مدخل
ثمة مفارقة مؤلمة تعيشها تونس منذ سنوات: دولة تُنفق من مال الشعب مئات الملايين لتكوين أطبائها ومهندسيها وأساتذتها، ثم تُقدّمهم على طبق من ذهب للاقتصادات الأوروبية والخليجية التي تستقبلهم بأذرع مفتوحة. وفي الوقت ذاته، يتقطر المواطن في طوابير الانتظار أمام مستشفيات مُنهَكة، ويعاني الاقتصاد من شُحّ في الكفاءات التقنية، بينما تتراكم في الجامعات حملة الشهادات المُعطَّلون الذين لا يجدون لهم موطئ قدم في سوق عمل منهكة. هذا الهدر المزدوج للثروة البشرية هو موضوعنا، بكل أرقامه ومفاعيله وحلوله الممكنة.
أولاً: حجم الكارثة بالأرقام
الأرقام المتعلقة بهجرة الكفاءات لا تحتاج إلى تعليق، فهي صادمة بذاتها.
في قطاع الطب: شهدت سنة 2024 هجرة حوالي 1450 طبيباً تونسياً إلى الخارج، وكشفت دراسة للمرصد الوطني للهجرة أن 3300 طبيب غادروا تونس ما بين سنتَي 2015 و2020. (Ultra Tunisia) والمجموع الإجمالي للأطباء المهاجرين بلغ حتى مطلع 2024 نحو 4 آلاف طبيب من أصل 29 ألف طبيب مسجلين، ويغادر تونس سنوياً 80% من الأطباء الشبان حديثي التخرج، وجهتهم الأساسية ألمانيا وفرنسا ودول الخليج وكندا. (Ourouba22)
في قطاع الهندسة: وصلت هجرة المهندسين إلى 6500 مهندس خلال عام 2022 وحده، وهو رقم يتضاعف من سنة إلى أخرى. (AA.com.tr) وفي غضون خمس سنوات فقط، هاجر حوالي 40 ألف مهندس تونسي. (Al Arab)
في قطاع التمريض والأطر شبه الطبية: بلغ عدد المنتدبين للعمل بالخارج عبر الوكالة التونسية للتعاون الفني 3650 إطاراً سنة 2024، استأثر قطاع الصحة منهم بـ1244 إطاراً طبياً وشبه طبي، أي ما يعادل 43% من مجموع الانتدابات. (Ultra Tunisia)
الكلفة المالية على دافع الضرائب: تكوين طبيب واحد في تونس يكلّف أكثر من 100 ألف دينار عن السنة الواحدة، ما يعني أن التكوين الكامل لطبيب متخصص يُثقل كاهل الميزانية العامة بمبالغ طائلة. (Ourouba22) وقد أكد رئيس لجنة التربية بالبرلمان أن كلفة تكوين الأطباء والمهندسين، البالغة نحو 34 ألف دولار للفرد، يتحمّلها التونسيون من دافعي الضرائب دون أن يستفيدوا من خدماتهم. (Al Hurra)
ثانياً: الأسباب الجذرية... ليس الفرار شهوة سفر
من الإجحاف وصف الأطباء والمهندسين المهاجرين بناكري الجميل دون استيعاب الأسباب الهيكلية التي تدفعهم إلى الرحيل. فالمهاجر لا يهرب من وطنه، بل يهرب من شروط عمل لا تليق بكفاءته.
الأجور الضعيفة تُعدّ أبرز أسباب هجرة المهندسين والأطباء التونسيين، فضلاً عن محدودية التطور المهني وغياب الاعتراف بالكفاءة. (AA.com.tr) وقد خلصت دراسة نشرها معهد الصحة والسلامة المهنية في يناير 2026 إلى أن 84.6% من الممرضين المهاجرين يغادرون بسبب تدني الرواتب، و76.9% بهدف تحسين ظروفهم المعيشية. (Ultra Tunisia)
يُضاف إلى ذلك اختلال التوازن بين الجهد المبذول والأجر المقبوض، وظروف العمل في المستشفيات، وغياب الحماية الأمنية للأطباء. (AA.com.tr) ناهيك عن أن الطبيب الشاب يُلقى في الشارع بعد سنوات من الدراسة دون ضمان لتشغيله ودون منظومة دعم تُعينه على الانطلاق.
أما على صعيد المنظومة الكبرى، فإن عميد المهندسين يُرجع استفحال الظاهرة إلى تقادم المنوال التنموي والاقتصادي الذي يعود إلى الستينيات، مشيراً إلى أنه كان بالإمكان الاستفادة من هؤلاء الخريجين لخلق الثروة لو أن الاقتصاد مبني على اقتصاد المعرفة بدلاً من الاقتصاد الريعي السائد. (Al Jazeera)
في المقابل، تقدّم أوروبا ما لا تستطيع تونس تقديمه. تضاعف عدد الأطباء التونسيين الذين تنتدبهم فرنسا من 80 طبيباً لقسم الطوارئ عام 2019، إلى 160 طبيباً عام 2023، ثم إلى 250 طبيباً عام 2024، أي ما يساوي 50% من الأطباء الناجحين التونسيين. (AA.com.tr)
ثالثاً: بطالة الخريجين... المفارقة الكبرى
والمعادلة بالغة الغرابة: تونس تُصدِّر كفاءاتها وتعاني في الوقت ذاته من بطالة مرتفعة بين حاملي الشهادات العليا.
ارتفعت نسبة البطالة في صفوف حاملي الشهادات العليا إلى 23.4% خلال الثلاثي الأول من 2024، وتبلغ 31.2% لدى الإناث منهم. (Al Arab) وبلغ عدد خريجي التعليم العالي أكثر من 50 ألفاً سنة 2019-2020، في مقابل سوق شغل لا تستوعبهم. (Al Jazeera)
والأشد مرارة أن 89% من خريجي الجامعات التونسية يرغبون في الهجرة (Aajsa) ، وهو رقم يُلخّص في رقم واحد عمق اليأس وهشاشة الثقة في المستقبل. ويرى خبراء أن جوهر الأزمة يكمن في الاختلال بين ما توفره الجامعات من شهادات وما تطلبه سوق الشغل، وهو اختلال يعود إلى غياب الإصلاح التشاركي وضعف التأطير جراء هجرة الأساتذة الأكفاء لانعدام التحفيز. (Al Jazeera)
رابعاً: ما صدر من قوانين وما بقي حبراً على ورق
لم تقف الدولة مكتوفة الأيدي تماماً، بيد أن ردود أفعالها تبدو في الغالب انفعالية لا استراتيجية.
في مشروع قانون الموازنة لسنة 2025، تقدّم نواب بمبادرة تشريعية تُلزم الكفاءات المهاجرة بتسديد 50% من تكلفة تعليمهم على أقساط تمتد خمس سنوات، تُدفع بموجب عقد مع المشغّل الأجنبي. (Alpheratzmag)
غير أن هذا المقترح فجّر جدلاً واسعاً، وذلك لأسباب موضوعية. أشار المعارضون إلى أن إلزام الأطباء بدفع تعويضات مالية قد يُعزّز عزوف الشباب عن دراسة الطب، ويُغلق الباب أمام عودة الكفاءات الطبية التي تفكر في الاستثمار داخل تونس. (Alpheratzmag) وقد جاء مشروع القانون دون حوار وطني شامل ودون تشاور مع النقابات المهنية والجهات المعنية. (Alpheratzmag)
والواضح أن معالجة عرض مؤلم بعقوبة مالية ليست حلاً جذرياً، بل هي تحميل الضحية وزر إخفاق المنظومة.
خامساً: الحلول الممكنة... شريطة الإرادة
الحلول الحقيقية معروفة ومدروسة، وليست وليدة الخيال، غير أنها تحتاج إلى شجاعة في التطبيق.
أولاً: إصلاح منظومة الأجور والحوافز. لا يمكن الاحتجاج بالولاء الوطني في مواجهة فارق صارخ بين الأجر في تونس وفي أوروبا. الحل يبدأ بمراجعة سلّم الأجور في القطاع الصحي والتقني، وربطه بمعايير موضوعية تُحترم. من بين المقترحات التي أوصى بها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية: دعم المهندسين مالياً ومهنياً، وتحسين مناخ الاستثمار ليتمكنوا من إنشاء مؤسسات خاصة تخلق الثروة وتُشغّل الناس. (AA.com.tr)
ثانياً: إصلاح منظومة التكوين والتوجيه. التعليم الذي ينتج خريجاً لا تحتاجه سوق الشغل هو هدر مزدوج. يجب مراجعة التخصصات الجامعية وربطها باحتياجات الاقتصاد الفعلي، مع تطوير نظام التدريب المهني كبديل عملي يُقلّص الهوة بين الشهادات ومتطلبات العمل.
ثالثاً: تشجيع عودة الكفاءات المهاجرة. بدلاً من معاقبة المهاجر، الأجدى استقطابه بحوافز ملموسة كالإعفاءات الضريبية، والتسهيلات في التشغيل وفتح العيادات والمكاتب الهندسية، وبرامج تُمكّنه من الإسهام في التنمية حتى من الخارج. وقد أوصت الدراسات بأن تسعى تونس لتصدير المنتجات والخدمات عوضاً عن تصدير المهندسين والأطباء. (AA.com.tr)
رابعاً: تعديل عقد التكوين بصورة عادلة. الفكرة الجوهرية معقولة: من تكوّن على نفقة الدولة، يُلتزم بخدمة وطنية لفترة معقولة قبل الرحيل. غير أن تطبيق هذا المبدأ يستلزم في المقابل أن توفّر الدولة لهم شروط العمل اللائقة، وإلا فهو عقد من طرف واحد.
خامساً: ضرب الاقتصاد الريعي ووسطاء التشغيل. المهندس الشاب الذي لا يجد عملاً في وطنه لا يهاجر بالضرورة لغياب الكفاءة، بل لغياب البيئة الاستثمارية السليمة. إصلاح منظومة التشغيل يمر عبر تكسير شبكات المحسوبية في توزيع المناصب العمومية، وتفعيل مبدأ الكفاءة بدلاً من الولاء.
خاتمة
الدولة تنفق نحو 100 ألف دينار على كل طالب منذ بداية مسيرته الدراسية (Al Jazeera) ، ثم تتفرج عليه يحزم أمتعته نحو فرانكفورت وباريس وتورنتو. هذا ليس قدراً، بل هو نتيجة حتمية لسياسات تنموية متهالكة وأجور تُهين الكفاءة وبيئة عمل طاردة. الثروة البشرية التونسية حقيقية وموثوقة، والدليل أن الغرب يتسابق لاستقطابها. المسألة إذن ليست مسألة جودة الكفاءة، بل مسألة جودة السياسات. والسؤال المُلحّ: متى تُدرك الدولة أن الاستثمار في الإنسان وضمان كرامته لا يقل عن الاستثمار في الإنفراستركتشر والمشاريع الكبرى؟ وأن العقول التي تغادر اليوم لن تعود غداً بمجرد نداء وطني مُجوَّف لا يُرفق بأفعال؟
المراجع والمصادر
وكالة الأناضول، "هجرة الأطباء والمهندسين التونسيين: أسباب وحلول"، تحليل خاص، 2024.
موقع ألفراتس، "هجرة الكفاءات في تونس: مشروع قانون يُلزم الأطباء بالخدمة عشر سنوات"، يوليو 2025.
موقع أوروبا22، "معضلة هجرة الأطباء في تونس: الأسباب والحلول"، نوفمبر 2024.
موقع الحرة، "المال مقابل المغادرة: مقترح قانون يفتح ملف هجرة الكفاءات في تونس"، نوفمبر 2024.
صحيفة العرب لندن، "جدل في تونس حول مقترح قانون يفتح ملف هجرة الكفاءات"، 2024.
موقع الترا تونس، "دراسة: 84.6% من الممرضين يهاجرون بسبب تدني الرواتب"، فبراير 2026.
موقع الترا تونس، "1450 طبيباً تونسياً هاجروا إلى الخارج سنة 2024"، يناير 2025.
موقع الجزيرة نت، "باتت حلم الكثيرين: ماذا تخسر تونس من هجرة كفاءاتها؟"، أكتوبر 2022.
موقع AAJSA، "مستقبل الخريجين في تونس"، ديسمبر 2025.
صحيفة العرب لندن، "تفاوت بين الجهات والاختصاصات في معدلات البطالة في تونس"، سبتمبر 2025.
المرصد الوطني للهجرة التونسي، "هجرة الأدمغة والكفاءات"، تقديرات 2024.
المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية، دراسة حول هجرة المهنيين الصحيين، مارس 2024.
المعهد الوطني للإحصاء (INS)، مؤشرات التشغيل والبطالة 2024-2025.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق