لم تكن تونس تاريخياً في دائرة الاستقطاب الكبير للهجرة القادمة من جنوب الصحراء الأفريقية. بيد أن العقد المنقضي فرض عليها انزياحاً جيوسياسياً عميقاً أعاد رسم خريطة حضورها في مشهد الهجرة المتوسطية. اليوم، باتت البلاد في قلب أزمة ثلاثية الأبعاد: ديموغرافية، وأمنية، ودبلوماسية؛ أزمة تختبر صمود الدولة الوطنية وتكشف هشاشة البنى الاجتماعية في مواجهة ضغوط متراكمة ومتشابكة لا تُحلّ بالشعارات ولا بالترقيع الأمني.
أولاً: الواقع الإحصائي — أرقام تتكلم ووقائع تصرخ
تتباين الأرقام المتداولة حول أعداد المهاجرين الأفارقة في تونس تبايناً يعكس بحد ذاته اضطراب المشهد وتعذّر إحصائه. وفق المعطيات الرسمية لوزارة الداخلية، يقيم في تونس ما يزيد على واحد وعشرين ألف مهاجر غير نظامي من دول أفريقيا جنوب الصحراء (1)، فيما تُرجّح تقديرات منظمات المجتمع المدني أن يكون الرقم الحقيقي أعلى من ذلك بكثير (2). بل ذهبت بعض التقديرات إلى أن عدد المهاجرين غير النظاميين في مناطق صفاقس ومدنين والقصرين وحدها قد ناهز مئة ألف شخص في الفترة الممتدة بين مايو 2023 ومارس 2024 (3).
وكشف يوم دراسي نظّمه مجلس نواب الشعب مطلع عام 2025 أن منطقة العامرة وحدها تأوي أكثر من عشرين ألف مهاجر يعيشون في خيام داخل الغابات وعلى أطراف المدن (4). والمفارقة المُرّة أن ثلاثة أرباع هؤلاء لم يقصدوا تونس وجهةً، بل هي لهم محطة اضطرارية نحو الشاطئ الأوروبي (5). إنهم بالمعنى الحرفي للكلمة، ضيوف غير مرغوب فيهم، وجدوا أنفسهم سجناء بلد لم يخترونه.
ثانياً: الأسباب والجذور — لماذا تونس تحديداً؟
لا تحدث هجرة بهذا الحجم من فراغ. ثمة بنى هيكلية عميقة دفعت بالساحليين والغينيين والماليين والسودانيين إلى طريق السراب عبر الصحراء. أزمات المناخ وانهيار الزراعة في الساحل الأفريقي، والحروب الأهلية المستدامة، والفقر المتوارث جيلاً بعد جيل — كل ذلك يُغذّي هذا النزيف البشري الهائل (6).
أما لماذا تونس بالذات، فللأمر أسباب مباشرة: قرار إلغاء التأشيرة الصادر إثر مؤتمر تونس-أفريقيا عام 2013 فتح أبواباً لم يكن أحد يتوقع أن تتحول إلى هذا الحجم من التدفق. يُضاف إلى ذلك تشديد الرقابة الأوروبية على المسار الليبي، مما حوّل الخريطة وجعل الشمال التونسي وصفاقس تحديداً جسراً إلزامياً نحو لامبيدوسا. ثم تفاقمت الأزمة حين وجد عشرات الآلاف أنفسهم عاجزين عن المضي قدماً وعن العودة في آن واحد، فانحشروا في فضاء تونسي لا يستوعبهم ولا يرحّب بهم.
ثالثاً: الانفجار الاجتماعي — صفاقس مختبراً للأزمة
كانت صفاقس المدينة التي احتضنت بؤرة التوتر الأكثر حدةً. في صيف 2023، تحولت أحياؤها إلى مسرح لمواجهات عنيفة راح ضحيتها مهاجر من بنين، واعتُقل على إثرها الآلاف بشكل تعسفي، ثم دُفع بهم إلى الصحراء الليبية والجزائرية في عمليات وصفها المراقبون الدوليون بالقسرية الخارجة عن أي إطار قانوني (12). وأفادت مصادر إنسانية بأن ما لا يقل عن خمسة آلاف وخمسمئة مهاجر طُردوا إلى الحدود الليبية، وثلاثة آلاف إلى الحدود الجزائرية، ولقي أكثر من مئة حتفهم في رحلة الصحراء القاتلة (6).
ما جرى في صفاقس لا يمكن اختزاله في ردود فعل عاطفية أو نزوات عنصرية آنية. هو في جوهره أزمة دولة عاجزة عن تقديم حلول، فسقطت في فخ المقاربة الأمنية التي تعالج الأعراض وتتجاهل الداء. الشعب التونسي المثقل بأزماته الاقتصادية والاجتماعية الخاصة وجد نفسه فجأة أمام منافس على الموارد الشحيحة، وهذا التقاطع المأساوي هو ما أشعل الفتيل (8).
رابعاً: خطاب السلطة — بين الحق والمزايدة
في فبراير 2023، ألقى الرئيس قيس سعيّد خطاباً وصف فيه تدفق المهاجرين بأنه "مؤامرة إجرامية" تستهدف تغيير التركيبة الديموغرافية لتونس وطمس هويتها العربية والإسلامية (9). وكان بإمكان أي مسؤول أن يستنكر تجاوزات الهجرة غير النظامية دون أن يُلقي بخطاب بهذه الشحنة التحريضية. غير أن ما صدر تجاوز حدود السياسة المعقولة إلى ما وصفه أكثر من عشرين منظمة حقوقية تونسية بـ"خطاب الكراهية" الذي يتناقض صراحةً مع الاتفاقيات الدولية وقانون مكافحة التمييز العنصري (11).
والأكثر مرارةً أن بعض المنتقدين التونسيين أنفسهم لفتوا إلى مفارقة مُربكة: هذا الخطاب الذي يصف المهاجرين بأنهم مصدر "عنف وجرائم وممارسات غير مقبولة" (10) يكاد يكون مرآةً عربية للخطاب اليميني المتطرف الأوروبي ضد المهاجرين التونسيين هناك. إن الكيل بمكيالين ليس فقط أخلاقياً مذموماً، بل هو سياسياً انتحاري.
في المقابل، ثمة وجه آخر يستوجب الإنصاف: تونس دولة هشة اقتصادياً، وليست في وضع يؤهلها لاستيعاب موجات هجرة بهذا الحجم دون أن تنعكس سلباً على خدماتها الأساسية ومنظومتها الاجتماعية. الحق الذي لا جدال فيه أن لكل دولة حق السيادة على حدودها وضبط حركة الدخول إليها؛ لكن الفرق شاسع بين ممارسة هذا الحق بأدوات القانون والتفاوض الدبلوماسي، وبين توظيفه شعلةً للتحريض الداخلي.
خامساً: التداعيات الخارجية — عاصفة دبلوماسية في خضم الأزمة
لم تمر تصريحات سعيّد دون صدى إقليمي ودولي مدوٍّ. أصدر الاتحاد الأفريقي بياناً إدانةً وصف فيه ما جرى بـ"خطاب الكراهية العنصري"، وطالب دوله الأعضاء بالامتناع عن أي خطاب يلحق الأذى بالأشخاص (13). وتابعت سفارات أفريقية عديدة أوضاع مواطنيها بقلق بالغ (14)، وكانت ردود الفعل هذه كافية لإحراج تونس في محافلها الأفريقية في وقت تسعى فيه إلى تعزيز شراكاتها القارية.
على الجهة المقابلة، وظّف الاتحاد الأوروبي هذا الملف أداةً للابتزاز الناعم. في يوليو 2023، وُقّعت مذكرة تفاهم تعهد بموجبها الاتحاد بتقديم مساعدات مالية ضخمة مشروطة بأن تضطلع تونس بدور حارس الحدود الجنوبية لأوروبا (15). وبهذا تحولت تونس من دولة مستقلة السيادة إلى ما يشبه "الشرطي المأجور" على تخوم القارة الأوروبية — وهو دور مهين يتعارض مع كرامة دولة وطنية لها تاريخها وسيادتها.
إن هذه المعادلة في جوهرها استعمار ناعم بوجه جديد: أوروبا تدفع لتونس كي تحتجز البؤساء على أبوابها، وتونس تقبل الصفقة من باب الضرورة المالية الضاغطة. أليس هذا ما كنا نُسميه في زمن مضى "الارتهان للخارج"؟
سادساً: السياسة التونسية — أين الاستراتيجية الوطنية؟
تمكّنت الأجهزة الأمنية من تقليص نسبة التدفق نحو تونس بشكل لافت خلال عام 2024 (6)، وجرى ترحيل عشرة آلاف مهاجر غير نظامي في بداية 2025 وحده (7)، مع تنفيذ برامج عودة طوعية شملت مئات من ساحل العاج وغينيا ومالي (8). غير أن هذه الإجراءات العملياتية لا ترقى إلى مستوى استراتيجية وطنية متكاملة تعالج البعد الإنساني جنباً إلى جنب مع البعد الأمني.
ثمة مفارقة صارخة: الدولة ذاتها التي أعلنت خطاباً تصعيدياً ضد المهاجرين سارعت لاحقاً إلى إعلان جملة من الإجراءات التحسينية لصالحهم، منها تسليم بطاقات إقامة سنوية للطلاب الأفارقة وتمديد وصولات الإقامة وإعفاء المهاجرين من غرامات التأخير (18). هذا التضارب بين الخطاب والممارسة يعكس غياب الرؤية الاستراتيجية وهشاشة القرار السياسي في ملف بالغ الحساسية.
خاتمة: تونس أمام مرآة الحقيقة
تقف تونس اليوم أمام ثلاثة أسئلة مصيرية تستدعي إجابات مدروسة بعيدة عن الشعبوية والارتجال: كيف تحمي سيادتها وحدودها دون أن تتحول إلى شرطي أوروبي على حساب كرامتها؟ وكيف تتعامل مع وجود آلاف البشر على أرضها دون انتهاك حقوقهم الأساسية؟ وكيف تحوّل هذه الأزمة من عبء ثقيل إلى ورقة تفاوضية تُسهم في صون مصالحها الوطنية؟
الملف الأفريقي ليس بنيةً تحتيةً تُعالَج بقرارات ترحيل ومخيمات ترقيعية. هو في عمقه امتداد لأزمة أعمق تتعلق بفلسفة الدولة وعلاقتها بمحيطها الأفريقي والمتوسطي. تونس التي تفخر بعروبتها وإسلامها وتنتمي إلى الفضاء الأفريقي بحكم الجغرافيا والتاريخ، عليها أن تبني سياسة هجرة ترتكز على القانون والكرامة الإنسانية (19)، لا على ردود الفعل الانفعالية التي تُرضي الجموع مؤقتاً وتفتح جراحاً دبلوماسية لا تُوصف.
إن خلاص تونس من هذه الورطة لن يأتي من مزيد من أسلاك الشائك على الحدود، بل من إعادة بناء شراكات أفريقية حقيقية وازنة تُعيد للدولة الوطنية هيبتها ولمواطنيها أمنهم وكرامتهم. وهذا بالضبط ما دأب الفكر التقدمي القومي على الدعوة إليه: أن تكون لنا سياسة وليس مجرد ردة فعل، وأن يكون لنا موقف وليس مجرد مزاج (20).
الهوامش والمراجع
(1) وزارة الداخلية التونسية، إحصائيات الأجانب المقيمين بتونس، 2024.
(2) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، "دراسة ميدانية حول وضع المهاجرين في تونس"، يوليو 2024.
(3) موقع ميزان للإعلام، "كم تبلغ أعداد المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء في تونس؟"، 25 يوليو 2024.
(4) مجلس نواب الشعب التونسي، اليوم الدراسي بشأن الهجرة غير النظامية، يناير 2025.
(5) صحيفة الصباح التونسية، "30 ألف مهاجر من إفريقيا جنوب الصحراء حاولوا التسلل إلى تونس"، 2024.
(6) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، "تحوّل تونس إلى مركز عبور: الهجرة غير الشرعية ومعضلة السياسات"، مارس 2024، متاح على: carnegieendowment.org
(7) الجزيرة نت، "تونس رحّلت 10 آلاف مهاجر في 2025 وتتعهد بعدم التحول لمنطقة عبور"، 4 نوفمبر 2025.
(8) وكالة الأناضول، "أوضاع المهاجرين الأفارقة في تونس.. حقيقة أم افتراء؟"، 2023.
(9) رئاسة الجمهورية التونسية، بيان مجلس الأمن القومي، 21 فبراير 2023.
(10) موقع عرب ترند، "سعيّد يعتبر تدفق المهاجرين الأفارقة مؤامرة"، 22 فبراير 2023.
(11) الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان وأكثر من 20 منظمة، بيان مشترك، فبراير 2023.
(12) مركز كارنيغي للشرق الأوسط، المرجع السابق.
(13) الجزيرة نت، "الاتحاد الأفريقي يدين تصريحات سعيّد بشأن المهاجرين"، 25 فبراير 2023.
(14) سفارة مالي في تونس، بيان رسمي، فبراير 2023.
(15) السويس إنفو، "تونس تفكك مخيمات لآلاف المهاجرين"، 5 أبريل 2025.
(16) الجزيرة نت، المرجع السابق، نوفمبر 2025.
(17) مركز كارنيغي، المرجع السابق.
(18) الجزيرة مباشر، "تونس تعلن إجراءات لصالح المهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء"، 6 مارس 2023.
(19) المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، المرجع السابق.
(20) الناصر خشيني، "فتاوى تقدمية"، منشورات الحرية أولاً، 2020.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق