التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصرة.. ثغر العراق الباسم ومستودع الفكر والعروبةبقلم الناصر خشيني



البصرة هي فيء العراق الباسم، ورئة بلاد الرافدين على الخليج العربي. هي أول مدينة إسلامية بُنيت خارج شبه الجزيرة العربية، لتتحول سريعاً إلى خزان فكري وعلمي واقتصادي هائل أثرى الثقافة العربية والإسلامية، ومثلت دائماً الثغر الحصين والحارس الشرقي للهوية العربية.
 التأسيس والنشأة: منطلق الفتوحات والعلم
تأسست البصرة عام 14 للهجرة (636 ميلادي) بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب وبتنفيذ من القائد عتبة بن غزوان:
  • الهدف الاستراتيجي: بُنيت لتكون معسكراً ومرتكزاً للجيوش العربية الإسلامية المنطلقة نحو المشرق، وميناءً تجارياً يربط العراق بالعالم عبر شط العرب والخليج.
  • عاصمة النحو والأدب: شهدت البصرة ولادة أرقى المدارس الفكرية والعلمية، فظهرت مدرسة البصرة النحوية التي أسسها أبو الأسود الدؤلي وبلورها الخليل بن أحمد الفراهيدي وتلميذه سيبويه. كما كانت مهد "إخوان الصفا" والجاحظ، ومسقط رأس الحسن بن الهيثم.
 شواهد الحضارة والمعالم الأثرية والعمرانية
تمتلك البصرة طابعاً مائياً وتراثياً خاصاً جعلها تُلقب بـ "فينيسيا الشرق":
  • شط العرب: الملتقى الأسطوري لنهري دجلة والفرات، وهو الشريان الحيوي للمدينة ومصدر خيرها وجمالها، وعلى ضفافه تمتد كورنيشات البصرة النابضة بالحياة.
  • البيوت الشناشيل (الشناشيل البصرية): من أجمل الشواهد المعمارية التقليدية في العراق. وهي بيوت خشبية ممتدة فوق الشوارع بزخارف مشبكة دقيقة تعكس الخصوصية الاجتماعية والجمال العمراني العراقي.
  • مسجد البصرة القديم (مسجد خطوة الإمام علي): أول مسجد بني في العراق وخارج الجزيرة العربية، وكان مركزاً علمياً وقضائياً بارزاً تلقى فيه كبار الصحابة والتابعين علومهم.
  • نهر العشار والأسواق التراثية: كـ "سوق الهنود" و"سوق المغايز"، التي تختزل تاريخ البصرة التجاري العريق كمركز للتبادل البحري مع الهند وشرق آسيا.
 المكانة القومية والرمزية السياسية
ظلت البصرة عبر التاريخ الصخرة الحامية للبوابة الشرقية للأمة العربية:
  • الحارس القومي: في شتى المحطات الفاصلة، وخصوصاً في الحرب الحامية بالقرن الماضي، دافعت البصرة ببسالة عن عروبة الخليج والعراق، وتصدت للأطماع الإقليمية والتوسعية التي حاولت النفاذ إلى العمق العربي.
  • عاصمة الاقتصاد والصمود: عانت البصرة من ويلات الحروب والحصار، لكنها بقيت المغذي الرئيسي لموازنة العراق بثرواتها النفطية والزراعية (حيث تشتهر بملايين أشجار النخيل وإنتاج أفضل أنواع التمور).
 الخاتمة
تبقى البصرة ثغر العراق وعنوان عزته الأصيل، ومستودعاً لا ينضب للفكر القومي واللغوي العربي. إن قلم الكاتب العروبي ينظر للبصرة اليوم كرافعة حقيقية لنهضة العراق واستعادة دوره الريادي في المنظومة العربية، متجاوزاً جراح الماضي وتحديات الحاضر، لتظل البصرة دائماً كما كانت: منطلقاً للعروبة، وحارساً للهوية، وشرياناً يربط قلب الرافدين بنبض الأمة بأسرها.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...