التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القرطبي بين الجلالة العلمية ومآخذ المنهج بقلم الناصر خشيني



  قراءة نقدية في الإسرائيليات والروايات الضعيفة، مع نموذج تطبيقي من "التراث الموبوء"
مقدمة
يُعدّ "الجامع لأحكام القرآن" للإمام أبي عبد الله القرطبي (ت 671هـ) من أوسع موسوعات التفسير الفقهي في التراث الإسلامي، وقد حظي بإجماع عريض على قيمته العلمية في استخراج الأحكام واستيعاب الخلاف الفقهي. غير أن المنهج النقدي العقلي القرآني، الذي يُحاكم التراث إلى معيار النص القرآني الصريح وموازين العقل السليم، لا يمنحه ذلك حصانة من المساءلة. فالقرطبي، رغم تحرّزه المنهجي المعلن في مقدمته من الاعتماد على "قصص الإخباريين"، وقع - كغيره من كبار المفسرين - في تساهلات منهجية تستوجب الوقفة والتمحيص، أبرزها أربعة مآخذ منهجية: تأويل آيات الصفات على طريقة الأشاعرة، واستيعاب الإسرائيليات في قصص الأنبياء، والتساهل في الروايات الضعيفة والموضوعة، ونقل أخبار تتعارض مع مقام العصمة النبوية. ونضيف إلى هذه المآخذ النظرية نموذجاً تطبيقياً صارخاً نراه كافياً وحده لتبيان حجم ما تسرّب إلى هذا التفسير من خرافة، وهو ما نسوقه في خامس محاور هذا المقال. وهذا المقال محاولة لتفصيل هذه المآخذ في ميزان النقد العلمي لا التجريح.
المحور الأول: المنهج الأشعري في تأويل آيات الصفات
خالف القرطبي منهج السلف القائم على إثبات الصفات الإلهية كما وردت، بلا تكييف ولا تعطيل، فنحا منحى الأشاعرة في تأويل بعض النصوص؛ فأوّل "الاستواء" بـ"الاستيلاء"، وأوّل "المجيء" بمجيء الأمر أو القضاء، فراراً مما تصوّر أنه تشبيه. والمعضلة المنهجية هنا أن هذا التأويل يُحمّل النص القرآني معنى لم يقصده الخطاب الأول، ويُدخل في فهم القرآن إسقاطاً فلسفياً كلامياً متأخراً عن عصر النزول، وهو ما يتعارض مع قاعدة فهم الخطاب القرآني بلغة العرب ومقاصدهم المباشرة دون تكلّف فلسفي[1].
المحور الثاني: الإسرائيليات في قصص الأنبياء
اشترط القرطبي في مقدمته صراحة عدم الإغراق في "قصص الإخباريين"، لكنه لم يلتزم بهذا الشرط التزاماً كاملاً في مواضع عديدة من كتابه، فنقل روايات إسرائيلية المصدر حول قصص الأنبياء - كقصص بني إسرائيل وسليمان وداود وغيرهم - دون تمحيص كافٍ لمصدرها أو نسبتها. وهذه الإسرائيليات، التي تسرّبت إلى التفسير عبر رواة كعب الأحبار ووهب بن منبه، تحمل في أصلها تصورات توراتية وتلمودية لا تتفق مع التنزيه القرآني للأنبياء، وقد حذّر منها ابن تيمية وابن كثير وغيرهما من كبار المفسرين باعتبارها دخيلة لا سند لها في ديننا[2].
المحور الثالث: الروايات الضعيفة والموضوعة
تساهل القرطبي في إيراد كثير من الأحاديث الضعيفة، بل والموضوعة، خصوصاً في باب أسباب النزول وفضائل السور، دون تنبيه القارئ في كثير من المواضع على درجة صحتها أو ضعفها. وهذا التساهل - وإن كان شائعاً عند كثير من مفسري عصره - يُسهم في ترسيخ معارف غير موثقة في الوعي الديني العام، ويُضعف من قيمة العمل التفسيري كمرجع موثوق، لا سيما حين يتعلق الأمر بفضائل آيات أو سور يُبنى عليها ترغيب أو ترهيب لا أصل له[3].
المحور الرابع: روايات تتعارض مع مقام العصمة
من أخطر ما يُسجَّل على هذا الكتاب نقله لبعض الروايات الباطلة في قصص الأنبياء التي تنال من مقام عصمتهم، ومن أبرزها ما تردد في تفسير قصة داود عليه السلام (سورة ص)، حيث تسرّبت رواية إسرائيلية المصدر تتعلق بامرأة أحد قادة جيشه، وهي رواية رفضها محققون من علماء التفسير كأبي بكر بن العربي والرازي، واعتبروها مما لا يجوز نسبته إلى نبي مُصطفى مُطهَّر، لمخالفتها الصريحة لقوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ ولمنطق التكريم الإلهي للأنبياء الوارد في غير موضع من القرآن[4].
المحور الخامس: نموذج تطبيقي – روايات "تكاثر إبليس" في تفسير القرطبي
إن أبلغ رد على من يستهين بحجم ما تسرّب إلى كتب التفسير من الخرافة هو عرض نص بعينه دون تعليق مسبق، وترك القارئ يحاكمه بعقله ابتداءً. وهذا ما نجده في تفسير القرطبي عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِي﴾ (الكهف: 50)، حيث يورد جملة من الروايات في كيفية "تناسل" إبليس وتفصيل أسماء ذريته[5].
1. عرض النموذج
نقل القرطبي عن مجاهد قولاً مفاده أن إبليس يلد عن طريق إيلاج فرجه في نفسه فيبيض عدداً من البيض، ونقل قولاً آخر مفاده أن الله خلق له في فخذيه عضوين يتناسل بهما، يُخرج بهما عشرات البيضات يومياً يخرج من كل واحدة سبعون شيطاناً وشيطانة. ثم استدرك بنقل قول مخالف ينفي أصل الذرية الجسدية عن إبليس ويحصرها في معنى "الأعوان والأتباع" لا النسل الحقيقي. وأضاف إلى ذلك تعداداً تفصيلياً لأسماء أبناء إبليس ووظائفهم: زلنبور صاحب الأسواق، وثبر صاحب المصائب، والأعور صاحب الزنى، ومسوط صاحب الأخبار الكاذبة، وداسم صاحب البيوت، وغيرهم[6].
2. مساءلة النموذج بميزان العقل والنص القرآني
أولاً، التناقض الداخلي البيّن: فالروايات المنقولة في الموضع نفسه تتعارض فيما بينها تعارضاً صريحاً؛ فبعضها يجعل لإبليس ذرية جسدية متولّدة من بيض، وبعضها ينفي ذلك أصلاً ويحصر "الذرية" في معنى مجازي هو الأتباع. وإيراد المتناقضين في موضع واحد دون ترجيح أو تنبيه كافٍ يكشف عن منهج تجميعي غير تمحيصي.
ثانياً، غياب السند الصحيح المعترف به من النص نفسه: فالقرطبي ينقل عن أبي نصر القشيري قوله الصريح إنه "لا يثبت عندنا كيفية التوالد منهم ولا حدوث الذرية عن إبليس، فيتوقف الأمر فيه على نقل صحيح"، وينقل عن ابن عطية وصفه لهذه الأخبار بأنها "مما لم يأت به سند صحيح". فالنص يحمل في ثناياه شهادة علماء عدول بضعف أصله، وهذا نموذج صارخ على ما نسميه "الموبوء بالاعتراف الداخلي"، أي ما يحمل في جوف الرواية نفسها دليل وهنها[7].
ثالثاً، مخالفة المنهج القرآني في الحديث عن الجن وإبليس: فالقرآن الكريم تحدّث عن إبليس وذريته وأعوانه (ذرية، أولياء، حزب الشيطان) في معرض التحذير من اتباعهم في الغواية، لا في معرض السرد البيولوجي لكيفية تكاثرهم. ولم يرد في القرآن - وهو المصدر الوحيد المعصوم في هذا الباب - أي تفصيل عن "بيض" أو "أعضاء تكاثر" أو توزيع وظيفي للشياطين على الأسواق والبيوت والمزامير. فهذه تفاصيل دخيلة، أقرب إلى الأساطير البابلية والفارسية القديمة في تشخيص الشر وتشييطنه وظيفياً، منها إلى منهج القرآن في الحديث عن الغيب بقدر ما يُحتاج إليه هداية لا تشويقاً قصصياً[8].
رابعاً، الأثر التربوي السلبي: فإيراد مثل هذه التفاصيل دون حسم أو تحذير كافٍ يُكرّس في الوعي الديني العام خلطاً بين الغيب القرآني المُحَكَّم وبين الخرافة الشعبية المنقولة عن أهل الكتاب وأخباريي الجاهلية المتأسلمة، ويفتح الباب لمن يريد الطعن في جلالة التفسير الإسلامي ككل بانتقاء هذه النماذج وتعميمها.
خاتمة
إن النظر النقدي في تفسير القرطبي لا يستهدف الانتقاص من قيمته العلمية في باب الأحكام والاستنباط الفقهي، بل يستهدف تخليص التراث التفسيري من شوائب دخلت عليه عبر قرون من النقل غير المُمحّص. والمعيار الذي ينبغي أن يُحاكَم إليه أي تفسير هو النص القرآني نفسه ومقاصده الكلية، ومنطق العقل السليم الذي ميّز الله به الإنسان، لا سلطة الأسماء ولا قِدَم الأسانيد. ونموذج "تكاثر إبليس" الذي عرضناه في المحور الخامس ليس استثناءً نادراً، بل هو شاهد دالّ على نمط متكرر من التساهل المنهجي، يحمل في داخله - بشهادة العلماء الذين نقل عنهم القرطبي نفسه - اعترافاً بضعف سنده وتهافت أصله. وما أحرانا، في عصر تتاح فيه أدوات التحقيق والمقارنة، أن نعيد قراءة هذا التراث بعين ناقدة بصيرة، تُكرّم الأنبياء وتُنزّههم عما لا يليق، وتُقدّم للأمة قرآناً مفهوماً بمعزل عن الإسرائيليات والموضوعات والخرافات التي شوّهت صورة الغيب الإسلامي عند كثير من العامة.
الهوامش والمراجع:
[1] ابن تيمية، "التدمرية في توحيد الله وصفاته"، وانظر نقد مذهب التأويل الأشعري في آيات الصفات.
[2] رمزي نعناعة، "الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير"، دار القلم، دمشق.
[3] محمد حسين الذهبي، "التفسير والمفسرون"، دار الكتب الحديثة، القاهرة.
[4] أبو بكر بن العربي، "أحكام القرآن"؛ وانظر مناقشة قصة داود عليه السلام في تفاسير الرازي وابن كثير.
[5] القرطبي، "الجامع لأحكام القرآن"، ج10، ص420 وما بعدها، تفسير سورة الكهف، الآية 50.
[6] المصدر نفسه، نقلاً عن مجاهد وابن عباس والطبري وغيرهم.
[7] أبو نصر القشيري وابن عطية، كما نقله القرطبي في الموضع نفسه.
[8] انظر للمقارنة منهج القرآن في الحديث عن الجن في سورتي الجن والأعراف، حيث يغيب التفصيل البيولوجي تماماً.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...

مهمة الرسول: الهداية والتبليغ لا الغزو والقتال بقلم: الناصر خشيني

     مقدمة أطنبت كتب الحديث والسيرة والتاريخ الإسلامي في الحديث عن "غزوات" مزعومة للرسول صلى الله عليه وسلم، في مخالفة صريحة لمنهج القرآن الكريم الذي لم يصف الرسول في أي موضع بأنه كان غازياً أو محارباً ابتداءً. فالقرآن اقتصر على ذكر بعض الوقائع المفصلية من سيرة الرسول، بعضها بالتفصيل وبعضها بالإجمال، دون أن يصطنع لها صفة "الغزو" التي ألصقتها بها كتب التراث. وتسعى هذه المقالة إلى استعراض هذه الوقائع كما وردت في النص القرآني نفسه، ثم بيان أن كل قتال خاضه الرسول لم يكن إلا رد فعل على عداء محورين بعينهما: قريش التي صادرت أموال المهاجرين وأخرجتهم من ديارهم، ويهود المدينة الذين خانوا عهد صحيفة المدينة، وأن مهمته الأصلية والمركزية كانت الدعوة بالرسالة والتبليغ بالحجة، كما يشهد على ذلك منهجه في مراسلة ملوك عصره. أولاً: منهج القرآن في تناول وقائع السيرة خلّد القرآن الكريم جملة من وقائع السيرة بالذكر، إما إجمالاً أو تفصيلاً، موزعة على عدد من السور: بدر: في سورتي آل عمران والأنفال (¹) أُحد: في سورة آل عمران، دون ذكر اسمها (²) صلح الحديبية: في سورة الفتح (³) الخندق: في سورة ال...