50 ألف دينار، فيما يتكلف إعادة تشجير الغابة حوالي 9 آلاف دينار — مع العلم أن الأشجار تتطلب سنوات طويلة لتعود إلى حجمها الطبيعي.  
تونس التي كان المسافر يسير فيها في الظل لم تمت، لكنها تنتظر دولة تقرر أن الغابة ليست ديكوراً للمناسبات الوطنية، بل ثروة استراتيجية تستحق الدفاع عنها كما يُدافَع عن الحدود.
المراجع
نواة — "الغابات في تونس ثروة متفحمة"، جويلية 2024: https://nawaat.org
المفكرة القانونية — "حرائق الغابات في تونس: التحوّل المناخي وضعف الدولة"، أوت 2024: https://legal-agenda.com
المفكرة القانونية — "الفجوات الغابية في تونس: واقع صعب وأفق واعد"، جانفي 2021: https://legal-agenda.com
بابنت — "حرائق الغابات تتراجع في صائفة 2024 إلى 246 حريقاً"، نوفمبر 2024: https://www.babnet.net
العربي الجديد — "الصيد البري: هواية تحت المراقبة في تونس"، أكتوبر 2021: https://www.alaraby.co.uk
عروبة22 — "كابوس حرائق الغابات في تونس: ليست الحرارة وحدها السبب"، أوت 2024: https://ourouba22.com
إنكفاضة — "بيانات مصورة: الحرائق ونيران الغابات في تونس"، أوت 2024: https://inkyfada.com
الصباح نيوز — "من تأثير المناخ إلى تنامي الحرائق والجرائم البيئية: الثروة الغابية مهددة"، 2024: https://www.assabahnews.tn
نواة — "نساء الجبال والغابات: منسيات من الدولة"، ديسمبر 2024: https://nawaat.org
مجلة الغابات التونسية — قانون عدد 20 لسنة 1988 وتعديلاته: http://www.legislation.tn


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...