قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 26 يونيو 2026

الصحيفة في المدينة أول دستور تعاقدي في تاريخ الإنسانية بعد الهجرة النبوية بقلم: الناصر خشيني

 


مقدمة

ينفرد الإسلام بقيم جديدة على الساحة العالمية في رفضه للظلم والدعوة إلى تغيير المنكر مهما كانت الصعوبات، فلا استكانة ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين؛ إذ الأفراد والجماعات، مهما كانت الظروف والتحديات التي يواجهونها، مسؤولون أمام الله تعالى عن رفع الظلم عن أنفسهم، ولا ينتظرون حتى تأتي معجزة من السماء تغير ما بهم، فقد ولّى ذلك العهد إلى غير رجعة بهذه الرسالة الخاتمة. وهذا هو السر الحقيقي وراء انتصارات المسلمين أثناء الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى بينهم وبين أعدائهم، وذلك أنهم فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة لا بد من أدائه على أكمل الوجوه. ومن أبرز تجليات هذا الفهم الثوري للدين، إقامةُ الرسول صلى الله عليه وسلم أول دولة عربية إسلامية في المدينة على أسس تعاقدية لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية، وهو ما يستعرضه هذا المقال.

المحور الأول: مسؤولية الإنسان أمام الله في رفع الظلم عن نفسه

من أعظم ما جاءت به الرسالة المحمدية الخاتمة، أنها نقلت العلاقة بين الإنسان والظلم من علاقة انتظار وترقب إلى علاقة مسؤولية ومبادرة. فالأمم السابقة كانت تنتظر معجزة إلهية تنتصر لها من ظالميها، كما حدث مع موسى عليه السلام وفرعون، وكما حدث مع أمم بادت بعذاب من السماء استجابة لدعوة أنبيائها. أما بهذه الرسالة الخاتمة، فقد ولّى عهد انتظار المعجزة إلى غير رجعة، وصار الفرد والجماعة مسؤولين بأنفسهم، أمام الله تعالى، عن رفع الظلم عن أنفسهم بسعيهم وجهدهم، لا بانتظار خارق يغيّر واقعهم. ومن لم يقم بهذا الواجب الرسالي، فإن العقاب الإلهي ينتظره يوم القيامة، إضافة إلى بقاء حاله في الدنيا على ما هو عليه دون تغيير؛ فالتغيير مرهون بالفعل البشري لا بالانتظار السلبي.

وهذا هو الأصل القرآني الذي تنبني عليه كل دعوة لتغيير المنكر مهما كانت الصعوبات: فلا استكانة للظالم ولا هوان أمام الطغاة والمستبدين، بل مبادرة دائمة لرفع الظلم، فردا كان الفاعل أو جماعة، وهو أصل يتجاوز في عمومه وإطلاقه ما عرفته الأمم والحضارات السابقة من فلسفات الخلاص الفردي أو الانتظار الغيبي للمخلّص.

المحور الثاني: التغيير الرسالي سر انتصارات الفتوحات الإسلامية

إن هذا الفهم العميق للمسؤولية الفردية والجماعية أمام الله هو ما يفسر انتصارات المسلمين في الفتوحات الكبرى، بالرغم من عدم توازن القوى الواضح بينهم وبين أعدائهم من الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية، أعتى قوتين عسكريتين في زمانهما. فالمسلمون الأوائل لم يخرجوا للقتال طلبا لغنيمة عابرة أو توسعا دنيويا محضا، بل فهموا أن لهم دورا رساليا في هذه الحياة، لا بد من أدائه على أكمل الوجوه، وأن التقصير فيه يستوجب الحساب الإلهي. هذا الإحساس بالمسؤولية الرسالية، المتجاوز لحسابات القوة المادية البحتة، هو ما صنع التفوق المعنوي الذي قلب موازين القوى التقليدية، وجعل جيوشا قليلة العدد والعدة تُلحق الهزيمة بإمبراطوريات عريقة.

المحور الثالث: الصحيفة المدنية — أول دستور تعاقدي مكتوب في تاريخ الإنسانية

من أبرز معالم العمل الثوري الذي أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة، إقامة أول دولة عربية إسلامية على أسس جديدة لم تكن مألوفة في تاريخ البشرية؛ فقد قامت هذه الدولة على أساس التعاقد، على خلاف الدول التي سبقتها أو لحقتها، والتي قامت في معظمها على أساس القوة المسلحة والغلبة. وما أنجزه الرسول صلى الله عليه وسلم بمعية الصحابة يُعدّ إنجازا تاريخيا غير مسبوق، إذ تمّ على أساس تعاقدي عبر تلك الوثيقة التاريخية الهامة، وهي "الصحيفة"، التي تُعتبر أول دستور مدني تعاقدي مكتوب بين مواطني دولة مدنية واحدة، بقطع النظر عن الدين والعرق والمكانة الاجتماعية [1].

فهذه الوثيقة لم تقم على الإكراه أو الغزو، بل على اتفاق طوعي صريح بين مكونات المدينة المختلفة: المهاجرون والأنصار من المسلمين، وبطون يهود المدينة، وبقية القبائل المقيمة فيها، فاجتمعوا جميعا تحت سقف تعاقدي واحد، نظّم العلاقة بينهم على أساس المواطنة في الدولة الجديدة لا على أساس الانتساب القبلي أو العرقي أو الديني الضيق [2]. وبهذا تكون المدينة قد سبقت العالم بقرون طويلة إلى فكرة "الدولة المدنية" بمفهومها التعاقدي الحديث، وإلى مبدأ المساواة في المواطنة بين مكونات مختلفة العقيدة والعرق، في زمن كانت تقوم فيه كل الدول المحيطة على أساس القوة العسكرية والغلبة القبلية أو الإمبراطورية الصرفة.

المحور الرابع: الدلالة الحضارية لهذا الإنجاز في الفكر السياسي المعاصر

إن هذا السبق التاريخي للصحيفة المدنية يحمل دلالات بالغة الأهمية في سياق النقاش المعاصر حول طبيعة الدولة والمواطنة والتعايش بين المكونات المختلفة. فهي تُثبت أن الإسلام، في أصل تجربته السياسية التأسيسية، لم يكن دين إكراه أو إلغاء للآخر المختلف دينا أو عرقا، بل كان دين تعاقد وتعايش ضمن إطار دولة واحدة تحكمها وثيقة مكتوبة، يُحدّد فيها حقوق كل طرف وواجباته، وهو ما يُقارَب اليوم بمفهوم "العقد الاجتماعي" في الفكر السياسي الحديث، مع تقدم الصحيفة عليه بقرون طويلة. وهذا يفنّد كل محاولة لتصوير التجربة السياسية الإسلامية المؤسِّسة على أنها قامت على القهر والغلبة، إذ إن أول دولة إسلامية في التاريخ إنما قامت، في وثيقتها التأسيسية، على التعاقد الطوعي بين مختلف مكونات المجتمع.

خاتمة

إن هذين المعلمين — مسؤولية الإنسان أمام الله عن رفع الظلم عن نفسه دون انتظار معجزة، وإقامة أول دولة تعاقدية مدنية في التاريخ — يكشفان عن طبيعة الثورة الحقيقية التي جاء بها الإسلام: ثورة في فهم العلاقة بين الإنسان والظلم، وثورة في فهم العلاقة بين الحاكم والمحكوم وبين مكونات المجتمع المختلفة. وهي قيم لا تزال، إلى اليوم، تحمل في داخلها طاقة تغييرية كامنة، متى ما أحسنت الأمة استثمارها في مواجهة ظلمها الداخلي والخارجي على السواء.

ثبت المراجع

[1] ابن هشام، "السيرة النبوية"؛ نص الصحيفة (دستور المدينة) كما رواه ابن إسحاق.

[2] محمد حميد الله، "الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة"؛ دراسات تاريخية حول وثيقة المدينة وبنودها المتعلقة بالمسلمين ويهود المدينة وسائر القبائل.2

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الصحيفة في المدينة أول دستور تعاقدي في تاريخ الإنسانية بعد الهجرة النبوية بقلم: الناصر خشيني

  مقدمة ينفرد الإسلام بقيم جديدة على الساحة العالمية في رفضه للظلم والدعوة إلى تغيير المنكر مهما كانت الصعوبات، فلا استكانة ولا هوان أمام ال...