قائمة المدونات الإلكترونية

الجمعة، 26 يونيو 2026

مشكلات قطاع التعليم في تونس: من إفلاس المدرسة العمومية إلى هيمنة السوق الخاصة بقلم: الناصر خشيني


     مقدمة

تشكّل المدرسة في كل المجتمعات الحديثة الرافعة الأساسية للتنمية والعدالة الاجتماعية، وقد راهنت تونس منذ استقلالها على التعليم المجاني والإلزامي بصفته أداة لتحقيق الترقي الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين أبنائها. إلا أن المنظومة التربوية التونسية تعيش اليوم أزمة بنيوية متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها تردّي البنية التحتية، وتفاقم الاكتظاظ والانقطاع المدرسي، وتراجع جودة التعلّم، واتساع الهوة بين مخرجات المدرسة وحاجيات سوق الشغل، في وقت تتقلّص فيه الموارد العمومية المخصصة للقطاع لصالح توسّع متسارع لمنظومة تعليم خاصة موجّهة أساساً للفئات الميسورة. وتسعى هذه المقالة، في إطار سلسلة تتناول القطاعات الحيوية في تونس، إلى تفكيك أبرز مظاهر هذه الأزمة بالاعتماد على أحدث المعطيات الرسمية والميدانية المتاحة.
المحور الأول: تهالك البنية التحتية وشح الموارد المدرسية
يعاني عدد كبير من المؤسسات التربوية العمومية، وخاصة في المناطق الداخلية والريفية، من قدم البنايات وتدهورها، إضافة إلى ضعف التجهيزات الأساسية كالمختبرات وقاعات الإعلامية ووسائل النقل المدرسي. وتكشف بيانات وزارة التربية أن عدد المؤسسات التربوية بلغ في الموسم الدراسي 2025/2024 نحو 6163 مؤسسة، تستقبل أكثر من 2.35 مليون تلميذ، يؤطرهم نحو 154 ألف مدرّس، بزيادة لا تتجاوز 0.4 بالمائة عن الموسم السابق، وهو ما يعني أن نسق توسّع الموارد البشرية لا يواكب الضغط الديمغرافي على المنظومة [1].
والأخطر من ذلك أن الإنفاق الاستثماري في ميزانية وزارة التربية، وهو الذي يغذّي بناء المرافق وتجديدها وتوفير النقل المدرسي، تراجع من نحو 654 مليون دينار في سنة 2024 إلى حوالي 480 مليون دينار فقط، في حين لم تعد حصة وزارة التربية من الموازنة العامة للدولة تمثل سوى 10.3 بالمائة، مقابل 18.7 بالمائة سنة 2016 [2]. ويترجم هذا التراجع على أرض الواقع أزمة نقل مدرسي حادة في عدد من المناطق الريفية بولايات قفصة وصفاقس والمهدية والقصرين والكاف، حيث يضطر التلاميذ يومياً إلى الانتظار على حافة الطرقات دون وسيلة نقل تستوعب أعدادهم، وهو وضع يُسهم مباشرة في تغذية ظاهرة الانقطاع المدرسي [3]. وقد حاولت برامج دولية، كمشروع تطوير التعليم قبل المدرسي والأساسي المموَّل من البنك الدولي، تعويض جزء من هذا العجز عبر بناء نحو 100 قاعة تعليم تحضيري وتجديد حوالي 80 مدرسة وتجهيز 2500 قاعة ابتدائية بأثاث جديد بين سنتي 2019 و2025، وهو مجهود يكشف بحجمه نفسه عمق الفجوة المتراكمة داخل المدرسة العمومية أكثر مما يردمها [4].
المحور الثاني: الاكتظاظ المدرسي وانعكاساته على جودة التعلم
يمثل ارتفاع عدد التلاميذ داخل القسم الواحد، خاصة في المدن الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة، عائقاً مباشراً أمام قدرة المعلم على التفريد البيداغوجي ومتابعة التلاميذ ذوي الصعوبات. وتزيد محدودية الموارد البشرية، التي لا تتطور إلا بنسق هامشي لا يتجاوز نصف نقطة في المائة سنوياً كما أشير أعلاه، من حدة هذا الاكتظاظ، في ظل تضخم سنوي لأعداد التلاميذ يفوق نسق توظيف المدرّسين وبناء القاعات الجديدة. وتنعكس هذه الوضعية بشكل خاص على المناطق الداخلية التي تشكو من نقص حاد في الأطر التربوية المختصة، وهو ما يفاقم التفاوت الجهوي في جودة التعليم المقدَّم.
المحور الثالث: التسرب المدرسي، نزيف سنوي متجدد
يُعد الانقطاع المدرسي أحد أخطر مظاهر الأزمة التربوية في تونس. فبحسب نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لسنة 2024، يوجد نحو 4.5 بالمائة من الأطفال بين سن 6 و16 سنة خارج المنظومة التربوية كلياً، بينما تبلغ نسبة التسرب وحدها 3.5 بالمائة من مجموع يقارب 3.29 مليون طفل في سن التعليم، وترتفع هذه النسبة إلى 8.1 بالمائة في الفئة العمرية بين 12 و16 سنة، أي في مرحلة التعليم الإعدادي والثانوي بالذات. وتتجاوز نسب الانقطاع 6 بالمائة في ولايات القيروان والمهدية والقصرين، في مؤشر واضح على الفجوة الجهوية في الاحتفاظ بالتلاميذ داخل المنظومة [5].
وتقدّر دراسات سابقة أن نحو مليون تلميذ وتلميذة غادروا مقاعد الدراسة بين سنتي 2010 و2020 وحدها، أي بمعدل يقارب 100 ألف حالة انقطاع سنوياً، وهو نزيف وُصف بكونه يستهلك ما يقدَّر بـ13 بالمائة من ميزانية وزارة التربية كل عام [6]. ويعود الانقطاع، حسب باحثين تونسيين في علم الاجتماع، إلى تشابك عوامل اقتصادية (الفقر وعدم استقرار الأسرة)، وعوامل مدرسية (تكرار الرسوب، ضعف الدعم البيداغوجي، العنف المدرسي)، وعوامل لوجستية (غياب النقل والتغذية المدرسية في المناطق الريفية) [7]. وتترتب عن هذا الانقطاع المبكر تبعات بعيدة المدى، أبرزها ارتداد شريحة واسعة من المنقطعين إلى الأمية، حيث تبلغ نسبة الأمية الأبجدية في تونس اليوم نحو 17.3 بالمائة من السكان فوق سن العاشرة، وترتفع إلى أكثر من 28 بالمائة في ولاية جندوبة وحوالي 28 بالمائة في القيروان و26 بالمائة في سيدي بوزيد، بينما تقترب نسبة الأمية بين النساء في الأرياف من 50 بالمائة [8].
المحور الرابع: تراجع التحصيل العلمي وتدني جودة المخرجات
تتقاطع شهادات عدة من الوسط التربوي والإعلامي حول تراجع مستوى التلاميذ التونسيين في المواد الأساسية كالرياضيات واللغات والعلوم، وهو تراجع اعترف به مسؤولون في وزارة التربية أنفسهم، حين تحدّث وزير التربية السابق فتحي السلاوتي صريحاً عن تأخر تونس بسنوات كاملة على المستوى الدراسي مقارنة بالمعدلات المرجوة، وعن تفاوت حاد في النتائج المدرسية بين الجهات [9]. ويرتبط هذا التراجع بعوامل متشابكة، منها ضعف التكوين المستمر للمعلمين، وتقادم البرامج والمناهج، وتأثير الاكتظاظ والانقطاع المتكرر للدراسة على المسار التعليمي للتلاميذ المتبقين في المنظومة، إذ تبيّن دراسات دولية مماثلة في بلدان المنطقة أن التلاميذ المتأخرين دراسياً يحصلون على نتائج أدنى بشكل واضح من زملائهم في الرياضيات والعلوم على حد سواء.
المحور الخامس: الفجوة بين التعليم وسوق الشغل
من أخطر تجليات أزمة المنظومة التربوية أنها لم تعد تضمن لأصحابها فرص اندماج مهني تتناسب مع سنوات التكوين التي قضوها. فبحسب آخر معطيات المعهد الوطني للإحصاء للربع الأول من سنة 2026، بلغت نسبة البطالة العامة في تونس نحو 15 بالمائة، في حين قفزت نسبة البطالة بين حاملي الشهادات العليا إلى 24.2 بالمائة، بفارق صادم بين الجنسين: 14.2 بالمائة لدى الذكور مقابل 32 بالمائة لدى الإناث [10]. ومن بين نحو 650 ألف عاطل عن العمل في تونس، يمثل حاملو الشهادات الجامعية نسبة كبيرة منهم، في ظاهرة وصفها مراقبون اقتصاديون بـ"النمو بلا تشغيل"، أي عجز الاقتصاد التونسي عن استيعاب الكفاءات التي يخرّجها التعليم العالي، نتيجة ضعف بنيوي مزمن في نموذج النمو وغياب الربط الفعلي بين البرامج التعليمية واحتياجات الاقتصاد الرقمي والقطاعات الناشئة [11]. وتنعكس هذه الأزمة اجتماعياً في تأخر سن الزواج وتراجع معدلات الولادات وتصاعد الهجرة وأشكال التشغيل الهش بين خريجي الجامعات.
المحور السادس: تصاعد تكلفة التعليم وتوسّع هيمنة القطاع الخاص
تحوّلت العودة المدرسية في تونس إلى عبء مالي متصاعد على الأسر، حيث بلغت كلفتها التقديرية لتلميذ التعليم الابتدائي نحو 700 دينار، وارتفعت إلى نحو 815 ديناراً لتلميذ التعليم الثانوي خلال الموسم 2025/2024، في وقت لا يزال جزء واسع من الأسر التونسية يعاني صعوبات اقتصادية بنيوية [12].
وقد ولّد هذا الانحسار المتراكم لقدرة المدرسة العمومية على توفير تعليم جيّد ومتاح للجميع حركة لجوء متزايدة نحو التعليم الخاص، الذي تحوّل بعد الثورة من ظاهرة هامشية إلى قطاع متغوّل. فقد ارتفع عدد المدارس الخاصة المرخّصة من نحو 100 مدرسة فقط سنة 2010 إلى 724 مدرسة سنة 2023، بينما تضخّم عدد التلاميذ المسجَّلين بها من 21 ألف تلميذ سنة 2010 إلى نحو 122 ألف تلميذ سنة 2022، أي أن تلميذاً واحداً من بين كل سبعة تلاميذ في تونس يلتحق اليوم بمدرسة خاصة على الرغم من ارتفاع تكلفتها [13]. وتعكس هذه الأرقام تحوّلاً عميقاً في طبيعة المنظومة التربوية التونسية، من مدرسة عمومية موحَّدة تجمع أبناء الفئات الاجتماعية المختلفة، إلى منظومة مزدوجة تكرّس التفاوت الطبقي: تعليم خاص يستقطب الفئات الميسورة بخدمات أفضل وأقسام أقل اكتظاظاً، في مقابل مدرسة عمومية تتراجع موادها وتترك لمصيرها في المناطق الأقل حظوة، وهو ما يهدد بتفكيك أحد أهم أعمدة العقد الاجتماعي الذي قامت عليه الدولة التونسية الحديثة منذ الاستقلال: تكافؤ الفرص عبر التعليم المجاني.
خاتمة
تكشف هذه القراءة أن أزمة التعليم في تونس ليست أزمة تقنية أو إدارية معزولة، بل أزمة بنيوية متعددة الحلقات: تقلّص مستمر في الموارد العمومية المرصودة للقطاع، وتراجع في جودة المخرجات وقدرتها على الاندماج في سوق الشغل، وانقطاع متفاقم يطرد آلاف التلاميذ سنوياً من مقاعد الدراسة، وتوسّع متسارع لقطاع خاص يستفيد من تعثّر المدرسة العمومية أكثر مما يكمّلها. وإذا استمر هذا المسار دون إصلاح هيكلي حقيقي يعيد للمدرسة العمومية مواردها ومكانتها، فإن تونس مهدّدة بفقدان أحد أهم منجزاتها التاريخية: مدرسة موحّدة ومجانية كانت لعقود أداة أساسية للترقي الاجتماعي وتكافؤ الفرص بين التونسيين، لتتحوّل تدريجياً إلى مجرد شبكة أمان للفئات الأقل قدرة على الدفع، في مقابل منظومة تعليم خاصة تتوسع لتصبح هي القاعدة الفعلية بالنسبة لمن يملك القدرة المالية على ذلك.
ثبت المراجع
[1] الترا تونس (Ultrasawt)، "العودة المدرسية 2024-2025 في أرقام"، سبتمبر 2024.
[2] العربي الجديد، "أزمة النقل المدرسي تفاقم تسرّب تلاميذ أرياف تونس"، اعتماداً على معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أكتوبر 2025.
[3] العربي الجديد، نفس المصدر السابق.
[4] تقرير صحيفة "Sifr Reports"، "الانقطاع المدرسي.. أزمة تعليمية تتحول إلى قضية اجتماعية وحقوقية في تونس"، اعتماداً على معطيات البنك الدولي واليونيسف، 2026.
[5] بابنت، "4.5 بالمائة من الأطفال خارج المنظومة التربوية في تونس"، اعتماداً على المعهد الوطني للإحصاء، سبتمبر 2025.
[6] إنكفاضة (Inkyfada)، "❞لا جدوى من الدراسة❝: الأسباب الكامنة وراء التسرب المدرسي"، اعتماداً على معطيات المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، 2022.
[7] إنكفاضة، نفس المصدر، وكذلك السفير العربي، "العنف المدرسي في تونس: الظلم والعدالة وتهاوي السلطات الرمزية".
[8] العربي الجديد، "أزمة النقل المدرسي..."، اعتماداً على معطيات التعداد العام للسكان والسكنى والمعهد الوطني للإحصاء.
[9] شمس إف إم، تصريحات وزير التربية فتحي السلاوتي.
[10] المعهد الوطني للإحصاء (INS)، "مؤشرات التشغيل والبطالة للربع الأول من سنة 2026".
[11] صحيفة "بطالة خريجي الجامعات في تونس: نمو بلا تشغيل"، العربي الجديد/مواقع اقتصادية، 2026.
[12] ouroba22.com، "المنظومة التعليمية في تونس: صعوبات وإكراهات (2/3)"، أكتوبر 2024.
[13] نفس المصدر السابق، اعتماداً على معطيات وزارة التربية التونسية للإحصاء المدرسي 2022-2023.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

بين المنبر والسلطان: قراءة في الجدل حول الشيخ عبد الرحمن السديس بقلم الناصر خشيني

مقدمة يحظى الشيخ عبد الرحمن السديس، إمام وخطيب المسجد الحرام وحافظ القرآن، بمكانة دينية رفيعة في العالم الإسلامي بحكم موقعه في أقدس بقعة عند...