قائمة المدونات الإلكترونية

الأحد، 19 يوليو 2026

الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي.. ملهم الأممية التحررية ورائد الكفاح العربي المشترك بقلم: الناصر خشيني



لم يكن الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي (1882 - 1963) مجرد زعيم ثورة إقليمية محصورة في تضاريس ريف المغرب الأقصى، بل كان ظاهرة ثورية تقدمية عابرة للحدود، غيّرت المجرى التاريخي لحركات التحرر العالمي وصاغت مبكراً مفهوم "الكتلة التاريخية والمقاومة الشعبية الشاملة". إن قراءة مسيرته من منظور قومي تقدمي تكشف عن أبعاد فكرية وعسكرية سابقت عصرها، وجعلت من ثورة الريف حجر الزاوية في انهيار المنظومة الاستعمارية التقليدية.
أبعاد الفكر التقدمي والأممي في مسيرة الخطابي:
  • صياغة الفكر العسكري العالمي وحرب الشعب: إن تفكيك المنظومة العسكرية الاستعمارية الإسبانية في معركة أنوال الخالدة (1921) لم يكن مجرد طفرة حماسية، بل جاء نتاج ابتكار تكتيكي علمي اعتمد على "حرب العصابات الشعبية الشاملة" القائمة على المباغتة، والانتشار السريع، وحفر شبكات الخنادق المترابطة، والاعتماد المطلق على الحاضنة الشعبية. هذا النموذج المتطور ألهم عمالقة الفكر الثوري واليساري العالمي؛ فالزعيم الصيني ماو تسي تونغ أكد في لقاءاته مع الوفود العربية أنه استرشد بتكتيكات الخطابي في مسيرته الكبرى، كما أن الثائر الأممي تشي جيفارا زار الخطابي في منزله بالقاهرة عام 1959 ليتعلم منه آليات مواجهة الجيوش النظامية الكبرى بواسطة المقاومة الشعبية.
  • تأسيس الدولة الحديثة وتجاوز البنى التقليدية: نجح الخطابي في صهر القبائل الريفية التي كانت تعيش صراعات ثأرية وقبلية مزمنة في بوتقة سياسية واجتماعية واحدة. لقد أجهض مبكراً مخططات الاستعمار الرامية لإثارة النعرات العرقية والجهوية (والتي توجت لاحقاً بـ"الظهير البربري")، فأسس "جمهورية الريف" ككيان سياسي حديث له دستور مدني، ومجلس وزراء، وميزانية مالية، وجهاز قضائي موحد ألغى الأعراف القبلية البالية. هذه الخطوة التقدمية مثّلت قفزة نوعية نحو مفهوم الدولة الوطنية الحديثة القائمة على المؤسسات لا على العصبية الإثنية.
  • الوحدة القومية والمصير المشترك (لجنة تحرير المغرب العربي): انطلاقاً من إيمانه القومي الراسخ بأن حرية أقطار الأمة العربية كلٌ لا يتجزأ، وأن الاستعمار يمثل وحدة عضوية يجب مواجهتها بوحدة نضالية مضادة، أسس الخطابي من منفاه في القاهرة عام 1947 "لجنة تحرير المغرب العربي". لم تكن هذه اللجنة مجرد واجهة سياسية، بل كانت غطاءً جبهوياً جمع قادة المقاومة من تونس والجزائر والمغرب (مثل الحبيب بورقيبة وعلال الفاسي وممثلي جبهة التحرير لاحقاً) لتنسيق الدعم المالي والعسكري المشترك، مؤكداً أن معركة التحرير في شمال إفريقيا هي معركة عروبية واحدة.
  • مبدأ رفض "الاستقلال الناقص" والتبعية: تجسد الموقف المبدئي الصلب للخطابي في رفضه القاطع للتعامل مع معاهدات "الاستقلال الشكلي" التي وُقعت عام 1956 (اتفاقية إكس ليبان نموذجاً)، معتبراً إياها التزامات تضمن بقاء المصالح الاستعمارية والقواعد العسكرية الأجنبية. وآثر الأمير البقاء مرابطاً في قاهرته العروبية، رافضاً العودة إلى المغرب إلا بعد جلاء آخر جندي أجنبي عن كامل التراب المغاربي والعربي، ليظل متمسكاً بالسيادة الوطنية المطلقة حتى وفاته.
هوامش ومراجع المقال الأول:
  • [1] علال الفاسي (1948). الحركات الاستقلالية في المغرب العربي، القاهرة: دار المعارف، ص 112-115.
  • [2] Pennell, C. R. (1986). A Country with a Government and a Flag: The Rif War in Morocco 1921-1926. London: Menas Press, pp. 142-147.
  • [3] جيفارا، إرنستو تشي (1960). حرب العصابات، (الترجمة العربية)، بيروت: دار الطليعة، (يُراجع ملحق المذكرات حول اللقاء التاريخي في القاهرة 1959).
  • [4] المساري، محمد العربي (2002). محمد بن عبد الكريم الخطابي: من أجدير إلى القاهرة، الرباط: منشورات الزمن، ص 54-58.
  • [5] شرف، عبد العزيز (1985). المغرب العربي: نضال مشترك ووحدة مصير، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 89-14.
  • [6] الخطابي، محمد بن عبد الكريم (1950). مذكرات الأمير الخطابي، القاهرة: مطبعة لجنة تحرير المغرب العربي، ص 201-205.

الإمام عبد الحميد بن باديس.. باني القلعة الثقافية والعمق العروبي للثورة الجزائرية بقلم: الناصر خشيني



   لم يكن الشيخ عبد الحميد بن باديس (1889 - 1940) مصلحاً دينياً بالمعنى التقليدي الانكفائي، بل كان مهندساً استراتيجياً تقدمياً أدرك مبكراً أن مواجهة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي -الذي استهدف مسخ وتجريف الهوية الوطنية- تتطلب أولاً بناء الوعي القومي والتحرري وإعداد "الإنسان البديل" القادر على خوض معركة التحرير الشاملة. لقد قاد ابن باديس ثورة ثقافية واجتماعية كانت بمثابة التمهيد اللوجستي والفكري لاندلاع الكفاح المسلح.
أبعاد الفكر التقدمي والقومي في مسيرة ابن باديس:
  • التعليم كأداة تحرر اجتماعي وتحرير للمرأة: حوّل ابن باديس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (تأسست 1931) من مجرد إطار وعظي إلى تنظيم جبهوي شعبي ممتد عبر شبكة واسعة من المدارس والمساجد والنوادي الثقافية. ولم يقصر المناهج على العلوم الدينية، بل أدخل بقوة العلوم الحديثة، والتاريخ العربي، والجغرافيا السياسية لربط الناشئة بامتدادهم الحضاري. وفي قفزة تقدمية رائدة، أولى ابن باديس أهمية قصوى لـ"تعليم المرأة وإشراكها في النهضة"، فأسس مدارس خاصة بالإناث ودافع عن حقوقهن الاجتماعية، إيماناً منه بأن المجتمع لا يمكن أن يتحرر ونصفه مكبل بالجهل والتبعية.
  • إسقاط أوهام الاندماج والتبعية الحضارية: في مرحلة تاريخية عصيبة انزلقت فيها بعض النخب البرجوازية والسياسية الجزائرية وراء سراب "الاندماج والمواطنة الفرنسية الكاملة"، وقف ابن باديس بصلابة مبدئية ليعلن في مقاله التاريخي الشهير عام 1936: "إن الأمة الجزائرية ليست هي فرنسا، ولا يمكن أن تكون فرنسا، ولا تريد أن تصير فرنسا... بل هي أمة لها تاريخها، ودينها، ولغتها". هذا الموقف الحاسم قطع الطريق تماماً أمام محاولات الذوبان الفكري والثقافي، وحصّن الوجدان الشعبي ضد مشاريع "الفرنسة" الممنهجة.
  • الالتزام بالقضايا القومية (فلسطين بوصلةً): لم تنغلق حركة ابن باديس داخل الأطر المحلية الضيقة، بل كان الفكر العروبي التحرري حاضراً بقوة في قلب أدبيات الجمعية ونشاطها اليومي. تجسد ذلك في الدعم المطلق لـ"الثورة الفلسطينية الكبرى" عام 1936؛ حيث أفردت جريدتا "الشهاب" و"البصائر" مساحات واسعة لتوعية الشعب الجزائري بمخاطر المشروع الصهيوني الاستيطاني. واعتبر ابن باديس أن الدفاع عن عروبة فلسطين واجباً قومياً مقدساً لا ينفصل بأي حال من الأحوال عن معركة تحرير الجزائر، مرسخاً مبدأ ترابط النضال القومي العربي.
  • صناعة الجيل الحاضن لثورة نوفمبر الخالدة: إن المقاومة الثقافية الشرسة التي خاضها ابن باديس تحت شعاره التاريخي "الإسلام ديننا، العربية لغتنا، الجزائر وطننا" هي التي صانت الشخصية الوطنية الجزائرية من خطر الإبادة الثقافية. وبشهادات موثقة لقادة الثورة التحريرية العظمى (1954-1962) كالعربي بن مهيدي ومصطفى بن بولعيد، فإن تلك المدارس والنوادي الباديسية هي التي تخرج منها آلاف الشباب الوعاة الذين شكلوا العمود الفقري اللوجستي والسياسي لجيش التحرير الوطني، مما يجعل من ابن باديس المهندس الحقيقي لحاضنة الثورة.
هوامش ومراجع 
  • [1] سعد الله، أبو القاسم (1992). الحركة الوطنية الجزائرية، بيروت: دار الغرب الإسلامي، الجزء الثالث، ص 145-150.
  • [2] خير الدين، محمد (1985). مذكرات الشيخ محمد خير الدين: من رواد الحركة الإصلاحية الجزائرية، الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، ص 65-72.
  • [3] مرتاض، عبد الملك (1983). الشيخ عبد الحميد بن باديس: رائد النهضة الفكرية في الجزائر الحديثة، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، ص 104-108.
  • [4] جريدة الشهاب الجزائرية، العدد الصادر في أفريل 1936، مقال افتتاحي بقلم الشيخ عبد الحميد بن باديس.
  • [5] البلاغ، أحمد (1999). البعد القومي العربي في فكر جيل الإصلاح الجزائري، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ص 210-216.
  • [6] ابن باديس، عبد الحميد (1968). آثار عبد الحميد بن باديس (تجميع وتحقيق عمار طالبي)، الجزائر: الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، المجلد الأول، ص 88-

دعاة على أبواب الجحيم: من يبيع الزهد ويركب الترف؟ بقلم: الناصر خشيني



مدخل

في زمن تتقاطع فيه المنابر الدينية مع منصات المال والسلطة، يصعب أحيانًا التمييز بين صوت الداعية وصوت الوسيط السياسي. فحين يعتلي رجل الدين منبره ليطالب الناس بالزهد والتقشف، بينما يمضي هو ذاته على وقع الرفاهية والامتيازات، تنكشف المسافة الفاصلة بين الخطاب والممارسة، بين الوعظ والواقع. هذا هو حال الشيخ محمد حسان، أحد أبرز رموز الدعوة السلفية في مصر والعالم العربي، الذي لم يسلم من مساءلة الرأي العام حول ثروته وسيارته الفاخرة، ولا من اتهامات أثقل وطأة تربط خطابه الديني بمسارات التطرف.

أولًا: التقشف للعامة، والترف للخاصة

أطلق الشيخ حسان في وقت من الأوقات حملة تبرع دعا فيها المصريين إلى المساهمة الجماعية بدل الاعتماد على المساعدات الخارجية(1). غير أن هذه الدعوة اصطدمت بصورة متداولة له وهو يستقل سيارة فارهة، ما أشعل موجة سخرية واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، تساءل خلالها ناشطون عن مصدر الثراء الذي ينعم به كثير من الدعاة الذين يدخلون "مجال الدعوة" بدخل متواضع ليصبحوا خلال سنوات قليلة من أصحاب الثروات(2). وحين واجهه أحد الإعلاميين بشأن ثروة قُدّرت بمليارَي دولار وسيارة بقيمة مليون ونصف، اكتفى الشيخ بالقسم أنه لم يسكن قصرًا في حياته، وبتبرير سيارته بأنها من طراز متوسط الثمن(3). سواء صحّت الأرقام أو بولغ فيها، فإن المفارقة الرمزية تبقى قائمة: خطاب يدعو الجماهير إلى شدّ الأحزمة، بينما يتزين صاحبه بعلامات الترف ذاتها التي يُفترض أنه يحذّر منها.

ثانيًا: حين يتحول الوعظ إلى وقود للتطرف

الأخطر من مفارقة الثراء هو الأثر الذي خلّفه خطاب الشيخ حسان على شريحة من الشباب المصري. فقد وثّقت تقارير صحفية أن فتاواه، لا سيما تلك المتعلقة بـ"الجهاد" في سوريا، كانت من بين العوامل التي دفعت شبانًا للانخراط في صفوف تنظيم داعش، بحسب شهادة أحد المنضمين السابقين للتنظيم الذي أكد أن فتوى الشيخ هي ما "ملأ عقله" قبل التحاقه بالتنظيم(4). ورغم أن الشيخ نفى أمام القضاء أن تكون فتاواه سببًا في تطرف الشباب، حين استُدعي شاهدًا في قضية "خلية داعش إمبابة"، فإن الوقائع والمتابعات تشير إلى تناقض بين الخطاب المعلن والأثر الفعلي لهذا الخطاب على الأرض(5).

ثالثًا: الخطاب حول المرأة

في محاضراته المفرغة، يقدّم الشيخ حسان رؤية تقليدية محافظة للمرأة، تحصر دورها ووجودها الاجتماعي ضمن أطر "الحجاب" و"العفة" ومحاربة "التبرج والسفور"، معتبرًا أن الاختلاط والتبرج من أبواب الفتنة التي يجب سدّها(6). وإذا كان هذا الخطاب يُقدَّم في سياقه الديني كحماية للمجتمع، فإنه من منظور تقدمي يُنظر إليه كأداة لتكريس تبعية المرأة ووصايةٍ ذكورية تُقيّد حريتها الشخصية باسم الفضيلة.

خاتمة

ليس الشيخ حسان استثناءً، بل هو نموذج لظاهرة أوسع: دعاة يمتطون المنابر باسم الدين، فيحصدون النفوذ والثروة، بينما يُبقون الجماهير أسيرة خطاب الزهد والطاعة. والفارق بين الوعظ والممارسة هو بالضبط ما يفتح الباب أمام مساءلة هذا النمط من الخطاب الديني، لا من موقع العداء للدين، بل من موقع الدفاع عن مجتمع يستحق قادة فكر ودين أكثر اتساقًا بين ما يقولونه وما يعيشونه.

المراجع:

الراكوبة، "انتقادات ساخرة للشيخ محمد حسان الداعية السلفي وصاحب حملة تبرع أخي المؤمن بسبب عربته الفاخرة"، 2012.

بانوراما الشرق الأوسط، "التعليقات الساخرة علي الشيخ محمد حسان بسبب سيارة فاخرة"، 2012.

الوطن، "محمد حسان يرد على امتلاكه 2 مليار دولار وسيارة فارهة"، 2021.

سكاي نيوز عربية، "رغم إنكاره.. كيف خدمت فتاوى محمد حسان التنظيمات الإرهابية؟"، 2021.

المصدر نفسه.

إسلام ويب، التفريغ النصي لمحاضرة "التبرج والسفور" للشيخ محمد حسان.

السبت، 18 يوليو 2026

العلاقات العربية الإسبانية: بين الإرث الأندلسي والبراغماتية الاستعمارية ​بقلم: الناصر خشيني

 


​أولاً: الموقف من القضية الفلسطينية (بين الوجدان التاريخي والتحول الدبلوماسي)
​تميزت السياسة الخارجية الإسبانية تاريخياً بنوع من "الخصوصية الاستثنائية" تجاه الصراع العربي الصهيوني؛ وتجلى ذلك في تأخر مدريد الطويل في الاعتراف بالكيان الصهيوني حتى عام 1986 [1]. ويعود هذا التمايز جزئياً إلى محاولة إسبانيا – لا سيما في عهد نظام فرانكو – كسر العزلة الدولية المفروضة عليها عبر البوابة الدبلوماسية العربية، مستغلةً "الإرث الأندلسي المشترك" كجسر عاطفي وثقافي لتسويق نفسها كصديق تاريخي للعرب.
​وفي السنوات الأخيرة، وتتويجاً لهذا المسار الاستقلالي النسبي داخل الاتحاد الأوروبي، اتخذت مدريد مواقف متقدمة تمثلت في الاعتراف الرسمي بدولة فلسطين في ماي 2024 [2]، مدفوعةً بضغط حثيث من القوى التقدمية في الحكومة والشارع الإسباني الذي شهد مسيرات تضامنية غير مسبوقة. ومع ذلك، يرى التحليل التقدمي والنقدي أن هذا الموقف، رغم أبعاده الرمزية الإيجابية ودعمه للحق الفلسطيني في المحافل الدولية، يصطدم بسقف الموقف الأوروبي العام الملتزم بالخطوط الحمر الأمريكية، ولا يصل إلى حد اتخاذ إجراءات عقابية صارمة كقطع العلاقات البنيوية أو إلغاء الاتفاقيات التجارية والعسكرية مع القوة القائمة بالاحتلال، مما يجعله خطوة أخلاقية منقوصة الفعالية على أرض الواقع.
​ثانياً: ملف الصحراء الغربية والتأرجح بين الجزائر والرباط
​يمثل ملف الصحراء الغربية النموذج الأبرز للبراغماتية الإسبانية المحكومة بـ "ابتزاز الجغرافيا" وضغوط المصالح الآنية. فباعتبارها القوة المديرة قانونياً للإقليم قبل انسحابها المفاجئ والملتبس عام 1975 [3], ظلت مدريد لعقود تتبنى موقفاً يتماشى ظاهرياً مع قرارات الشرعية الدولية الداعمة لحق تقرير المصير عبر الاستفتاء.
​إلا أن التحول الجذري والدراماتيكي حدث في مارس 2022، عندما أعلنت حكومة بيدرو سانشيز دعمها الصريح لمقترح الحكم الذاتي المغربي [4]. وكان هذا الانعطاف نتيجة مباشرة لضغوط الرباط المستمرة وتوظيفها لملفات حيوية وحساسة مثل الهجرة غير النظامية والتنسيق الأمني ومكافحة الإرهاب. وقد ترتبت على هذا الانحياز تداعيات فورية قوضت التوازن الإسباني في المغرب العربي:
​الأزمة الدبلوماسية مع الجزائر: علقت الجزائر معاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا بشكل فوري، وسحبت سفيرها، كما فرضت قيوداً تجارية صارمة شلت الصادرات الإسبانية، باستثناء إمدادات الغاز الطبيعي التي استمرت تدفقاتها التزاماً بعقود دولية صارمة تجنباً لتبعات قانونية مالية ضخمة [5].
​القراءة التقدمية: يكشف هذا التأرجح تنصل مدريد من مسؤوليتها التاريخية والقانونية والأخلاقية كقوة استعمارية سابقة، وتفضيلها للمصالح الأمنية الجيوسياسية المؤقتة على حساب مبادئ القانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها.
​ثالثاً: استدامة الاحتلال في سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما
​في مفارقة سياسية صارخة، وفي الوقت الذي تطالب فيه إسبانيا بحقها في استعادة "صخرة جبل طارق" من التاج البريطاني، تُصر في المقابل على استمرار احتلالها لمدينتي سبتة ومليلية المغربيتين، بالإضافة إلى الجزر الجعفرية وصخور الحسيمة، قميرة، والبران [6].
​تتعامل مدريد مع هذا الملف بإنكار سياسي تام، وترفض رفضاً قاطعاً مجرد طرحه للنقاش أو التفاوض، معتبرة هذه الأراضي ثغوراً سيادية إسبانية لا تنازل عنها، بل وامتداداً للحدود الأوروبية. وتستغل إسبانيا بذكاء الخلافات البينية العربية-العربية، وضعف الموقف التفاوضي المغاربي المشترك، لتكريس هذا الاحتلال الواقعي عبر عسكرة وتسييج المدينتين وتحويلهما إلى حدود خارجية صلبة للاتحاد الأوروبي أو ما يُعرف بـ (Fortress Europe) [7]، مما يمثل طعنة مباشرة لمفهوم السيادة الوطنية العربية ومبادئ تصفية الاستعمار في القرن الحادي والعشرين.
​رابعاً: التوترات البحرية مع موريتانيا (أزمة الصيد والثروات المنهوبة)
​تتخذ العلاقات الإسبانية مع موريتانيا طابعاً تصادمياً صامتاً، تدور رحاه حول استغلال الثروات البحرية الهائلة. وتشكل المياه الإقليمية الموريتانية ساحة حيوية وأساسية لأساطيل الصيد الإسبانية والأوروبية بموجب اتفاقيات شراكة يراها الكثير من المراقبين مجحفة وغير متكافئة [8].
​وتتجدد التوترات بشكل دوري نتيجة عاملين أساسيين:
​انتهاك المياه الإقليمية: توقيف خفر السواحل الموريتاني المتكرر لسفن صيد إسبانية تتجاوز الحصص الصيدية المسموحة أو تعمد إلى الصيد في مناطق محمية ومحظورة بيئياً [9].
​الصيد الجائر والاستنزاف: استنزاف الثروة السمكية الموريتانية وتجريف البيئة البحرية دون تقديم مردود تنموي أو صناعي حقيقي للشعب الموريتاني. هذا النمط يكرس علاقة التبعية الكلاسيكية بين "الشمال والجنوب" القائمة على الاستغلال الاقتصادي الممنهج [10]، بغطاء من الاتفاقيات التي تفرضها بروكسل ومدريد مستغلة حاجة نواكشوط للدعم المالي والمساعدات الأمنية لمكافحة شبكات الهجرة غير الشرعية.
​ختاماً: أفق العلاقات العربية الإسبانية واستراتيجية التحرر
​تتأرجح العلاقات العربية الإسبانية بين ثنائية الجذب الوجداني القائم على الإرث الأندلسي المشترك والمواقف الدبلوماسية المتقدمة نسبياً (كالملف الفلسطيني)، وبين الصدمة البراغماتية الناعمة والخشنة التي تمارسها مدريد لحفظ مصالحها الحيوية والاستعمارية (كملفات الصحراء الغربية، سبتة ومليلية، واستنزاف الثروات البحرية). إن هذه العلاقة تكشف أن إسبانيا، رغم تمايزها النسبي، تظل محكومة ببنود العقيدة الجيوسياسية الغربية والأوروبية.
​ما العمل لتطوير العلاقات إيجابياً لصالح الأمة؟
​لتغيير قواعد اللعبة والانتقال بالعلاقات من التبعية والتأرجح إلى الندية المصيرية، تبرز الحاجة إلى تبني الاستراتيجيات التالية:
​بناء كتلة تفاوضية موحدة: لا يمكن للعالم العربي، والمغرب العربي تحديداً، انتزاع تنازلات حقيقية من مدريد دون تجاوز الخلافات البينية (الجزائرية-المغربية خاصة). تشكيل جبهة اقتصادية وسياسية مغاربية موحدة سيجعل إسبانيا هي الطرف الأضعف والمحتاج للتنسيق.
​تسييس الأوراق الاقتصادية الحيوية: يمتلك العرب أوراقاً استراتيجية خارقة (إمدادات الغاز والنفط، معابر الملاحة الدولية، والأسواق الاستهلاكية الكبرى). يجب ربط الشراكات الاقتصادية الكبرى بمدى احترام مدريد لسيادة الدول العربية وقضاياها العادلة، وليس العكس.
​تطوير التعاون الثقافي والشعبي: استثمار الدبلوماسية الثقافية وتفعيل "الإرث الأندلسي" من خلال حركات التضامن المدني والقوى التقدمية الإسبانية، لتشكيل أدوات ضغط داخلية على صانع القرار في مدريد.
​كيف الفكاك من الاحتلال الإسباني للجزر والمدن المغربية؟
​إن استمرار احتلال سبتة ومليلية والجزر التابعة لهما يُعد إهانة للسيادة العربية، والتحرر منها يتطلب خطة متعددة الأبعاد تتجاوز مجرد الاحتجاج الدبلوماسي الموسمي:
​المقاربة القانونية والدبلوماسية في المحافل الدولية: تدويل الملف بذكاء عبر الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي وجامعة الدول العربية، بوصفها "جيوباً استعمارية" متبقية يجب تصفيتها وفقاً للقرار الدولي 1514، مع إحراج إسبانيا دولياً بمقارنة موقفها الرافض للتفاوض بموقفها المطالب باسترداد جبل طارق من بريطانيا.
​استراتيجية "الضغط الاقتصادي والتنموي الناعم": من خلال خنق الثغرين اقتصادياً عبر وقف التهريب المعيشي بشكل نهائي، وفي المقابل بناء وتطوير أقطاب اقتصادية وموانئ عملاقة منافسة في محيطهما (مثل ميناء الناظور غرب المتوسط وميناء طنجة المتوسط)، مما يحول وجودهما الاحتلالي إلى عبء مالي وأمني ثقيل على الخزينة الإسبانية بدلاً من كونهما مصدر ربح.
​تفكيك السردية الإسبانية للأمن الأوروبي: ترفض إسبانيا التفاوض بذريعة أن المدينتين هما حدود "أوروبا" الجنوبية؛ وهنا تبرز أهمية المقايضة الأمنية. على الجانب العربي ربط التعاون الصارم في ملفات الهجرة ومكافحة الإرهاب بمدى استعداد إسبانيا لفتح جدول زمني للتفاوض حول مستقبل السيادة على المدينتين والجزر، فالأمن المشترك لا يسير في اتجاه واحد يحمي المحتل ويهمش أصحاب الأرض.
​خامساً: المصادر والمراجع (الهوامش)
​[1] الخطيب، أحمد. السياسة الخارجية الإسبانية تجاه العالم العربي: من فرانكو إلى الديمقراطية. مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ص. 94-96.
​[2] الجزيرة نت. (28 ماي 2024). إسبانيا وإيرلندا والنرويج تعلن رسمياً الاعتراف بدولة فلسطين. تاريخ الاطلاع: يوليو 2026.
​[3] الجمعية العامة للأمم المتحدة. القرار رقم 3458 بشأن مسألة الصحراء الغربية، ديسمبر 1975.
​[4] جريدة الشرق الأوسط. (19 مارس 2022). رسالة سانشيز إلى العاهل المغربي: تحول استراتيجي في موقف مدريد من الصحراء. العدد 15817.
​[5] وكالة الأنباء الجزائرية. (8 يونيو 2022). الجزائر تقرر التعليق الفوري لمعاهدة الصداقة وحسن الجوار والتعاون مع إسبانيا.
​[6] بن عبد الله، عبد العزيز. الثغور المغربية المحتلة: سبتة ومليلية والجزر الجعفرية. دار المعرفة، الرباط، ص. 45-50.
​[7] أبو طالب، حسن. الصراعات الحدودية العربية-الأوروبية: دراسة حالة الجيوب الإسبانية في المغرب. مجلة السياسة الدولية، الأهرام، العدد 201، ص. 112.
​[8] الأمانة العامة للمجلس الأوروبي. اتفاقية الشراكة في مجال الصيد المستدام بين الاتحاد الأوروبي والجمهورية الإسلامية الموريتانية. بروكسل.
​[9] الوكالة الموريتانية للأنباء. (أرشيف متقاطع). تقارير خفر السواحل الموريتاني حول توقيف السفن الأجنبية المخالفة للنظم البيئية.
​[10] أمين، سمير. التبادل غير المتكافئ والتنمية غير المتكافئة. دار الطليعة، بيروت (تم إسقاط المفهوم نظرياً على العلاقات الاقتصادية الإسبانية الموريتانية).

 


الجمعة، 17 يوليو 2026

الإقليمية والتطبيع... وجهان لمشروع تفكيك الأمة بقلم: الناصر خشيني



مدخل

حين نتأمل خارطة الوطن العربي الممزقة إلى اثنتين وعشرين دويلة، لا نقف أمام تنوع طبيعي في أشكال الحكم، بل أمام جريمة تاريخية مكتملة الأركان، صيغت بنودها في اتفاقية سايكس-بيكو، وأُحكم تنفيذها عبر أنظمة وُلدت من رحم الاستعمار وترعرعت في كنف الرضا الغربي. الإقليمية ليست ظاهرة سياسية بريئة، ولا هي تعبير عن "خصوصيات" وطنية كما يروّج دعاتها؛ إنها، في جوهرها، الوظيفة التي يقوم بها كل نظام عربي قطري، وهي ذاتها الوظيفة التي يقوم بها الكيان الصهيوني: اقتطاع جزء من الجسد العربي الواحد، وتسييجه بحدود مصطنعة، ومنع الأمة من استعادة وحدتها الطبيعية.

أولاً: الإقليمية كأداة سياسية للتفتيت

الحدود التي تُرسم اليوم على الخرائط لم تُرسم لحماية الشعوب، بل لحماية الأنظمة من شعوبها ومن محيطها العربي في آن واحد. كل "دولة قطرية" أنشأت جهازاً أمنياً ضخماً، لا لحراسة حدود خارجية حقيقية، بل لضبط الحدود الداخلية بين الوطن العربي ونفسه. هذه الأنظمة، التي وصل أغلبها إلى الحكم برضا غربي أو بتواطؤ معه، حوّلت السيادة إلى قناع تُمارس تحته الوصاية الأجنبية، فيما يُلهى الشعب بشعارات "الاستقلال الوطني" و"الأمن القومي القطري"، وهي في الحقيقة أمن الأنظمة لا أمن الأمة.

ثانياً: الإقليمية كأداة اقتصادية للنهب

اقتصادياً، أنتجت الإقليمية اثنتين وعشرين سوقاً صغيرة متنافرة بدل سوق عربية موحدة كان يمكن أن تنافس الكتل الاقتصادية الكبرى. النفط العربي يُستخرج في قطر ويُستثمر في الغرب، والعمالة العربية تُصدَّر كسلعة رخيصة بين الأقطار بشروط مذلة، بينما تبقى الثروات المائية والزراعية والمعدنية حبيسة حسابات إقليمية ضيقة. لو توحدت الإرادة السياسية العربية، لكانت الأمة اليوم قوة اقتصادية عالمية؛ لكن التجزئة أبقتها سوقاً استهلاكية تابعة، ومصدراً للمواد الخام، ومستورداً للسلاح الذي يُستخدم أحياناً ضد أبناء الأمة أنفسهم.

ثالثاً: الإقليمية كأداة اجتماعية وثقافية للتذويب

على الصعيد الاجتماعي والثقافي، عملت الإقليمية على اختراع "هويات قطرية" مصطنعة تتصادم مع الهوية العربية الجامعة، فرُوّج لخطاب "الخصوصية" و"التميز الوطني" بهدف تفكيك الشعور القومي وإحلال الولاء القطري الضيق محله. المناهج التعليمية أُعيدت صياغتها في كثير من الأقطار لتُقصي التاريخ العربي المشترك، وتُضخّم السرديات المحلية على حساب الرابطة القومية، تماماً كما يفعل الكيان الصهيوني حين يُنتج رواية تاريخية منقطعة عن السياق الفلسطيني والعربي.

رابعاً: الإقليمية والمشروع الصهيوني... تكامل لا تشابه

ليس من قبيل المبالغة القول إن بقاء الكيان الصهيوني مرهون ببقاء التجزئة العربية. فكل حدود قطرية جديدة هي في الواقع خط دفاع إضافي عن "إسرائيل"، وكل نظام عربي يكرّس القطرية إنما يمنح الكيان فسحة أكبر للتمدد. التطبيع، بهذا المعنى، ليس انحرافاً طارئاً عن السياسة القطرية، بل هو تتويج منطقي لها؛ فمن يقبل بالحدود المصطنعة بين دمشق وبغداد، لن يجد حرجاً كبيراً في قبول الحدود المصطنعة بين يافا والقدس.

خامساً: فرية "الإبراهيمية" وتوظيف الدين لتمييع الهوية

الترويج لمفهوم "الديانة الإبراهيمية" الجامعة ليس اجتهاداً لاهوتياً بريئاً، بل هندسة أيديولوجية مقصودة، الهدف منها إذابة الفوارق العقدية الجوهرية بين الإسلام واليهودية والمسيحية في قالب توفيقي فضفاض، يُراد منه تمهيد الأرضية النفسية لقبول الوجود الصهيوني كجزء "شرعي" من نسيج ديني مشترك، لا ككيان استعماري إحلالي اغتصب أرضاً وشرّد شعباً. حين يُختزل الصراع في فلسطين إلى "خلاف بين أبناء إبراهيم" يمكن حله بالحوار والتسامح الديني، تُمحى القضية المركزية للأمة من طابعها التحرري لتتحول إلى ملف "مصالحة روحية"، وهذا بالضبط ما تسعى إليه اتفاقيات ومراكز التطبيع الديني التي تناسلت في السنوات الأخيرة تحت شعارات "التعايش" و"الأخوة الإبراهيمية".

سادساً: الانسلاخ عن العروبة والإسلام كوظيفة، لا كنتيجة عرضية

التطبيع بهذا المعنى ليس غاية في ذاته، بل أداة لإعادة تعريف هوية الفرد العربي: من مواطن ينتمي لأمة عربية إسلامية لها قضية مركزية وعدو واضح المعالم، إلى "مواطن إقليمي" منسلخ عن عمقه الحضاري، مرتبط بمصالح قطرية ضيقة وشراكات اقتصادية وأمنية مع الكيان الصهيوني. هذا الانسلاخ يُمهَّد له عبر مناهج تعليمية معدَّلة، وإعلام يُطبّع الصورة، ومنتجات ثقافية وفنية مشتركة، إلى أن يصبح العداء التاريخي المشروع لمشروع استعماري إحلالي "تطرفاً" ينبغي تجاوزه.

سابعاً: الأرقام تفضح الوهم الاقتصادي للتطبيع

يُسوَّق للتطبيع بوصفه بوابة لـ"ازدهار اقتصادي" و"شرق أوسط جديد" مزدهر بالتكامل، لكن الأرقام الحقيقية للاقتصاد العربي تكشف زيف هذا الطرح من جهة أخرى تماماً: أزمة التجزئة الاقتصادية العربية نفسها. فرغم أن حجم التجارة العربية الكلية في السلع والخدمات تجاوز 3.6 تريليون دولار خلال 2024، فإن التجارة العربية البينية في السلع لم تتجاوز 250 مليار دولار، أي ما لا يزيد عن 9% فقط من إجمالي التجارة العربية السلعية [1]. بمعنى أن أكثر من 90% من التبادل التجاري العربي يذهب إلى خارج المنظومة العربية، نحو شركاء دوليين كالصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، بينما تبقى الأمة، رغم امتلاكها لكل مقومات التكامل من موارد طبيعية وأسواق استهلاكية وموقع جغرافي استراتيجي، غريبة عن نفسها اقتصادياً.

هذا النمط ليس صدفة إحصائية، بل انعكاس مباشر لبنية اقتصادية استعمارية لم تتغير جوهرياً منذ عصر الانتداب: الأقطار العربية تصدّر المواد الخام (نفط، غاز، فوسفات، معادن، منتجات زراعية أولية) إلى الخارج، ثم تستوردها مصنّعة بقيمة مضافة أعلى بأضعاف مضاعفة، في نزيف اقتصادي مزمن يُبقي الأمة في موقع التابع لا الشريك. والمفارقة الصادمة أن التبادل التجاري بين بعض الدول العربية المطبِّعة والكيان الصهيوني ينمو بمعدلات تفوق أحياناً نمو التبادل العربي-العربي نفسه: فقد بلغت التجارة الثنائية بين الإمارات والكيان الصهيوني نحو 3.24 مليار دولار في نهاية 2024، بزيادة تناهز 11% عن العام السابق [2]، فيما استحوذت أبوظبي وحدها على أكثر من ثلثي إجمالي حجم التبادل التجاري بين الدول العربية المطبِّعة والكيان مجتمعة [3]. وفي الوقت الذي كانت فيه صادرات الإمارات إلى الكيان تمثل أكثر من 81% من إجمالي الصادرات العربية إليه [4]، سجّلت التجارة بين المغرب والكيان قفزات لافتة بلغت 124% خلال أشهر معدودة [5]، رغم أن قيمتها المطلقة لا تزال متواضعة قياساً بحجم اقتصاد المملكة. هذه الأرقام تكشف مفارقة قاتلة: دول عربية تُنمّي علاقاتها التجارية مع كيان يخوض حرب إبادة ضد إخوتها في غزة، بمعدلات نمو تفوق أحياناً معدل نمو تجارتها مع أشقائها العرب، وهو ما يختصر بجلاء أولويات مشروع "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد فرضه على المنطقة.

ثامناً: منتدى النقب وممر IMEC... هندسة الاندماج القسري

لم يعد التطبيع يقتصر على اتفاقيات ثنائية معزولة، بل تحوّل إلى بنية مؤسسية إقليمية متكاملة، أبرز تجلياتها "منتدى النقب" الذي أُطلق سنة 2022 بمشاركة وزراء خارجية الكيان الصهيوني، والولايات المتحدة، ومصر، والإمارات، والبحرين، والمغرب، والذي وُضع لتحويل التطبيع من ملف سياسي متقلب إلى إطار عمل دائم يشمل الأمن والمياه والطاقة والتكنولوجيا، أي كل مفاصل الحياة الاقتصادية للمنطقة. هذا المنتدى ليس آلية تعاون متكافئ بين ندّين، بل هيكل يضع الكيان الصهيوني في موقع المركز التقني والأمني الذي تدور حوله الأقطار العربية المطبِّعة كأطراف تابعة.

ويأتي "الممر الاقتصادي الهند-الشرق الأوسط-أوروبا" (IMEC)، الذي أُعلن عنه في قمة العشرين بنيودلهي سنة 2023، ليكرّس هذا المنطق على نطاق أوسع: مشروع بنية تحتية عملاقة يربط الهند بأوروبا عبر موانئ الإمارات والسعودية، مروراً بموانئ الكيان الصهيوني على المتوسط، متجاوزاً بذلك قناة السويس المصرية ومتجاهلاً أي دور مركزي لمعظم الأقطار العربية الأخرى. هذا الممر، المسوَّق إعلامياً بوصفه "طريق حرير جديد"، هو في جوهره إعادة رسم لخارطة النفوذ الاقتصادي الإقليمي بما يخدم دمج الكيان الصهيوني في قلب شبكات التجارة العالمية العابرة للمنطقة العربية، بدل أن يُدمَج الوطن العربي في ذاته عبر مشاريعه الخاصة كالسوق العربية المشتركة أو خط سكك حديد عربي موحد لم يبصر النور يوماً بسبب غياب الإرادة السياسية القومية.

تاسعاً: التخلف الحضاري كنتيجة حتمية للتجزئة

حين تغيب السوق العربية الموحدة، تغيب معها شروط النهضة الصناعية والتكنولوجية: فلا استثمار مشترك في البحث العلمي، ولا سلاسل إنتاج متكاملة بين الأقطار، ولا مشاريع بنية تحتية عابرة للحدود بمستوى الطموح القومي. كل قطر يعيد اختراع نفس الصناعات الأساسية بشكل مكرر وغير تنافسي، بينما تبقى الصناعات المتقدمة والتقنيات الحديثة حكراً على الخارج، ويُستورد حتى غذاء الأمة من الخارج رغم امتلاكها لأراضٍ زراعية شاسعة معطّلة بفعل التشرذم السياسي وغياب سياسات مائية وزراعية عربية موحدة. التطبيع، في هذا السياق، لا يحل هذه المعضلة، بل يعمّقها، لأنه يُدخل الكيان الصهيوني كوسيط تقني واقتصادي إضافي بين الأمة ومقدراتها، بدل أن يفتح الطريق أمام تكامل عربي-عربي حقيقي.

عاشراً: أين الحل؟

الأدبيات القومية التقدمية لم تكتفِ بنقد الواقع القطري، بل قدّمت البديل: دولة الوحدة العربية الديمقراطية الاشتراكية، التي تجمع الأمة تحت مشروع سياسي واحد يعيد توزيع الثروة على أساس العدالة الاجتماعية، ويؤسس لديمقراطية شعبية حقيقية بدل الاستبداد القطري المموّه بالانتخابات الصورية. الوحدة هنا ليست حلماً رومانسياً، بل ضرورة تاريخية تفرضها طبيعة الصراع مع المشروع الصهيوني-الغربي، الذي لا يمكن مواجهته بقوى قطرية مبعثرة ومتناحرة، ولا بشراكات اقتصادية مع الكيان تحت مسميات "الإبراهيمية" أو "الممرات الاقتصادية".

خاتمة

الإقليمية العربية، إذن، ليست خياراً وطنياً مشروعاً كما يُصوَّر، بل هي استمرار للمشروع الاستعماري بأدوات محلية، والتطبيع هو المرحلة الأخيرة من هذا المشروع: بعد تفكيك الأمة سياسياً عبر الحدود القطرية، يأتي تفكيكها عقدياً عبر فرية "الإبراهيمية"، ثم تفكيكها اقتصادياً عبر إدماجها في منظومة إقليمية يقودها الكيان الغاصب بدل أن تُدمَج في ذاتها. والأرقام لا تكذب: تسعة بالمئة فقط من التجارة العربية تبقى داخل الوطن العربي، بينما تنمو تجارة بعض الأقطار المطبِّعة مع الكيان الصهيوني بمعدلات لافتة، وهذا وحده كافٍ لفضح زيف كل خطاب "التكامل الإقليمي الجديد" الذي يُراد منه تعويض الوحدة العربية الغائبة بشراكة مع العدو التاريخي للأمة. والتحرر الحقيقي لن يكتمل إلا بإسقاط هذه المنظومة القطرية-التطبيعية برمّتها، لا بترميمها أو "إصلاحها"، وبناء المشروع القومي الوحدوي الذي وحده يملك أدوات المواجهة الشاملة: سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً.

المراجع:

[1] الشرق الأوسط، "التجارة العربية البينية في السلع ترتفع 16.6% خلال 2024 لتتجاوز 250 مليار دولار"، 2025.

[2] الإمارات ليكس، "إحصائيات رسمية تكشف ارتفاع التبادل التجاري بين الإمارات وإسرائيل"، فبراير 2025.

[3] الإمارات ليكس، "الإمارات تستحوذ على أكثر من ثلثي حجم تجارة الدول العربية مع إسرائيل"، ديسمبر 2024.

[4] موقع عربي 71، "الإمارات بنسبة 81.4%.. دول عربية صدَّرت لـ'إسرائيل' بـ2 مليار دولار خلال العدوان على غزة"، يوليو 2024.

[5] القدس (نسخة إلكترونية)، "زيادة التبادل التجاري بين إسرائيل و4 دول عربية"، أغسطس 2024.

محمد عابد الجابري.. ونقد العقل العربي في سبيل النهضة التقدمية بقلم: الناصر خشيني

 


يمثل المفكر والمشرح الفلسفي المغربي محمد عابد الجابري (1935-2010) أحد أهم أعمدة الفكر القومي التقدمي المعاصر؛ إذ أحدث ثورة ابستمولوجية في كيفية تعاملنا مع التراث العربي الإسلامي [1]. لم يكن الجابري يرى في القومية مجرد شعار عاطفي، بل مشروعاً تاريخياً ومستقبلياً يتطلب "ثورة ثقافية داخلية" تعيد بناء العقل العربي، وتخلصه من آليات الركود، لتمكينه من الانخراط في الحداثة من موقع الفاعل والأصيل [2].
النشأة والتكوين: من النضال الحزبي إلى التأسيس المعرفي
ولد الجابري عام 1935 في مدينة فكيك بالشرق المغربي. عايش في شبابه معارك الاستقلال، وانخرط مبكراً في صفوف الحركة الوطنية المغربية وتحديداً في "الاتحاد الوطني للقوات الشعبية" (ثم الاتحاد الاشتراكي) ذي التوجه التقدمي والعروبي [3]. حصل على الدبلوم العالي في الفلسفة ثم الدكتوراه من جامعة محمد الخامس بالرباط، ليتحول من النضال الحزبي المباشر إلى نضال فكري أكثر عمقاً، مدفوعاً بوعي حاد بأن أزمة العمل السياسي العربي ناتجة بالأساس عن أزمة في بنية العقل نفسه [4].
مشروع "نقد العقل العربي": تفكيك البنية التراثية
يعد مشروع "نقد العقل العربي" بأجزائه الأربعة المحطة الأبرز في مسيرة الجابري العلمية [1]. استخدم الجابري أدوات المنهج البنيوي والتاريخي لتفكيك آليات التفكير العربي، وقسم العقل التراثي إلى ثلاث نظم معرفية متصارعة:
  1. نظام البيان: وهو عقل النص واللغة والفقه والمشافهة [5].
  2. نظام العرفان: وهو العقل المستند إلى اللامعقول، والتصوف الفلسفي الغنوصي، والهروب من الواقع [5].
  3. نظام البرهان: وهو عقل الملاحظة، والتحليل المنطقي، والسببية، والذي تجلى في المغرب العربي والأندلس مع ابن رشد، وابن حزم، وابن خلدون [5].
ومن منظور تقدمي، دعا الجابري إلى ضرورة "تدشين رشدية جديدة" في الفكر العربي المعاصر؛ أي إحياء النظام البرهاني القائم على العقل والواقع والسببية، وتهميش النظام العرفاني الاستقالي الذي يكرس الخرافة والاستسلام السياسي [6].
الكتلة التاريخية والمشروع القومي الديمقراطي
لم ينفصل الجابري قط عن هموم أمته السياسية؛ فقدم أطروحات هامة حول "المسألة القومية" و"الديمقراطية" [7]. صاغ مفهوم "الكتلة التاريخية" (المستوحى بتطوير من غرامشي)، داعياً إلى تحالف عريض يجمع القوى التقدمية، واليسارية، والقومية، والإسلامية المستنيرة في الوطن العربي [8].
يرى الجابري أن معركة الاستبداد والتبعية للإمبريالية لا يمكن أن تحسمها فئة واحدة، بل تتطلب جبهة عريضة تتجاوز الخلافات الإيديولوجية الثانوية للتركيز على المشتركات: التحرر الوطني، وتحقيق الديمقراطية، والعدالة الاجتماعية، وحماية الأمن القومي العربي [8].
نقد الاستشراق والمركزية الغربية
في موازاة نقده للتراث، قدم الجابري نقداً تقدمياً لاذعاً للمركزية الغربية والاستشراق [2]. واعتبر أن التحديث لا يعني "الفرنسة" أو "الأمركة"، بل هو تفاعل واعي مع الكونية المعاصرة ينطلق من الجذور التاريخية للأمة [4]. إن تجديد العقل العربي عند الجابري هو المدخل الوحيد لبناء مجتمع عربي تقدمي يمتلك القدرة على التجدد التاريخي ومواجهة التحديات المصيرية [9].

الهامش والمصادر (مقال محمد عابد الجابري)
  1. الجابري، محمد عابد، تكوين العقل العربي (نقد العقل العربي 1)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1984، ص 15-22.
  2. الداوي، عبد الرزاق، محمد عابد الجابري والمشروع النهضوي العربي، الرباط: دار الأمان، 2012، ص 44.
  3. الجابري، محمد عابد، حفريات في الذاكرة: من فكيك إلى الرباط (سيرة ذاتية)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997، ص 89-94.
  4. تيزيني، طيب، من الاستشراق إلى الفكر النقدي: قراءة في أطروحات الجابري، دمشق: دار طلاس، 1996، ص 105-108.
  5. الجابري، محمد عابد، بنية العقل العربي (نقد العقل العربي 2)، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1986، ص 210-218.
  6. سبيلا، محمد، النزعة الرشدية في الفكر المغربي المعاصر: الجابري نموذجاً، الدار البيضاء: دار توبقال، 2001، ص 77.
  7. الجابري، محمد عابد، المسألة القومية: نحو رؤية تاريخية نقدية، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1985، ص 53-59.
  8. الجابري، محمد عابد، الديمقراطية وحقوق الإنسان في الوطن العربي، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994، ص 134-140.
  9. محمود، زكي نجيب، رؤية فكرية في مشروع محمد عابد الجابري الإبستمولوجي، القاهرة: دار الشروق، 1989، ص 92.

 

مالك بن نبي.. فيلسوف الحضارة ومشرح شروط النهضة العربية بقلم: الناصر خشيني

 


    في سياق الفكر التقدمي الباحث عن شروط الانعتاق الحقيقي للأمة العربية ومواجهة رواسب الاستعمار، يبرز المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) كواحد من أعمق فلاسفة الحضارة في القرن العشرين [1]. لم يكن بن نبي مجرد منظر ديني، بل كان عالم اجتماع ومفكراً استراتيجياً انشغل بتشريح أسباب الأفول الحضاري، مقدماً رؤية تقدمية تربط التحرر السياسي والوطني بالتحرر النفسي والفكري للأمة [2].

النشأة والمسار المعرفي: بين القصبة وباريس
ولد مالك بن نبي عام 1905 في قسنطينة بالشرق الجزائري، ونشأ في بيئة عانت من وطأة الاستعمار الاستيطاني الفرنسي ومحاولاته الدؤوبة لطمس الهوية العربية [3]. سافر إلى فرنسا لمتابعة دراسته، ورغم رغبته في دراسة الحقوق والشرق ليفهم واقع أمته، إلا أن التضييق الاستعماري دفعه إلى دراسة الهندسة الكهربائية، مما منحه عقلاً منظماً يميل إلى التحليل الرياضي والبنيوي لظواهر المجتمع [4].
في باريس، عايش بن نبي عن قرب أزمة الحضارة الغربية وازدواجية معاييرها، وتفاعل مع الحركات الطلابيّة والمغاربية، وبدأ في صياغة مشروعه الفكري المتمحور حول سؤال جوهري: لماذا تخلف المسلمون وتقدم غيرهم؟ [3].
مفهوم "القابلية للاستعمار": التحرر الذاتي أولاً
يمثل مفهوم "القابلية للاستعمار" (Colonhabilité) الإسهام الأكثر جرأة وتقدمية في فكر مالك بن نبي [5]. فقد جادل بأن تحرر الشعوب العربية والمستعمرة لا يتحقق بمجرد طرد الجيوش الغازية وتغيير الأعلام، بل يجب أولاً تصفية البيئة الداخلية النفسية والثقافية التي تسمح بنمو الاستبداد والتبعية [2].
يرى بن نبي أن الاستعمار الخارجي ليس سوى نتيجة للمرض الداخلي؛ فالشعوب عندما تفقد ديناميكيتها الحضارية وتعيش حالة من الركود، تصبح مهيأة ذاتياً لتقبل التبعية [5]. ومن هنا، فإن الفكر التقدمي الحقيقي عند بن نبي يبدأ من ثورة ثقافية ونفسية تعيد صياغة الإنسان العربي ليكون فاعلاً لا مفعولاً به [6].
شروط النهضة ومستويات التغيير الاجتماعي
طرح بن نبي في كتابه التأسيسي "شروط النهضة" معادلة ثلاثية لتركيب أي حضارة، تتكون من: (الإنسان + التراب + الوقت) [1]. واعتبر أن هذه العناصر المادية تظل راكدة ما لم تحركها "الفكرة الدينية" أو النازع القيمي الأخلاقي الذي يربط بينها ويحولها إلى طاقة إنتاجية [7].
ومن منظور سوسيولوجي تقدمي، انتقد بن نبي ما سماه "التكديس"؛ أي إغراق المجتمعات العربية بالسلع والأفكار المستوردة دون امتلاك القدرة على "البناء والتوطين" [6]. فالنهضة في نظره هي عملية إبداع ذاتي تنبع من الاحتياجات الواقعية للجماهير الشعبية، وليست محاكاة عمياء للنموذج الغربي الإمبريالي أو استيراداً معلباً للمظاهر الحضارية [7].
البعد الأفرو-آسيوي وفكرة الفضاء القومي
تميز فكر مالك بن نبي بوعي جيوسياسي متقدم؛ إذ كان من أوائل الذين التقطوا أهمية التضامن بين شعوب العالم الثالث [8]. في كتابه "فكرة الإفريقية الآسيوية" (عقب مؤتمر باندونغ 1955)، دعا إلى صياغة جبهة تقدمية موحدة تجمع الشعوب المضطهدة في مواجهة الإمبريالية الغربية والرأسمالية المتوحشة [8].
هذا المنظور يتقاطع بقوة مع المشروع القومي التقدمي؛ حيث يرى بن نبي أن الوطن العربي يمثل حلقة الوصل الجغرافية والحضارية الأساسية في هذا القطب العالمي الجديد، وهو ما يتطلب تكاملأً سياسياً واقتصادياً عربياً مبنياً على أسس معرفية وحضارية متينة [9].

الهامش والمصادر (مقال مالك بن نبي)
  1. بن نبي، مالك، شروط النهضة، ترجمة: عمر كامل مسقاوي، دمشق: دار الفكر، 1986، ص 35-42.
  2. سليمان، محمود، الفكر الاجتماعي عند مالك بن نبي، الجزائر: ديوان المطبوعات الجامعية، 2005، ص 112.
  3. مسقاوي، عمر كامل، في صحبة مالك بن نبي: سيرة ومسار، بيروت: دار البشائر الإسلامية، 1998، ص 55-60.
  4. بن نبي، مالك، مذكرات شاهد للقرن، الجزائر: دار الانتفاضة، 1970، ج 1، ص 145.
  5. حنفي، حسن، تجارب في الفكر الحديث: قراءة في فلسفة مالك بن نبي، القاهرة: دار المعارف، 1992، ص 88-91.
  6. بوزيد، بومدين، مالك بن نبي وتفكيك الاستعمار: رؤية نقدية تقدمية، وهران: منشورات جامعة وهران، 2011، ص 134.
  7. بن نبي، مالك، وجهة العالم الإسلامي، ترجمة: عبد الصبور شاهين، القاهرة: مكتبة عمار، 1959، ص 73-77.
  8. بن نبي، مالك، فكرة الإفريقية الآسيوية في ضوء مؤتمر باندونغ، القاهرة: مطبعة الرائد، 1956، ص 18-24.
  9. العتوم، علي، الفكر السياسي عند مالك بن نبي وأثره في الواقع العربي المعاصر، عمان: دار عمار للنشر، 2003، ص 105.

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...