الخميس، 4 يونيو 2026

حديد تونس بين مطرقة سوء التصرف وسندان اللوبيات: قراءة في استنزاف ثروة استراتيجية بقلم: الناصر خشيني

 


تعد صناعة الحديد والصلب في تونس عنواناً لسيادة اقتصادية مهدورة، حيث تحول قطاع كان من المفترض أن يكون قاطرة للتنمية إلى ساحة مفتوحة للصراعات والمضاربات. إن ما يشهده "مصنع الفولاذ" بمنزل بورقيبة اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو نتاج تضارب مصالح بين الدولة الساعية لاستعادة أصولها، و"لوبيات" ترى في استمرار الإنتاج الوطني عائقاً أمام أرباحها القائمة على الاستيراد والسمسرة.
أولاً: الثروة المنسية.. من المناجم إلى "الخردة"
تمتلك تونس إرثاً تعدينياً هاماً يرتكز على منجم جبل الجريصة بالكاف، الذي يمثل العمود الفقري لتزويد الصناعة الوطنية بالمادة الخام، بطاقة إنتاجية تاريخية كانت تتراوح بين 500 و600 ألف طن سنوياً. لكن، وبدلاً من تطوير هذا المنجم وربطه بسلسلة إنتاج متكاملة، عانى الموقع من تهميش تقني وتراجع في الاستثمارات.
بالتوازي مع ذلك، برزت فضيحة "الخردة" (Scrap)؛ حيث تقبع مئات آلاف الأطنان من الحديد عالي الجودة في مستودعات السكك الحديدية والشركات العمومية، ملقاة في العراء لتأكلها الصدأ، في حين يُحرم منها مصنع الفولاذ. هذه المادة الأولية، التي تُقدر قيمتها بمئات الملايين، كانت تُباع أحياناً بأسعار زهيدة لوسطاء يقومون بتصديرها، مما يُجبر الدولة لاحقاً على استيراد حديد مصنع بالعملة الصعبة.
ثانياً: الفوارق التقنية.. لماذا الحديد الوطني أفضل؟
من الناحية الفنية، يبرز فرق شاسع بين المنتج الوطني والحديد المستورد (خاصة الجزائري الذي يغرق السوق حالياً):
  1. المواصفات (NT): يخضع الحديد التونسي للمواصفات التونسية الصارمة التي تضمن نسبة مرونة عالية (Elongation). هذا يعني أن الحديد التونسي "يطاوع" البناء عند وقوع ضغوط هيكلية أو اهتزازات.
  2. أزمة الحديد الصلب (Acier Dur): يشتكي المقاولون من أن الحديد المستورد غالباً ما يكون "صلبًا" بشكل مفرط؛ فعند ثنيه في الورشات، يتعرض للتشقق أو الكسر الفجئي (ما يعرف بـ "الطرشقة")، وهو ما يمثل خطراً إنشائياً جسيماً على المدى الطويل.
ثالثاً: اللوبيات وسيناريو "الغلق للتفويت"
تتحرك في الكواليس لوبيات قوية تتبع استراتيجية "التجويع فالتفويت". تبدأ العملية بتعطيل تزويد المصنع بالمادة الخام، ثم افتعال أزمات في الصيانة أدت لتراكم ديون تجاوزت 450 مليون دينار. هذا التوقف المتعمد يخلق نقصاً حاداً، يبرر التدخل العاجل لـ "كبار المستوردين" الذين يعوضون المنتج الوطني بمنتجات مستوردة أقل جودة وأعلى ربحية لهم. والهدف النهائي هو إيصال المصنع إلى حالة "الموت السريري" ليتم التفويت فيه بأسعار بخسة لمستثمرين يتربصون بالقطاع.
رابعاً: الخاتمة واستراتيجية الإنقاذ الوطني
إن إنقاذ ثروة الحديد التونسية لم يعد ترفاً، بل هو معركة استرداد سيادة. ولتحقيق ذلك، يجب على الدولة تبني خارطة طريق واضحة تعتمد على:
  1. التكامل المنجمي: إعادة إحياء منجم جبل الجريصة وتطوير تقنيات الاستخراج لضمان تدفق المادة الخام بانتظام نحو منزل بورقيبة.
  2. تأميم "الخردة": تفعيل المراسيم التي تمنح مصنع الفولاذ الأولوية المطلقة والحصرية في الحصول على فضلات الحديد من كافة مؤسسات الدولة مجاناً أو بأسعار رمزية.
  3. الحماية الجمركية والنوعية: فرض رقابة مخبرية صارمة على الحديد المستورد، ومنع دخول أي شحنات لا تطابق مواصفات السلامة التونسية، مع فرض رسوم تحمي الصناعة المحلية من الإغراق.
إن الحديد التونسي هو عصب البناء والأمن القومي، وإعادة الروح لمصنع الفولاذ هي الرسالة الأقوى بأن الدولة لن تترك ثرواتها لقمة سائغة في أفواه المحتكرين.

المصادر المرجعية:
  • تقارير شركة جبل الجريصة ووزارة الصناعة (تونس).
  • بيانات المعهد الوطني للإحصاء حول واردات التعدين.
  • تصريحات رئاسة الجمهورية حول "ملف الخردة المنهوبة" (2023-2024).
  • تقارير فنية من عمادة المهندسين والمقاولين حول جودة حديد التسليح

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق