قائمة المدونات الإلكترونية

الاثنين، 15 يونيو 2026

«ابن تيمية في قفص الاتهام المعاصر: هل شرعنت فتاوى الغزو التتاري وحشية الإرهاب الحديث؟» بقلم الناصر خشيني.

  


        تُعد إشكالية التراث الفقهي وعلاقته بظاهرة العنف المعاصر من أدق المباحث الفكرية التي تستدعي تفكيكاً بنيوياً هادئاً، بعيداً عن الانحياز الأيديولوجي أو الدفاع الاعتذاري. ويقع تراث الشيخ أحمد بن تيمية (ت 728هـ) في قلب هذا السجال، لا سيما الفتاوى التي عُرفت تاريخياً بـ "يستتاب وإلا قُتل". يسعى هذا المقال إلى قراءة هذه الفتاوى ضمن سياقها التاريخي المحكوم بالحروب الصليبية والغزو المغولي، مع رصد طبيعة تأثر حركات العنف المعاصر بها، وعرض الرؤى النقدية والتحليلية التي قدمها الفقهاء المعاصرون لتفكيك هذه المعضلة الفكرية.

أولاً: بنية الفتاوى الحَدّية وسياق "فقه النوازل" التاريخي
يكشف الاستقراء الإحصائي لمدونات ابن تيمية الفقهية، ولا سيما "مجموع الفتاوى"، عن وجود مساحة واسعة للأحكام المشروطة بصيغة الحسم القضائي: "يستتاب فإن تاب وإلا قُتل" [1]. وتشير الدراسات الاستقصائية المعاصرة إلى أن هذه الصيغة تكررت في سياقات مختلفة تتراوح ما بين 428 إلى أكثر من 460 موضعاً [2]، وشملت مسائل عقائدية فرعية، وعبادات عملية (كالمجاهرة بلفظ النية)، ومخالفات للمشهور من الفقه [3].
من الناحية التحليلية، لا يمكن فهم هذه الحدّة التشريعية بمعزل عن "فقه النوازل والحروب"؛ فقد عاش ابن تيمية في حقبة شهدت تصدعاَ جيوسياسياً مروعاً للأمة الإسلامية، تمثل في تزامُن بقايا الحملات الصليبية مع الاجتياح المغولي الكاسح الذي أسقط الخلافة العباسية في بغداد [4]. بناءً على هذا الواقع، تحولت الفتوى عنده من مجرد بيان للحكم الشرعي التكليفي الهادئ، إلى أداة لحفظ التماسك الاجتماعي، وحماية الجبهة الداخلية من التحلل والردة المقنّعة التي قد تمهد للغزو الخارجي، وهو ما يتضح جلياً في فتاواه الشهيرة ضد التتار [5].

ثانياً: آلية التوظيف الأيديولوجي لدى جماعات العنف المعاصر
انتقلت هذه الفتاوى من فضاء "التاريخ والنوازل الموقتة" إلى فضاء "العمل الحركي العابر للزمان" بفعل القراءة الانتقائية التي مارستها قوى التطرف والتشدد المعاصرة (كالتنظيمات الجهادية والتكفيرية) [6]. وتتمثل هذه الآلية في عدة نقاط جوهرية:
  • تجريد النصوص من بيئتها الزمانية والمكانية: انتزاع الأحكام التي قيلت في مجتمعات الحروب والمغاصة بالخيانة، وإسقاطها على مجتمعات الدولة الوطنية الحديثة [7].
  • تجاوز شرط "السلطة القضائية": تحويل صيغة "يستتاب وإلا قتل" من حكم قضائي منوط بولي الأمر والدولة الشرعية حصراً، إلى تفويض مفتوح للأفراد والتنظيمات لتنفيذ أحكام الإعدام والتكفير [8].
  • توسيع مفهوم "الطائفة الممتنعة": الاستناد إلى فتاوى قتال التتار لتكفير الحكومات والجيوش والمجتمعات المعاصرة بدعوى عدم تطبيق الشريعة كاملاً [9].
  • عولمة "فقه التترس": القياس الفاسد لفتوى "جواز قتل الأسرى المسلمين إذا تترس بهم العدو لمنع سقوط البيضة"؛ واستخدامها لتبرير العمليات التفجيرية والانتحارية في الأسواق العامة وسقوط الضحايا المدنيين.

ثالثاً: جغرافيا المواقف الفقهية المعاصرة (بين الدفاع والتفكيك)
إزاء هذا التوظيف الخطير، انقسمت مواقف الفقهاء والمفكرين المعاصرين إلى اتجاهين رئيسيين يحمل كل منهما أدواته التحليلية:
1. المنهج الاعتذاري الدفاعي
يمثله قطاع من العلماء والمؤسسات ذات المنزع السلفي، ويرتكز تحليلهم على تبرئة ابن تيمية كلياً وتحميل الجناية لـ "سوء الفهم الجاهل" [10]. ويسوق هذا التيار حججاً بنيوية:
  • عموم المصطلح الفقهي: إن عبارة "يستتاب وإلا قتل" ليست ابتكاراً تيمياً، بل هي مصطلح إجرائي سائد في مدونات المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) في أبواب الحدود والردة والسياسة الشرعية [11].
  • حتمية المؤسسة القضائية: التأكيد على أن ابن تيمية ربط تطبيق هذه الأحكام بوجود القاضي والسلطان، ولم يبحها قط للعامة أو الجماعات المتمردة على الدولة [12].
2. المنهج النقدي التفكيكي
يمثله علماء المؤسسات الدينية العريقة كالأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، وعدد من الباحثين التنويريين. يرى هذا المنهج أن التبرير السطحي لا يحل المشكلة، ويقدم نقداً أعمق يتلخص في:
  • التوسع المفرط والتشديد الفقهي: يُؤخذ على ابن تيمية توسيع دائرة الأحكام بالقتل لتشمل هفوات مسلكية وفروعاً فقهية يسعها الخلاف، مما أوجد تضخماً في نصوص العنف الفقهي شكلت مادة خاماً مغرية للمتطرفين [14].
  • تجميد اللحظة التاريخية: غياب التمييز في مدوناته بين ما هو "حكم شرعي كلي مستقر" وبين ما هو "موقف سياسي حربي موقت"، مما سهّل عملية استيراد فقه القرن الثامن الهجري ووضعه قسراً في واقع القرن الحادي والعشرين المعاصر [15].
  • نبرة الإقصاء والحدة: تأثر أسلوبه بظروف محنته الشخصية وسجونه المتكررة، مما صبغ خطابه بحدة واضحة تجاه خصومه من المتكلمين والفلاسفة والصوفية [16].

رابعاً: معالجات معاصرة لنزع السلاح الفكري من قوى الإرهاب
لم تقتصر جهود العلماء المعاصرين على التوصيف، بل اتجهت نحو المعالجة التأصيلية؛ وكان من أبرز تلك الجهود "مؤتمر ماردين العالمي" الذي انعقد لمراجعة "فتوى ماردين" الشهيرة لابن تيمية [17].
أثبت المحققون في هذا المؤتمر أن الجماعات المتطرفة اعتمدت على نسخة محرفة للفتوى تنص على: (يُعامل المسلم الخارج عن شرائعها بما يستحقه من القتال)، في حين أن اللفظ الصحيح في المخطوطة الأصلية هو: (يُعامل المسلم الخارج عن شرائعها بما يستحقه من العِقَال) أي الحبس والزجر القضائي، وليس القتل [18]. وخرج المؤتمر بتأصيل حاسم يعلن أن فتاوى ابن تيمية المرتبطة بالحقبة التتارية والصليبية لا يمكن إسقاطها على واقع "الدولة الوطنية الحديثة" التي تحكمها عقود المواطنة والقوانين الدولية المستقرة.

الهوامش والتعليقات المرجعية
[1] انظر: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة.
[2] حبش، محمد، دراسات استقصائية في الفكر الفقهي المعاصر: إحصاء وتفكيك فتاوى الاستتابة والقتل، دار التجديد، بيروت.
[3] انظر تفصيل ذلك في المجلدات العقائدية من مجموع الفتاوى، صنف "باب العقائد والرد على أهل البدع".
[4] المَقريزي، أحمد بن علي، السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب العلمية، بيروت (يرصد أحوال الشام ومصر إبان الحروب الصليبية والغزو التتاري).
[5] ابن تيمية، الرسالة التتارية (ما يقوله الفقهاء في قتال التتار)، المجلد 28 من مجموع الفتاوى.
[6] فضل، عبد القادر، أيديولوجيا الجماعات المسلحة: قراءة في المرجعيات والآليات، مركز دراسات الحركات الإسلامية، عمان.
[7] العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، دار سينا للنشر، القاهرة.
[8] ولد الددو، محمد الحسن، فقه السياسة الشرعية وضوابط إقامة الحدود، محاضرات وبحوث فقهية منشورة.
[9] انظر أدبيات تنظيم القاعدة، ولا سيما كتابات أيمن الظواهري في الاستشهاد بـ "فتاوى ماردين وقتال الطائفة الممتنعة".
[10] البوطي، محمد سعيد رمضان، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، دار الفكر، دمشق.
[11] انظر على سبيل المثال: ابن رشد (الحفيد)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، كتاب الأقضية والحدود؛ والمقدسي، المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل.
[12] ولد الددو، مرجع سابق.
الطيب، أحمد (شيخ الأزهر)، بيانات ومواقف الأزهر الشريف في تفنيد الفكر المتطرف ونقد آليات الاجتزاء الفقهي، مشيخة الأزهر، القاهرة.
[14] عمارة، محمد، ابن تيمية بين المأزق التاريخي والتأويل المعاصر، دار الشروق، القاهرة.
[15] مرجع سابق، مؤتمر ماردين العالمي (2010)، البيان الختامي وأوراق العمل.
[16] النشار، علي سامي، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة (في تحليله لموقف ابن تيمية من الفلاسفة والمتكلمين).
[17] مؤتمر ماردين: جدارية السلام ونقض فتاوى التكفير، المنعقد في تركيا بمشاركة دار الإفتاء المصرية ومؤسسات إسلامية عالمية، مارس 2010.
[18] بن بيه، عبد الله، فتاوى ومواقف في فقه المواطنة والسلام العالمي: تصحيح تحريف فتوى ماردين، أبوظبي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

كتب السحر العربية ودورها في تخريب العقل الجمعي وتعميق التخلف بقلم الناصر خشيني

 المقدمة   تُعدّ كتب السحر العربية مجموعة من المخطوطات والمطبوعات التي تتناول أعمال السحر والشعوذة، وتتمتع برواجٍ واسع بين شرائح اجتماعية مت...