الاثنين، 8 يونيو 2026

درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا (قراءة متجددة في زمن الطوفان بقلم الناصر خشيني


 حين كتبتُ قبل سنوات مقالي "درس في الكرامة وفك الحصار من تاريخنا"، كنتُ أنطلق من إيمانٍ راسخ بأن الحصار المفروض على أهلنا في غزة ليس مجرد تدبير تقني أو جدار إسمنتي وأسلاك شائكة تُضرب حول بقعة جغرافية، بل هو في جوهره معركة إرادات واختبار وجودي لمفهوم الكرامة الإنسانية والسياسية لأمتنا العربية والإسلامية. واليوم، ونحن نعيش فصول ملحمة تاريخية غير مسبوقة، أجد نفسي مدفوعاً لإعادة قراءة ذلك النص واستحضار أبعاده، فالدم النازف والفعل المقاوم الأسطوري يعيدان اليوم صياغة هذا الدرس التاريخي، لينتقلا بالأمة من حيز "الدفاع عن النفس" إلى مرحلة "فرض المعادلات وصناعة السيادة".

إن الواقع الراهن قد تجاوز كل الخطوط الحمراء والشرائع الدولية؛ فلم يعد الحصار مجرد منع للإعمار والوقود والمواد الأساسية كما كان في العقود الماضية، بل إننا نعيش اليوم فصلاً مرعباً من "حرب الإبادة الجماعية"، حيث تحول التجويع الممنهج، ومنع حبة القمح وقطرة الماء الروية، ودك المستشفيات إلى سلاح عسكري مباشر ومقصود. هذا التحول البنيوي في عقلية الاحتلال الغاشم لم يعد يستهدف الضغط على الإرادة السياسية للمقاومة فحسب، بل يهدف بوضوح واعتراف علني إلى تهجير الإنسان واقتلاعه من أرضه، وتصفية القضية الفلسطينية برمتها وسط تواطؤ دولي مخزٍ وعجز إقليمي فاضح.
وفي مقارنتي التاريخية التي تمسكتُ بها، ستبقى "غزوة بدر الكبرى" الشاهد والمبرهن الأزلي على أن قلة العدد وشُح العتاد لم يكونا يوماً عائقاً أمام انتزاع النصر وفك طوق الاستضعاف، شريطة توفر القرار الشجاع والإرادة المستقلة والتوكل الصادق. واليوم، يتجسد هذا الإسقاط التاريخي في أبهى وأعقد صوره؛ فغزة التي عُزلت عن العالم وخُنقت برّاً وبحراً وجوّاً لأكثر من عقدين، لم تقف نادبة حظها على أعتاب المساعدات العسكرية الإقليمية التي لم تأتِ. بدلاً من ذلك، حفرت المقاومة في الصخر، وعجنت الركام، وأعادت تدوير مخلفات القذائف لتصنع ترسانتها المعقدة محلياً تحت الأرض. إن "معجزة التصنيع الذاتي" داخل الأنفاق هي الامتداد المعاصر لروح معركة بدر، حيث تحولت القلة المستضعفة إلى قوة اشتباك تفرض شروطها وتجابه أحدث الترسانات التكنولوجية في العالم.
وهنا، لا بد لي أن أجدد نقدي اللاذع والعميق للأنظمة الرسمية العربية، فالأمر اليوم تجاوز مجرد "التقصير" في إرسال قوافل إغاثية، بل تحول إلى عجز بنيوي مخزٍ، تقف فيه عواصم كبرى عاجزة عن فرض إدخال شاحنة طحين أو تأمين ممر إنساني لإنقاذ الأطفال من الموت جوعاً أمام شاشات البث المباشر. هذا الصمت الرسمي يعكس فجوة سحيقة بين وجدان جماهير الأمة وعواصم قرارها، ويؤكد أن الحصار المفروض على غزة هو في الوقت ذاته حصار مضروب على الإرادة السياسية العربية الرسمية المكبلة بتبعيّتها.
ومع ذلك، فإن هذا الحصار والخذلان قابله التفاف وتلاحم شعبي عارم أعاد الروح إلى الجسد العربي المنهك. وهنا نستحضر بفخر الدور التاريخي والمبدئي للشعوب المغاربية وفي مقدمتها شعبنا العربي في تونس؛ هذا الشعب الذي لم يتأخر يوماً عن نصرة الحق الفلسطيني، فانتفضت شوارعه وساحاته، وتوحدت قواه النقابية والطلابية والمدنية في هبة مستمرة ترفض التطبيع وتجعل من قضية فلسطين قضية وطنية تونسية بامتياز. إن هذا الموقف الشعبي المتأصل يعكس عمق الرابطة القومية والإسلامية، ويثبت أن نبض الجماهير في تونس والمغرب العربي يرفض الامتثال لسياسات الأمر الواقع، ويصر على أن يكون شريكاً في معركة فك الحصار وإسقاط الإبادة.
ومثلما تحرك الشارع المغاربي، حدث تحول جوهري على الصعيد الشعبي العالمي. فإذا كنتُ قد أشدتُ سابقاً بقوافل كسر الحصار التضامنية القديمة، فإننا اليوم نشهد طوفاناً شعبيّاً عالميّاً تجاوز المساعدات الرمزية إلى حراك بنيوي: انتفاضة عارمة في كبرى الجامعات الأمريكية والأوروبية (مثل كولومبيا، والهارفارد، والسوربون)، ومقاطعة اقتصادية شاملة ألحقت خسائر فادحة بالشركات الداعمة للاحتلال، وملاحقة قانونية تاريخية على منصات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، مما أسقط ورقة التوت الأخلاقية عن المنظومة الاستعمارية وحلفائها.
لذا، فإنني أتوجه من هنا بصرخة واستنهاض مباشر إلى النخب الفكرية والسياسية والوعي الثقافي في أمتنا العربية: إن دوركم اليوم لا يمكن أن يقف عند حدود التوصيف أو البكاء على الأطلال الإنسانية، أو الانكفاء على التنظير البارد خلف الشاشات. إن النخب مطالبة اليوم بقيادة معركة الوعي، وتفكيك السرديات الانهزامية، وبناء جبهة ثقافية وسياسية صلبة ترفض التبعية وتدعم خيار المقاومة والاعتماد على الذات كممر إجباري وحيد للتحرر. إن سقوط المفاهيم والقيم الغربية تحت أقدام أطفال غزة يفرض عليكم صياغة مشروع نهضوي عربي جديد يستمد قوته من كرامة شعبه وعمق تاريخه، لا من فتات الموائد الدولية.
ختاماً، إن الدرس الأكبر والأعمق الذي أردتُ تأكيده وأعيده اليوم بقوة، هو أن كسر الحصار ليس مطلباً إنسانيّاً يُستجدى على أعتاب المنظمات الدولية أو بالاعتماد على "حسن نوايا" المجتمع الدولي. إن كسر الحصار هو معركة سياسية وعسكرية لانتزاع الحرية والسيادة كاملة. لقد أثبتت هذه الملحمة المستمرة أن الكرامة لا تُوهب بل تُنتزع، وأن الرهان على الضمير الرسمي العالمي هو رهان خاسر وصفري. النصر والتحرير يصنعهما الصمود الأسطوري الحاضن للمقاومة على الأرض، والتلاحم الشعبي العابر للقارات، والإيمان اليقيني بأن إرادة الشعوب الحرة، متى ما تسلحت بالاعتماد على ذاتها، هي أعتى وأبقى من كل ترسانات الإبادة والخراب.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق