قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 28 يونيو 2026

صنعاء: حاضرة المجد والتاريخ وعنوان الفزعة والشهامة العروبية بقلم الناصر خشيني


لا يمكن للباحث في تاريخ الأمة العربية أن يمر بـ "اليمن السعيد" دون أن ينحني إجلالاً لـ صنعاء؛ فهي ليست مجرد 

 عاصمة تاريخية، بل هي مهد الوجود العربي الأول، ومستودع أنساب العرب وأصالتهم. عُرفت صنعاء عبر العصور بعمارتها الفريدة التي تشبه قصائد الشعر، وبأهلها أهل النجدة والنخوة والمدد، الذين طالما جسدوا مفهوم "الفزعة العروبية" في المحطات الفاصلة من تاريخ أمتنا، باذلين الغالي والنفيس دفاعاً عن قضايا العرب والمسلمين.
التأسيس والعراقة: مدينة سام بن نوح
تعتبر صنعاء واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، ويضرب تاريخها في أعماق السيرة الإنسانية:
  • النسب والتسمية: تنص الروايات التاريخية على أن من أسسها هو سام بن نوح (عليه السلام) بعد الطوفان، ولذلك عُرفت بـ "مدينة سام". أما اسمها الحالي "صنعاء" فيعني في اللغات اليمنية القديمة "المدينة الحصينة" أو "المصنوعة بإتقان".
  • مهد الممالك القديمة: عاصرت صنعاء الحضارات اليمنية السبئية، والحميرية، والقتبانية العظيمة، وكانت مركزاً رئيسياً لـ "طريق البخور" التجاري الدولي الذي ربط الشرق بالغرب.
 شواهد الحضارة: العمارة الأسطورية والبيوت الناطحة للسحاب
تتميز "صنعاء القديمة"، المدرجة على قائمة التراث العالمي لليونسكو، بطراز معماري فريد لا مثيل له في العالم أجمع، حيث تبدو المدينة وكأنها لوحة فنية نُحتت من الطين والخرسانة التقليدية:
  • ناطحات السحاب الطينية: تتألف بيوت صنعاء القديمة من عدة طوابق (تصل لـ 8 طوابق)، مبنية من الآجر والطين، وتتزين واجهاتها بنقوش جصية بيضاء بديعة تُسمى "التخاريم"، وتعلو نوافذها "القمريات" المصنوعة من الرخام الشفاف أو الزجاج الملون الذي يعكس أشعة الشمس بألوان ساحرة.
  • الجامع الكبير بصنعاء: أحد أقدم المساجد في الإسلام، بُني في عهد الرسول محمد ﷺ (في السنة السادسة للهجرة) بأمر منه، ويعد صرحاً علمياً ودينياً هائلاً يحتوي على مكتبة تضم أقدم المخطوطات القرآنية في العالم.
  • باب اليمن: البوابة التاريخية المهيبة التي تقف شامخة كشاهد على أسوار المدينة الحصينة، ومنها تلج إلى عالم من الأسواق التقليدية النابضة بالحياة كـ "سوق الملح" و"سوق الجنابي" (الخناجر اليمنية التراثية).
  • قصر غمدان: وإن اندثرت معالمه اليوم، إلا أن المؤرخين يصنفونه كأول ناطحة سحاب في التاريخ البشري، وكان يرتفع لعشرين طابقاً بسقف من الرخام الشفاف.
روح الفزعة والنجدة العروبية
لم تكن صنعاء واليمن يوماً بمنأى عن قضايا أمتها؛ فالذاكرة القومية تحفظ لليمنيين أنهم كانوا "أهل المدد" في الفتوحات الإسلامية الأولى، وبسواعدهم فُتحت الأمصار. وفي العصر الحديث، تجسد صنعاء أسمى معاني الفزعة العروبية برغم الجراح العميقة والحصار والعدوان والمآسي التي يعيشها اليمن، إذ لم يتخلَّ أهلها يوماً عن نصرة فلسطين والقدس، مقدمين مواقف بطولية حازمة وشجاعة تؤكد أن الشريان اليمني يتدفق بحب العروبة والدفاع عن شرف الأمة وكرامتها دون خوف أو تردد.
 خاتمة المقال: الشموخ العصي على الانكسار
تبقى صنعاء رمزاً للمجد التليد، وحصناً منيعاً للهوية العربية الأصيلة. إن التأمل في واقع هذه المدينة اليوم، برغم المعاناة الإنسانية الكبيرة الناتجة عن الصراعات والتدخلات الخارجية، يملأ النفس يقيناً بأن هذه الحاضرة العظيمة لا تنكسر ولا تموت. إن قلم ابن الأمة العربي الغيور ينظر لـ "مدينة سام" بتقدير واعتزاز كبيرين، واثقاً بأن اليمن، الذي كان دائماً مهد العرب الأول ومخزن رجالهم، سينفض عنه غبار الحروب والآلام، لتعود صنعاء منارة للنخوة، وحامية للعروبة، وركيزة أساسية في صياغة مستقبل قومي مشرق يقوم على السيادة والكرامة 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني

مقدمة يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند...