التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نواق الشط.. منارة الشناقطة وصحراء العلم والرباط الأبدي بقلم الناصر خشيني



تاريخ المدينة
رغم أن نواكشوط اختيرت عاصمة حديثة للجمهورية الإسلامية الموريتانية عام 1957 قبيل الاستقلال عن الاحتلال الفرنسي، إلا أن أرضها وجذورها ضاربة في عمق التاريخ العربي والإسلامي. فهذه البقعة الجغرافية المطلة على المحيط الأطلسي كانت مهد حركة "المرابطين" التاريخية بقيادة عبد الله بن ياسين في القرن الحادي عشر الميلادي، تلك الحركة التي انطلقت من رباطها الشهير لتوحيد بلاد المغرب ونصرة الأندلس. نواكشوط هي ابنة "بلاد الشناقطة"، الأرض التي حفظت الهوية العربية والإسلامية في قلب الصحراء الكبرى، وظلت همزة الوصل الحضارية بين شمال إفريقيا وجنوبها.
أهم معالمها
تتزين نواكشوط بـ "الجامع السعودي" (الجامع الكبير) بمآذنه الشامخة كمركز إشعاع ديني وروحي في قلب العاصمة. وتضم المدينة "سوق الصناعة التقليدية" الذي يختزل عبقرية الإنسان الموريتاني في صياغة الفضة والجلود، إلى جانب "المتحف الوطني" الشاهد على المخطوطات النادرة وتاريخ الشناقطة. وتكتمل اللوحة بـ "شاطئ الصيادين" النابض بالحياة، والذي يروي قصة التحدي والصمود البشري في مواجهة أمواج المحيط العاتية.    

صمودها ودورها النضالي والتاريخي
تجلت عبقرية الصمود في نواكشوط وأرض موريتانيا في معركة الدفاع عن الهوية العربية واللسان الفصيح ضد سياسات "الفرنسة" والطمس الثقافي التي مارسها الاستعمار الفرنسي لعقود. خاضت المحاظر (الجامعات الصحراوية التقليدية) في محيط نواكشوط معركة نضالية وفكرية شرسة، حيث قاوم العلماء والشعراء بالقرآن والوعي واللغة العربية، وحافظوا على عروبة هذه الأرض حتى أُعلنت نواكشوط عاصمة لدولة مستقلة استعادت مكانتها كمنارة علمية شامخة تأبى التبعية والانكسار.
خاتمة
تبقى نواكشوط مدينة تمزج بين شموخ الخيمة وأصالة العمارة الحديثة؛ فمن رمالها الساحرة انطلقت جحافل الفاتحين والمرابطين، وفي أزقتها يتردد صدى المليون شاعر، لتظل منارة للرباط العقائدي والعربي الذي لا تغيره عواصف الزمان.


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

قطاع الفوسفات في تونس بعد 2011: من ريادة الإنتاج إلى متاهات الأزمة الهيكلية ​بقلم: الناصر خشيني

  ​يعتبر قطاع الفوسفات في تونس أكثر من مجرد نشاط منجمي؛ إنه الشريان الحيوي للاقتصاد الوطني والعمود الفقري للتنمية في مناطق الحوض المنجمي. إلا أن هذا القطاع دخل منذ عام 2011 في نفق مظلم من الأزمات المتراكمة التي مست مفاصل الإنتاج والتسويق والإدارة، مما حوله من قاطرة للنمو إلى عبء تقني ومالي يتطلب وقفة تحليلية جادة لفهم مكامن الخلل وسبل الاستشراف المستقبلي. ​أولاً: أزمة الإنتاج.. بين المطلب الاجتماعي والتعطل التقني ​لقد تراجع حجم الإنتاج الوطني من الفوسفات الخام بشكل حاد، حيث انحدر من سقف 8 مليون طن في سنة 2010 إلى مستويات لا تتجاوز 4 مليون طن في أفضل الحالات خلال العقد الأخير. هذا التقهقر يعود بالأساس إلى: ​الاحتقان الاجتماعي: تحول الحوض المنجمي إلى ساحة للاحتجاجات المستمرة والاعتصامات المطالبة بالتنمية والتشغيل، وهو ما أدى إلى توقف متكرر لمحركات الإنتاج في المغاسل والمناجم. ​معضلة اللوجستيك والنقل: تعاني منظومة نقل الفوسفات عبر السكك الحديدية من تهالك شديد، مما دفع نحو الاعتماد على الشاحنات الخاصة، وهو حل مكلف أدى إلى تضخم تكاليف الإنتاج وضرب نجاعة العملية اللوجستية. ​تقادم المعدات...

سقوط الأقنعة وخراب الهيكل: قراءة قومية تقدمية في شهادة ثروت الخرباوي على مطبخ الإخوان بقلم: الناصر خشيني

    مقدمة في التوقيت الإقليمي والدولي الراهن، ومواجهةً لمشاريع تفتيت الجغرافيا العربية وسلب إرادتها الوطنية، تبرز الحاجة المعرفية الملحة لتفكيك البنى السرية لجماعات الإسلام السياسي التي شكلت دائماً كابحاً أمام النهوض التاريخي للأمة. من هنا، يأتي هذا المقال المرسل بالتزامن الى "الحوار المتمدن" بمنبريته التقدمية التنويرية، و"رأي اليوم" بمنبرها القومي التحرري ولمواقع اخرى ليقدم قراءة سياسية وفكرية في عمق "المطبخ الداخلي" لحركة الإخوان المسلمين، مستنداً إلى شهادة القيادي السابق ثروت الخرباوي ، كأداة تعرية لأقنعة الزيف وبوابة لإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الوطنية التقدمية. لم تكن معركة الفكر القومي التقدمي يوماً مجرد خصومة سياسية عابرة مع جماعات الإسلام السياسي، بل هي معركة وجودية بين مشروعين لا يلتقيان: مشروع الدولة الوطنية الساعي نحو التحرر، والسيادة، والتقدم، ومشروع أممي ظلامي يستهدف تفتيت الجغرافيا وتمزيق الهوية العربية لصالح ولاءات مشبوهة عابرة للحدود. وفي هذا السياق، تكتسب الشهادات القادمة من داخل "المطبخ الداخلي" لهذه الجماعات قيمة استثنائية، ل...

​طبيعة الصراع العربي الصهيوني والطريق إلى تحرير فلسطين ​بقلم: الناصر خشيني

مداخلة أُلقيت في مخيم الشباب القومي العربي – نابل، تونس ​مقدمة ​يعود الأصل النظرى لهذا البحث إلى ثمانينيات القرن الماضي، وتحديداً خلال صيف عام 1982 المحموم، إبان الاجتياح الصهيوني للبنان بقيادة السفاح "أرييل شارون". وقد قُدِّم البحث حينها على مسرح الهواء الطلق بمدينة طبرقة التونسية. ومنذ ذلك الوقت، ورغم تسارع الأحداث الإقليمية وتطورها بشكل دراماتيكي، لم يتغير شيء من طبيعة الصراع العربي الصهيوني الجوهرية. وبناءً على مقتضيات التطورات الراهنة التي تعيشها المنطقة، أُعيدت صياغة هذه الرؤية وتعديلها لتواكب الواقع المعاصر. ​لا يزال الصراع في فلسطين بين الأمة العربية والصهاينة على أشده وبلا هوادة، وتسيل الدماء يومياً غزيرة من أبناء شعبنا في فلسطين الكسيرة، ولكن دون تفريط في الحق السليب بشكل نهائي. ورغم الاعتراف المتبادل بين بعض النظم العربية والصهاينة، ورغماً عن اتفاقيات السلام الموقعة، فإن ملايين المشردين الذين أُخرجوا من ديارهم بقوة السلاح لا يزالون يحلمون بالعودة إلى أرض الوطن، يراودهم الأمل يوماً ما طال الزمان أو قصر [1]. ​إن الصهاينة الذين اعتمدوا في احتلالهم للأرض على القوة الغا...