قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 28 يونيو 2026

القاهرة: حاضرة التاريخ وقاهرة المعتدين وعاصمة العروبة النابضة بقلم الناصر خشيني



إذا كانت المدن تقاس بأعمارها، فالقاهرة تقاس بانتصاراتها وقدرتها على صد الغزاة؛ فهي التي سُميت "القاهرة" لأنها تقهر كل من يعتدي عليها. وإذا كان لها تاريخ حافل كعاصمة للفاطميين والمماليك، فإن تاريخها الحديث قد كُتب بمداد من نور عندما تحولت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، تحت قيادة الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، إلى عاصمة للعروبة، وقلعة للصمود القومي، وملاذاً لحركات التحرر في العالم أجمع.
 التأسيس والنشأة: مدينة الألف مئذنة
    تتمتع القاهرة بموقع استراتيجي عبقري يربط بين وادي النيل والدلتا، مما جعلها مركزاً للحكم عبر العصور:
  • التأسيس الفاطمي: أسسها القائد جوهر الصقلي عام 358 للهجرة (969 ميلادي) بأمر من الخليفة المعز لدين الله الفاطمي لتكون عاصمة للدولة الفاطمية.
  • قاهرة المعتدين: تجسد هذا الاسم تاريخياً عندما أصبحت المدينة القاعدة الأساسية للجيوش العربية الإسلامية التي دحرت التتار والمغول في معركة "عين جالوت" بقيادة سيف الدين قطز، وكسرت شوكة الحملات الصليبية.
شواهد الحضارة: أبرز معالم القاهرة التاريخية والأثرية
تزخر القاهرة بمعالم أثرية فريدة جعلت منظمة اليونسكو تصنف "القاهرة التاريخية" كموقع تراث عالمي:
  • الجامع الأزهر الشريف: أُسس بالتزامن مع بناء المدينة، وتحول من مسجد فاطمي إلى أعظم جامعة إسلامية وعلمية في العالم، وكان دائماً معقلاً للثورة ومقاومة المستعمرين الفرنسيين والبريطانيين.
  • قلعة صلاح الدين الأيوبي: حصن عسكري مهيب يتربع على جبل المقطم، أسسها القائد صلاح الدين لتكون مقراً للحكم ودرعاً لحماية المدينة.
  • شارع المعز لدين الله الفاطمي: أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية في العالم، يضم مساجد، ومدارس، وأسبلة، وبيمارستانات (مستشفيات قديمة) تعكس روعة العمارة المملوكية والفاطمية.
  • خان الخليلي وحي الحسين: قلب القاهرة النابض بالروح الشعبية، حيث تلتقي المقاهي التاريخية كمقهى الفيشاوي بأسواق الحرف اليدوية والشرقية التقليدية.
 عهد عبد الناصر: العصر الذهبي للقومية العربية
لم تكن القاهرة مجرد عاصمة محلية، بل أصبحت في عهد الثورة وجمال عبد الناصر مركز الثقل السياسي والإعلامي للأمة العربية:
  • صوت العرب: من القاهرة، انطلق صوت الثورة العربية عبر الإذاعة ليلهب حماس الجماهير من المحيط إلى الخليج، ويدعم ثورات التحرير في الجزائر، واليمن، والعراق، وعمان.
  • معركة السويس 1956: عندما أعلن عبد الناصر تأميم قناة السويس، وتصدت القاهرة ببسالة وشجاعة للعدوان الثلاثي (البريطاني، الفرنسي، والصهيوني)، فتحولت المدينة إلى رمز عالمي لمقاومة الإمبريالية والاستعمار.
  • الوحدة العربية: شهدت القاهرة إعلان قيام الجمهورية العربية المتحدة (الوحدة بين مصر وسوريا عام 1958)، لتؤكد دورها التاريخي كعاصمة تجمع الشتات العربي وتصوغ مشروعاً قومياً نهضوياً.
 خاتمة المقال: دور متجدد وآمال مرتقبة
تبقى القاهرة "قاهرة المعتدين" وعنواناً كبيراً لكرامة هذه الأمة وعزتها. ورغم تبدل الظروف وتراجع المد القومي في بعض الفترات، فإن 
 المؤمن بأمته، يدرك تماماً أن معافاة الجسد العربي بأكمله ترتبط ارتباطاً وثيقاً بوعي ودور القاهرة وقدرتها على قيادة الدبلوماسية العربية. إن التاريخ يعلمنا أن القاهرة عندما تنهض، تنهض الأمة العربية بأسرها معها، لتظل دائماً كما أرادها عبد الناصر والأحرار: درعاً وسيفاً للحق العربي، ومحركاً أساسياً نحو التحرر، والسيادة، والوحدة الكاملة.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني

مقدمة يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند...