مدخل
في الحروب القديمة كان يُقال إن المدن تسقط حين تسقط جدرانها. وفي حروب هذا العصر تسقط الدول حين تسقط فكرتها عن نفسها. والمملكة التي وقفت عقوداً تحسب أمنها بعدد الصفقات في خزائنها تقف اليوم أمام مرآةٍ قاسية: مرآة جبلٍ لا يُشترى، وصاروخٍ لا يُستورد.
أولاً: ما الذي يجري فعلاً؟
ما يجري ليس مناوشة حدود، بل انهيار هدنة دامت أربع سنوات وعودة المواجهة المباشرة. مطارات تُستهدف، ومنشآت نفطية تشتعل، وأجواء يُحذَّر الطيران من دخولها، وممرات بحرية يُعلن عليها حظر ملاحي في معادلة "فك الحصار بالحصار". وفي المقابل غارات بالعشرات على صعدة وصنعاء وتعز والحديدة ومأرب.
هنا يجب أن نسمّي الأشياء بأسمائها: نحن أمام صراع استنزاف طويل لا أمام جولة عابرة. والسؤال الحاسم فيه ليس "من يملك الطائرة الأغلى؟" بل "من يملك النفس الأطول والإرادة الأصلب والأرض الأمنع؟".
ثانياً: عقيدتان تتواجهان
من منظور التحليل القومي التقدمي، لا نقرأ هذا الصراع بوصفه نزاعاً بين دولتين، بل بوصفه اشتباكاً بين نهجين.
الأول نهج اختار أن يكون في خندق المواجهة، فبنى قدرته بيده وحمل كلفة الحصار على كتفيه، وعدّ السلاح المصنوع في الورشة المحلية أثمن من السلاح المستورد في الصفقة. وقد رأى أنصار الله في طوفان 7 أكتوبر لحظة فاصلة، فاختاروا أن يكونوا في ميدان الإسناد لا في مقاعد المتفرجين، ودفعوا ثمن ذلك.
والثاني نهج المتعهد الأمني: يشتري الحماية بالمال ويستعير المقاتلين من وراء الحدود، ويعلّق بقاءه على رضا الراعي الأجنبي. وهو في جوهره امتداد لنهج أنطوان لحد في جنوب لبنان، أي سلطة محلية تتحول إلى حزام أمني للمحتل، وتُسلِّم قرارها مقابل بقائها. ومن ينفق مئات المليارات من عائدات النفط تقرّباً من واشنطن وتل أبيب، ويطمئن بعدها إلى ضمانات لا تضمن شيئاً، فقد باع الثروة ولم يشترِ الأمان.
ثالثاً: ميزانية بلا عقيدة
تنفق السعودية على الدفاع قرابة السبعين مليار دولار سنوياً، وهي من أكبر مستوردي السلاح في العالم. لكن الأرقام وحدها لا تصنع نصراً. فالسلاح المستورد يحتاج إلى صيانة أجنبية وقطع غيار أجنبية وإذن سياسي أجنبي، أي أنه سلاح مرهون بإرادة بائعه. وهو يحتاج إلى مقاتل مؤمن بقضيته، والجيش الذي يعتمد على المرتزقة والمقاتلين المستأجرين من الخارج يشتري القتال بالمال، والمال لا يشتري الموت من أجل قضية.
ثم إن اقتصاد المواجهة قاسٍ على المشتري: صاروخ اعتراض بمئات الآلاف من الدولارات يُطلَق على مسيّرة تكلفتها أقل منه بأضعاف. هذه معادلة استنزاف لا يربحها من يدفع الثمن الأكبر في كل جولة، حتى لو اعترض أغلب ما يُطلَق عليه.
رابعاً: الجبل جيش آخر
الجغرافيا في اليمن ليست خلفية للمعركة، بل هي أحد جيوشها. جبال شاهقة وكهوف وأنفاق محفورة في الصخر، يصعب على القنبلة الغالية الثمن أن تبلغها، وكل غارة عليها تحصد في الغالب مستودعاً أو بناية لا قوة صلبة. وقد جرّب اليمنيون هذه المعادلة طويلاً، من العثمانيين إلى البريطانيين إلى الجيوش المتعاقبة، وخرج الجميع بدرس واحد: اليمن يُحاصَر ولا يُقهَر.
وفي المقابل، أهداف الخصم مكشوفة في سهول وصحارى ومدن مفتوحة، من مطارات ومصافٍ ومحطات تحلية، أي في بنية اقتصادية ضخمة لا يمكن إخفاؤها ولا تحصينها بالكامل. وهذا اختلال بنيوي في موازين الاستنزاف يعمل لصالح من يملك الأرض الوعرة والمصنع المتواضع.
خامساً: حصار يرتدّ على أصحابه
لسنوات فرض التحالف جواً وبحراً حصاراً على اليمن، وحرّك الجوع والمرض سلاحاً. واليوم تنقلب الصورة: أجواء يُحذَّر منها الطيران، وبحر يتعرض فيه الملاحة السعودية للتهديد. إنها مفارقة تاريخية تذكّر بقول الله تعالى: "عباداً لنا أولي بأسٍ شديد". ومن حاصر غيره طويلاً أدرك متأخراً أن الحصار سلاح ذو حدّين، وأن من لا يملك قراره لا يملك أن يقرر متى يتوقف الحصار.
سادساً: قراءة نقدية في حدود الصورة
لا تكتمل الرؤية إلا بالنظر في ما يمكن أن يُقال في الجهة الأخرى. فالمنطق التقدمي نفسه يقتضي أن نحذّر من اختزال الأمر في بطولة مطلقة. فالحرب تحصد المدنيين من الجانبين، وقد سقط في الرياض وجنوب المملكة مصابون وقتلى لا ذنب لهم، كما يسقط اليمنيون كل يوم في صعدة وتعز. ومعاناة تعز المحاصرة جرح لا يجوز أن يُنسى حين نتحدث عن الحصار.
ثم إن المراقبين يتحدثون عن دور إيراني في تسليح الحوثيين وتنسيق الفصائل، وهو ما يعني أن مقولة "الصناعة بأيديهم" تحتاج إلى تدقيق، وأن الصراع جزء من لعبة إقليمية أكبر. ويرى خصوم هذا الطرح أن أنصار الله سلطة أمر واقع تفرض نفسها بالسلاح، وأن الوحدة الوطنية اليمنية لا تتحقق بالصواريخ بل بالتسوية.
غير أن هذه الملاحظات لا تنقض الحقيقة الكبرى: أن أمناً يُشترى لا يدوم، وأن من وضع كل بيضه في سلة الراعي الأجنبي يكتشف في ساعة الشدة أن السلة ليست له.
خاتمة
ستنتهي هذه الحرب كما انتهت أخواتها: بتسوية على طاولة. لكن السؤال الذي سيبقى مفتوحاً هو: من سيدخل تلك الطاولة وفي يده ورقة، ومن سيدخلها وفي يده فاتورة؟ الأول يفاوض بما صنع، والثاني يفاوض بما اشترى. وفي الشرق التاريخ لا يكتبه المشتري، بل من يحمل أرضه على كتفيه.

تعليقات
إرسال تعليق