مدخل
في التاريخ الحديث، لم تكن الهدنات دائماً عقوداً للسلام، بل كانت في أحيان كثيرة أقنعةً لمواصلة الحرب بأدوات أخرى. ما يجري في لبنان اليوم يُجسّد هذه المعادلة بصورتها الأكثر فجاجةً وسخرية: هدنةٌ تُعلنها واشنطن، وإسرائيل تُمارس إجرامها تحت مظلّتها، والعالمان العربي والإسلامي ينامان في سُبات عميق، فيما السلطة اللبنانية الرسمية تُفاوض القاتل وتنبري لمعاداة المقاوم. إنّها مشهديّة العصر الذي فقدت فيه الكلمات معناها، وحين أصبح الصمت فضيلةً سياسية والتفاوض مع العدو شجاعةً دبلوماسية.
أولاً: هدنةٌ بالاسم، حرب في الجوهر
في السادس عشر من أبريل 2026، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن هدنة مؤقتة بين إسرائيل ولبنان لمدة عشرة أيام، تلتها محادثات مباشرة رعتها واشنطن. وفي السادس عشر من مايو، جرى تمديد وقف إطلاق النار خمسة وأربعين يوماً إضافية، في خطوة أُعلن معها فتح مسار أمني وسياسي برعاية أمريكية صريحة.[1] غير أنّ هذه الهدنة لم تُوقف النزيف اللبناني؛ فمنذ دخولها حيز التنفيذ في السابع عشر من أبريل، استمرت الغارات الإسرائيلية على الجنوب وبيروت وأحياء مدنية، وتجاوز عدد القتلى في صفوف اللبنانيين منذ اندلاع هذه الجولة من المواجهة حاجز الألفين وتسعمائة شخص، من بينهم أكثر من أربعمائة سقطوا بعد إعلان الهدنة ذاتها.[2]
هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنّها فضح موثّق لطبيعة الهدنة الإسرائيلية التي صُمّمت من البداية لخدمة مصالح القاتل لا لحماية الضحية. ففي حين تحتفظ قوات الاحتلال بمواقعها في جنوب لبنان[3]، ويُصرّح نتنياهو بأنّ الحرب ضد حزب الله لم تنته[4]، تواصل الطائرات الحربية اختراق الأجواء اللبنانية وتدمير البنية التحتية. الهدنة في هذا السياق ليست سوى غطاء دبلوماسي يُتيح لإسرائيل إعادة ترتيب أوراقها، واستثمار وقت المفاوضات لتعميق التوغل والإحكام على المناطق المحتلة.
ثانياً: صمتٌ عربي وإسلامي لا يختلف عن التواطؤ
منذ بدء الحرب على لبنان، غابت الجامعة العربية عن المشهد غياباً يكاد يكون مُطبقاً، ولم تصدر عن القمم الإسلامية سوى بيانات رمادية تفتقر إلى الموقف والإرادة. لم تقطع دولةٌ عربية واحدة علاقاتها الدبلوماسية أو الاقتصادية مع الكيان الصهيوني احتجاجاً على مجازر لبنان، ولم يُفعَّل أي قرار جماعي لرفع الحصار السياسي والعسكري عن المقاومة.
الصمت العربي والإسلامي في هذه المرحلة لا يمثّل غياباً بريئاً؛ بل هو موقفٌ سياسي بامتياز، يُمكّن إسرائيل من مواصلة عدوانها دون ثمن إقليمي يُذكر. ويذهب المحللون إلى أنّ ثمة معادلة ضمنية قائمة بين بعض الأنظمة العربية والمشروع الصهيوني تقوم على مبدأ: "المقاومة عدوّنا المشترك"[5]، وهو ما يُفسّر عدم الاكتراث بسقوط الأبرياء في لبنان طالما أنّ المقاوم هو الطرف المُستهدف الحقيقي وراء كل هذا الدمار.
ثالثاً: سلطة تُفاوض القاتل وتُعادي المقاوم
الأكثر إيلاماً في المشهد اللبناني الراهن ليس الغارات الإسرائيلية وحدها، بل المفارقة الصارخة التي يكشف عنها الموقف الرسمي اللبناني: سلطةٌ تجلس على طاولة المفاوضات مع العدو الذي يقتل مواطنيها، وتُطالب في الوقت ذاته بنزع سلاح المقاومة التي تقف في وجه هذا العدو. إنّها معادلة ظالمة تُكافئ الجلاد وتُعاقب من يرفض الركوع.
جاء في إعلان وزارة الخارجية الأمريكية في أبريل 2026 أنّ الاتفاقية تنصّ صراحةً على "الحفاظ على حق إسرائيل الأصيل في الدفاع عن النفس"[6]، أي أنّ السلطة اللبنانية وقّعت ضمنياً على شرعنة العدوان الإسرائيلي في الوقت الذي تطالب فيه بنزع سلاح المقاومة اللبنانية الوحيدة القادرة على ردّ هذا العدوان. وهذا التناقض الصارخ ليس زلّةً دبلوماسية، بل هو تعبيرٌ عن وعي سياسي طبقي يُفضّل الاستسلام المُقنَّع على المقاومة الصريحة، وهو الوعي ذاته الذي جعل بعض الأنظمة العربية ترى في حزب الله تهديداً يفوق في خطورته الاحتلال الإسرائيلي.
تاريخياً، حين وجد لبنان نفسه وحيداً في مواجهة الاجتياحات الإسرائيلية — كما في 1978 و1982 و2006 — كانت المقاومة هي الرادع الوحيد الذي أجبر العدو على الانسحاب. اليوم، بدلاً من الاعتراف بهذه الحقيقة، تسعى السلطة اللبنانية إلى تسليم هذا الرادع لواشنطن وتل أبيب في مقابل هدنات ورقية تُخترق يومياً.
رابعاً: إجرام بلا عقوبة في ظل منظومة دولية مُنهارة
استمرار الضربات الإسرائيلية على لبنان رغم الهدنة المُعلنة يكشف عن حقيقة أعمق: أن المنظومة الدولية القائمة على ميثاق الأمم المتحدة وقرارات مجلس الأمن قد أفلست تماماً في ما يخص الكيان الصهيوني. فمنذ عقود، يتجاهل هذا الكيان عشرات القرارات الدولية — من القرار 425 إلى القرار 1701 — دون أي عقوبة تُذكر، بفضل الحماية الأمريكية المطلقة التي تجعل مجلس الأمن أداةً لتبرير العدوان لا لوقفه.
ليس مفاجئاً إذن أن تواصل إسرائيل قصف الجنوب وتدمير الجسور والبنية التحتية في وسط هدنة "مُعلنة"، ذلك أنّ الثمن الدولي المدفوع لا يزيد على بعض البيانات الخشبية التي لا تُوقف طائرةً ولا تُنقذ روحاً. المجتمع الدولي الذي يتحدث عن "القانون الدولي الإنساني" لم يتحرك أمام مجازر لبنان أكثر مما تحرّك أمام مجازر غزة، وذلك لأنّ معيار التحرك لا يقوم على الإنسانية بل على موازين القوى والمصالح الجيوسياسية.
خاتمة
لبنان يُقتل اليوم تحت مسمّى الهدنة، في مشهد يختزل الأزمة البنيوية للنظامين العربي والدولي معاً. هدنةٌ تمنح العدو وقتاً لإعادة التموضع، وصمتٌ عربي وإسلامي يُقرأ في العواصم الغربية تخلياً ضمنياً عن لبنان، وسلطةٌ لبنانية تُفاوض من يقتل ابناءها وتُعادي من يقاتل دفاعاً عنهم.
لكنّ التاريخ لا يرحم المستسلمين. فكلّ هدنة تُقرأ بعين الاستراتيجي لا تعدو كونها فصلاً في حرب أطول، وكلّ مقاومة — مهما حوصرت وعوديت — تبقى أكثر شرفاً من كل تفاوض تُبنى فيه الشروط على أشلاء الضحايا. والسؤال الذي يبقى معلّقاً في وجه السلطة اللبنانية والضمير العربي المخدَّر: إلى متى يبقى دم اللبنانيين ثمناً لهدنات تُعيد تدويرها الجريمة ذاتها؟
المصادر والهوامش
[1] وزارة الخارجية الأمريكية، إعلان وقف الأعمال العدائية لمدة عشرة أيام، 16 أبريل 2026؛ وكالة الأنباء العُمانية، "تمديد الهدنة في لبنان 45 يوماً"، 16 مايو 2026.
[2] السلطات اللبنانية، إحصاءات الضحايا المُعلنة، مايو 2026؛ وكالة فرانس برس، تقارير ميدانية من جنوب لبنان، مايو 2026.
[3] تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، 16 أبريل 2026، نقلاً عن وكالات الأنباء الدولية.
[4] تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، 16 أبريل 2026، وكالة رويترز.
[5] ناصر قنديل، "التطبيع وأوهام الأمن المشترك"، مجلة الدراسات الفلسطينية، 2024.
[6] وزارة الخارجية الأمريكية، نص إعلان وقف الأعمال العدائية، 16 أبريل 2026؛ الأجندة القانونية اللبنانية، تحليل الإعلان في ضوء القانون الدولي، 20 أبريل 2026.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق