التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قراءة من زاوية اخرى في النصر الايراني : بقلم محسن النابتي


 


كل جسم ينهار اذا تم تفتيت مركز الثقل  centre de gravité ومركز الثقل في الدولة هو حيث تتكثف القوة المادية والمعنوية،ويحاول العدو التوجه مباشرة لضرب مركز الثقل لاحداث عملية الانهيار السريع وكسب الحرب بأسرع وقت ممكن ،وقد دخل الامريكان متسلحين بتجربتهم في تقويض الدول العربية وتفتيتها وعلى هذا الأساس كان التقدير الاستراتيجي قائم على ان المرشد الشهيد خامنئي هو مركز الثقل في النظام والدولة وضربه سيجعل بقية الجسم ينهار تلقائيا.

وكان هذا اول تقدير خاطئ فالمرشد ليس شخص وإنما مؤسسة كاملة وهو منتخب من مجلس الخبراء وحتى كثير من النخب البائسة عربيا لم تكن تدرك ان المرشد منتخب وخاضع للمحاسبة وحتى العزل .

النظام الايراني مركز الثقل فيه ليس شخص وإنما جملة مؤسسات استراتيجية تتوزع بينها مراكز القرار بشكل دستوري رائع تتكامل وتراقب بعضها البعض وهي المرشد ومكتبه ومستشاريه، ومجلس خبراء القيادة، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، والرئاسة والحكومة، ومجلس الشورى ( البرلمان )،ومجلس الأمن القومي...

ولذلك تفاجأ الامريكان بأن تحييد المرشد لم يؤثر على النظام وتحييد رئيس مجلس الأمن القومي كذلك واكتشوا ان الاغتيالات مجرد جرائم يرتكبونها لأن المؤسسات ليست أشخاص وان مراكز الثقل في النظام موزعة ولا يمكن تقويضها بضربة واحدة حتى ولو طالت  المرشد وكبار قادة القوات المسلحة على عكس دول أخرى وخاصة العربية منها هناك مركز ثقل في النظام هو الرئيس اي centre de gravité اذا حيدته بأي طريقة يتداعى بناء النظام للسقوط الحر .

توزيع مراكز الثقل داخل النظام السياسي اعتمد ايضا في علاقة بالمؤسسة العسكرية حيث تم توزيع مراكز الثقل بين الجيش والحرس الثوري والباسيج اي ان ايران تقاتل بثلاثة طبقات وكما كان توزيع المهام والصلاحيات داخل النظام السياسي على تعدد مراكز القوة فيه بتناسق وتكامل ورقابة كان الامر نفسه بين القوى المسلحة.

وهناك ملاحظة جوهرية في كلا المؤسستين السياسية والعسكرية ان تنوع وتوزع مراكز القوة  والتكامل بينها حقق ايضا تجاور الدولة والثورة بشكل استثنائي .

فيمكن القول ان المرشد ومجلس الخبراء هم مؤسسة الثورة ،والرئاسة والبرلمان مؤسسة الدولة،الامر نفسه بين الجيش وحرس الثورة وبالتالي لم يحصل ابتلاع الثورة من الدولة كما حصل في تجارب عربية بحيث قتلتها وحولتها الى بيروقراطية وافقدتها زخمها ولا الثورة انهكت الدولة،وهذا ما يفسر حجم التعبئة العقائدية والشعبية والرسمية بعد حوالي نصف قرن من الثورة مع الالتزام بمقتضيات الدولة ومؤسساتها فالانتخابات تجري في إيران مهما كانت الظروف لا وجود لأحكام عرفية او غيره في ذروة الحرب العراقية الإيرانية جرت الانتخابات بعد تفجير تقريبا كل القيادة ولم ينجوا الا المرشد وكذلك بعد موت رئيسي وفي هذه الحرب تم تم انتخاب المرشد الجديد تحت القصف .

توزيع مراكز الثقل لم تقتصر على النظام والقوات المسلحة وإنما طالت البرنامج النووي حيث تم توزيعه على وحدات كثيرة متكاملة ومترابطة وضرب اي جزء لا يعني انهاء البرنامج وكذلك برنامج الصواريخ والمسيرات ...

الدولة الإيرانية في كل مستوياتها تم اعدادها بحيث لا يمكن للعدو ان ينهيها بضربة قاسمة وبالتالي تقاتل بطبقات متعددة سياسيا وعسكريا وحتى اجتماعيا ولذلك كلما تقدمت الحرب وكلما ظن ترامب ان الامر انتهى خرج له من ايران من يقول له بأعلى الصوت ليس بعد،وفي النهاية اقتنع ترامب مجبرا على أنه امام نموذج غير قابل للهزيمة ولا يشبه احدا الا نفسه ورضخ صاغرا للشروط الايرانية فالنصر ليس في القتل والتدمير وانما في تحقيق الأهداف،وترامب عجز عن تحقيق اهدافه المعلنة وهي :

- إسقاط النظام 

- إنهاء الملف النووي بالكامل.

- إنهاء برنامج الصواريخ البالستية بالكامل .

 - إنهاء علاقة إيران بقوى المقا ومة في المنطقة .

>>>والهدف النهائي كنتيجة لهذه الأهداف هو إسقاط الدولة الإيرانية بالكامل من خلال الفوضى والتقسيم.

هل حقق شيئا من هذا :

النظام الايراني قائم وأكثر تماسك وشباب برغم الخسائر في قادة الصف الأول واكبر كسب هو تأكيد ان النظام الإيراني مؤسسات وليس افراد،البرنامج النووي قائم والأهم هو العقول الإيرانية  ،برنامج الصواريخ صار أقوى،علاقة إيران بقوى المقا ومة أقوى وأكثر ثقة، الأمة الإيرانية أكثر وحدة وتماسك وكسبت حضور وقوة معنوية تضاهي قوى عظمى في العالم حيث أعاد العالم اكتشاف الحضارة الإيرانية كأهم الحضارات الإنسانية .

ولكن ايران لم تكتفي بتعطيل الأهداف الأمريكية بل حققت مكاسب جديدة اهمها : 

- مضيق هرمز  مكسب ايران النووي الجديد والأخطر .

- ثبتت ايران نفسها كقوة اقليمية وانهت عملية ابتزازها من قبل عملاء امريكا في المنطقة التي استمرت لعقود ظنا من هذه القوى ان وجود القوة الأمريكية على أراضيها رادع لإيران.

- ضربت إيران الهيبة الأمريكية العسكرية في مقتل ومن خلالها أطاحت بقوة الردع الأمريكية حيث كانت أمم تستسلم بمجرد ان تلوح أمريكا بالقوة.

في انتظار المكاسب المادية في صورة تثبيت الاتفاق : 

- رفع العقوبات وانهاء الحصار الذي شكل أكبر نزيف لايران منذ الثورة 1979 .

- الإفراج عن الأموال المجمدة .

>>> نتيجة هذا عودة ايران للاقتصاد العالمي متسلحة بقوة ذاتية ومناعة مجتمعية والأهم بقوة تكنولوجية وبشرية رهيبة مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا الدقيقة ...الى جانب نقاط قوة ايران التقليدية وهي كبر السوق والمجال الجغرافي والموقع والامكانيات الطاقية ...


والخلاصة ايران انتصرت

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...