قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 28 يونيو 2026

القيروان: حاضرة المغرب العربي ومشكاة الحضارة الإسلامية بقلم الناصر خشيني



تحتل مدينة القيروان التونسية مكانة استثنائية في الوجدان العربي والإسلامي؛ فهي لم تكن مجرد مدينة عابرة في جغرافيا المغرب العربي، بل كانت منطلقاً لقرون من الإشعاع الفكري، والديني، والعسكري الذي غير وجه المنطقة. تأسست القيروان لتكون "معسكر الأمة" الحصين، وتحولت سريعاً إلى عاصمة علمية وحضارية نافست بغداد وقرطبة. 
 التأسيس والنشأة: درع العروبة والإسلام
أُسست القيروان عام 50 للهجرة (670 ميلادي) على يد القائد الأموي عقبة بن نافع. واختار لها موقعاً استراتيجياً في قلب السهول التونسية بعيداً عن السواحل لحمايتها من غارات البيزنطيين البحرية. [1, 2, 3]
  • الاسم والدلالة: اشتق اسم المدينة من المعنى الفارسي "كاروان" (المعسكر أو محط الرحال)، لتكون قاعدة انطلاق للفتوحات الإسلامية في شمال إفريقيا والأندلس. 
  • عاصمة الأغالبة: بلغت المدينة أوج ازدهارها السياسي والمعماري في عهد الدولة الأغلبية (القرن الثالث الهجري)، حيث أصبحت العاصمة السياسية للمغرب الإسلامي بأكمله. 
 شواهد الحضارة: أبرز المعالم التاريخية في القيروان
تزخر المدينة العتيقة، المصنفة كإرث عالمي من طرف اليونسكو، بمعالم هندسية استثنائية تحكي قصة تفوق المسلمين في شتى العلوم: 
  • جامع عقبة بن نافع (الجامع الكبير): أيقونة العمارة الإسلامية في المغرب العربي. يتميز بمئذنته المربعة الشامخة التي تعد الأقدم من نوعها، وبمنبره المصنوع من خشب الساج الذي يُعد أقدم منبر إسلامي محفوظ في العالم. كما يضم بيت الصلاة فيه مئات الأعمدة الرخامية البديعة. 
  • فسقيات الأغالبة: أعظم منشأة مائية في العالم الإسلامي خلال العصور الوسطى. هي عبارة عن أحواض مائية دائرية ضخمة صُممت بعبقرية هندسية فائقة لتجميع مياه الأمطار وتزويد المدينة بالمياه، مما جعلها تتغلب على شح الموارد المائية في المنطقة. 
  • مقام الصحابي أبي زمعة البلوي (سيدي الصحبي): معلم روحي ومعماري فائق الجمال. يضم ضريح الصحابي الذي كان يحمل معه خصلات من شعر الرسول ﷺ، ويتميز المقام بزخارف الخزف (الزليج) والنقوش الجصية الأندلسية والمغربية. 
  • جامع الأبواب الثلاثة: أحد أقدم المساجد التي تمتاز بواجهتها المنقوشة بالخط الكوفي البديع والزخارف النباتية والهندسية، مما يجعله وثيقة تاريخية معمارية فريدة. [1]
  • بئر بروطة وسوق الربع: قلب المدينة العتيقة النابض. حيث ترتبط الذاكرة الشعبية ببئر بروطة التاريخي، وتحيط به أسواق الحرف التقليدية لاسيما صناعة "الزربية القيروانية" (السجاد المنسوج يدوياً) الشهيرة عالمياً. [1, 2]
 القيمة الثقافية والفكرية
لم تكن القيروان مجرد عمارة، بل كانت مدرسة فكرية رائدة. فمن خلال "بيت الحكمة" القيرواني وجامع عقبة، تخرج أبرز علماء الفقه، والطب، والأدب مثل الإمام سحنون وابن الجزار القيرواني، لتكون القيروان الممهد الحقيقي لنشر اللغة العربية والثقافة الإسلامية في كامل ربوع المغرب الكبير. 
 خاتمة المقال
تظل القيروان بوابتنا المشرقة نحو فهم عمق الهوية العربية والإسلامية في شمال إفريقيا، وشاهداً حياً على عظمة الأجداد الذين طوعوا الحجر والماء لبناء حضارة إنسانية خالدة. إن قلم ابن القيروان البار، ومعه كل غيور على تاريخ هذه الأمة، ينظر اليوم إلى ربوعها بكثير من الفخر والإجلال، متطلعاً إلى أن تستعيد حواضرنا التاريخية دورها القيادي كمنارات للعلم والكرامة والسيادة، وأن تظل القيروان دائماً كما أرادها مؤسسوها: حصناً منيعاً لروح الأمة وعروبتها

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني

مقدمة يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند...