منذ السابع من أكتوبر، أفرزت عملية طوفان الأقصى واقعاً جيوسياسياً وعسكرياً جديداً تجاوز الأطر الإقليمية التقليدية، ليعيد صياغة معادلات الصراع مع المشروعات الاستعمارية في المنطقة. من منظور قومي تقدمي، لا يمكن فصل المعارك الجارية في قطاع غزة وجنوب لبنان عن جبهات الإسناد والمواجهة الشاملة في البحر الأحمر، وباب المندب، وصولاً إلى مضيق هرمز. إن ما يشهده الإقليم اليوم هو تجسيد لـوحدة الساحات، حيث تحول الفعل المقاوم من الدفاع الموضعي إلى الهجوم الاستراتيجي، مستهدفاً ركائز الأمن البحري والاقتصادي التي يعتمد عليها التحالف الغربي-الصهيوني.
أولاً: جغرافية الحصار والمقاومة البحرية (باب المندب وهرمز)
شكلت العمليات العسكرية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، التي تقودها القوات المسلحة اليمنية، تحولاً نوعياً في إدارة الصراع الاقتصادي والعسكري:
خنق الشرايين الاقتصادية: نجحت المقاومة في فرض حصار بحري شبه كامل على الموانئ الصهيونية، ولا سيما ميناء أم الرشراش ("إيلات")، مما أدى إلى شلل شبه تام في حركته التجارية والتسبب في خسائر مالية فادحة للاقتصاد الإسرائيلي.
مواجهة العنجهية الأمريكية: إن استهداف السفن التجارية المرتبطة بالكيان الصهيوني، وتوسيع نطاق العمليات ليشمل القطع البحرية العسكرية الأمريكية والبريطانية المارة في خليج عدن والبحر الأحمر، كسر هيبة التفوق البحري الغربي وأجبر قوى دولية على تغيير مسارات ملاحتها نحو رأس الرجاء الصالح، مما رفع تكاليف الشحن والتأمين عالمياً.
الربط بين الجبهات: يمتد هذا الحصار الاقتصادي برؤية استراتيجية واضحة تهدف إلى الضغط المباشر لوقف العدوان وحرب الإبادة الجماعية على غزة ولبنان، واضعاً الممرات المائية الحيوية كمضيق هرمز وباب المندب في قلب معادلة الردع بفاعلية واقتدار.
ثانياً: تكامل جبهات الإسناد وتوزيع الأدوار العملياتية
رغم حجم التضحيات الكبيرة والضربات الموجعة التي تلقاها محور المقاومة على مستوى القيادات والبنية التحتية في غزة، وجنوب لبنان، وسوريا، والعراق، واليمن، إلا أن الهيكل العسكري والعملياتي أثبت مرونة وقدرة عالية على التكيف والاستمرار. ويتضح من قراءة واقع الميدان أن المحور يدير المعركة برؤية استراتيجية متكاملة تقوم على توزيع الأدوار وتكامل الساحات وفق الآتي:
قطاع غزة: يستبسل المقاومون في التصدي البري واستنزاف قوات الاحتلال وتدمير آلياته في حرب عصابات طويلة المدى داخل المدن والأزقة.
جنوب لبنان: يتولى دك المستوطنات والقواعد العسكرية بالصواريخ والمسيرات وإيقاع خسائر مباشرة في صفوف القوات الصهيونية على طول الحدود الشائكة.
اليمن (باب المندب): تفرض القوات المسلحة معادلة الحصار البحري الصارم في مضيق باب المندب وتستهدف عمق الكيان بالصواريخ البالستية والمجنحة.
العراق وسوريا: يتكامل هذا الجهد عبر استهداف القواعد الأمريكية ومواقع حيوية في عمق الكيان بواسطة الطيران المسير لتعميق الإرباك الاستراتيجي.
ثالثاً: العبقرية العسكرية وحرب الاستنزاف غير المتناظرة
وينجلي الذكاء العسكري الاستراتيجي للمقاومة في إدارتها لحرب استنزاف غير متناظرة (Asymmetric Warfare) مبنية على تفوق الوعي والتخطيط لا على تكافؤ التسليح المادي؛ حيث تتجلى العبقرية العسكرية في نقاط جوهرية:
المعادلة الاقتصادية العكسية (تكلفة السلاح): تحارب المقاومة بأسلحة رخيصة التكلفة ومصنعة محلياً كالمسيرات الانتحارية، وقذائف الياسين، والصواريخ غير الموجهة التي لا تكلف سوى بضعة آلاف من الدولارات. في المقابل، يُجبر العدو الصهيوني وحلفاؤه على استخدام منظومات دفاع جوي وصواريخ اعتراضية (مثل حيتس، ومقلاع داوود، والقبة الحديدية) تكلف الصاروخ الواحد منها ملايين الدولارات، مما يؤدي إلى نزيف مالي واقتصادي حاد وقاتل لبنية العدو الاستراتيجية.
التحصين الهندسي المعجز (سلاح الأنفاق): يشكل الاعتماد على شبكات الأنفاق الجد محصنة تحت الأرض درعاً استراتيجياً يحيد تماماً تفوق العدو الجوي والتكنولوجي، ويحرمه من بنك أهدافه، ويجعل من عمقه الدفاعي نقطة انطلاق لضربات خاطفة وصادمة تعجز أجهزة الرصد الحديثة عن التنبؤ بها.
استنزاف التكنولوجيا بالبساطة: إن القدرة على تطويع التكنولوجيا البسيطة والمتاحة محلياً لكسر هيبة أحدث ما أنتجته المصانع العسكرية الأمريكية يمثل قمة الذكاء العملياتي، حيث تحولت الإرادة القومية والتحررية إلى سلاح ذكي يتفوق على الترسانات المليارية للأعداء.
رابعاً: التناقضات الإقليمية ومستقبل الصراع الاستراتيجي
في سياق التحليل التقدمي والقومي، تبرز المواجهة الحالية طبيعة التناقض بين القوى التحررية في المنطقة والأنظمة التي تتماهى مع الترتيبات الأمنية الأمريكية-الصهيونية. إن أي محاولات لتأمين "جسر بري" أو تقديم تسهيلات اقتصادية واستراتيجية للالتفاف على الحصار البحري المفروض على الكيان الصهيوني، تضع تلك الأطراف في مواجهة مباشرة مع نبض الشارع العربي ومعادلات الردع التي تفرضها المقاومة في الميدان.
إن الفعل المقاوم المستند إلى إرث السابع من أكتوبر ومواصلة نهج طوفان الأقصى لا يستهدف فقط دحر الاحتلال المباشر، بل يسعى بالأساس إلى تفكيك الهيمنة الاستعمارية الشاملة على المقدرات الاقتصادية والسياسية للأمة، وإعادة بناء ميزان القوى الإقليمي لصالح مشروع تحرري عربي مستقل يُنهي عقوداً من التبعية، والتجزئة، والاستنزاف.

تعليقات
إرسال تعليق