حين ننتقد تراث المتقدمين من فقهاء الأمة، قد نجد لهم بعض العذر في تبنّي مواقف تبدو اليوم شاذّة وخارجة عن سياق العصر، إذ كانوا أسرى زمانهم ومحدودية معارفه. أما أن يتبنّى معاصرون لنا نفس تلك المواقف بأسلوبها ومصطلحاتها، في تبعية مطلقة وتقديس أعمى لأفكار من سبقهم، فتلك طامة كبرى تستوجب الوقوف والتحليل. وفي هذا السياق يتنزّل كتاب "الملخص الفقهي" لمؤلفه صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان (1)، الصادر عن دار العاصمة بالرياض في طبعته الأولى سنة 1423هـ، في جزأين: خصّص أولهما لفقه العبادات (الطهارة، الصلاة، الزكاة، الحج، الجهاد)، وثانيهما لفقه المعاملات على المذهب الحنبلي.
يسعى هذا المقال إلى مساءلة هذا الكتاب من زاوية نقدية رشيدة، تكشف كيف تتحوّل اجتهادات فقهية تعود إلى القرن الثالث الهجري إلى نص يُراد تنزيله على واقع القرن الحادي والعشرين دون أي مراجعة أو تجديد، مع ما يحمله ذلك من إساءة بالغة لمكانة المرأة، وتضييق على العقل، ومصادرة لمستجدات العصر.
المحور الأول: المؤلف ومكانته المؤسسية
يُعدّ صالح الفوزان من أبرز الوجوه الدينية الرسمية في المملكة العربية السعودية، فهو عضو في هيئة كبار العلماء، وعضو في المجمع الفقهي بمكة المكرمة التابع لرابطة العالم الإسلامي، وعضو في لجنة الإشراف على الدعاة في موسم الحج، إلى جانب عضويته في اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء (2). وهو إمام وخطيب ومدرّس في أحد جوامع الرياض، له مشاركات إذاعية منتظمة، وأكثر من ستين مؤلفاً، فضلاً عن إشرافه على عدد من الرسائل الجامعية في الماجستير والدكتوراه (3).
هذا الثقل المؤسسي هو ما يجعل من الضروري تفحّص ما يصدر عنه من فتاوى ومؤلفات بعين النقد، فهي ليست آراء فردية عابرة، بل تشكّل مرجعية يُحتكم إليها في تنظيم حياة شريحة واسعة من الناس.
المحور الثاني: مواقف مثيرة للجدل خارج الكتاب
قبل الدخول إلى نص "الملخص الفقهي"، تجدر الإشارة إلى مواقف سابقة للمؤلف تكشف عن المنهج الفكري الذي يحكم كتاباته:
في موضوع الرق: أقرّ الفوزان بأن الرق جزء من الإسلام، وربطه بمفهوم الجهاد، معتبراً معارضي هذا الموقف من المسلمين جاهلين وغير علماء (4).
في موضوع المخالفين في المذهب: نُسب إليه خطاب وُصف بأنه معادٍ للشيعة، وصف فيه أتباع هذه الطائفة بأوصاف تكفيرية تصل إلى نسبتهم إلى الكذب على الله ورسوله (5).
في موضوع شهادة البدوي: ذهب في شرحه لحديث نبوي إلى أن شهادة البدوي لا تُقبل على الحضري، مستدلاً بجهل البدو وجفائهم، وهو موقف عارضه فقهاء آخرون من أصحاب المذاهب الأخرى ممن قبلوا شهادة البدوي ما لم تكن عدالته مجهولة (6).
هذه المواقف الثلاثة، رغم تفاوت خطورتها، تكشف عن نسق فكري واحد: استدعاء فقه القرون الأولى بحرفيته، دون أي محاولة لقراءته في ضوء مقاصد الشريعة أو معطيات العصر.
المحور الثالث: المرأة في "الملخص الفقهي" — نماذج من الفقه المعتوه
يمثّل ما ورد في الكتاب حول المرأة الوجه الأكثر صدمة في هذا المؤلَّف، فهو يستعيد فقه أحمد بن حنبل كما تشكّل في القرن الثالث الهجري، في مواجهة الفكر العقلاني المعتزلي حينها، ليقدّمه اليوم بصفته ديناً ثابتاً لا يجوز الخروج عنه.
أ. تعدد الزوجات دون قيد
يبيح الكتاب التعدد لمن توفرت له القدرة والأمن من الحيف، مستنداً إلى الآية القرآنية في سورة النساء، ومعتبراً إباحة التعدد من "محاسن الشريعة" التي تصلح لكل زمان ومكان (7). وهذا فهم سطحي يتجاوز السياق الذي وردت فيه الآية أصلاً، والمتعلق برعاية اليتامى، ليحوّلها إلى إباحة مطلقة منفصلة عن سياقها التاريخي والمقاصدي.
ب. عشرة النساء وتراتبية الخضوع
يقدّم الكتاب جملة من الأحاديث التي تؤسس لعلاقة غير متكافئة بين الزوجين، منها ما يصل إلى تشبيه حق الزوج على زوجته بحق السجود، أو وصف من تمتنع عن فراش زوجها بأنها ملعونة حتى الصباح (8). وهي صياغات تُسقط على المرأة وضعاً أقرب إلى التبعية المطلقة منه إلى الشراكة الزوجية التي يقوم عليها مفهوم "المعاشرة بالمعروف" الذي تستشهد به الآيات القرآنية نفسها.
ج. تحريم السفر ووصاية الأولياء
يذهب الكتاب إلى تحريم سفر الزوجة مع زوجها إلى "البلاد الخارجية الكافرة" لمجرد النزهة، بل يصل إلى وصف شهر العسل بـ"شهر السم"، ويطالب أولياء الزوجة بمنعها من السفر مع زوجها ولو رضيت هي بذلك، بدعوى أنها "قاصرة النظر لنفسها" (9). وهنا تتجلى أقصى درجات الوصاية على المرأة، إذ يُنزع عنها حق التصرف في أمرها الخاص حتى داخل العلاقة الزوجية المشروعة.
د. سقوط النفقة عقاباً
يقرر الكتاب سقوط حق المرأة في النفقة والقسم إن سافرت بغير إذن زوجها، أو رفضت مرافقته في سفره، أو امتنعت عن فراشه، معتبراً ذلك في كل الحالات نوعاً من "النشوز" و"العصيان" (10). وهي أحكام تحوّل العلاقة الزوجية إلى منظومة عقابية مالية، بعيدة كل البعد عن مفهوم السكن والرحمة الذي يؤسس له القرآن الكريم لهذه العلاقة.
المحور الرابع: قراءة نقدية في بنية الكتاب ومنهجه
يكشف تصميم الكتاب نفسه عن قصور منهجي عميق. فالجزء الأول، المخصص للعبادات، يحصر مفهوم العبادة في الطهارة والصلاة والزكاة والحج والجهاد، في تضييق لمعنى قوله تعالى: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون"، وهي آية تحمل في دلالتها الأوسع كل عمل صالح في الحياة، لا الشعائر التعبدية فحسب.
أما الجزء الثاني، المخصص للمعاملات، فيكتفي بتلخيص الفقه الحنبلي التقليدي في البيوع والشركة والمساقاة والمغارسة والحدود والقضاء والطلاق، دون أي انفتاح على مستجدات العصر: التقدم العلمي، الصناعة الحديثة، العلاقات الدولية، الحقوق الفردية والجماعية، الاقتصاد المعولم، وتبادل السلع والخدمات والمعلومات في عالم تحوّل إلى قرية صغيرة. وبذلك يُغلق الكتاب الباب أمام كل اجتهاد يستجيب لواقع متغيّر، مكرّساً فقهاً جامداً يعيد إنتاج القرن الثالث الهجري بحرفيته.
الخاتمة
يقدّم صالح الفوزان، في ظل موقعه المؤسسي الرسمي وتأثيره الواسع عبر مؤلفاته وفتاواه، صورة قاتمة عن التعامل مع المرأة، وكأنها كائن ناقص الأهلية يحتاج إلى وصاية دائمة، لا إنسانة كاملة الحقوق والكرامة. وهو بذلك يعيد إحياء رؤى بشرية محكومة بظروف نشأتها التاريخية في القرن الثالث الهجري، ويُسبغ عليها صفة الديمومة والقداسة، متجاهلاً أن هذه الرؤى نتاج بيئة بعينها، لا نص مقدّس ثابت.
إن مثل هذا الفقه، حين يُقدَّم اليوم بوصفه التمثيل الشرعي الوحيد للإسلام، لا يخدم الدين بقدر ما يشوّه صورته أمام عالم يتغيّر، ويُبقي شريحة واسعة من المسلمين رهينة تصورات لا تمت بصلة إلى روح العصر ولا إلى مقاصد الشريعة الكبرى في العدل والكرامة الإنسانية.
الهوامش:
(1) الملخص الفقهي، صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان، دار العاصمة، الرياض، الطبعة الأولى، 1423هـ.
(2) نفس المصدر، ترجمة المؤلف.
(3) نفس المصدر.
(4) منظمة هيومن رايتس ووتش، تقرير حول خطابات دينية متعلقة بالرق.
(5) نفس المصدر، حول خطاب كراهية متعلق بالشيعة.
(6) تصريحات منسوبة إلى عضو لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية في مجلس الشورى السعودي تعليقاً على موقف الفوزان من شهادة البدوي.
(7) الملخص الفقهي، باب التعدد، استناداً إلى سورة النساء، الآية 3.
(8) الملخص الفقهي، باب في عشرة النساء.
(9) نفس المصدر.
(10) الملخص الفقهي، باب فيما تستحقه الزوجة من نفقة وقسم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق