قائمة المدونات الإلكترونية

الأربعاء، 1 يوليو 2026

البصرة.. ثغر العراق الباسم ومستودع الفكر والعروبةبقلم الناصر خشيني



البصرة هي فيء العراق الباسم، ورئة بلاد الرافدين على الخليج العربي. هي أول مدينة إسلامية بُنيت خارج شبه الجزيرة العربية، لتتحول سريعاً إلى خزان فكري وعلمي واقتصادي هائل أثرى الثقافة العربية والإسلامية، ومثلت دائماً الثغر الحصين والحارس الشرقي للهوية العربية.
 التأسيس والنشأة: منطلق الفتوحات والعلم
تأسست البصرة عام 14 للهجرة (636 ميلادي) بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب وبتنفيذ من القائد عتبة بن غزوان:
  • الهدف الاستراتيجي: بُنيت لتكون معسكراً ومرتكزاً للجيوش العربية الإسلامية المنطلقة نحو المشرق، وميناءً تجارياً يربط العراق بالعالم عبر شط العرب والخليج.
  • عاصمة النحو والأدب: شهدت البصرة ولادة أرقى المدارس الفكرية والعلمية، فظهرت مدرسة البصرة النحوية التي أسسها أبو الأسود الدؤلي وبلورها الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه. كما كانت مهد "إخوان الصفا" والجاحظ، ومسقط رأس الحسن بن الهيثم.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية والعمرانية
تمتلك البصرة طابعاً مائياً وتراثياً خاصاً جعلها تُلقب بـ "فينيسيا الشرق":
  • شط العرب: الملتقى الأسطوري لنهري دجلة والفرات، وهو الشريان الحيوي للمدينة ومصدر خيرها وجمالها، وعلى ضفافه تمتد كورنيشات البصرة النابضة بالحياة.
  • البيوت الشناشيل (الشناشيل البصرية): من أجمل الشواهد المعمارية التقليدية في العراق. وهي بيوت خشبية ممتدة فوق الشوارع بزخارف مشبكة دقيقة تعكس الخصوصية الاجتماعية والجمال العمراني العراقي.
  • مسجد البصرة القديم (مسجد خطوة الإمام علي): أول مسجد بني في العراق وخارج الجزيرة العربية، وكان مركزاً علمياً وقضائياً بارزاً تلقى فيه كبار الصحابة والتابعين علومهم.
  • نهر العشار والأسواق التراثية: كـ "سوق الهنود" و"سوق المغايز"، التي تختزل تاريخ البصرة التجاري العريق كمركز للتبادل البحري مع الهند وشرق آسيا.
 المكانة القومية والرمزية السياسية
ظلت البصرة عبر التاريخ الصخرة الحامية للبوابة الشرقية للأمة العربية:
  • الحارس القومي: في شتى المحطات الفاصلة، وخصوصاً في الحرب الحامية بالقرن الماضي، دافعت البصرة ببسالة عن عروبة الخليج والعراق، وتصدت للأطماع الإقليمية والتوسعية التي حاولت النفاذ إلى العمق العربي.
  • عاصمة الاقتصاد والصمود: عانت البصرة من ويلات الحروب والحصار، لكنها بقيت المغذي الرئيسي لموازنة العراق بثرواتها النفطية والزراعية (حيث تشتهر بملايين أشجار النخيل وإنتاج أفضل أنواع التمور).
 الخاتمة
تبقى البصرة ثغر العراق وعنوان عزته الأصيل، ومستودعاً لا ينضب للفكر القومي واللغوي العربي. إن قلم الكاتب العروبي ينظر للبصرة اليوم كرافعة حقيقية لنهضة العراق واستعادة دوره الريادي في المنظومة العربية، متجاوزاً جراح الماضي وتحديات الحاضر، لتظل البصرة دائماً كما كانت: منطلقاً للعروبة، وحارساً للهوية، وشرياناً يربط قلب الرافدين بنبض الأمة بأسرها.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني

مقدمة يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند...