قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 26 يونيو 2026

الصحة في تونس: حين يتحوّل حق المواطن في العلاج إلى سلعة في سوق المصالح الخاصة بقلم: الناصر خشيني

 



مقدمة

لا يَعدو قطاع الصحة في تونس أن يكون حلقة جديدة من حلقات النهب المنظم للثروة الوطنية والحق الاجتماعي للمواطن، إذ تحوّل الحق الدستوري في العلاج، تدريجيا وبصمت رسمي، إلى سلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، يحتكرها من يملك المال ويُستبعَد منها من لا يملكه. فبين تغوّل القطاع الخاص على البنية الصحية الوطنية، وانهيار منظومة التزوّد بالدواء، وتفشّي ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية، وغلاء التحاليل والفحوصات إلى حدود الابتزاز، وعجز الصناديق الاجتماعية عن الوفاء بدورها الحمائي، يتشكّل مشهد متكامل لمنظومة صحية مأزومة، تتقاسم أطرافها المتعدّدة المسؤولية عن تفريط الدولة في أحد أخطر مرافقها الاجتماعية.

المحور الأول: تغوّل القطاع الخاص وانحسار القطاع العمومي

شهد القطاع الصحي الخاص في تونس انتعاشة لافتة على حساب القطاع العمومي خلال العقد الأخير، إذ تطوّر عدد المصحات الخاصة بين سنتي 2014 و2021 من 90 إلى 109 مصحة، بينما ارتفع عدد العيادات الخاصة في الفترة نفسها من 7283 إلى 8760 عيادة، في وقت يستحوذ فيه القطاع الخاص على 55% من إجمالي الأطباء العاملين في البلاد [1]. وفي المقابل، لم تشهد البلاد طوال العقد المنصرم إحداث أي مستشفى عمومي جديد، رغم أن عدد المستشفيات العمومية البالغ 23 مستشفى يغطي حاجيات أكثر من 11 مليونا ونصف المليون نسمة [1].

ولا يقف الخلل عند البنية التحتية فحسب، بل يتجاوزها إلى التجهيزات الطبية الثقيلة، حيث تستحوذ المصحات الخاصة اليوم على 85% من أجهزة الرنين المغناطيسي، و73% من الماسحات الضوئية (سكانر)، و79% من قاعات القسطرة القلبية [2]. ويتجلّى منطق الانسحاب الرسمي بوضوح في السياسات الإستراتيجية نفسها، إذ أعلنت الحكومة التونسية، في ندوة دعم الاستثمار سنة 2016، عن توجّه يمنح القطاع الخاص حصة 64.25% من المشاريع الاستثمارية المستقبلية في القطاع الصحي بقيمة 4 مليارات دولار، في حين لا يبقى للدولة سوى عدد محدود من المشاريع المتعلقة بتحسين المستشفيات الجهوية [1]. ويترجم هذا الانحسار ميزانيا أيضا، حيث لا تتجاوز ميزانيةش وزارة الصحة 5.23% من الميزانية العامة للدولة، توجَّه نسبة 87.6% منها لنفقات التصرف والتسيير، بينما لا تتجاوز نفقات تطوير البنية التحتية والإصلاح 12.4% فقط من ميزانية الوزارة [2].

المحور الثاني: احتكار الدواء وانهيار الصيدلية المركزية

تكشف أزمة الدواء المتكررة عن عمق الخلل البنيوي الذي يضرب منظومة التزوّد الدوائي بكاملها. فقد بلغت ديون المستشفيات العمومية والصناديق الاجتماعية المتخلدة بذمتها لدى الصيدلية المركزية 1442 مليون دينار، في حين تُقدَّر ديون الصيدلية المركزية تجاه مزوّديها العالميين بنحو 1300 مليون دينار، وهي حلقة مديونية متشابكة يحتاج سد فجوتها إلى ما لا يقل عن ست سنوات [3]. وقد انعكست هذه الأزمة المالية مباشرة على توفر الأدوية، حيث سجّلت تونس فقدان نحو 20 دواء لا تتوفر له بدائل علاجية، إلى جانب اضطراب حاد في توزيع 69 دواء آخر [4]، معظمها أدوية حيوية لعلاج السرطان والأمراض المزمنة، وقد شهد صيف 2025 حالات وفاة نتيجة عدم توفر العلاج الكيميائي الضروري لمرضى السرطان [4].

والمفارقة أن الصيدلية المركزية، التي تحتكر استيراد وتوزيع الدواء في البلاد، تجد نفسها رهينة معادلة مالية مستحيلة، فهي مضطرة لبيع الأدوية بأسعار أدنى من كلفتها الحقيقية دون أن تحصل على مستحقاتها في الآجال، وهو ما يدفعها لتقليص الكميات الموردة، فينعكس ذلك تلقائيا على الصيدليات الخاصة. وقد بلغت حدة الأزمة بين الصيدليات الخاصة وصندوق التأمين على المرض حدا دفع النقابة التونسية لأصحاب الصيدليات الخاصة إلى إيقاف العمل بصيغة "الطرف الدافع" في الأمراض العادية ابتداء من أكتوبر 2025، رفضا لما اعتبرته محاولات لضرب احتكار الدولة للمرفق الدوائي وتحويله إلى أطراف خاصة بما يمسّ حق المواطن ذي الدخل المحدود في العلاج [5].

المحور الثالث: تجارة الأعضاء البشرية: من محنة العلاج إلى تجارة الجسد

لم يبق الفقر والعجز عن تحمّل تكاليف العلاج حبيس حدود التأخر في الفحص أو غياب الدواء، بل دفع بشريحة من التونسيين المعدمين إلى أبشع تجليات استغلال الجسد. فقد كشفت وحدات الحرس الوطني عن شبكة دولية تنشط منذ سنة 2018 في تجارة الأعضاء بين تونس وبلد أجنبي، يقودها أجنبي متواجد خارج البلاد، يعاضده وسطاء أجانب وتونسيون، تمكنت من استقطاب عدد من التونسيين [6]. وتكشف تفاصيل بعض الحالات عن مدى توحش هذه الشبكات، حيث باع مواطن تونسي إحدى كليتيه في تركيا لشخص كونغولي مقابل 15 ألف دولار، بعد أن اضطر لعقد زواج صوري من ابنة المُشتري للتمكّن من إجراء العملية الجراحية تجاوزا للقانون التركي [7]. وفي حالة أخرى، استُقطب تونسيون عبر حسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي للحصول على نحو 7 آلاف دولار مقابل بيع كلية، ضمن شبكة تُدار من تركيا بمشاركة سوريين وأردنيين وأتراك [8]، بينما قُدّر المقابل المادي لبيع كلية في حالة أخرى بنحو 40 ألف دينار [9].

ولا تمثّل تونس حالة منعزلة في هذا السياق، فهي جزء من خارطة إقليمية أوسع لتجارة الأعضاء، تسيطر عليها شبكات مافيا منظمة في شمال إفريقيا والمشرق العربي، تضم في صفوفها أساتذة جامعات وأطباء وأعضاء هيئة تمريض وأصحاب مختبرات طبية ووسطاء، مستفيدة من الظروف الاقتصادية الضاغطة وغياب التشريعات الرادعة [10]. ومع أن القانون التونسي يحظر صريحا تجارة الأعضاء البشرية بمقابل مالي، وقد عزز ذلك بالمصادقة على قانون مكافحة الاتجار بالبشر سنة 2016 [8]، فإن استمرار تفكيك شبكات جديدة سنة بعد سنة يكشف عن محدودية الرقابة الفعلية، وعن عمق الهشاشة الاجتماعية التي تدفع بالضحايا إلى هذا الدرك من استغلال الفاقة.

المحور الرابع: غلاء التحاليل والفحوصات: ابتزاز مقنّع باسم الطب

تشكّل تجربة جائحة كوفيد-19 نموذجا فاضحا لمنطق الجشع الذي يحكم جانبا من القطاع الخاص في مجال التحاليل الطبية. فقد حدّدت وزارة الصحة سعر تحليل "بي سي آر" في المخابر الخاصة بـ209 دنانير، إلا أن مخابر خاصة رفعت السعر إلى حدود 400 دينار، أي ما يقارب ضعف التسعيرة الرسمية، مستفيدة من ظهور شركات مناولة غير مرخّصة تحتكر أخذ العينات مقابل رسوم إضافية [11]. ولم تقف الإشكالية عند الأسعار فقط، بل تجاوزتها إلى جودة الخدمة، حيث أشار مختصون إلى وجود خلل كبير داخل بعض المخابر الخاصة التي تشغّل عمالة غير مؤهلة طمعا في خفض التكاليف، وهو ما يفتح الباب للتشكيك في دقة بعض النتائج [12].

وتزداد فضاحة هذا الملف عند المقارنة الإقليمية، حيث تبيّن أن أسعار التحاليل الطبية في تونس تفوق أسعارها في الجزائر بنحو ست مرات، رغم استخدام الأجهزة والتقنيات ذاتها في البلدين، في غياب آلية رسمية صارمة لضبط التسعيرة [13]. وفي مفارقة تكشف عن الحلقة المفرغة التي يدور فيها القطاع برمّته، فإن المخابر نفسها تجد نفسها ضحية لتعثر صندوق التأمين على المرض في سداد مستحقاتها، حتى اضطر بعض أصحابها للاقتراض من البنوك أكثر من مرة، فيما واجهت مخابر أخرى شبح الإفلاس [14].

المحور الخامس: عجز الصناديق الاجتماعية: حلقة مفرغة من المديونية

في جوهر هذه الأزمة المركّبة تقف الصناديق الاجتماعية، التي يُفترض أن تكون خط الدفاع الأول عن حق المواطن في التغطية الصحية، وقد تحولت هي نفسها إلى بؤرة عجز متفاقم. فـ"الكنام" له مستحقات تقدّر بنحو 8778.7 مليون دينار على بقية الصناديق الاجتماعية، في حين تجاوزت ديونه تجاه الأطباء والصيادلة ومزوّدي الخدمات 2336 مليون دينار خلال سنة 2022 وحدها، بينما سجّل الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية عجزا بلغ 700 مليون دينار سنة 2024، وتجاوز عجز الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي المليار دينار [15]. وتتأكد حدّة هذا العجز في الأرقام المتتالية، حيث سجّل صندوق الضمان الاجتماعي عجزا بلغ 950 مليون دينار سنة 2023، تعمّق إلى 1230 مليون دينار سنة 2024، ومن المتوقع أن يصل إلى أكثر من 1400 مليون دينار سنة 2025، في حين تقلّص فائض "الكنام" المحاسبي من نحو ألف مليون دينار سنة 2023 إلى 860 مليون دينار سنة 2024، علما بأن هذا الفائض لا يعني توفر سيولة فعلية بسبب تراكم مستحقاته غير المحصّلة [16].

وتصل هذه الحلقة المفرغة إلى حد يهدد استقرار المنظومة برمّتها، إذ تبلغ ديون صندوق الضمان الاجتماعي تجاه صندوق التأمين على المرض هذا العام نحو 3 مليارات دينار [17]، وهي مبالغ ضخمة تحرم "الكنام" من السيولة اللازمة لسداد مستحقات الصيدلية المركزية والصيدليات الخاصة والمخابر، في حلقة متصلة الأطراف تبدأ بعجز الصناديق وتنتهي بمعاناة المريض على سرير الانتظار.

خاتمة

تكشف هذه المحاور الخمسة، في تقاطعها وتشابكها، أن الصحة في تونس لم تعد منذ سنوات حقا دستوريا مكفولا بالتساوي بين المواطنين، بل تحوّلت إلى سوق تتنازع فيه المصالح الخاصة على حساب الفئات الأكثر فقرا وهشاشة، التي تجد نفسها أمام خيارات قاسية: الانتظار في طوابير المستشفيات العمومية المتهالكة، أو الاستدانة لتحمّل كلفة القطاع الخاص، أو في أقسى الحالات، بيع جزء من جسدها طمعا في مال يسدّ به رمق العلاج. إن استرداد الصحة كحق اجتماعي جامع، لا كسلعة تخضع لمنطق العرض والطلب، يتطلب إرادة سياسية حقيقية لإعادة بناء القطاع العمومي، وكسر حلقة المديونية المتبادلة بين الصناديق الاجتماعية والصيدلية المركزية والمؤسسات الصحية، وفرض رقابة صارمة على القطاع الخاص بكل تفرعاته، بدل الاستمرار في سياسة التفريط التي حوّلت الصحة من ركيزة للسيادة الوطنية إلى ميدان مفتوح للنهب المقنّع.

ثبت المراجع

[1] نواة (Nawaat)، "الصحة في تونس لمن استطاع إليها سبيلا".

[2] عروبة22، "استشفاء التونسيين... الحق في الصحة لمن يملك المال".

[3] مجلة المفكرة القانونية (Legal Agenda)، "الأدوية المفقودة في تونس: تحقيق في أسباب الأزمة".

[4] يورونيوز عربي / العربي الجديد، تقارير حول أزمة فقدان الدواء في تونس.

[5] ألترا تونس، "نقابة أصحاب الصيدليات الخاصة تقرر عدم تجديد الاتفاقية مع الكنام".

[6] بوابة وزارة الداخلية التونسية، بيان تفكيك شبكة دولية لتجارة الأعضاء منذ 2018.

[7] ألترا تونس (ألترا سوت)، "تعرّف على تفاصيل أول شبهة اتجار بالأعضاء في تونس".

[8] جريدة الصباح نيوز، "كلى تونسية تباع في مستشفيات تركية".

[9] تونيغيت (بوابة تونس)، "تفاصيل مافيا التجارة بالأعضاء البشرية بين تركيا وتونس".

[10] مركز المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة، "لماذا تزايدت تجارة الأعضاء البشرية في الشرق الأوسط؟".

[11] العربي الجديد، "تونس: تحقيقات وعقوبات ضدّ مخابر تتربّح من تحاليل كورونا".

[12] ألترا تونس، "تحاليل كورونا: ما حقيقة ما يحصل داخل المخابر الخاصة؟".

[13] ألترا الجزائر، "جدل حول أسعار التحاليل الطبية في الجزائر".

[14] ألترا تونس، "مخابر التحاليل الطبية في تونس تواجه شبح الإفلاس".

[15] المصدر تونس (webmanagercenter)، "الصندوق الوطني للتأمين على المرض: بين تراكمات أزمة موروثة وخيارات إصلاحية مطروحة".

[16] Radio Express FM، "بدر السماوي: تجربة قروض الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي فشلت".

[17] الجزيرة نت، "أزمة الصناديق الاجتماعية تعصف بالتونسيين".




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني

مقدمة يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند...