يُمثّل نهب المال العمومي في تونس ظاهرة بنيوية ممتدة عبر التاريخ المعاصر والحديث، ارتبطت دائماً بأزمات الحكم، والتبعية للخارج، وغياب آليات الرقابة الصارمة والتداول السلمي الرشيد على السلطة. ولم تكن قضايا الاختلاس وتبديد الثروات مجرد انحرافات فردية، بل شكلت أداة لإفقار الدولة وتكبيل سيادتها؛ بدءاً من صدمات القرن التاسع عشر التي انتهت بالاستعمار المباشر، مروراً بفساد عهد المحسوبية، وصولاً إلى الفوضى المالية والاستنزاف الممنهج لميزانية الدولة تحت غطاء "العدالة الانتقالية" والتعويضات السياسية خلال ما عُرف بـ"العشرية السوداء" (2011–2021).
نستعرض في هذا التحليل الموسّع الجذور التاريخية والامتدادات المعاصرة لظاهرة السطو على الخزينة العامة التونسية من خلال المحطات الأساسية التالية:
1. القرن التاسع عشر: الفساد المالي كبوابة للاستعمار المباشر
شهد هذا العهد أكبر عمليات تهريب ونهب منظّم للمال العام، تحوّل فيها مسؤولو الخزينة إلى "مستثمرين أجانب" هربوا بثروات البلاد ليتركوا الشعب في بؤس تام وعرضة للاحتلال الأجنبي:
- محمود بن عياد (وزير المالية وقابض الخزينة): يُعدّ رائد الفساد المالي في تونس؛ ففي جوان 1852، تمكّن من الحصول على الجنسية الفرنسية سراً، وفرّ إلى باريس محملاً بـ 60 مليون فرنك من الخزينة التونسية. ولتبيان فداحة الرقم، كانت ميزانية الإيالة التونسية بأكملها آنذاك لا تتجاوز 10 ملايين فرنك.
- نسيم شمامة (قابض المالية 1852–1864): سار على خطى سلفه، ومع اندلاع ثورة علي بن غذاهم سنة 1864 ضد المظالم الجبائية، استغل الفوضى وفرّ إلى إيطاليا وبحوزته 20 مليون فرنك نقداً.
- مصطفى خزندار (الوزير الأكبر): أدار سياسة "التبديد والاقتراض التدميري" بين سنتي 1862 و1869؛ حيث أغرق البلاد في ديون باهظة وقروض أجنبية مجحفة بدّد منها ما يقارب 300 مليون فرنك. تسبب هذا الانهيار في إشهار إفلاس الدولة التونسية سنة 1869، وخضوعها لـ "الكومسيون المالي الدولي"، وهو الآلية التي مهدت بشكل مباشر لمعاهدة باردو سنة 1881 ودخول الاحتلال الفرنسي.
2. عصر الاستقلال والجمهورية وعقود المحسوبية (1956–2011)
عقب الاستقلال، نجحت الدولة الوطنية في البداية في بناء أجهزة رقابية وتشريعية (مثل مجلة المحاسبة العمومية لسنة 1973) بهدف حماية الموارد وتوجيهها نحو قطاعات التعليم والصحة والتعليم. غير أن العقود اللاحقة، لا سيما العقد الأخير من حكم الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي (2000–2010)، شهدت قفزة خطيرة في مؤشرات الفساد التمكيني:
- حوّلت عائلة بن علي ومصاهروه المقرّبون (ما عُرف بعائلة الطرابلسية) مفاصل الاقتصاد والصفقات العمومية إلى إقطاعيات خاصة.
- تشير تقديرات منظمات دولية واللجان المصرفية والرقابية التونسية بعد سنة 2011، إلى أن حجم الثروات المنهوبة، أو التي تم السطو عليها عبر التلاعب بالخصخصة وتهريب الأموال طيلة عقود، ناهز 20 مليار دولار (كجزء من تدفقات غير مشروعة ناهزت 60 مليار دولار على مدى عقود طويلة). وقدّر الخبراء حجم النهب والاستيلاء في ذلك العقد بنحو 120 مليار دينار، وهو ما كان يُمثّل أضعاف ميزانية الدولة التونسية لسنة 2010.
3. "العشرية السوداء" (2011–2021): التمكين الحزبي والنهب المقنّع تحت غطاء التعويضات
عقب عام 2011، دخلت تونس مرحلة جديدة اتسمت بعدم الاستقرار السياسي وتغول الأحزاب، وخاصة حركة النهضة التي تصدرت المشهد السياسي. في هذه الفترة، انتقل الفساد من شكله "العائلي الضيق" إلى شكل "فساد مؤسساتي وتمكيني منظّم" قائم على الاختراق اللامشروط للمال العام بذريعة جبر الضرر وتوزيع الغنائم السياسية:
أ. "صندوق الكرامة" والتعويضات المليارية لأتباع الحزب
تحت غطاء منظومة "العدالة الانتقالية" و"هيئة الحقيقة والكرامة"، تم إحداث "صندوق الكرامة ورد الاعتبار لضحايا الاستبداد" بموجب قوانين المالية لعام 2013. ورغم أن ظاهر القانون إنساني وحقوقي، إلا أن الممارسة العملية حوّلته إلى أداة لضخ أموال طائلة لمنتسبي حركة النهضة:
- أصدرت الهيئة قرارات جبر ضرر وتعويضات استفاد منها نحو 29,950 منتفعاً (أغلبهم الساحق من القيادات والقواعد التاريخية لحركة النهضة وحلفائها).
- تم تقدير إجمالي المبالغ والتعويضات المطلوبة بـ 3,000 مليار مليم (3 مليارات دينار تونسي). وفي تموز/يوليو 2021، قادت قيادات حركة النهضة ضغوطاً علنية وتهديدات للحكومة من أجل صرف هذه التعويضات والمليارات فوراً، على الرغم من عيش تونس أزمة صحية واقتصادية خانقة جراء جائحة كورونا، وهو ما فجّر موجة احتقان شعبي عارمة عجّلت بإنهاء حكمهم في 25 جويلية.
ب. الانتدابات العشوائية والعفو التشريعي العام (ألف مليار ونصف للدمج المالي)
لم يقتصر الأمر على التعويض المباشر، بل امتد العفو التشريعي العام إلى استنزاف ميزانية التصرف للأجور؛ حيث تم إدماج وتعيين الآلاف من أتباع الحركة والمتمتعين بالعفو العام في الوظيفة العمومية والشركات والمنشآت العمومية (مثل الخطوط التونسية، وشركة الفوسفات، والوزارات السيادية) دون مناظرات أو كفاءة:
- كلّفت عملية تسوية وضعية هؤلاء المتمتعين بالعفو وإعادة تكوين مسارهم المهني بأثر رجعي ميزانية الدولة ما يفوق 1,500 مليار مليم (1.5 مليار دينار) كأجور وتغطية اجتماعية ومستحقات متراكمة، مما أدى إلى تضخم كتلة الأجور وإفلاس الصناديق الاجتماعية والمؤسسات الحكومية.
ج. التلاعب بالقروض والهبات الخارجية
أكدت تقارير رقابية مستقلة وشهادات لمسؤولين ماليين أن حكومات العشرية المتعاقبة قادت البلاد إلى سياسة تداين خارجي مفرطة؛ حيث تم تحويل صكوك وهبات موجهة لتمويل مشاريع تنموية أو دعم عائلات شهداء الثورة وجرحاها لصالح صرف تعويضات ورواتب مخصصة للمساجين السابقين التابعين للحركة.
4. قراءة تفصيلية في تحولات النهب: من الاختلاس الفردي إلى مأسسة الفساد
إذا ما تتبعنا المسار التاريخي نجد تحولاً جذرياً في طبيعة السطو على المقدرات الوطنية وفق ثلاث محطات زمنية فارقة:
في القرن التاسع عشر (عهد البايات)، كان الفاعل الرئيسي متمثلاً في شخوص مثل محمود بن عياد، ونسيم شمامة، ومصطفى خزندار. واعتمد أسلوب النهب حينها على الاختلاس المباشر لسيولة الخزينة، والتهرب عبر الحصول على الجنسيات الأجنبية، وتبديد قروض أوروبا المجحفة. وقدرت تلك التجاوزات بأكثر من 380 مليون فرنك فرنسي مجتمعة، وهي مبالغ تجاوزت ميزانية تونس لعدة عقود آنذاك. وأدى ذلك مباشرة إلى إعلان إفلاس الدولة عام 1869، وفرض الكومسيون المالي الدولي، مما مهد للاستعمار الفرنسي عام 1881.
أما في عهد المحسوبية (2000–2010)، فقد قاد المشهد زين العابدين بن علي وعائلة الطرابلسية والمقربون منهم. وتلخص أسلوبهم في احتكار الصفقات العمومية، والسطو على الشركات المصادرة، وتهريب الأموال، وتطويع البنوك العمومية لتمويل المشاريع الخاصة. ووصلت التقديرات المالية للنهب إلى نحو 20 مليار دولار، مع مؤشرات محلية تتجاوز حاجز 120 مليار دينار كإجمالي تجاوزات اقتصادية. وتسبب هذا النهب في تدمير النسيج التنافسي للاقتصاد وتفقير الجهات الداخلية، مما فجر الثورة الشعبية في ديسمبر 2010.
وصولاً إلى العشرية السوداء (2011–2021)، أصبحت حركة النهضة والقيادات المستفيدة من منظومة الحكم هي الفاعل الأساسي. وتطور الأسلوب ليكون "قوننة للفساد" عبر قنوات رسمية مثل "صندوق الكرامة"، والتعيينات السياسية العشوائية دون مناظرات كفاءة، وتحويل وجهة الهبات والقروض للتسويات الحزبية. وبلغت الكلفة المالية المطالب بها كتعويضات مباشرة نحو 3,000 مليار مليم، بالإضافة إلى أكثر من 1,500 مليار مليم لتسوية وضعيات العفو التشريعي العام. وكانت النتيجة المباشرة إغراق تونس في مديونية غير مسبوقة، وانهيار الموازنات المالية والمؤسسات العمومية، وتدني ترقيم تونس الائتماني بشكل مستمر. الاستنتاج التحليلي
تُظهر القراءة المتأنية لتاريخ تونس أن آليات استنزاف المال العام تطورت من طابعها البدائي الفردي (الهروب بالصناديق نقداً في القرن 19) إلى الفساد الشبكي العائلي (الطرابلسية)، لتصل إلى قمة خطورتها في العشرية الماضية عبر "مأسسة النهب" وتشريعه بقوانين الدولة والصناديق الخاصة. وفي كل المآلات التاريخية، دفع المواطن التونسي وحده فاتورة هذا التبديد من قوته وسيادته وأمنه القومي.

تعليقات
إرسال تعليق