التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حديد تونس بين مطرقة سوء التصرف وسندان اللوبيات: قراءة في استنزاف ثروة استراتيجية بقلم: الناصر خشيني

 


تعد صناعة الحديد والصلب في تونس عنواناً لسيادة اقتصادية مهدورة، حيث تحول قطاع كان من المفترض أن يكون قاطرة للتنمية إلى ساحة مفتوحة للصراعات والمضاربات. إن ما يشهده "مصنع الفولاذ" بمنزل بورقيبة اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو نتاج تضارب مصالح بين الدولة الساعية لاستعادة أصولها، و"لوبيات" ترى في استمرار الإنتاج الوطني عائقاً أمام أرباحها القائمة على الاستيراد والسمسرة.
أولاً: الثروة المنسية.. من المناجم إلى "الخردة"
تمتلك تونس إرثاً تعدينياً هاماً يرتكز على منجم جبل الجريصة بالكاف، الذي يمثل العمود الفقري لتزويد الصناعة الوطنية بالمادة الخام، بطاقة إنتاجية تاريخية كانت تتراوح بين 500 و600 ألف طن سنوياً. لكن، وبدلاً من تطوير هذا المنجم وربطه بسلسلة إنتاج متكاملة، عانى الموقع من تهميش تقني وتراجع في الاستثمارات.
بالتوازي مع ذلك، برزت فضيحة "الخردة" (Scrap)؛ حيث تقبع مئات آلاف الأطنان من الحديد عالي الجودة في مستودعات السكك الحديدية والشركات العمومية، ملقاة في العراء لتأكلها الصدأ، في حين يُحرم منها مصنع الفولاذ. هذه المادة الأولية، التي تُقدر قيمتها بمئات الملايين، كانت تُباع أحياناً بأسعار زهيدة لوسطاء يقومون بتصديرها، مما يُجبر الدولة لاحقاً على استيراد حديد مصنع بالعملة الصعبة.
ثانياً: الفوارق التقنية.. لماذا الحديد الوطني أفضل؟
من الناحية الفنية، يبرز فرق شاسع بين المنتج الوطني والحديد المستورد (خاصة الجزائري الذي يغرق السوق حالياً):
  1. المواصفات (NT): يخضع الحديد التونسي للمواصفات التونسية الصارمة التي تضمن نسبة مرونة عالية (Elongation). هذا يعني أن الحديد التونسي "يطاوع" البناء عند وقوع ضغوط هيكلية أو اهتزازات.
  2. أزمة الحديد الصلب (Acier Dur): يشتكي المقاولون من أن الحديد المستورد غالباً ما يكون "صلبًا" بشكل مفرط؛ فعند ثنيه في الورشات، يتعرض للتشقق أو الكسر الفجئي (ما يعرف بـ "الطرشقة")، وهو ما يمثل خطراً إنشائياً جسيماً على المدى الطويل.
ثالثاً: اللوبيات وسيناريو "الغلق للتفويت"
تتحرك في الكواليس لوبيات قوية تتبع استراتيجية "التجويع فالتفويت". تبدأ العملية بتعطيل تزويد المصنع بالمادة الخام، ثم افتعال أزمات في الصيانة أدت لتراكم ديون تجاوزت 450 مليون دينار. هذا التوقف المتعمد يخلق نقصاً حاداً، يبرر التدخل العاجل لـ "كبار المستوردين" الذين يعوضون المنتج الوطني بمنتجات مستوردة أقل جودة وأعلى ربحية لهم. والهدف النهائي هو إيصال المصنع إلى حالة "الموت السريري" ليتم التفويت فيه بأسعار بخسة لمستثمرين يتربصون بالقطاع.
رابعاً: الخاتمة واستراتيجية الإنقاذ الوطني
إن إنقاذ ثروة الحديد التونسية لم يعد ترفاً، بل هو معركة استرداد سيادة. ولتحقيق ذلك، يجب على الدولة تبني خارطة طريق واضحة تعتمد على:
  1. التكامل المنجمي: إعادة إحياء منجم جبل الجريصة وتطوير تقنيات الاستخراج لضمان تدفق المادة الخام بانتظام نحو منزل بورقيبة.
  2. تأميم "الخردة": تفعيل المراسيم التي تمنح مصنع الفولاذ الأولوية المطلقة والحصرية في الحصول على فضلات الحديد من كافة مؤسسات الدولة مجاناً أو بأسعار رمزية.
  3. الحماية الجمركية والنوعية: فرض رقابة مخبرية صارمة على الحديد المستورد، ومنع دخول أي شحنات لا تطابق مواصفات السلامة التونسية، مع فرض رسوم تحمي الصناعة المحلية من الإغراق.
إن الحديد التونسي هو عصب البناء والأمن القومي، وإعادة الروح لمصنع الفولاذ هي الرسالة الأقوى بأن الدولة لن تترك ثرواتها لقمة سائغة في أفواه المحتكرين.

المصادر المرجعية:
  • تقارير شركة جبل الجريصة ووزارة الصناعة (تونس).
  • بيانات المعهد الوطني للإحصاء حول واردات التعدين.
  • تصريحات رئاسة الجمهورية حول "ملف الخردة المنهوبة" (2023-2024).
  • تقارير فنية من عمادة المهندسين والمقاولين حول جودة حديد التسليح

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...