قائمة المدونات الإلكترونية

الخميس، 16 يوليو 2026

العربي بن مهيدي: حكيم الثورة ومهندس الاستراتيجية التقدمية للتحرر العربي بقلم: الناصر خشيني


    إن قراءة تاريخ الثورة التحريرية الجزائرية من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف طويلاً أمام العبقرية التنظيمية والفكرية للشهيد العربي بن مهيدي. فلم يكن بن مهيدي مجرد قائد عسكري عابر، بل كان طليعة ثورية واعية، ومفكراً استراتيجياً صاغ مع رفاقه فلسفة التحرر الشامل، واضعاً المصلحة العليا للجماهير الشعبية فوق كل اعتبار حزبي أو ضيق، ليتحول إلى أيقونة كونية في التضحية والصلابة الفكرية.

النشأة والتكوين: الوعي المبكر وجذور الانتماء
ولد العربي بن مهيدي عام 1923 في دوار الكواهي بضواحي عين مليلة (شرق الجزائر)، لأسرة فلاحية متمسكة بهويتها العربية الإسلامية في مواجهة سياسات الطمس الاستعماري. تلقى تعليمه الابتدائي في مسقط رأسه، ثم انتقل إلى باتنة وقسنطينة لمتابعة دراسته.
في قسنطينة، تفتح وعيه القومي والسياسي عبر الانخراط في "الكشافة الإسلامية الجزائرية"، التي كانت بمثابة المدرسة الأولى لتخريج الطلائع الثورية وتعميق أواصر الانتماء المغاربي والعربي. ومنذ شبابه الباكر، تميز بن مهيدي بهدوء رصين، وثقافة واسعة، وقدرة فائقة على التحليل السياسي، مما جعل رفاقه يلقبونه لاحقاً بـ "الحكيم".
التبلور النضالي: من العمل الحزبي إلى الطليعة السرية
انخرط بن مهيدي في صفوف "حزب الشعب الجزائري" ثم "حركة انتصار الحريات الديمقراطية" (MTLD). شكلت مجازر 8 ماي 1945، التي ارتكبها الاستعمار الفرنسي ضد الجماهير العزل، نقطة تحول حاسمة في فكره التقدمي؛ إذ أدرك يقيناً عقم النضال السياسي السلمي والمساومات الإصلاحية مع منظومة استعمارية فاشية بطبيعتها. تعرض للاعتقال عقب تلك الأحداث، لكن التجربة زادته إصراراً.
في عام 1947، كان بن مهيدي من الرعيل الأول الذي أسس "المنظمة الخاصة" (OS)، الجناح العسكري السري الذي تولى مهمة الإعداد المادي والنفسي للكفاح المسلح وجمع السلاح وتدريب الكوادر. وعندما اكتشف الاحتلال أمر المنظمة عام 1950، انتقل بن مهيدي إلى العمل السري التام في منطقة وهران (القطاع الوهراني)، حيث قاد التنظيم بحنكة واقتدار رغم الملاحقة المستمرة.
هندسة الثورة: من لجنة الـ 22 إلى تفجير الملحمة
مع تفاقم الأزمة الداخلية لحركة انتصار الحريات الديمقراطية وانقسامها، رفض بن مهيدي الصراعات السياسوية العقيمة، وانحاز إلى الخيار التقدمي الطليعي الداعي إلى تجميع القوى الحية للشعب. كان عضواً بارزاً في "لجنة الـ 22" التاريخية التي اجتمعت في يونيو 1954 لإقرار مبدأ الثورة المسلحة.
انبثقت عن هذه اللجنة لجنة مصغرة صاغت بيان "أول نوفمبر 1954" وأسست "جبهة التحرير الوطني" (FLN) وجيش التحرير الوطني (ALN)، وكان بن مهيدي أحد القادة الستة الكبار (مجموعة الستة) الذين خططوا لتفجير الثورة. أُسندت إليه قيادة المنطقة الخامسة (القطاع الوهراني)، حيث نجح بعبقريته التنظيمية في تذليل العقبات وإشعال فتيل الكفاح المسلح في غرب البلاد رغم الصعوبات الجغرافية والتسليحية.
مؤتمر الصومام 1956: صياغة الخط الاستراتيجي والديمقراطي
أدرك بن مهيدي أن الثورة بحاجة إلى مأسسة وفكر استراتيجي يضمن استمراريتها؛ فكان المهندس الرئيسي لـ مؤتمر الصومام (20 أوت 1956) رفقة عبان رمضان. صاغ المؤتمر ميثاقاً تقدمياً رائداً رسخ مبدأين أساسيين: أولوية العمل الداخلي على الخارجي، وأولوية العمل السياسي على العسكري.
عقب المؤتمر، عُين بن مهيدي عضواً في "لجنة التنسيق والتنفيذ" (CCE)، القيادة العليا للثورة، وتولى الإشراف على العمل الفدائي والعسكري في العاصمة. وهو صاحب المقولة التاريخية السوسيولوجية التي تختزل الفكر التقدمي الشعبي: "ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب".
معركة الجزائر وصمود الأسطورة
في أواخر عام 1956 وأوائل 1957، قاد بن مهيدي برؤية ثاقبة "معركة الجزائر العاصمة"، محولاً المدينة إلى ساحة مواجهة مفتوحة كشفت الوجه البشع للاستعمار أمام الرأي العام الدولي من خلال إضراب الثمانية أيام الشهير.
في 23 فبراير 1957، اعتقلته قوات المظليين الفرنسية بقيادة الجنرال بيجار. واجه بن مهيدي جلاديه بكبرياء قومي وأنفة ثورية أذهلت أعداءه؛ فرغم التعذيب الوحشي والهمجي الذي تعرض له (بما في ذلك سلخ جلد وجهه)، لم ينطق بكلمة واحدة تخص أسرار الثورة. وعندما سأله بيجار مستهجناً زرع القنابل في قفف النساء، أجاب بن مهيدي بتهكمه التقدمي الشهير: "أعطونا طائراتكم ونحن سنعطيكم قففنا".
الاستشهاد والخلود: انتصار الضحية على الجلاد
أمام عجز المنظومة العسكرية الفرنسية عن كسر إرادته الصُّلبة، واغتيالاً لمنهجه الفكري والتنظيمي، أقدمت قوات الاحتلال على إعدامه شنقاً دون محاكمة في ليلة 3 إلى 4 مارس 1957. وحاول الاستعمار تزييف الحقيقة بادعاء انتحاره، وهي كذبة دحضها التاريخ واعترافات القادة الفرنسيين أنفسهم لاحقاً.
لقد ترك الجنرال بيجار شهادة تاريخية في حق بن مهيدي حين قال: "لو كان لي ثلة من الرجال أمثال بن مهيدي لفتحت العالم".
خاتمة
يظل العربي بن مهيدي في الوجدان القومي والتقدمي نموذجاً للمناضل العضوي الذي ربط الوعي الفكري بالممارسة الثورية على الأرض. لم تكن شهادته نهاية المطاف، بل كانت الوقود الذي أذكأ نيران الثورة حتى النصر والاستقلال عام 1962، ليبقى اسمه منارة لكل الأحرار الطامحين إلى كسر قيود التبعية والإمبريالية في العالم العربي بأسره.

الهامش والمصادر (References)
  1. فينس، ناتاليا، المرأة والثورة الجزائرية: التاريخ المنسي والمواطنة ما بعد الاستعمار، لندن: دار نشر أكسفورد، 2015، ص 102.
  2. الخطيب، أحمد، العربي بن مهيدي: الرجل الذي هز إمبراطورية، الجزائر: دار المعرفة، 2008، ص 15-19.
  3. موسوعة الجزيرة للمعلومات، "العربي بن مهيدي.. حكيم الثورة الجزائرية ومهندس معركة الجزائر"، باب شخصيات، مارس 2024.
  4. تلمساني، بن يوسف، أبطال الثورة الجزائرية: قراءات في مسيرة قادة نوفمبر، وهران: دار الأمل للنشر، 2012، ص 67-71.
  5. حربي، محمد، جبهة التحرير الوطني: الأسطورة والواقع، باريس: منشورات جون أفريك، 1980، ص 44-48.
  6. بوداوود، مراد، المنطقة الخامسة وإستراتيجية بن مهيدي العسكرية، تلمسان: منشورات جامعة تلمسان، 2015، ص 89-93.
  7. كافي، علي، مذكرات الرئيس علي كافي: من جبهة التحرير إلى رئاسة الدولة، الجزائر: دار القصبة للنشر، 1999، ص 112-116.
  8. عبان، رمضان وآخرون، أرشيف الثورة: ميثاق الصومام وهيكلة الدولة الوطنية، الجزائر: موفم للنشر، 2005، ص 54-60.
  9. ياسف، سعدي، معركة الجزائر العاصمة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 2003، ج 1، ص 205.
  10. أوساريس، الجنرال بول، الأجهزة السرية ومعركة الجزائر، باريس: منشورات بلون، 2001، ص 134-139.
  11. جريدة لوموند الفرنسية، "اعترافات القادة العسكريين حول تصفية العربي بن مهيدي"، ملحق التاريخ، باريس، عدد نوفمبر 2000.

 

إبراهيم الحمدي: شهيد المشروع التحديثي ورائد الدولة القومية المستقلة بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة أعلام الأمة

 


إن قراءة تاريخ اليمن المعاصر من منظور قومي تقدمي تفرض علينا التوقف ملياً أمام تجربة الرئيس الشهيد إبراهيم الحمدي. فهذا الرجل لم يكن مجرد ضابط عسكري قاد انقلاباً تقليدياً، بل كان مثقفاً ومناضلاً طليعياً استلهم مبادئ الثورة الناصرية ليقود ثورة بيضاء غيرت وجه اليمن. لقد سعى الحمدي لبناء دولة النظام والقانون، وتحرير القرار الوطني من الهيمنة الرجعية الإقليمية والدولية [1، 2].
أولاً: حركة يونيو التصحيحية.. مخاض الانتقال من الفوضى إلى الدولة
تولى إبراهيم الحمدي السلطة في 13 يونيو 1974 عبر حركة تصحيحية سلمية، جاءت لإنقاذ اليمن من أزمة خانقة هددت كيانه الوطني [1، 2]. وفق المنهج التحليلي، أدرك الحمدي أن بقاء اليمن أسيراً للولاءات القبلية المموَلة من الخارج يحرم الشعب من طاقته التحريرية، ويجعل من استقلال البلاد مجرد شعار أجوف [1، 2].
قاد الحمدي معركة شرسة لتفكيك دولة "المراكز القبلية" والإقطاعية عبر تجميد "مجلس الشورى" الذي كان يسيطر عليه شيوخ القبائل، وإلغاء "وزارة شؤون القبائل". حوّل الحمدي بوصلة الدولة نحو الفئات الشعبية الكادحة، فأسس "هيئات التطوير التعاوني" التي مثلت تجربة ديمقراطية تشاركية رائدة مكنت المواطنين من بناء قراهم وتطوير بلدهم بالاعتماد على الذات.
ثانياً: الهوية الناصرية والتحديث الاقتصادي والاجتماعي
رغم أنه لم يعلن رسمياً انتماءه الحزبي، إلا أن الممارسة السياسية للحمدي عكست عمق توجهه الناصري التقدمي. لقد آمن بأن العدالة الاجتماعية هي العمود الفقري لأي استقلال وطني. وفي عهده القصير، شهد اليمن طفرة تنموية غير مسبوقة عُرفت بـ"العصر الذهبي"، حيث أُقرت خطط التنمية الخمسية، ونُظمت مالية الدولة، ورُفعت المرتبات، وحُققت طفرة في قطاعات التعليم والصحة والبنية التحتية [1، 2].
ولم يقتصر مشروعه التحديثي على الاقتصاد، بل امتد ليتصدى للعادات الاجتماعية المعرقلة للإنتاج والتقدم، مثل الحد من تعاطي القات وتحديد أوقاته، ومحاربة المظاهر الباذخة في المناسبات، وترسيخ ثقافة الإنتاج والعمل، وبناء جيش وطني حديث يقوم على العقيدة العسكرية القومية لا على الولاءات القبلية والمناطقية [1، 2].
ثالثاً: السيادة الوطنية ومعركة السيادة على البحر الأحمر
على الصعيد الخارجي، انتهج الحمدي سياسة "اليمن أولاً" لانتزاع القرار اليمني من الوصاية الرجعية الإقليمية. آمن الحمدي بالبعد القومي للأمن العربي، وتجلى ذلك في تنظيمه لـ"مؤتمر تعز لقمة الدول المطلة على البحر الأحمر" عام 1977، بمشاركة اليمن الجنوبي، والسودان، والصومال.
كان الهدف المقاصدي من هذا التحرك هو إعلان البحر الأحمر "بحيرة سلام عربية"، وحمايته من الأطماع الإمبريالية والمخططات الصهيونية. هذا الموقف الشجاع أكد ندية اليمن وتجاوزه لعقدة التابع، وشكل تهديداً مباشراً لمصالح القوى القومية والرجعية التي أرادت إبقاء اليمن تحت الهيمنة المستمرة [1، 2].
رابعاً: حلم الوحدة والمؤامرة الغادرة
كان المشروع الأبرز الذي عجّل بتصفية الحمدي هو خطواته الجادة والمتسارعة نحو تحقيق الوحدة اليمنية مع الشطر الجنوبي (جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية) بقيادة الرئيس سالمين. التقى الرئيسان وتجاوزا الخلافات الأيديولوجية المصطنعة لصالح الأفق القومي التحرري المشترك، وكان من المقرر أن يزور الحمدي عدن في 14 أكتوبر 1977 لإعلان خطوات وحدوية مصيرية.
لكن قوى الارتداد الداخلي، بالتوافق مع المخابرات الإقليمية والدولية، قطعت الطريق على هذا الحلم القومي الفذ [1، 2]. ففي 11 أكتوبر 1977، تم اغتيال إبراهيم الحمدي وشقيقه في مؤامرة غادرة استهدفت تصفيته جسدياً وتصفية مشروعه النهضوي [1، 2].
خامساً: الخاتمة والمقاصد التاريخية
إن إبراهيم الحمدي لم يكن مجرد رئيس عابر، بل كان حالة وعي ثوري وقومي متقدم في الجزيرة العربية. لقد أثبتت تجربته أن كسر طوق التخلف والتبعية أمر ممكن متى ما توفرت الإرادة السياسية الصلبة والانحياز الكامل للجماهير الكادحة [1، 2].
سيبقى الشهيد إبراهيم الحمدي ملهماً في الوجدان العربي والقومي، وشاهداً حياً على أن دماء القادة التنويريين هي التي تعبد الطريق للأجيال القادمة نحو استرداد الذات الحضارية والسيادة الوطنية المطلقة.

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. أدبيات الفكر القومي الناصري: دراسات في تجارب الحكم وتحديات التنمية المستقلة.
  2. أرشيف التوثيق التاريخي لحركة 13 يونيو التصحيحية ومسار بناء الدولة الوطنية في اليمن

الأربعاء، 15 يوليو 2026

أحمد بن بلة: من الخندق التحريري إلى الريادة القومية الاشتراكية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة أعلام الأمة

 


  إن قراءة مسار الثورة الجزائرية من منظور قومي تقدمي تلزمنا بالوقوف عند الشخصيات الكاريزمية التي لم تكتفِ بقيادة الكفاح المسلح، بل صاغت للثورة هويتها الأيديولوجية وأبعادها الأممية. يبرز أحمد بن بلة كعنوان للمناضل الصلب الذي جسد تلاحم الهوية العربية الرافضة للاستعمار مع التوجهات الاشتراكية الساعية للعدالة الاجتماعية، مشكّلاً حلقة وصل متينة بين ثورة الأول من نوفمبر والمد القومي العروبي.

أولاً: تشكّل الوعي الثوري ومرحلة التنظيم الطليعي
لم يكن وعي بن بلة وليد صدفة تاريخية، بل كان نتاجاً لمعاينة مباشرة لبنية القهر الكولونيالي الفرنسي. إن انخراطه المبكر في "حزب الشعب الجزائري" ثم "حركة انتصار الحريات الديمقراطية"، قاده لتأسيس "المنظمة الخاصة" عام 1947، والتي كانت بمثابة الجناح العسكري السري الطليعي لضرب الوجود الاستعماري [1].
وفق المنهج التحليلي، أدرك بن بلة مبكراً أن العمل السياسي السلمي المنضبط تحت سقف القوانين الفرنسية قد وصل إلى أفق مسدود. هذا الخيار الاستراتيجي أثمر لاحقاً، بعد فراره من سجن البليدة ورحلته إلى القاهرة، عن تأسيس "جبهة التحرير الوطني" عام 1954 مع رفاقه من "مجموعة التسعة"، لتبدأ أعظم ثورات القرن العشرين التي حطمت أسطورة "الجزائر الفرنسية" [1].
ثانياً: بؤرة القرصنة الجوية والاعتقال (1956 - 1962)
في أكتوبر 1956، أقدمت فرنسا على ارتكاب أول عملية قرصنة جوية في التاريخ الحديث باختطاف الطائرة التي كانت تقل بن بلة رفقة قادة الثورة (بوضياف، خيضر، آيت أحمد، لشرف). هذا الحدث لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل كان دليلاً على حالة الذعر التي عاشها المستعمر من التنسيق القومي المتصاعد بين الثورة الجزائرية ومصر الناصرية [1].
أثبتت سنوات السجن الخمس في "أوليرون" و"تُورنُو" صلابة بن بلة؛ فلم يزده العزل إلا تمسكاً بالثوابت ومتابعة دقيقة لمجريات المعركة من وراء القضبان. أصبحت قضية اعتقاله رمزاً دولياً لعدالة القضية الجزائرية، وعجلت بفضح الممارسات الفرنسية في المحافل الأممية.
ثالثاً: رئاسة الدولة وصياغة الهوية القومية الاشتراكية
مع بزوغ فجر الاستقلال عام 1962، تولى بن بلة رئاسة الجمهورية الفتية لتبدأ معركة أشد ضراوة: بناء الدولة واسترداد الذات الحضارية. انحاز بن بلة علناً وبقوة إلى الخيار الاشتراكي التقدمي، متبنياً سياسة "التسيير الذاتي" للأراضي والمصانع التي تركها المعمرون، لإعادة توزيع الثروة لصالح الفئات الشعبية المحرومة [1، 3].
وعلى الصعيد القومي، أعلن بن بلة انتماء الجزائر الكامل لعروبتها، رافعاً شعار "نحن عرب، عرب، عرب"، لينهي عقوداً من سياسات الفرنسة الممنهجة. فتحت الجزائر في عهده أبوابها لتصبح "مكة الثوار"، وملاذاً لكل حركات التحرر في إفريقيا وأمريكا اللاتينية، متخالفاً مع قادة الخط الأممي والعروبي مثل جمال عبد الناصر، وفيديل كاسترو، وتشي جيفارا [1].
رابعاً: المحنة، المراجعات الفكرية، والعمل الإنساني
أدى الانقلاب العسكري في 19 يونيو 1965 إلى إزاحة بن بلة ودخوله مرحلة سجن واعتقال منزلي دامت 15 عاماً. لم تكن هذه المحنة الطويلة نهاية لمسيرته، بل تحولت إلى خلوة فكرية وتأملية قادته إلى مراجعات معمقة. زاوج بن بلة في وعيه المتأخر بين المقاربة الاشتراكية التقدمية وبين الأصالة الفكرية الحضارية المستمدة من روح الإسلام التحرري المناهض للإمبريالية [1، 3].
بعد إطلاق سراحه في عهد الشاذلي بن جديد، انتقل إلى المنفى حيث أسس "الحركة من أجل الديمقراطية في الجزائر"، وركز جهوده على الساحة الدولية كرئيس لـ"اللجنة الدولية للشمال - الجنوب"، مدافعاً شرساً عن قضايا العالم الثالث، ومناهضاً للعولمة المتوحشة وحروب الهيمنة الغربية (خاصة حرب الخليج والحصار على العراق) [1].
خامسة: الخاتمة والمقاصد التاريخية
عاد أحمد بن بلة إلى وطنه في تسعينيات القرن الماضي ليمارس دور الأب الروحي والحكيم، داعياً إلى الوحدة والمصالحة الوطنية لإنقاذ الجزائر من أزمتها الداخلية. إن رحيله عام 2012 طوى صفحة رجل عاش كفاحاً مستمراً طوال قرن كامل [1].
يمثل بن بلة في الوجدان القومي التقدمي رمزية تاريخية تؤكد أن التحرر الوطني لا يكتمل إلا بالانحياز للعدالة الاجتماعية وبناء أمن ثقافي وهوية قومية مستقلة. ستبقى مواقفه ملهماً للأجيال في سعيها لاسترداد السيادة الكاملة والوقوف بندية أمام مشاريع التبعية والهيمنة الجديدة [1، 3].

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. أرشيف التوثيق القومي التاريخي لسير قيادات الثورة الجزائرية وجبهة التحرير الوطني.
  2. محاضر ووثائق الثورة الجزائرية: دراسات في العمل المسلح السري وتأسيس المنظمة الخاصة.
  3. دراسات في الفكر السياسي العربي المعاصر: الخيار الاشتراكي وأزمات بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال


ليلى خالد: السنديانة التحررية وأيقونة الكفاح المسلح العابر للحدود بقلم: الناصر خشيني (ضمن سلسلة أعلام الأمة  )

 



أولاً: جدلية اللجوء والمقاومة.. مخاض الوعي الثوري
لم تولد ليلى خالد في غرف السياسة الفارهة، بل ولدت في عكا/حيفا وعاشت طفولة اقتلعت فيها من برتقال حيفا وجذورها التاريخية عام 1948. هذا الاغتصاب المادي للأرض شكّل صدمة وجودية مبكرة تعمقت في مخيمات صيدا بلبنان. 
وفق المنهج التحليلي، فإن انخراطها المبكر وهي في الخامسة عشرة من عمرها في "حركة القوميين العرب" لم يكن ترفاً حزبياً، بل كان استجابة حتمية لحاجة الأمة لاسترداد ذاتها الحضارية. ومع ولادة "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" بقيادة الحكيم جورج حبش، تحوّل هذا الوعي النظري إلى ممارسة كفاحية ملتزمة بأيديولوجيا يسارية تقدمية تدرك أن تحرير فلسطين يمر حتماً عبر تفكيك المنظومة الإمبريالية العالمية الداعمة للكيان الصهيوني. 
ثانياً: بؤرة الصدمة الثورية.. أبعاد وأهداف اختطاف الطائرات
حينما نفذت ليلى خالد، كأول امرأة في التاريخ، عملية اختطاف طائرة الركاب الأمريكية (TWA) عام 1969، ثم محاولة اختطاف طائرة "العال" الإسرائيلية عام 1970، لم يكن الهدف ممارسة العنف الارتجالي أو الإرهاب بالمفهوم الغربي المضلل. إن تفكيك المقاصد السياسية لهذه العمليات يكشف عن بعدين استراتيجيين: 
  1. كسر الحصار الإعلامي والسياسي: لفت أنظار ضمير العالم الأعمى إلى أن هناك شعباً بأكمله شُرد من أرضه.
  2. الندية في المواجهة: فرض معادلات جديدة لتبادل الأسرى وتحرير النضال من قيود الاستجداء الدبلوماسي العقيم. 
لقد أثبتت هذه العمليات النوعية الجرأة الأيديولوجية للفدائي الفلسطيني وقدرته على نقل المعركة إلى الفضاء الدولي لتعرية زيف الديمقراطيات الغربية الراعية للاحتلال. 
ثالثاً: الأيقونة الأممية وتدمير القوالب الجندرية الرجعية
في مجتمع عربي كان يرزح تحت قوالب اجتماعية وتفسيرات نصية رجعية تحبس المرأة في دور الضحية أو التابع، برزت ليلى خالد بالكوفية الفلسطينية تلتف حول عنقها، وتحمل بندقية "الكلاشنكوف" بيمينها. هذه الصورة لم تكن مجرد ملصق ثوري، بل كانت بياناً نسوياً تقدمياً عملياً. 
لقد أسقطت ليلى خالد الفوارق البيولوجية في خنادق القتال، وأثبتت أن التحرر الاجتماعي والسياسي للمرأة العربية لا يتحقق بالوصفات المستوردة من صالونات الغرب الليبرالي، بل يولد من صلب معركة التحرر الوطني والقومي. غدت ليلى رمزاً عالمياً ملهماً لحركات التحرر من فيتنام إلى أمريكا اللاتينية، موازية في رمزيتها الثورية لـ"تشي جيفارا". 
رابعاً: الاستمرارية وصيانة الذاكرة في جيل العودة
لم تنتهِ مسيرة ليلى خالد بانتهاء مرحلة العمليات الخارجية؛ بل تواصلت في أروقة النضال السياسي والمؤسساتي داخل "المجلس الوطني الفلسطيني" وقيادة "الجبهة الشعبية". وهي اليوم -رغم المرض والتقدم في السن- لا تزال تمثل "جيل النكبة" الشاهد والمقاوم، الذي يرفض التفريط بالثوابت القومية. 
إن تداول النضال في فكر ليلى خالد يرتكز على تسليم الراية للأجيال الشابة وتأصيل فكرة أن المقاومة هي قدر تاريخي ممتد. فالاستسلام والتسويات الاستسلامية (كأوسلو وأخواتها) لم تزد القضية إلا تراجعاً، وهو ما حذرت منه دائماً داعية إلى استعادة الوحدة الوطنية المبنية على برنامج المقاومة الشاملة. 
خاتمة ومقاصد قومية
إن ليلى خالد في تاريخ النضال العربي ليست مجرد حدث تاريخي عابر، بل هي رمز لإمكانية "الفعل" والثورة عندما تتوفر الإرادة الثورية الصلبة والتنظيم الطليعي الملتزم. ستبقى هويتها الفدائية حية في العقل الجمعي العربي؛ لتؤكد مجدداً أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة، وأن كوفيتها وبندقيتها هما الطريقان الوحيدان نحو العودة والسيادة الوطنية الكاملة. 

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. خالد، ليلى. شعبي سيعيش: السيرة الذاتية لثورية، لندن، 1973 (توثيق المقاصد الكفاحية).
  2. أرشيف سلسلة أعلام الأمة، قراءات في سيكولوجيا الثورة والفعل النسوي المقاوم.
  3. أدبيات الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: وثائق ومواقف في العمل الثوري الخارجي

 

الثلاثاء، 14 يوليو 2026

جميلة بوحيرد: أيقونة الثورة الجزائرية ومنارة التحرر القومي العربي بقلم: الناصر خشيني


 تظل الثورة التحريرية الجزائرية (1954-1962) واحدة من أعظم الملاحم الإنسانية في التاريخ الحديث؛ إذ لم تكن مجرد كفاح مسلح لطرد مستعمر استيطاني، بل كانت مدرسة لبعث الهوية العربية وتكريس الفكر التقدمي الرافض لجميع أشكال العبودية والاضطهاد [1]. وفي قلب هذه الملحمة، تلألأ اسم جميلة بوحيرد كرمز خالد للمرأة العربية المقاوِمة، وأيقونة ألهمت حركات التحرر في الوطن العربي والعالم أجمع [2].               النشأة والتكوين: جذور الرفض.                ولدت جميلة بوحيرد عام 1935 في حي القصبة العتيق بالعاصمة الجزائر، لأب جزائري مثقف وأم تونسية، مما منحها عمقاً مغاربياً وقومياً مبكراً [3]. وفي بيئة طغت عليها محاولات "الفرنسة" الممنهجة، تلقت تعليمها في المدارس الاستعمارية التي كانت تجبر التلاميذ على ترديد نشيد "فرنسا أمنا" [4]. وهنا تجلت بوادر التمرد التقدمي لدى الفتاة الصغيرة؛ إذ كانت تصرخ في الطابور المدرسي: "الجزائر أمنا"، متحديةً بطش الإدارة الاستعمارية [5]. غرس والدها فيها حب الأرض والدفاع عن الكرامة، ورغم شغفها بالخياطة والتطريز وركوب الخيل، إلا أن نداء الوطن كان أقوى مع اندلاع الثورة الجزائرية عام 1954 [6].

المسيرة النضالية: الفدائية المقاتلة في وضح النهار
انضمت جميلة بوحيرد إلى جبهة التحرير الوطني (FLN) وهي في العشرين من عمرها [7]. وانخرطت في صفوف الفدائيين الأوائل كمسؤولة اتصال للقائد سعدي ياسف في معركة الجزائر العاصمة [8]. غدت جميلة من أوائل المتطوعات لزرع القنابل في مسارات تحرك جنود الاحتلال، متسلحة بإرادة صلبة وبقدرة فائقة على التخفي وتجاوز الحواجز العسكرية الفرنسية بزيها العصري الغربي [9].
في عام 1957، وأثناء مواجهة مسلحة، أصيبت جميلة برصاص الاحتلال وتم اعتقالها [10]. واجهت بوحيرد في أقبية التعذيب أبشع صنوف التنكيل الجسدي والنفسي، بما في ذلك الصعق بالكهرباء، لكنها رفضت أن تبوح بكلمة واحدة للاعتراف على رفاقها [11].
المحاكمة التاريخية: عندما تحولت الضحية إلى قاضٍ
أمام عجز الجلادين، أحيلت جميلة إلى محكمة عسكرية صورية قضت بإعدامها في أواخر عام 1957 [12]. ومن داخل زنزانتها، واجهت القضاة بعبارتها الشهيرة التي هزت ضمير العالم: "أعرف أنكم ستحكمون علي بالإعدام، لكن لا تنسوا أنكم بإعدامي تقتلون تقاليد الحرية في بلدكم" [13].
تولى الدفاع عنها المحامي التقدمي الفرنسي جاك فيرجيس، الذي آمن بعدالة قضيتها وأسس مع رفاقه حملة دولية كبرى لإنقاذها عبر كتابهما المشترك "من أجل جميلة" [14]. وتحت وطأة الضغط الشعبي العارم في العواصم العربية والعالمية، وتضامن كبار المثقفين والأحرار، أُجبرت السلطات الفرنسية على تأجيل تنفيذ الحكم، وتعديله لاحقاً إلى السجن مدى الحياة، إلى أن نالت حريتها مع استقلال الجزائر عام 1962 [15].
ما بعد الاستقلال: الالتزام بالمبادئ ورفض الانتهازية
بعد الاستقلال، تزوجت جميلة من محاميها جاك فيرجيس بعد أن أشهر إسلامه [16]. ورغم الهالة الأسطورية التي أحاطت بها، آثرت الابتعاد عن بريق السلطة والمناصب السياسية الرسمية. ظلت بوحيرد وفية لضميرها النضالي؛ فلم تتردد في العقود الأخيرة في النزول إلى الشارع ودعم الحراك الشعبي الجزائري عام 2019 ومناصرة قضايا الحق العربي، رافضةً المساومة على كرامة الشعب أو تسييس تاريخها [17].
خاتمة
إن جميلة بوحيرد ليست مجرد صفحة مطوية في كتاب التاريخ؛ بل هي نموذج للمرأة العربية التقدمية التي كسرت قيود التبعية وصنعت مع رفاقها فجر الحرية. تظل "جميلة" المعادل الموضوعي للأنفة والتحرر القومي، ومثالاً حياً على أن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالوعي والطلائعية، قادرة على دحر أعتى الإمبراطوريات الاستعمارية.

الهامش والمصادر (References)
  1. فينس، ناتاليا، المرأة والثورة الجزائرية: التاريخ المنسي والمواطنة ما بعد الاستعمار، لندن: دار نشر أكسفورد، 2015، ص 89.
  2. شربيط، أحمد شربيط (جمع وتقديم)، كتاب جميلة بوحيرد في الوجدان العربي، الجزائر: موفم للنشر، 2011، ص 45.
  3. لازريج، مارنيا، بليغة ولكن صامتة: المرأة الجزائرية في الحرب، نيويورك: روتليدج، 1994، ص 105.
  4. موقع جدلية الأكاديمي، "أرشيف الشخصيات الوطنية: جميلة بوحيرد"، ملف سبتمبر 2012.
  5. لوفيفر، ماري آن، المحاكمات السياسية وحركات التحرر في المغرب العربي، ترجمة: أحمد الصادق، بيروت: دار التنوير، 1988، ص 142.
  6. شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 48.
  7. ياسف، سعدي، معركة الجزائر العاصمة، الجزائر: المؤسسة الوطنية للاتصال والنشر، 2003، ج 2، ص 112.
  8. موسوعة الجزيرة للمعلومات، "المناضلة الجزائرية جميلة بوحيرد.. أيقونة الثورة"، باب شخصيات، مارس 2023.
  9. ياسف، سعدي، مرجع سابق، ص 120.
  10. أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، من أجل جميلة بوحيرد (Pour Djamila Bouhired)، باريس: منشورات منتصف الليل، 1957، ص 18.
  11. لازريج، مارنيا، مرجع سابق، ص 110.
  12. لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 149.
  13. أرنو، جورج وفيرجيس، جاك، مرجع سابق، ص 22.
  14. لوفيفر، ماري آن، مرجع سابق، ص 153.
  15. فينس، ناتاليا، مرجع سابق، ص 94.
  16. شربيط، أحمد شربيط، مرجع سابق، ص 53.
  17. موقع جدلية الأكاديمي، مرجع سابق، 

د. هدى صالح مهدي عماش: ناصية العلم في مواجهة العواصف الرقمية بقلم: الناصر خشيني ضمن سلسلة: أعلام العرب

 


مقدمة 
إن الكتابة عن قامات أمتنا العربية في أوقات المحن والمواجهات الكبرى ليست مجرد تدوين للتاريخ، بل هي فعل مقاومة بالكلمة واسترداد للوعي. في هذه السلسلة "أعلام العرب"، نفتح ملفات الرموز الذين تعرضوا لمحاولات التغييب والشيطنة لأنهم رفضوا التبعية واختاروا طريق السيادة العلمية. ومن واجبنا تجاه القارئ العربي أن نعيد تسليط الضوء على هذه العقول المهاجرة والمحاصرة، لنستلهم من مسيرتها قيم العطاء والصمود في زمن التحديات المصيرية.
في تاريخ أمتنا العربية الحديث، ارتبط اسم العديد من الكفاءات العلمية بساحات النضال والصمود، ولم يقتصر دورهم على غرف المختبرات وقاعات الجامعات، بل أصبحوا خط الدفاع الأول عن مقدرات أوطانهم وسيادتها. ومن بين هذه القامات السامقة، تبرز العالمة والأكاديمية العراقية الدكتورة هدى صالح مهدي عماش، كنموذج للمرأة العربية التي جمعت بين أعلى الدرجات العلمية والالتزام القومي بقضايا أمتها.
سليلة النضال والتميز الأكاديمي
ولدت هدى عماش في بغداد عام 1953، ونشأت في كنف بيئة وطنية؛ فهي ابنة القائد والمؤرخ العسكري المعروف صالح مهدي عماش. لم تركن هدى إلى إرث عائلتها السياسي، بل شقت طريقها بجد واجتهاد في ميدان العلم. بعد تخرجها من جامعة بغداد، توجّهت إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتنهل من علوم العصر، فحصلت على الماجستير من جامعة تكساس، ثم الدكتوراه في علم الأحياء المجهرية (الميكروبيولوجي) من جامعة ميسوري عام 1983.
عادت الدكتورة هدى إلى وطنها العراق محملة بخبرات علمية نادرة، وسخرت علمها لخدمة الأجيال الصاعدة، فتدرجت في المناصب الأكاديمية حتى أصبحت عميدة لكلية العلوم بجامعة بغداد، ورئيسة لجمعية علم الأحياء الدقيقة العراقية، لتقود مسيرة تطوير البحث العلمي في أحلك الظروف التي مر بها العراق.
النضال البحثي: معركة اليورانيوم المنضب والأثر البيئي
لم يكن دور الدكتورة عماش مجرد عمل وظيفي أكاديمي؛ بل كان نضالاً علمياً حقيقياً لحماية بلدها من آثار الحروب والحصار الجائر الذي فُرض على العراق في تسعينيات القرن الماضي. فبينما كانت المختبرات تعاني شح الإمكانيات، قادت الدكتورة هدى جبهة بحثية لدراسة الأثر البيئي والصحي الخطير الناتجة عن استخدام القوات الغربية للأسلحة المحرمة دولياً، وعلى رأسها ذخائر اليورانيوم المنضب خلال حرب عام 1991.
أعدت الدكتورة عماش ونشرت سلسلة من الأبحاث وأوراق العمل الدقيقة التي وثقت علمياً الارتفاع الحاد في معدلات الإصابة بالأمراض السرطانية، والتشوهات الخلقية لدى المواليد الجدد، وتلوث التربة والمياه الجوفية في جنوب العراق. لم تكن هذه الأبحاث مجرد أرقام، بل كانت وثيقة إدانة دولية وصوت استغاثة علمي أطلقته للعالم لكشف حجم الكارثة البيئية والإنسانية التي حلت بالبلاد، معتبرة أن الدفاع عن سلامة البيئة والمواطن هو أسمى درجات الواجب القومي.
الاستهداف الغربي والصمود والإنصاف
بسبب مكانتها العلمية المرموقة وصعودها السياسي كأول امرأة تنال عضوية القيادة القطرية، وضعتها دوائر الاستهداف الغربي في قفص الاتهام. ومع غزو العراق عام 2003، شنت وسائل الإعلام الأمريكية حملة تشويه ممنهجة ضدها، مطلقة عليها ألقاباً تحريضية بهدف تبرير تدمير البنية التحتية العلمية للعراق، وتم إدراجها ضمن قائمة المطلوبين الـ 55.
رغم الاحتجاز الظالم الذي تعرضت له لقرابة عامين ونصف، ثبتت الدكتورة هدى على مواقفها، ورفضت كل محاولات الابتزاز السياسي. وجاء النصر الأخلاقي والعلمي لها في ديسمبر 2005، عندما أُجبرت القوات الأمريكية واللجان المشتركة على إطلاق سراحها دون توجيه أي تهمة رسمية، واعترافهم صراحة بخلو سجلها من أي برامج تسليحية محظورة، ليكون الإفراج عنها بمثابة وثيقة براءة وشهادة صمود لعالمة عربية واجهت آلة الدعاية الحربية بعزة وكرامة.
خاتمة: درس للأجيال وثبات على المبدأ
إن مسيرة الدكتورة هدى عماش تظل صفحة مضيئة في سجل أعلام العرب. إنها تثبت أن العلم في عالمنا العربي ليس ترفاً فكرياً، بل هو أداة تحرر وسلاح لحماية الهوية والوجود. ورغم استقرارها الحالي في عمان واعتزالها العمل العام بعد رحلة عطاء مريرة، تظل قصتها وبحوثها درساً حياً للأجيال الجديدة؛ درس يؤكد أن العقل العربي قادر على التفوق، وأن العالم الحقيقي هو من يربط مصيره بمصير أمته، مدافعاً عن حقها في التطور والعيش الكريم والسيادة على أرضها.

أحمد فارس الشدياق: صعلوك النهضة ومفكك النص الرجعي بقلم: الناصر خشيني (ضمن سلسلة أعلام الأمة )



إن قراءة تاريخ النهضة العربية من منظور قومي تقدمي تفرض علينا الانعتاق من أسر القوالب التمجيدية الجاهزة، والذهاب مباشرة إلى محاكمة النصوص والمواقف لاستجلاء البعد المقاصدي في حركة التنوير العربية. وفي هذا السياق، يبرز أحمد فارس الشدياق (1804-1887) كحالة استثنائية عصية على التصنيف التقليدي. إنه يمثل المفكر والمثقف العضوي الذي خاض معركة وجودية ضد قوى الارتداد الداخلي، متمثلة في المؤسسات الدينية الإقطاعية، وضد الاختراق التغريبي الخارجي.
أولاً: المأزق الوجودي والتحرر من سياج التقليد
لم تكن التحولات العقائدية والمذهبية في حياة الشدياق مجرد تقلبات فكرية عبثية، بل كانت تعبيراً صارخاً عن أزمة الوعي العربي في القرن التاسع عشر. إن نشأته المارونية وانتقاله إلى البروتستانتية ثم استقراره النهائي في رحاب الإسلام، توازت مع صدمة كبرى هزت كيانه؛ وهي مأساة تصفية شقيقه "أسعد الشدياق" على يد السلطة الكنسية الرجعية بسبب خياراته الفكرية.
هذا الحادث المفصلي شكّل نقطة انطلاق لوعي الشدياق بضرورة التحرر من أيديولوجيا "الحاكمية" الدينية الضيقة وصورتها النصية المظلمة. لقد أدرك مبكراً أن مواجهة الاستعمار الخارجي لا يمكن أن تنجح دون تفكيك البنى الفكرية المتكلسة في الداخل، والتي تحرم الإنسان العربي من طاقته التحريرية الشاملة.
ثانياً: "الفارياق" والتورية الإصلاحية كأداة نضالية
في رائعتة "الساق على الساق في ما هو الفارياق"، لم يكتب الشدياق مجرد رواية أو سيرة ذاتية للتسلية، بل صاغ بياناً ثورياً متقدماً. وفقاً للمنهج المقاصدي والتحليلي، نجد أن الشدياق اعتمد بوعي كامل أسلوب "التورية والترميز" بدلاً من التصريح والصدام المباشر.
كان هذا الخيار التكتيكي ناتجاً عن إدراك عميق لحجم البطش الذي يمكن أن تمارسه القيادات الرجعية ضد الفكر التنويري. ومن خلال شخصية "الفارياق"، وجّه انتقادات لاذعة وهدامة للمجتمعات الإقطاعية وسلوكيات رجال الدين، داعياً إلى إعادة بناء الإنسان على قيم الحرية، والكرامة، والعدالة المستدامة. كما تميز بوعي تقدمي سابق لعصره عندما نادى بتحرير المرأة والعبيد، واضعاً أسس النهوض المجتمعي الشامل قبل عقود من دعوات المصلحين اللاحقين.
ثالثاً: لسان الضاد والمعركة اللغوية والحضارية
إن نضال الشدياق لم ينفصل يوماً عن الدفاع عن الهوية العربية. لقد رأى في اللغة العربية المرتكز الأساسي للأمن الثقافي القومي. من هنا جاءت معاركه اللغوية الطاحنة وكتابه "الجاسوس على القاموس" لنقد المعاجم القديمة، وتطهير اللغة من قوالب الجمود.
لم يكن دفاعه عن الفصحى وغناها -في مواجهة دعوات التبسيط المفرط أو التغريب- ترفاً لغوياً. بل كان إيماناً منه بأن اللغة هي وعاء العقل الجمعي العربي؛ وحمايتها وتطويرها بالنحت والتجديد هي السبيل الأمثل لاسترداد الذات الحضارية والوقوف بندية أمام المد التغريبي والاستشراقي.
رابعاً: الاستغراب المبكر والصحافة الملتزمة
عبر بوابتي مالطا وأوروبا، قدّم الشدياق في "كشف المخبأ عن فنون أوروبا" قراءة نقدية واعية لـ"الآخر" الغربي. لم يسقط في فخ الانبهار الأعمى، بل شرّح البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمعات الأوروبية، ممارساً "علم الاستغراب" في وقت مبكر.
وعندما أسس جريدة "الجوائب" في الآستانة، نقل المعركة الفكرية إلى فضاء الصحافة الحرة المستقلة. فكانت الجريدة منبراً سياسياً وثقافياً عروبياً بامتياز، يربط قضايا التنوير الأدبي بوعي سياسي يهدف إلى إيقاظ الأمة ودفعها نحو التنمية ومواجهة مخططات الحصار الاستعماري.
خاتمة ومقاصد
إن أحمد فارس الشدياق، في حسابات الوعي القومي التقدمي، يمثل طاقة تحريرية رائدة لم ترهن نفسها للمؤسسات التقليدية. لقد أثبتت سيرته أن الفكر الإصلاحي الحقيقي هو الذي يربط التحرر الفكري بالسيادة القومية والعدالة الاجتماعية. سيبقى "صعلوك النهضة العظيم" ملهماً لكل المحاولات المعاصرة التي تسعى لكسر أطواق النصوصية الحنبلية والرجعية الدينية، من أجل بناء مستقبل عربي حر وكريم.

الهوامش والمراجع الفكرية:
  1. الشدياق، أحمد فارس. الساق على الساق في ما هو الفارياق. (تحليل البعد التنويري والترميزي).
  2. أرشيف سلسلة أعلام الأمة، القراءات الفكرية في استرداد الذات الحضارية والنهوض العربي.
  3. دراسات في الفكر العربي الحديث: معارك التنوير والتحرر من التقليد.

جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...