قائمة المدونات الإلكترونية

الثلاثاء، 16 يونيو 2026

كتب السحر العربية ودورها في تخريب العقل الجمعي وتعميق التخلف بقلم الناصر خشيني


 المقدمة  

تُعدّ كتب السحر العربية مجموعة من المخطوطات والمطبوعات التي تتناول أعمال السحر والشعوذة، وتتمتع برواجٍ واسع بين شرائح اجتماعية متعددة، يتعامل معها المؤمنون بمصداقيتها بذات الاندفاع الذي يتعامل به عشاق الفن والأدب مع إنتاجهم المفضل. وقد اختلفت المواقف الدينية تجاهها بين المسلمين والمسيحيين واليهود، حيث ذهب الغالبية إلى تحريمها، إما لاعتبارها ذات تأثير سحري فعلي، أو لأنها تندرج تحت الوصف القائل: "مسخطة للرب، مضيعة للوقت، منفذة للمال".


غير أن ما يُقدَّم في هذا المقال ليس استعراضًا شاملاً لكل ما كُتب في هذا المجال، وإنما محاولة لتسليط الضوء على جزء من تراثنا العربي الذي ساهم—بشكل أو بآخر—في تزييف وعي الإنسان العربي والمسلم، ودفعه نحو الحلول السهلة والغيبية بدلاً من السعي والعمل الجاد لعمارة الكون واستحقاق الخلافة.

---

التنديد القرآني بالسحر 

يُعدّ القرآن الكريم أول منبّه إلى خطر السحر وآثاره المدمرة على الفرد والمجتمع، وقد ورد التنديد به في مواضع متعددة، منها:

أولاً: التحذير من اتباع الساحرين

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 102].

تُشير هذه الآية إلى أن السحر صفقة خاسرة بكل المقاييس، إذ يتضرّر فيها الساحر والمتعامل معه على السواء. فالساحر يبيع نفسه—كما يُعبّر النص—مقابل حطام دنيوي زائل، فيفقد حظّه في الآخرة ويُحبط عمله. وهذا التصوير القرآني يُفضي إلى استنتاج جوهري: أن السحر ليس مجرد "معرفة" أو "مهارة"، بل هو ارتهان للنفس لقوى ضارة تُبعد الإنسان عن مسار التكريم الإلهي.

ثانيًا: التحذير من استحضار الشياطين

قال تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَٰلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ [الأنبياء: 82].

يُبيّن هذا النص أن السحر مرتبط بعلاقة استغلالية بين الساحر والشياطين، حيث يُقدّم الساحر خدماته مقابل "غوص" الشياطين واستخراج ما يُريدونه. هذه العلاقة تُذلّ الإنسان وتُسقطه من مكانة الاستخلاف إلى مكانة التبعية والاسترقاق للقوى المظلمة، وهو ما يُناقض صريحًا مفهوم "تكريم" الإنسان الذي أكّدت عليه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: 70].

ثالثًا: التحذير من التأثير الضار على العلاقات الاجتماعية

قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102].

تُفضي هذه الآية إلى إدراكٍ بالغ الأهمية: أن السحر كان سببًا في "تعليم" الناس ما يُفرّق بين الزوجين، ويُؤذي الأبدان، ويُفسد العلاقات الاجتماعية. وهذا يُبرز أن السحر ليس "لعبة" أو "فنًا"، بل هو أداة تدمير اجتماعي ممنهجة، تُفضي إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وإضعاف مؤسسة الأساس.

رابعًا: التأكيد على العقل والنظر

قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ۝ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ۝ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ۝ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: 17-20].

يُوجّه القرآن البصر والعقل نحو "النظر" في الكون لاستخلاص القوانين والحكمة، لا نحو "الغيب" المُبهَم والتسليم للقوى الخفية. هذا التوجيه العقلاني يُشكّل نقيضًا صارخًا لمنطق كتب السحر التي تُحلّل مكان العقل والنظر والاستدلال بـ"الطلاسم" و"الأوفاق" و"تسخير الجان".

التناقض مع الرؤية القرآنية للإنسان

يُبرز القرآن الكريم تكريم الإنسان واستخلافه في الأرض بمقتضى المؤهلات التي زوّده الله بها، وفي مقدمتها العقل والإرادة الحرة والتكوين الجسماني الذي يُمكّنه من العمل والتفكير. غير أن سيادة فكر نقلي أحادي، استبعد كل عمل عقلي مستنير، فسح المجال لانتشار كتب السحر والشعوذة التي خالطت عقولنا قرونًا طويلة، مُحلّية مكان العقل والاجتهاد بحلول بلهاء تُنزّل الإنسان من مقام الفاعل والمؤثر في حركة التطور والنماء.

إن القرآن يُقدّم الإنسان كـ"خليفة" في الأرض، أي فاعلًا مُخيّرًا مسؤولًا، لا كائنًا مُستسلمًا للقوى الغيبية. قال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا فَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]. فالإنسان—بعقله وإرادته—هو من حمل "الأمانة" التي امتنعت عنها السماوات والأرض والجبال، وهذا يُفضي إلى استنتاج منطقي: أن الاحتماء بكتب السحر يُمثّل هروبًا من هذه الأمانة وإحلال الضعف مكان القوة.


المضار على الأصعدة المختلفة: إحصائيات وأمثلة حية

1. الصعيد الاقتصادي: خمسة مليارات دولار سنويًا في مهب الريح

لقد تحوّل السحر والشعوذة إلى "قطاع اقتصادي" ضخم في العالم العربي، يستنزف موارد الشعوب ويُعمّق الفقر. تشير دراسة أعدها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية في القاهرة إلى أن حجم الإنفاق العربي السنوي على الشعوذة والعرافين يتجاوز 5 مليارات دولار، وأن عدد السحرة والمشعوذين وقرّاء الكف والفنجان في الوطن العربي يُقدّر بنحو 250 ألف شخص، يستهلكون هذه الثروة الهائلة في بيع الوهم. (1)

وفي مصر وحدها، يُقدّر عدد الدجالين والمشعوذين بـ 300 ألف شخص، أي دجال لكل 240 مواطنًا، ويتركز نصفهم تقريبًا في القاهرة. ويُنفق المصريون سنويًا نحو 1.4 مليار دولار (ما يُعادل 10 مليارات جنيه مصري) على هذه الممارسات، حيث احتلّت الشعوذة المرتبة الخامسة في الإنفاق الأسري، إذ يُخصّص المصريون 10% من مداخيلهم لهذا الغرض. (2)

هذه الأرقام تُبيّن أن السحر ليس ظاهرة هامشية، بل هو صناعة رابحة تحوّل الفقراء المدقعين إلى أثرياء فاحشين بين ليلة وضحاها، بينما يزداد الفقراء فقرًا ويُفقَرون أكثر.

2. الصعيد الاجتماعي والأخلاقي: جرائم قتل واستغلال وتمزيق للأسر

لقد أدّى انتشار هذه الكتب إلى استفحال الجرائم المرتبطة بالسحر، من تفريق بين الأزواج، وإيذاء للأبرياء، واستغلال للنساء والأطفال. وفي اليمن، أشار مركز الأبحاث والدراسات الاجتماعية إلى أن عدد الممارسين للشعوذة تجاوز 15 ألف شخص، يستقبلون أكثر من 300 ألف زائر سنويًا. (3)

ومن الأمثلة الحية المروّعة: مقتل شاب عشريني في اليمن على يد مشعوذ يُدعى "نبيل الحارثي"، الذي شخّص معاناة الشاب النفسية بأنها "مسّ شيطاني"، ثم داس بقوة على رقبته حتى فارق الحياة اختناقًا، بحجة أن "الجن لا يزال متلبّسًا روحه". وفي حادثة مشابهة، فارقت امرأة حامل حياتها هي وجنينها بعد ضربها لمدة أسبوع كامل بحجة "إخراج الجن". (4)

وفي العراق، توثّق دراسات حالات ابتزاز جنسي منظّم، حيث يُجبر المشعوذ ضحاياه من النساء على كتابة طلاسم على أجسادهن وتصويرها، ثم يحتفظ بالصور لابتزازهن. وتراوحت الأجور بين 150 ألف و800 ألف دينار عراقي، بل وصلت إلى ما يعادل 12-20 ورقة نقدية من فئة المئة دولار. (5)

3. الصعيد العقلي والمعرفي: أمية مقنّعة وإعاقة للتطور العلمي

لقد ساهمت هذه الكتب في ارتفاع منسوب الأمية المقنّعة، إذ حلّت محلّ العلوم النافعة والمعارف المُنتجة. فبدلًا من تعلّم الطب والهندسة والفلك، انصرفت الطاقات إلى حفظ "الحروف" و"الأعداد" و"أسماء الجان"، مما أدّى إلى تخريب منظومة المعرفة وإعاقة التطور العلمي. إن الاعتماد على السحر في "حل" المشكلات يُعدّ ضربًا من الأمية الباطنية، إذ يُضعف القدرة على التحليل المنطقي والاستدلال العلمي.

وتُشير دراسة للمركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر إلى وجود أكثر من 470 خرافة يتعامل معها الناس باعتبارها مسلّمات لا سند لها عقليًا ولا دينيًا. كما أثبتت دراسة أجراها الباحثان رشدي منصور ونجيب إسكندر في المركز القومي للبحوث النفسية في القاهرة أن 63% من المصريين يؤمنون بالخرافات، وأن نحو 50% من النساء المصريات يعتقدن بقدرة الدجالين على حل مشاكلهن. (6)

4. الصعيد السياسي والحضاري: إلهاء الشعوب وإضعاف الدولة

إنّ السلطات المستبدة عبر التاريخ كانت تشجّع—بشكل مباشر أو ضمني—على انتشار هذه الكتب، إذ تُلهي الشعوب وتُبعدها عن مسائل الحكم والعدل وتوزيع الثروات. فالشعب المشغول بـ"تسخير الجان" و"كشف الطلاسم" لا يُفكّر في "حقوقه" و"واجباته" و"مطالبته بالعدل". وهكذا أُبقيَت الثروة والسلطة حكرًا على الأسر والقبائل المتحكمة، بينما بقي الشعب أسير الوهم والتخلف.

ولعلّ المفارقة الأعظم أن 38% من مشاهير الفن والسياسة والرياضة في مصر هم من روّاد محلات السحرة والمشعوذين، مما يُعطي هذه الظاهرة "شرعية" اجتماعية ويُعمّقها في النسيج الثقافي. (7)


الخاتمة

وبما أننا في عصر التقدم العلمي والمعرفي، فالأولى بنا التفطّن لمخاطر هذه الكتب التي لا تُفضي إلا إلى مزيد من التخلف والتخريب لعناصر القوة في الأمة. إنّ استعادة العقل النقدي وترسيخ ثقافة العمل والإنتاج يظلّ السبيل الوحيد للخروج من دائرة الجهل والتأخر.

إنّ القرآن الكريم—بآياته الواضحة—قد سبق كل نقد حضاري معاصر في تفنيد السحر وكشف آثاره، ودعا إلى النظر والتفكير والسعي، وهو ما يُشكّل المنطلق الصحيح لإعادة بناء وعي الأمة وتحريرها من أوهام الماضي.


نماذج من هذه الكتب

من بين أشهر هذه الكتب وأكثرها رواجًا في أسواق المخطوطات: "شمس المعارف الكبرى" و"شمس المعارف الصغرى" لأبي العباس أحمد البوني، و"السحر العظيم" و"السحر الأحمر" و"سحر الكهان في حضور الجان" لعبد الفتاح الطوخي، و"منبع أصول الحكمة" للبوني المغربي، و"شموس الأنوار وكنوز الأسرار الكبرى" للتلمساني المغربي، و"كتاب الأجناس" المنسوب لآصف بن برخيا، فضلًا عن عشرات الكتب الأخرى التي تتناول تسخير الجان والأوفاق والطلاسم والرمل والفنجان.


الهوامش والمراجع
(1) دراسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية، القاهرة، حول حجم الإنفاق العربي على الشعوذة.
(2) تقرير المركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر حول عدد الدجالين والإنفاق المصري على الشعوذة.
(3) مركز الأبحاث والدراسات الاجتماعية، اليمن، حول انتشار الشعوذة وعدد الممارسين.
(4) تقارير صحفية يمنية عن جرائم السحر وضحاياها (حادثة نبيل الحارثي والمرأة الحامل).
(5) دراسات حول الابتزاز الجنسي المرتبط بالشعوذة في العراق وأسعار الخدمات المشعوذة.
(6) دراسة الباحثين رشدي منصور ونجيب إسكندر، المركز القومي للبحوث النفسية، القاهرة، حول انتشار الخرافات في مصر.
(7) دراسة المركز القومي للبحوث الاجتماعية في مصر حول توجه المشاهير للمشعوذين.


ابن إسحاق وسيرته: رواية مفتقرة إلى السند لا علاقة لها بالتوثيق التاريخي بقلم الناصر خشيني



يُعدّ التمحيص النقدي في مصادر السيرة النبوية من أدقّ مهام البحث التاريخي وأكثرها حساسية، إذ يستوجب الفصل المنهجي بين مقتضيات الإيمان الديني ومتطلبات النقد الأكاديمي الموضوعي. وفي هذا السياق يقع اسم محمد بن إسحاق (85هـ/703م — 151هـ/768م) في قلب الجدل التاريخي المتعلق بمصداقية أقدم ما وصلنا من توثيق لسيرة النبي محمد ﷺ. فهذا المؤرخ المدني الأصل، الذي ينتهي نسبه إلى موالٍ من أصل فارسي، يُعدّ مؤسّس هذا الفنّ التاريخي والأوّل الذي أطلق مصطلح "سيرة رسول الله" على مؤلَّفه. بيد أن مكانته التأسيسية هذه لم تُعفِه من نقد علماء عصره ولا من تشكيك المستشرقين المحدثين، بل جعلته محلّ مساءلة تتصل بجوهر منهجه وأمانته العلمية على حدٍّ سواء. يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الإشكالية عبر أربعة محاور: الفجوة الزمنية والجغرافية، والمنهج الروائي وغياب السند، وجرح العلماء المعاصرين له، والإشكاليات البنيوية في متن السيرة ذاتها.
أولاً: الفجوة الزمنية والجغرافية — إشكالية المسافة بين الراوي والحدث
وُلد محمد بن إسحاق في المدينة المنورة عام 85هـ، أي بعد وفاة النبي ﷺ بنحو أربعة وسبعين عاماً، وتُوفّي ببغداد عام 151هـ. وإذا أخذنا وفاة النبي ﷺ (11هـ) ووفاة ابن إسحاق مؤشراً زمنياً مشتركاً، فإن الفارق يبلغ نحو مئة وأربعين سنة — ما يعادل بين ثلاثة وأربعة أجيال متعاقبة.
هذه الفجوة الزمنية الشاسعة تُولّد إشكاليتين منهجيتين جوهريتين:
أولاهما: انعدام الشهادة المباشرة. فقد اضطر ابن إسحاق إلى الاعتماد على الرواية الشفهية المتسلسلة عبر حلقات متعددة، وكل حلقة في السند تُضعف احتمال الدقة وتُوسّع هامش الزيادة والنقصان والتأويل.
وثانيتهما: التبعثر الجغرافي لمصادره. إذ رحل ابن إسحاق من المدينة إلى مصر ثم إلى العراق بحثاً عن الروايات، مما يعني أن مادته جُمعت من بيئات ثقافية متباينة، بعضها يعكس توترات سياسية حادّة بين الأمويين والعباسيين، وقد كتب كتابه في عهد الخليفة العباسي المنصور الذي طلب منه تأليفه ابتداءً.
وقد أشار المستشرقون المحدثون إلى هذه المسألة صراحةً، مُنبّهين إلى أن مضيّ نحو مئة وعشرين سنة بين وفاة النبي ﷺ وبدء ابن إسحاق في جمع رواياته الشفهية يُلقي بظلاله على موثوقية المادة التاريخية، ويطرح تساؤلات جدية حول حيادية بعض المواقف، لا سيما تلك المتعلقة ببني أمية التي قد تعكس تحيّزات عصر التأليف العباسي أكثر مما تعكس الوقائع الفعلية.
ثانياً: المنهج الروائي وغياب السند — اعتراف الرجل بنفسه
الأمر اللافت في قضية ابن إسحاق أنه هو نفسه أقرّ في مقدمة كتابه بما يمكن تسميته "اعتراف المؤلف بمحدودية مادته"، إذ صرّح بأن "الله وحده عليم أيّ الروايات صحيحة"، وهي عبارة قد تُقرأ تواضعاً علمياً من جهة، غير أنها تنطوي على إقرار ضمني بعدم القدرة على التمييز الموثّق بين الصحيح والضعيف في المادة التي جمعها.
وقد وصف الباحثون منهجه بأنه قام على:
جمع الروايات بلا سند منضبط: إذ كان همّه الأول استيعاب كل ما وُجد عن النبي من مواقف وأحداث، دون اشتراط الإسناد المتصل الذي أصبح ركيزة علم الحديث لاحقاً.
الاعتماد على الإخبار الشفهي المتسلسل: في غياب أي مراجع مكتوبة موثّقة تعود إلى عصر النبوة.
توظيف الشعر توظيفاً تاريخياً: بصرف النظر عن إمكانية التحقق من نسبته، وهو ما دفع ابن هشام لاحقاً إلى حذف كثير من الأشعار التي لم يجد لها سنداً موثوقاً.
ولذلك أقدم ابن هشام (ت 218هـ) على إعادة تحرير السيرة تحريراً جوهرياً، فحذف قصصاً وأخباراً بأكملها وصفها بأنها "تشنّع الحديث" أو "تسوء بعض الناس"، مما يعني أن ما وصلنا اليوم باسم "السيرة النبوية" هو في الحقيقة نصٌّ مزدوج البنية: متن ابن إسحاق المُدوَّن فكرةً ومادةً، وتهذيب ابن هشام شكلاً وانتقاءً.
ثالثاً: جرح العلماء المعاصرين — الرجل في ميزان النقد الداخلي
لم يكن الطعن في ابن إسحاق وقفاً على المستشرقين المحدثين، بل سبقهم إليه كبار علماء الإسلام الذين عاصروه أو جاؤوا بعده بقليل، وهو ما يُشكّل في حدّ ذاته دليلاً داخلياً بالغ الأهمية على وجود إشكالية منهجية حقيقية:
الإمام مالك بن أنس وصفه بـ"دجّال من الدجاجلة"، وكان ذلك على خلفية ادعاءات ابن إسحاق الفقهية التي رآها مالك تجاوزاً لحدوده.
الإمام أحمد بن حنبل قال فيه: "هو كثير التدليس جداً"، وإن استدرك بأن ما صرّح فيه بالسماع المباشر أفضل حالاً.
أبو حاتم الرازي حكم عليه بأنه "ضعيف الحديث".
الإمام النسائي قال: "ليس بالقوي".
وتتضمن لائحة المآخذ عليه: التدليس، والانفراد ببعض المناكير التي خالف فيها الثقات، وإيراد الإسرائيليات، والجمع بين ألفاظ شيوخ متعددين في صياغة واحدة دون تمييز، فضلاً عن اتهامات تتصل بالكذب في بعض الروايات.
ومن اللافت في هذا السياق أن ابن إسحاق يستند في كثير من رواياته إلى ابن شهاب الزهري، غير أن المصادر التاريخية تُشير إلى أن الزهري غادر المدينة إلى دمشق في السنة التي وُلد فيها ابن إسحاق تقريباً، ولم يثبت تاريخياً أنهما التقيا، مما يُضفي على هذا الاستناد غموضاً إضافياً.
رابعاً: الإشكاليات البنيوية في المتن — حين تتجاوز التفاصيل حدود الممكن تاريخياً
تتجلّى الإشكالية المنهجية في أجلى صورها حين نقف عند طبيعة المادة التي يرويها ابن هشام نقلاً عن ابن إسحاق، فنجد تفاصيل دقيقة لا يُعقل أن تكون قد حُفظت بدقة عبر قرنين من الزمن عن طريق الرواية الشفهية وحدها، من قبيل: وصف محتويات مهر الرسول ﷺ لإحدى زوجاته بالتفصيل الدقيق المُتعدّد البنود، وتفاصيل أحداث بيتية خاصة لا يعلمها إلا من حضرها.
وتتضمن الإشكاليات البنيوية الكبرى في متن السيرة:
أولاً: تضخيم المعجزات والخوارق بأسلوب يجاوز ما أثبته القرآن الكريم ذاته، من معجزات الميلاد، وقصة حليمة السعدية، وكرامات عبد المطلب، مما يُدخل هذه الروايات في باب القصص الأسطوري أكثر من التوثيق التاريخي.
ثانياً: توظيف الجنّ وعالم الغيب بوصفه عنصراً تفسيرياً للأحداث، وهو ما يُقرّب النصّ من أدب الرواية الخيالية أكثر من التاريخ التحقيقي.
ثالثاً: الشعر الغزير المنسوب إلى كل حدث بصرف النظر عن إمكانية التحقق من نسبته، مما جعل ابن هشام يُقدم على حذف كثير منه.
رابعاً: التناقض مع النصّ القرآني في مسائل عقدية وتاريخية، وهو مؤشّر بالغ الخطورة في سياق توثيق السيرة النبوية.
خامساً: السياق الثقافي لابن إسحاق — عامل الخلفية الحضارية
ثمة بُعد إضافي يستوقف الباحث الناقد، وهو المسار الأسري لابن إسحاق؛ إذ يُشير المؤرخون إلى أن جدّه يسار كان من سبي قرية عين التمر حين فتحها المسلمون في خلافة أبي بكر الصديق عام 12هـ، وأنه وُجد في بيئة دينية غير إسلامية. وبصرف النظر عن تقييم هذا العامل أو وزنه في الحكم على المؤلف، فإنه يُضاف إلى جملة المعطيات التي تستدعي وضع سيرته في سياقها الثقافي والحضاري الشامل، لا قراءتها باعتبارها وثيقة تاريخية محايدة.
خاتمة: نحو تصنيف أكثر دقة
انتهى بنا هذا التحليل إلى جملة من الخلاصات التي نصوغها على النحو الآتي:
أولاً: إن ما وصلنا باسم "السيرة النبوية لابن إسحاق" هو في حقيقته نصٌّ مُركَّب، انصهرت فيه رواية ابن إسحاق المفتقرة إلى السند المنضبط مع تهذيب ابن هشام الانتقائي، فخرج كيان نصي ثالث لا هو عمل ابن إسحاق الأصلي ولا هو توثيق تاريخي مستقل.
ثانياً: إن المصطلح الأدقّ لوصف هذا العمل — في ضوء معايير النقد التاريخي الحديث — هو "رواية تاريخية" لا "سيرة نبوية" بمعناها التوثيقي الصارم، وهو تمييز تفرضه الأمانة العلمية ولا ينقص من تاريخية ابن إسحاق ومكانته الريادية.
ثالثاً: يظل القرآن الكريم المرجعية الأولى والوحيدة الموثوقة لما ثبت من سيرة النبي ﷺ، باعتباره النصّ الوحيد الذي دُوِّن في عصر النبوة ذاته وتواتر تواتراً قطعياً، وما عداه يخضع لمعايير النقد التاريخي ويحمل درجات متفاوتة من الاحتمالية لا اليقين.
رابعاً: لا يعني هذا المسعى النقدي تجاهلَ ابن إسحاق أو محو أثره، بل يعني التعامل مع عمله بوصفه وثيقة تعكس وعي عصرها ومشاغله ومصادره المتاحة، لا بوصفها مرآة شفافة لعصر النبوة.
المراجع الأساسية:
ابن هشام، عبد الملك، السيرة النبوية، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت.
الذهبي، محمد بن أحمد، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، دار المعرفة، بيروت.
ابن حجر العسقلاني، تهذيب التهذيب، مؤسسة الرسالة، بيروت.
أبو حاتم الرازي، الجرح والتعديل، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
Watt, W. Montgomery, Muhammad at Mecca, Oxford University Press, 1953.
Guillaume, Alfred, The Life of Muhammad: A Translation of Ibn Ishaq s Sirat Rasul Allah, Oxford University Press, 1955.


       
    



 


الاتفاق الإيراني - الأمريكي: ملامح نظام إقليمي جديد وانكسار الهيمنة الأحادية ​بقلم: الناصر خشيني



​شهدت الساحة الدولية تحولاً استراتيجياً بارزاً بالإعلان عن ملامح الاتفاق (مذكرة التفاهم) بين إيران والولايات المتحدة لإيقاف جولة الصراع الأخيرة وإعادة ترتيب الأوراق في الشرق الأوسط. هذا الاتفاق لا يمثل مجرد تهدئة مؤقتة، بل يؤسس لواقع جيوسياسي جديد يُكرس صمود محور المقاومة ويضع حداً لقرن من الهيمنة الأحادية المطلقة في المنطقة.

​1. محور المقاومة وقبر حلم "إسرائيل الكبرى"

​أثبتت التطورات الأخيرة الميدانية والسياسية أن "محور المقاومة" نجح في فرض معادلة ردع غير مسبوقة. من أبرز نتائج هذا الصمود:

  • ​تراجع التمدد الصهيوني: تبددت الأوهام الإسرائيلية حول فرض خارطة جديدة للمنطقة أو التمدد جغرافياً، وتلقى مشروع "إسرائيل الكبرى" ضربة قاصمة وقُبر الحلم رسمياً تحت وطأة تماسك الجبهات.
  • ​بداية الانحسار: يعيش المشروع الصهيوني اليوم أزمة وجودية داخلية وخارجية، حيث كشفت الحرب حدود القوة العسكرية الإسرائيلية وعجزها عن حسم الصراع بدون غطاء أمريكي كامل.

​2. الزلزال السياسي والاجتماعي داخل الكيان الصهيوني

​النزول عند شروط الاتفاق وتراجع الغطاء الأمريكي المطلق فجّر الأوضاع داخل إسرائيل بشكل غير مسبوق، ويمكن رصد ملامح هذا الاندثار الداخلي في النقاط التالية:

  • ​تآكل العقيدة الأمنية: سقطت نظرية "الردع الحاسم" والحروب السريعة الخاطفة. وجد المجتمع الصهيوني نفسه لأول مرة تحت رحمة استنزاف طويل الأمد عجز الجيش عن إنهائه، مما أدى إلى فقدان الثقة بالمنظومتين العسكرية والسياسية.
  • ​الانقسام العمودي الحاد: تعيش إسرائيل هزة سياسية عنيفة بين تيار اليمين المتطرف الذي يرى في الاتفاق "استسلاماً ومذلة"، والتيارات الأخرى التي تطالب بإنقاذ ما يمكن إنقاذه. هذا الصراع يتعدى كونه سياسياً ليصبح انقساماً مجتمعياً واجتماعياً يهدد بتفكك النسيج الداخلي للكيان.
  • ​الهجرة العكسية والانهيار الاقتصادي: أدى استمرار التهديد إلى هجرة مئات الآلاف من المستوطنين (خاصة أصحاب الكفاءات ورؤوس الأموال) إلى الخارج دون رغبة في العودة، بالتوازي مع انهيار قطاعات التكنولوجيا الحيوية والاستثمارات الأجنبية، مما جعل الكيان عبئاً اقتصادياً وأمنياً حتى على حلفائه.

​3. صعود التعددية القطبية: الصين وروسيا كلاعبيْن أساسييْن

​لم يكن لهذا الاتفاق أن يرى النور بصيغته الحالية لولا الغطاء الدولي الذي وفرته القوى الصاعدة، وتحديداً روسيا والصين، اللتان استغلتا انكشاف العورات التكنولوجية والعسكرية لأمريكا لفرض نظام متعدد الأقطاب:

  • ​الدور الروسي الميداني والاستراتيجي: شكل التعاون العسكري والتكنولوجي بين موسكو وطهران جداراً مانعاً أمام الضغوط الغربية. نجاح روسيا في استنزاف الناتو في جبهات أخرى أعاق قدرة واشنطن على فتح حرب شاملة في الشرق الأوسط، ووفر لإيران عمقاً استراتيجياً في مجالات التسليح وتبادل الخبرات الدفاعية.
  • ​الدبلوماسية والاقتصاد الصيني: لعبت بكين دور المهندس المالي والسياسي عبر تأمين شريان الحياة الاقتصادي لإيران خلال فترة العقوبات، والآن يبرز التنين الصيني كضامن وشريك أساسي في "الصندوق الاستثماري الـ 300 مليار"، حيث تهدف الصين إلى ربط المنطقة بمشروع "الحزام والطريق" وتحويل الشرق الأوسط من بحيرة نفوذ أمريكية إلى منطقة تبادل حر ومتعددة الأقطاب.

​4. تراجع النفوذ الأمريكي وانكشاف العورة التكنولوجية

​على الجانب الآخر، تلوح في الأفق ملامح انحسار تاريخي للنفوذ الأمريكي في المنطقة:

  • ​تضرر القواعد العسكرية: تعرضت القواعد الأمريكية لضربات مستمرة هزت هيبتها الردعية، وفتحت الباب للتفكير الجدي في تقليص الوجود العسكري الأمريكي أو الخروج التدريجي تحت ضربات المقاومة.
  • ​انكشاف التكنولوجيا الدفاعية: عجزت المنظومات الدفاعية الغربية المتطورة عن تأمين حماية مطلقة أمام كثافة وتكتيكات المسيرات والصواريخ، مما أثبت عملياً أن التفوق التكنولوجي الغربي لم يعد مطلقاً.

​5. إيران المستفيد الأكبر: الصواريخ والاستثمار

​تخرج الجمهورية الإسلامية كأكبر الرابحين من هذه المواجهة بفضل أوراق القوة التي فرضتها على طاولة المفاوضات:

  • ​حصانة الترسانة العسكرية: بقيت القوة الصاروخية وسلاح المسيرات الإيراني خارج أي شروط للحد منهما، كأمر واقع لا يمكن تجاوزه.
  • ​السيطرة على مضيق هرمز: أكدت الأحداث أن الممر المائي الحيوي يخضع للإرادة الإيرانية، مما دفع واشنطن لطلب إعادة فتحه كأولوية لضمان تدفق الطاقة العالمي.
  • ​العوائد الاقتصادية والصندوق الاستثماري: يشمل الإطار الاقتصادي للاتفاق رفع التجميد عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية (بدءاً بـ 25 مليار دولار كخطوة أولى بالتزامن مع توقيع الاتفاق في سويسرا)، بالإضافة إلى الحوافز المرتبطة بـ صندوق استثماري ضخم تصل قيمته إلى 300 مليار دولار.
  • ​ملاحظة تحليلية: وفقاً لأحدث المعطيات، فإن هذا الصندوق (300 مليار) لن يُدار أو يُمول مباشرة من الخزانة الأمريكية، بل يمثل ضوءاً أخضر دولياً للشركات العملاقة (الروسية، الصينية، الأوروبية، والآسيوية) للاستثمار في البنية التحتية وقطاع الطاقة الإيراني فور رفع العقوبات تدريجياً، مما يعني دمج اقتصاد إيران بالنظام العالمي كقوة إقليمية معترف بها.


    ​6. الملف النووي: ترحيل المؤجل

    ​في خطوة تعكس ذكاء الدبلوماسية الإيرانية، تم الفصل بين وقف الحرب والملف النووي:

    • ​تثبيت الوضع الحالي: وافقت إيران على تجميد مستويات التخصيب الحالية دون التنازل عن بنيتها التحتية أو نقل يورانيوم للخارج خلال فترة الهدنة (60 يوماً).
    • ​التفاوض اللاحق: تُرِكت التفاصيل المعقدة للملف النووي لتبحث في جولات تفاوضية مستقبلية، مما يعطي طهران فرصة المناورة السياسية والاستفادة من المزايا الاقتصادية الفورية مع الحفاظ على قدراتها التكنولوجية النووية ككارت ضغط مستمر.

    ​خاتمة

    ​إن الاتفاق الإيراني الأمريكي يمثل اعترافاً أمريكياً صريحاً بفشل سياسة "الضغط الأقصى" وبعجز الآلة العسكرية الصهيونية التي بدأت مسار الانكماش والعد التنازلي بفعل أزماتها الداخلية. في المقابل، يتشكل عالم جديد متعدد الأقطاب تلعب فيه بكين وموسكو أدواراً قيادية، وتثبّت فيه طهران ومحورها مكانتهم كرقام صعب وقوة أساسية لا يمكن تجاوزها في صياغة مستقبل الشرق الأوسط.

 


الاثنين، 15 يونيو 2026

قراءة من زاوية اخرى في النصر الايراني : بقلم محسن النابتي


 


كل جسم ينهار اذا تم تفتيت مركز الثقل  centre de gravité ومركز الثقل في الدولة هو حيث تتكثف القوة المادية والمعنوية،ويحاول العدو التوجه مباشرة لضرب مركز الثقل لاحداث عملية الانهيار السريع وكسب الحرب بأسرع وقت ممكن ،وقد دخل الامريكان متسلحين بتجربتهم في تقويض الدول العربية وتفتيتها وعلى هذا الأساس كان التقدير الاستراتيجي قائم على ان المرشد الشهيد خامنئي هو مركز الثقل في النظام والدولة وضربه سيجعل بقية الجسم ينهار تلقائيا.

وكان هذا اول تقدير خاطئ فالمرشد ليس شخص وإنما مؤسسة كاملة وهو منتخب من مجلس الخبراء وحتى كثير من النخب البائسة عربيا لم تكن تدرك ان المرشد منتخب وخاضع للمحاسبة وحتى العزل .

النظام الايراني مركز الثقل فيه ليس شخص وإنما جملة مؤسسات استراتيجية تتوزع بينها مراكز القرار بشكل دستوري رائع تتكامل وتراقب بعضها البعض وهي المرشد ومكتبه ومستشاريه، ومجلس خبراء القيادة، ومجلس صيانة الدستور، ومجلس تشخيص مصلحة النظام، والرئاسة والحكومة، ومجلس الشورى ( البرلمان )،ومجلس الأمن القومي...

ولذلك تفاجأ الامريكان بأن تحييد المرشد لم يؤثر على النظام وتحييد رئيس مجلس الأمن القومي كذلك واكتشوا ان الاغتيالات مجرد جرائم يرتكبونها لأن المؤسسات ليست أشخاص وان مراكز الثقل في النظام موزعة ولا يمكن تقويضها بضربة واحدة حتى ولو طالت  المرشد وكبار قادة القوات المسلحة على عكس دول أخرى وخاصة العربية منها هناك مركز ثقل في النظام هو الرئيس اي centre de gravité اذا حيدته بأي طريقة يتداعى بناء النظام للسقوط الحر .

توزيع مراكز الثقل داخل النظام السياسي اعتمد ايضا في علاقة بالمؤسسة العسكرية حيث تم توزيع مراكز الثقل بين الجيش والحرس الثوري والباسيج اي ان ايران تقاتل بثلاثة طبقات وكما كان توزيع المهام والصلاحيات داخل النظام السياسي على تعدد مراكز القوة فيه بتناسق وتكامل ورقابة كان الامر نفسه بين القوى المسلحة.

وهناك ملاحظة جوهرية في كلا المؤسستين السياسية والعسكرية ان تنوع وتوزع مراكز القوة  والتكامل بينها حقق ايضا تجاور الدولة والثورة بشكل استثنائي .

فيمكن القول ان المرشد ومجلس الخبراء هم مؤسسة الثورة ،والرئاسة والبرلمان مؤسسة الدولة،الامر نفسه بين الجيش وحرس الثورة وبالتالي لم يحصل ابتلاع الثورة من الدولة كما حصل في تجارب عربية بحيث قتلتها وحولتها الى بيروقراطية وافقدتها زخمها ولا الثورة انهكت الدولة،وهذا ما يفسر حجم التعبئة العقائدية والشعبية والرسمية بعد حوالي نصف قرن من الثورة مع الالتزام بمقتضيات الدولة ومؤسساتها فالانتخابات تجري في إيران مهما كانت الظروف لا وجود لأحكام عرفية او غيره في ذروة الحرب العراقية الإيرانية جرت الانتخابات بعد تفجير تقريبا كل القيادة ولم ينجوا الا المرشد وكذلك بعد موت رئيسي وفي هذه الحرب تم تم انتخاب المرشد الجديد تحت القصف .

توزيع مراكز الثقل لم تقتصر على النظام والقوات المسلحة وإنما طالت البرنامج النووي حيث تم توزيعه على وحدات كثيرة متكاملة ومترابطة وضرب اي جزء لا يعني انهاء البرنامج وكذلك برنامج الصواريخ والمسيرات ...

الدولة الإيرانية في كل مستوياتها تم اعدادها بحيث لا يمكن للعدو ان ينهيها بضربة قاسمة وبالتالي تقاتل بطبقات متعددة سياسيا وعسكريا وحتى اجتماعيا ولذلك كلما تقدمت الحرب وكلما ظن ترامب ان الامر انتهى خرج له من ايران من يقول له بأعلى الصوت ليس بعد،وفي النهاية اقتنع ترامب مجبرا على أنه امام نموذج غير قابل للهزيمة ولا يشبه احدا الا نفسه ورضخ صاغرا للشروط الايرانية فالنصر ليس في القتل والتدمير وانما في تحقيق الأهداف،وترامب عجز عن تحقيق اهدافه المعلنة وهي :

- إسقاط النظام 

- إنهاء الملف النووي بالكامل.

- إنهاء برنامج الصواريخ البالستية بالكامل .

 - إنهاء علاقة إيران بقوى المقا ومة في المنطقة .

>>>والهدف النهائي كنتيجة لهذه الأهداف هو إسقاط الدولة الإيرانية بالكامل من خلال الفوضى والتقسيم.

هل حقق شيئا من هذا :

النظام الايراني قائم وأكثر تماسك وشباب برغم الخسائر في قادة الصف الأول واكبر كسب هو تأكيد ان النظام الإيراني مؤسسات وليس افراد،البرنامج النووي قائم والأهم هو العقول الإيرانية  ،برنامج الصواريخ صار أقوى،علاقة إيران بقوى المقا ومة أقوى وأكثر ثقة، الأمة الإيرانية أكثر وحدة وتماسك وكسبت حضور وقوة معنوية تضاهي قوى عظمى في العالم حيث أعاد العالم اكتشاف الحضارة الإيرانية كأهم الحضارات الإنسانية .

ولكن ايران لم تكتفي بتعطيل الأهداف الأمريكية بل حققت مكاسب جديدة اهمها : 

- مضيق هرمز  مكسب ايران النووي الجديد والأخطر .

- ثبتت ايران نفسها كقوة اقليمية وانهت عملية ابتزازها من قبل عملاء امريكا في المنطقة التي استمرت لعقود ظنا من هذه القوى ان وجود القوة الأمريكية على أراضيها رادع لإيران.

- ضربت إيران الهيبة الأمريكية العسكرية في مقتل ومن خلالها أطاحت بقوة الردع الأمريكية حيث كانت أمم تستسلم بمجرد ان تلوح أمريكا بالقوة.

في انتظار المكاسب المادية في صورة تثبيت الاتفاق : 

- رفع العقوبات وانهاء الحصار الذي شكل أكبر نزيف لايران منذ الثورة 1979 .

- الإفراج عن الأموال المجمدة .

>>> نتيجة هذا عودة ايران للاقتصاد العالمي متسلحة بقوة ذاتية ومناعة مجتمعية والأهم بقوة تكنولوجية وبشرية رهيبة مجالات الهندسة والطب والتكنولوجيا الدقيقة ...الى جانب نقاط قوة ايران التقليدية وهي كبر السوق والمجال الجغرافي والموقع والامكانيات الطاقية ...


والخلاصة ايران انتصرت

لماذا الغضب من فضيحة المنتخب ؟بقلم مصطفى عطية

 


* لماذا الغضب من فضيحة المنتخب ؟

هزيمة المنتخب المذلة هي إنعكاس مباشر للفساد العام المستشري بعمق، وإلى درجة "التمأسس"، في قطاع الكرة. 

إليكم النزر القليل من التفاصيل لتكونوا على بينة من ان الفضيحة التي تم إقترافها في حق البلاد لها جذورها واسبابها ومسبباتها:

1-بلادنا فيها ملعب واحد "شبه" صالح لكرة القدم.

2-جامعة كرتنا هي الأسوأ والأتعس في التاريخ.

3- لاعبونا الدوليون متعاقدون مع دكة البدلاء في جمعيات صغيرة ببلدان بطولاتها ضعيفة.

4- لاعبونا المحليون يلتحقون بالمنتخب بأوامر اللوبيات النافذة و"المسؤولين" السماسرة.

5- جمعياتنا الرياضية في حالة إفلاس، والعقوبات تتهاطل عليها من الإتحاد الإفريقي والإتحاد الدولي.

6- تحكيمنا في الدرك الأسفل من ٱنعدام النزاهة والحياد والضمير وضعف التكوين، وحكامنا ممنوعون من المشاركة في التظاهرات الدولية الكبرى لتدني مستوياتهم بشكل يندى له الجبين، وغياب معنى العدالة لديهم بشكل مفضوح، يعرفه القاصي والداني.

7- إعلامنا الرياضي كاراكوزي، يغلب عليه التهريج والفضائح والإنتماءات الرخيصة وبيع وشراء الذمم والضمائر.

8- المقابلات تدور بدون حضور جمهور المنافس، وبدون حضور الشباب الذين تقل أعمارهم عن 18 سنة، ومع ذلك تمتلأ أشباه الملاعب بالقوارير والشماريخ وكل أنواع المقذوفات، لتنعم الرابطة بجمع الخطايا وتدعيم خزينتها بالغنائم.

9- القوانين تداس جهرا، امام مرأى ومسمع الهياكل، وأحيانا بتحريض من المسؤولين عليها، اما لجان التقاضي الرياضي  فتعمل، هي الأخرى، بتعليمات الأقوى  والأكثر نفوذا.

10- الكثير من المسؤولين في جمعياتنا الرياضية يمتهنون "السمسرة" باللاعبين، ويلهثون وراء غنائم العقود المشبوهة.

لماذا التعجب والغضب، إذن، من فضيخة المنتخب؟

«ابن تيمية في قفص الاتهام المعاصر: هل شرعنت فتاوى الغزو التتاري وحشية الإرهاب الحديث؟» بقلم الناصر خشيني.

  


        تُعد إشكالية التراث الفقهي وعلاقته بظاهرة العنف المعاصر من أدق المباحث الفكرية التي تستدعي تفكيكاً بنيوياً هادئاً، بعيداً عن الانحياز الأيديولوجي أو الدفاع الاعتذاري. ويقع تراث الشيخ أحمد بن تيمية (ت 728هـ) في قلب هذا السجال، لا سيما الفتاوى التي عُرفت تاريخياً بـ "يستتاب وإلا قُتل". يسعى هذا المقال إلى قراءة هذه الفتاوى ضمن سياقها التاريخي المحكوم بالحروب الصليبية والغزو المغولي، مع رصد طبيعة تأثر حركات العنف المعاصر بها، وعرض الرؤى النقدية والتحليلية التي قدمها الفقهاء المعاصرون لتفكيك هذه المعضلة الفكرية.

أولاً: بنية الفتاوى الحَدّية وسياق "فقه النوازل" التاريخي
يكشف الاستقراء الإحصائي لمدونات ابن تيمية الفقهية، ولا سيما "مجموع الفتاوى"، عن وجود مساحة واسعة للأحكام المشروطة بصيغة الحسم القضائي: "يستتاب فإن تاب وإلا قُتل" [1]. وتشير الدراسات الاستقصائية المعاصرة إلى أن هذه الصيغة تكررت في سياقات مختلفة تتراوح ما بين 428 إلى أكثر من 460 موضعاً [2]، وشملت مسائل عقائدية فرعية، وعبادات عملية (كالمجاهرة بلفظ النية)، ومخالفات للمشهور من الفقه [3].
من الناحية التحليلية، لا يمكن فهم هذه الحدّة التشريعية بمعزل عن "فقه النوازل والحروب"؛ فقد عاش ابن تيمية في حقبة شهدت تصدعاَ جيوسياسياً مروعاً للأمة الإسلامية، تمثل في تزامُن بقايا الحملات الصليبية مع الاجتياح المغولي الكاسح الذي أسقط الخلافة العباسية في بغداد [4]. بناءً على هذا الواقع، تحولت الفتوى عنده من مجرد بيان للحكم الشرعي التكليفي الهادئ، إلى أداة لحفظ التماسك الاجتماعي، وحماية الجبهة الداخلية من التحلل والردة المقنّعة التي قد تمهد للغزو الخارجي، وهو ما يتضح جلياً في فتاواه الشهيرة ضد التتار [5].

ثانياً: آلية التوظيف الأيديولوجي لدى جماعات العنف المعاصر
انتقلت هذه الفتاوى من فضاء "التاريخ والنوازل الموقتة" إلى فضاء "العمل الحركي العابر للزمان" بفعل القراءة الانتقائية التي مارستها قوى التطرف والتشدد المعاصرة (كالتنظيمات الجهادية والتكفيرية) [6]. وتتمثل هذه الآلية في عدة نقاط جوهرية:
  • تجريد النصوص من بيئتها الزمانية والمكانية: انتزاع الأحكام التي قيلت في مجتمعات الحروب والمغاصة بالخيانة، وإسقاطها على مجتمعات الدولة الوطنية الحديثة [7].
  • تجاوز شرط "السلطة القضائية": تحويل صيغة "يستتاب وإلا قتل" من حكم قضائي منوط بولي الأمر والدولة الشرعية حصراً، إلى تفويض مفتوح للأفراد والتنظيمات لتنفيذ أحكام الإعدام والتكفير [8].
  • توسيع مفهوم "الطائفة الممتنعة": الاستناد إلى فتاوى قتال التتار لتكفير الحكومات والجيوش والمجتمعات المعاصرة بدعوى عدم تطبيق الشريعة كاملاً [9].
  • عولمة "فقه التترس": القياس الفاسد لفتوى "جواز قتل الأسرى المسلمين إذا تترس بهم العدو لمنع سقوط البيضة"؛ واستخدامها لتبرير العمليات التفجيرية والانتحارية في الأسواق العامة وسقوط الضحايا المدنيين.

ثالثاً: جغرافيا المواقف الفقهية المعاصرة (بين الدفاع والتفكيك)
إزاء هذا التوظيف الخطير، انقسمت مواقف الفقهاء والمفكرين المعاصرين إلى اتجاهين رئيسيين يحمل كل منهما أدواته التحليلية:
1. المنهج الاعتذاري الدفاعي
يمثله قطاع من العلماء والمؤسسات ذات المنزع السلفي، ويرتكز تحليلهم على تبرئة ابن تيمية كلياً وتحميل الجناية لـ "سوء الفهم الجاهل" [10]. ويسوق هذا التيار حججاً بنيوية:
  • عموم المصطلح الفقهي: إن عبارة "يستتاب وإلا قتل" ليست ابتكاراً تيمياً، بل هي مصطلح إجرائي سائد في مدونات المذاهب الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة) في أبواب الحدود والردة والسياسة الشرعية [11].
  • حتمية المؤسسة القضائية: التأكيد على أن ابن تيمية ربط تطبيق هذه الأحكام بوجود القاضي والسلطان، ولم يبحها قط للعامة أو الجماعات المتمردة على الدولة [12].
2. المنهج النقدي التفكيكي
يمثله علماء المؤسسات الدينية العريقة كالأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، وعدد من الباحثين التنويريين. يرى هذا المنهج أن التبرير السطحي لا يحل المشكلة، ويقدم نقداً أعمق يتلخص في:
  • التوسع المفرط والتشديد الفقهي: يُؤخذ على ابن تيمية توسيع دائرة الأحكام بالقتل لتشمل هفوات مسلكية وفروعاً فقهية يسعها الخلاف، مما أوجد تضخماً في نصوص العنف الفقهي شكلت مادة خاماً مغرية للمتطرفين [14].
  • تجميد اللحظة التاريخية: غياب التمييز في مدوناته بين ما هو "حكم شرعي كلي مستقر" وبين ما هو "موقف سياسي حربي موقت"، مما سهّل عملية استيراد فقه القرن الثامن الهجري ووضعه قسراً في واقع القرن الحادي والعشرين المعاصر [15].
  • نبرة الإقصاء والحدة: تأثر أسلوبه بظروف محنته الشخصية وسجونه المتكررة، مما صبغ خطابه بحدة واضحة تجاه خصومه من المتكلمين والفلاسفة والصوفية [16].

رابعاً: معالجات معاصرة لنزع السلاح الفكري من قوى الإرهاب
لم تقتصر جهود العلماء المعاصرين على التوصيف، بل اتجهت نحو المعالجة التأصيلية؛ وكان من أبرز تلك الجهود "مؤتمر ماردين العالمي" الذي انعقد لمراجعة "فتوى ماردين" الشهيرة لابن تيمية [17].
أثبت المحققون في هذا المؤتمر أن الجماعات المتطرفة اعتمدت على نسخة محرفة للفتوى تنص على: (يُعامل المسلم الخارج عن شرائعها بما يستحقه من القتال)، في حين أن اللفظ الصحيح في المخطوطة الأصلية هو: (يُعامل المسلم الخارج عن شرائعها بما يستحقه من العِقَال) أي الحبس والزجر القضائي، وليس القتل [18]. وخرج المؤتمر بتأصيل حاسم يعلن أن فتاوى ابن تيمية المرتبطة بالحقبة التتارية والصليبية لا يمكن إسقاطها على واقع "الدولة الوطنية الحديثة" التي تحكمها عقود المواطنة والقوانين الدولية المستقرة.

الهوامش والتعليقات المرجعية
[1] انظر: ابن تيمية، أحمد بن عبد الحليم، مجموع الفتاوى، جمع وترتيب: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف، المدينة المنورة.
[2] حبش، محمد، دراسات استقصائية في الفكر الفقهي المعاصر: إحصاء وتفكيك فتاوى الاستتابة والقتل، دار التجديد، بيروت.
[3] انظر تفصيل ذلك في المجلدات العقائدية من مجموع الفتاوى، صنف "باب العقائد والرد على أهل البدع".
[4] المَقريزي، أحمد بن علي، السلوك لمعرفة دول الملوك، دار الكتب العلمية، بيروت (يرصد أحوال الشام ومصر إبان الحروب الصليبية والغزو التتاري).
[5] ابن تيمية، الرسالة التتارية (ما يقوله الفقهاء في قتال التتار)، المجلد 28 من مجموع الفتاوى.
[6] فضل، عبد القادر، أيديولوجيا الجماعات المسلحة: قراءة في المرجعيات والآليات، مركز دراسات الحركات الإسلامية، عمان.
[7] العشماوي، محمد سعيد، الإسلام السياسي، دار سينا للنشر، القاهرة.
[8] ولد الددو، محمد الحسن، فقه السياسة الشرعية وضوابط إقامة الحدود، محاضرات وبحوث فقهية منشورة.
[9] انظر أدبيات تنظيم القاعدة، ولا سيما كتابات أيمن الظواهري في الاستشهاد بـ "فتاوى ماردين وقتال الطائفة الممتنعة".
[10] البوطي، محمد سعيد رمضان، السلفية مرحلة زمنية مباركة لا مذهب إسلامي، دار الفكر، دمشق.
[11] انظر على سبيل المثال: ابن رشد (الحفيد)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، كتاب الأقضية والحدود؛ والمقدسي، المغني في فقه الإمام أحمد بن حنبل.
[12] ولد الددو، مرجع سابق.
الطيب، أحمد (شيخ الأزهر)، بيانات ومواقف الأزهر الشريف في تفنيد الفكر المتطرف ونقد آليات الاجتزاء الفقهي، مشيخة الأزهر، القاهرة.
[14] عمارة، محمد، ابن تيمية بين المأزق التاريخي والتأويل المعاصر، دار الشروق، القاهرة.
[15] مرجع سابق، مؤتمر ماردين العالمي (2010)، البيان الختامي وأوراق العمل.
[16] النشار، علي سامي، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعارف، القاهرة (في تحليله لموقف ابن تيمية من الفلاسفة والمتكلمين).
[17] مؤتمر ماردين: جدارية السلام ونقض فتاوى التكفير، المنعقد في تركيا بمشاركة دار الإفتاء المصرية ومؤسسات إسلامية عالمية، مارس 2010.
[18] بن بيه، عبد الله، فتاوى ومواقف في فقه المواطنة والسلام العالمي: تصحيح تحريف فتوى ماردين، أبوظبي.

الأحد، 14 يونيو 2026

الغابات التونسية: الرئة الخضراء في مواجهة الجحيم بقلم: الناصر خشيني


 مقدمة: حين كان المسافر يسير في الظل

يروي كبار السن أن تونس كانت يوماً بلاد الظل والخضرة، وأن المسافر كان يقطع مسافات طويلة بين الشمال والجنوب دون أن تلفحه الشمس، تحت أقواس من أشجار البلوط والصنوبر والفلين والزيتون البري. اليوم، تبدو تلك الصورة بعيدة، إذ تتآكل الثروة الغابية التونسية عاماً بعد عام في صمت مدوٍّ، تحت وطأة الحرائق المتكررة والاحتطاب الجائر والصيد غير القانوني وغياب الإرادة الحقيقية للحماية.
أولاً: ثروة بالأرقام
تمتد الغابات في تونس على مساحة تقارب 4.6 مليون هكتار، أي ما يعادل 34 بالمئة من مساحة التراب الوطني. ويبلغ عدد سكان الغابات 800 ألف متساكن، أي حوالي 7 بالمئة من مجموع السكان. وتُقدَّر القيمة الاقتصادية للغابات والمراعي بنحو 932 مليون دينار، كما توفر الغابات 14 بالمئة من استهلاك الطاقة.  
وثروة جندوبة وحدها تكشف حجم ما يُهدر؛ إذ توفر غابات ولاية جندوبة 55 بالمئة من المداخيل الجملية للغابات التونسية، وتوفر هذه الغابات 700 ألف يوم عمل سنوياً، وتُدرّ ثمار الصنوبر الحلبي والبحري وزيوت الريحان والإكليل والضرو التي تشهد إقبالاً متزايداً في الصناعات الصيدلية ومواد التجميل.  
غير أن عائدات الغابات سنوياً لا تناهز سوى 20 مليون دينار، من ضمنها ما بين 10 و15 مليون دينار في شكل مداخيل مباشرة إلى خزينة الدولة.   رقم هزيل قياساً بالحجم الحقيقي لهذه الثروة الطبيعية.
ثانياً: ثلاثة أوجه للنهب
الوجه الأول — الحرائق: مئات الألوف من الهكتارات في الرماد
الحريق هو أشد أعداء الغابة فتكاً وأسرعها تدميراً. تُفيد الأرقام الرسمية أن عدد الحرائق ارتفع من 400 سنة 2012 إلى 458 حريقاً سنة 2021، أما المساحات المتضررة فتوسّعت من 2400 هكتار إلى 25808 هكتارات خلال الفترة نفسها.  
وخسرت تونس خلال السنوات الممتدة من 2016 إلى 2023 قرابة 56 ألف هكتار من الغابات، تجددت منها 22 ألف هكتار طبيعياً و16 ألف هكتار تستوجب التدخل.   وما يزيد الطين بلةً أن بحلول عام 2030 من الممكن أن تتسبب الحرائق في خسارة 180,000 هكتار أو 17 بالمئة من المساحة الغابية في تونس، نظراً لأن ارتفاع درجات الحرارة وانخفاض هطول الأمطار يزيدان تدريجياً من شدة الحرائق.  
والأكثر إيلاماً أن هذه الحرائق في معظمها ليست قدراً طبيعياً؛ إذ تُشير التقديرات إلى أن نسبة 95 بالمئة من حرائق الغابات في تونس مفتعلة، في حين أن 90 بالمئة من الملفات سُجِّلت ضد مجهول لعدم التوصل إلى الجناة.  
الوجه الثاني — الاحتطاب الجائر: جرح صامت في كل موسم
يأتي الاحتطاب غير القانوني في المرتبة الثانية في استنزاف الثروة الغابية. يرى المختصون أن خروج استغلال الثروات الغابية عن إطارها المنظم يمكن أن يهدد العديد من المنتوجات الغابية أهمها نبتة الحلفاء التي تمثل مورد رزق هام لآلاف سكان المناطق الجبلية، لكنها في آن واحد تحتاج إلى المراقبة مخافة تصحر أغلب المناطق التي تنبت فيها.  
والاحتطاب ليس دوماً نتيجة جشع أصحاب الشاحنات والتجار، بل هو في كثير من الأحيان صرخة جوع من سكان الغابة الذين لم تُقدِّم لهم الدولة بديلاً. فالحطب هو الوقود الوحيد في مئات القرى الجبلية المعزولة.
الوجه الثالث — الصيد غير القانوني: نزيف الحياة البرية
أوجدت ممارسات الصيد غير القانوني الاتجارَ بأصناف عدة من الحيوانات المهددة بالانقراض. ومن بين المخالفات الموثقة بيع أنواع من الحيوانات البرية في الأسواق التونسية أو تهريب بعضها عبر الحدود إلى الجزائر أو ليبيا.  
وتتمحور المخالفات بغالبيتها حول الصيد دون ترخيص أو امتلاك بندقية صيد غير مرخصة، وسط نقص ملحوظ في عدد المراقبين.   فالأنواع النادرة من الطيور والثدييات تُصطاد في وضح النهار بينما يقف الغطاء السياسي أحياناً حائلاً دون الملاحقة القضائية.
ثالثاً: قانون موجود... وتطبيق غائب
تمتلك تونس منذ 1988 مجلة الغابات التي نُقِّحت عدة مرات، آخرها سنة 2005، وتتضمن أحكاماً رادعة للاحتطاب والصيد والحرائق المتعمدة. لكن تنقيح مجلة الغابات وحده لا يكفي في غياب آليات التطبيق الفعلي على أرض الواقع.  
والهشاشة أرقام لا تكذب: تعاني إدارة الغابات من نقص كبير في عدد الحراس الذي يبلغ حالياً 7500، في حين أن العدد الواجب توفيره هو 13300 حارساً، وهو ما يجعل كل عون مسؤولاً عن 2000 هكتار.  
وإعادة التشجير تراجعت هي الأخرى؛ إذ شهدت عمليات إعادة تشجير الغابات انخفاضاً حاداً بين سنتي 2009 و2017 من 11249 هكتاراً إلى 2601 هكتار فقط.  وحتى ما يُشجَّر لا يصمد دائماً، إذ تتلف قرابة 50 بالمئة من المساحات المشجرة بسبب عوامل طبيعية وبشرية متشابكة.  
رابعاً: الجذر الحقيقي للمشكلة — الإنسان المهمَّش
لا يمكن فهم نهب الغابات دون فهم البؤس الذي يحيط بها. يتركز 9 بالمئة من سكان تونس أي ما يقارب 250 ألف عائلة في تجمعات قروية وحضرية تقع في المناطق الغابية، يستوطن ثلاثة أرباعهم في منطقتي الشمال الغربي والوسط الغربي اللتين توصفان اقتصادياً بـ"الأقل حظاً من التنمية"، وحيث تتجاوز نسب البطالة ضعف معدلها الوطني.  
وتكشف البيانات الرسمية أن نسبة البطالة في الوسط الغابي تفاقمت لتبلغ حالياً 30 بالمئة، فيما ارتفعت نسبة الفقر في هذا الوسط إلى نحو 45 بالمئة.  
إنسان جائع، يسكن في غابة، لا يجد عملاً، ولا تصله خدمات الدولة — هذا هو المحرك الحقيقي لكثير من جرائم الغابة. لم تحجب كثافة الغابات الممتدة بؤس الوضع الاجتماعي لمن سكنوا فجواتها، ولم يؤدِّ اعتبار الغابة ثروة اقتصادية إلى تغيير معتبر في هذا الواقع  
خامساً: السبيل لتعود تونس خضراء
تعود تونس خضراء لا بالشعارات ولا بشجرة واحدة في عيد الشجرة، بل بمقاربة متكاملة تقوم على خمسة محاور:
أولاً — إشراك السكان لا محاربتهم: التسريع بالتعويضات وإيجاد منوال تنمية يخص سكان الغابات والمنفرجات والمناطق المتاخمة لها يُساعد بشكل كبير في تشجيع المتساكنين على اليقظة وحماية غاباتهم، كما أن تشريكهم في حماية مجالهم الحيوي من شأنه أن يعزز روح المواطنة لديهم.  سكان الغابة هم أفضل حارس لها حين يشعرون أنها لهم لا عليهم.
ثانياً — مضاعفة طاقم الحراسة: لا معنى لقانون بلا إنسان يطبقه. يجب الرفع الفوري من عدد حراس الغابات من 7500 إلى العدد المطلوب 13300، مع تزويدهم بالتجهيزات الحديثة وصلاحيات تنفيذية حقيقية.
ثالثاً — التشجير الذكي بأصناف مقاومة: إعادة التشجير يجب أن تتجاوز حصة الصنوبر السريعة الاشتعال، نحو أصناف أصيلة مقاومة للجفاف كالبلوط والعرعار والفلين، التي تعيد للغابة طابعها الطبيعي وتجعلها أقل قابلية للاشتعال.
رابعاً — تحديث مجلة الغابات بما يجرّم الحرق المتعمد: يجب أن تُطبَّق عقوبات رادعة حقيقية على مرتكبي الحرائق المتعمدة، مع توفير الإثبات الجنائي عبر الصور الجوية والأقمار الاصطناعية. لا يمكن أن تبقى 90 بالمئة من ملفات الحرائق مصنفة "ضد مجهول".
خامساً — تحويل الغابة إلى اقتصاد مستدام: إنتاج الفلين والزيوت العطرية والعسل الغابي وسياحة الطبيعة — كلها موارد يمكن أن تجعل من الغابة مصدر رزق قانونياً للسكان المحيطين بها، بدلاً من أن تكون مصدر خوف أو إغراء للنهب.                                                 سادساً: الإدارة الذكية — الغابة في عصر التكنولوجيا
لا يكفي الحارس الراجل وحده في مواجهة آلاف الهكتارات من الغطاء الغابي المتناثر بين الجبال والوديان. وهنا يطرح السؤال نفسه بإلحاح: لماذا لا تستثمر تونس في التكنولوجيا الحديثة لحماية ثروتها الغابية؟
أبراج المراقبة الذكية المرتبطة بالأقمار الاصطناعية
تعتمد دول رائدة في حماية الغابات كالبرتغال وكندا والبرازيل منظومة متكاملة من أبراج المراقبة المجهزة بكاميرات حرارية وأجهزة استشعار للدخان ودرجات الحرارة، مرتبطة مباشرة بمراكز عمليات تتلقى صور الأقمار الاصطناعية في الوقت الفعلي. هذه المنظومة تُمكِّن من الكشف عن بداية الحريق في دقائق لا ساعات، وهو الفارق الذي يحدد بين إنقاذ غابة أو رمادها. وتونس، بانخراطها في برامج الاتحاد الأوروبي للمراقبة البيئية عبر منظومة كوبيرنيكوس Copernicus، تملك نظرياً النافذة التقنية اللازمة — لكن الاستثمار في البنية التحتية الأرضية المكملة لهذه النافذة لا يزال دون المستوى المطلوب.
طائرات الدرون: العيون الطائرة فوق الغابة
تُشكِّل الطائرات المسيَّرة (الدرون) ثورة حقيقية في مراقبة الغابات. فهي قادرة على تغطية مئات الهكتارات في وقت قصير، ورصد الدخان قبل أن يتحول إلى حريق جامح، وتتبع المحتطبين وصائدي الحيوانات المهددة بالانقراض في عمق الغابة حيث لا تصل السيارات. ويمكن للدرون المجهزة بكاميرات الأشعة تحت الحمراء اكتشاف النيران في الليل ومنذ شرارتها الأولى. بعض الدول ذهبت أبعد من ذلك بتطوير درون لإعادة التشجير، إذ تُطلق آلاف بذور الأشجار في المناطق المحترقة بدقة جغرافية متناهية.
منظومة الإنذار المبكر المتكاملة
الحل الأمثل يجمع بين الثلاثة: أبراج مراقبة ثابتة + درون متحركة + صور الأقمار الاصطناعية، كلها مرتبطة بمركز قيادة وطني واحد للغابات يعمل على مدار الساعة طوال أشهر الجفاف. هذه المنظومة لا تكتفي بالاستجابة للحريق بل تتنبأ به عبر رسم خرائط الخطر بناءً على درجات الحرارة وسرعة الرياح ومؤشرات الجفاف — وهو ما بدأت تونس بخطوات أولية متواضعة نحوه، لكنه يحتاج إلى قرار سياسي واضح وتمويل مستدام.
ما تكلفته؟
الاستثمار في هذه المنظومة ليس ترفاً. إذا كان احتراق الهكتار الواحد يُكلِّف بين 20 و50 ألف دينار، وإذا كانت تونس تخسر آلاف الهكتارات سنوياً، فإن درون مراقبة بعشرات الآلاف من الدنانير ستوفر على خزينة الدولة مئات الملايين. المعادلة مربحة بكل المقاييس — لكن يبدو أن منطق الطوارئ لا يزال يتغلب على منطق الوقاية في قرارات الدولة التونسية.
خلاصة: الغابة مرآة الدولة
حال الغابة التونسية هي حال الدولة بالضبط: قوانين موجودة دون تطبيق، ثروات حقيقية دون حماية، وإنسان مهمَّش يُدفع قسراً إلى الاستنزاف. تُكلِّف تكلفة احتراق الهكتار الواحد بين 20 و50 ألف دينار، فيما يتكلف إعادة تشجير الغابة حوالي 9 آلاف دينار — مع العلم أن الأشجار تتطلب سنوات طويلة لتعود إلى حجمها الطبيعي.  
تونس التي كان المسافر يسير فيها في الظل لم تمت، لكنها تنتظر دولة تقرر أن الغابة ليست ديكوراً للمناسبات الوطنية، بل ثروة استراتيجية تستحق الدفاع عنها كما يُدافَع عن الحدود.
المراجع
نواة — "الغابات في تونس ثروة متفحمة"، جويلية 2024: https://nawaat.org
المفكرة القانونية — "حرائق الغابات في تونس: التحوّل المناخي وضعف الدولة"، أوت 2024: https://legal-agenda.com
المفكرة القانونية — "الفجوات الغابية في تونس: واقع صعب وأفق واعد"، جانفي 2021: https://legal-agenda.com
بابنت — "حرائق الغابات تتراجع في صائفة 2024 إلى 246 حريقاً"، نوفمبر 2024: https://www.babnet.net
العربي الجديد — "الصيد البري: هواية تحت المراقبة في تونس"، أكتوبر 2021: https://www.alaraby.co.uk
عروبة22 — "كابوس حرائق الغابات في تونس: ليست الحرارة وحدها السبب"، أوت 2024: https://ourouba22.com
إنكفاضة — "بيانات مصورة: الحرائق ونيران الغابات في تونس"، أوت 2024: https://inkyfada.com
الصباح نيوز — "من تأثير المناخ إلى تنامي الحرائق والجرائم البيئية: الثروة الغابية مهددة"، 2024: https://www.assabahnews.tn
نواة — "نساء الجبال والغابات: منسيات من الدولة"، ديسمبر 2024: https://nawaat.org
مجلة الغابات التونسية — قانون عدد 20 لسنة 1988 وتعديلاته: http://www.legislation.tn


عن الدكتور عصمت سيف الدولة في ذكرى رحيله بقلم د عقيل البكوش


 


 

" لست أشك لحظة واحدة في أننا حين نحصد حصادنا ذات يوم لنلتمس بين سنابله وأعواده فلسفة عربية، سيكون الدكتور عصمت سيف الدولة في كتابه "أسس الاشتراكية العربية" بين الطلائع القوية التي أسهمت في تكوين الفلسفة العربية المعاصرة"

                                                                 الدكتور زكي نجيب محمود

فمن هو الدكتور عصمت سيف الدولة؟

ولد عصمت سيف الدولة عباس محمد إسماعيل جوده في قرية الهمامية، وهي قرية صغيرة بمركز البداري بمحافظة أسيوط في 20 أوت 1923، أكمل تعليمه الأساسي في قريته ثم انتقل إلى القاهرة ليكمل تعليمه الجامعي فحصل على الإجازة في الحقوق عام 1946 ثم على دبلوم الدراسات العليا في الاقتصاد السياسي عام 1951 ودبلوم الدراسات العليا في القانون العام سنة 1952 ثم انتقل إلى باريس فحصل من جامعتها على دبلوم الدراسات العليا في القانون عام 1955 والدكتوراه في القانون عام 1957.

انتمى إلى الحزب الوطني، الحزب الذي تبنّى خيار الثورة والمقاومة المسلحة للاستعمار البريطاني وناضل في صفوفه وهو شاب واثقا أنّ خيار الثورة ومقاومة الاستعمار واسترداد الوطن بالقوة هو أقصر الطرق وأنجعها للوصول إلى شاطئ الحرية.

شارك في الكفاح المسلح وقاد كتيبة محمد فريد في العباسية، وقد كان يُعرف عن هذه الكتيبة أنها بقدر ما تحمل من سلاح بقدر ما تحمل من كتب.

شارك في الدفاع عن ثورة يوليو 1952 دون أن ينتمي إلى أي من أجهزتها، فقد احتفظ باستقلاليّته الفكريّة وبحرية التفكير والحركة إلى درجة أثارت انتباه البعض ممن يدّعون ولاءهم للثورة فلم يحفل بذلك وواصل دعوته الجماهير العربية لكي تلتقي بقائدها.

فُجع كما بقية الشعب العربي برحيل القائد جمال عبد الناصر في 28 سبتمبر 1970 وتجاوز تفكيره الفجيعة في المفقود إلى الفجيعة في المنشود أي مستقبل النضال العربي.

اتهمته الأجهزة الأمنية في بداية المرحلة الساداتية بالتخطيط لتشكيل تنظيم قومي يهدف إلى إسقاط الأنظمة العربية وبناء دولة الوحدة وأُودِع السجن في 15 فيفري 1972 ليخرج منه سنة 1973 ثم أُودِع السجن مرة ثانية سنة 1981 مع مجموعة كبيرة من المثقفين والسياسيين ليخرج منه إثر مقتل أنور السادات في عملية المنصة الشهيرة.

وباعتباره محاميا فقد تصدى للدفاع عن سجناء الرأي من طلبة وعمال وقادة وكوادر أحزاب سياسية ومنظمات اجتماعية وحقوقية.

له مرافعات مشهورة، مرافعة عن المتهمين في انتفاضة 1977 التي نعتها أنور السادات ب  : " انتفاضة الحرامية" ضمنها كتابه :" دفاع عن الشعب" وكذلك مرافعة عن اليساريين نشرت تحت عنوان :" دفاع عن الوطن" ، وأيضا مرافعة ذائعة الصيت عن تنظيم ثورة مصر الناصرية بقيادة خالد جمال عبد الناصر والمجاهد البطل محمود نور الدين السيد، وكان هذا التنظيم قد اتهم بقتل صهاينة وأمريكيين في قلب القاهرة، وقد نشرت المرافعة تحت عنوان :    " دفاعا عن ثورة مصر العربية". وقد أرفق مرافعته بوثيقة صهيونية تتضمن مخططا صهيونيا لمزيد تقسيم الوطن العربي وتفتيته ومنه مصر.

كان في شبابه مقاتلا في صفوف المقاومة المسلحة، فلما امتد به العمر وداهمته الكهولة امتشق سلاح الكتابة وأخذ يكتب ويكتب ويدخل معارك قومية وإقليمية يدافع فيها عن حرية الإنسان وحرية الأمة العربية، يدافع عن هويتها وعن قيمها وعن مستقبلها المنشود ويدعو الشعب العربي في كل مناسبة إلى الثورة على الظلم، على الاستبداد، على الحيف الاجتماعي، على القهر، على الإقليمية، على الصهيونية، على الامبريالية، من أجل الحرية، من أجل الوحدة، من أجل العدل، من أجل الكرامة، من أجل استرداد الحقوق.

كان يواجه الضخ الإعلامي الرهيب الذي يستهدف توجيه الرأي العام العربي واغتصاب عقله، وبدأ عملا منهجيا يكشف فيه نقاط قوة هذا المخطط ونقاط ضعفه من أجل أن تركز عليها القوى الثورية وتحولها من اغتصاب للعقول إلى تحصين لها ومدها بآليات المقاومة الفكرية والعلمية منعا للاختراق الذي يؤدي إلى الاحتراق ومن ثمة تهاوي جبهة المقاومة.

لقد كان طاقة جبّارة بكل المقاييس، عندما تقرأ كتاباته تحسّ أنّ ذاكرة الرجل تُخزن كل ما كُتِب عبر التاريخ وفي كل المجتمعات، فهو مطّلع على ما كتبه أساطين الفلسفة والقانون والاقتصاد السياسي والأدب والعلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية والإنسانية، مطلع على خبايا النفوس، ينهل من علم النفس كأنه أحد علمائه.

وعندما تقرأ المنهج الذي أبدعه سنة 1965 " جدل الإنسان" ثم تقرأ النتائج التي توصل إليها علم النفس العرفاني في السنوات الأخيرة تكتشف ألاّ تناقض بينهما وأنّ هذا العلم يثبت في كل نتيجة من نتائجه ما ذهب إليه مفكرنا وفيلسوفنا. ثم تستغرب أكثر عندما تعرف أنه أبدع ذلك المنهج في وقت كانت المدرسة السلوكية في علم النفس في أوج تألقها خاصة في ميدان التربية والتعليم، وهي مدرسة لا تحفل بما يجري داخل الأذهان من عمليات معالجة إنسانية للمعلومة وحل للمشكل وما يصاحب ذلك من استرجاع وتذكر وإدراك وتصور وعمليات تقييم وتعديل وانفعالات وعواطف وحاجات ... فهذه المدرسة تهتم فقط بالسلوك الظاهر من خلال التركيز على براديغم "مثير – استجابة – تعزيز".

كل هذا يجعلك تُدهش لسبقه العلمي دون أن يكون مختصا في علم النفس أو مهتما بقضاياه الأكاديمية، فتعرف أنه إلى جانب معرفته الموسوعية التي نهلت من معارف الشرق والغرب، القديم والحديث، أنه كان صاحب رأي ولم يكن مجرد ناقل للمعرفة أو مترجم لها، فقد بين أهمية العامل الاجتماعي في تملك المعرفة قبل أن تظهر أعمال فيقوتسكي.

وتقرأ تعريفه للأمة فتدرك أنه في تعريفه هذا قد تجاوز كل ما هو معروف ومتداول وأنه قد أبدع تعريفا غير مسبوق حيث أضاف عنصر الحضارة.

وتعلم أنه يمتلك فكرا نسقيا شيده تشييدا غاية في الدقة والوجاهة، كيف لا والتعريف في حد ذاته يحل مشكلة العلاقة بين العروبة والإسلام، فلا هو ينحاز إلى فكرة العروبة المنعزلة عن إسلامها ولا هو ينحاز إلى فكرة الإسلام المستغني عن العروبة. بل هو يقول عن فكرة العروبة المعادية للإسلام إنّها فكرة منافقة، ويقول عن فكرة الإسلام المستغني عن العروبة إنّها فكرة ظالمة وإنّ الفكرتين تنمان عن جهل بالعروبة والإسلام كليهما، وإنّهما تثيران عاصفة غبراء من الجدل العقيم تكاد تلهي الشعب العربي عن غاياته القويمة، فالعروبة والإسلام بالنسبة إليه سبيكة واحدة، وإنّه لا ينكر العروبة إلا من ينكر الثورة الحضارية للإسلام، وإنّه لا ينكر الثورة الحضارية للإسلام إلا منكر لوجود الأمة العربية ذاتها، غير واع بالسياق الزمني للأمة باعتبارها تالية لمراحل سبقتها هي مراحل القبائل والشعوب وسابقة لمراحل ستليها : تكوينات اجتماعيّة أكبر من الأمة.

ثم يبني على كل ذلك أن الوجود الموضوعي للأمة العربية الواحدة يقتضي وحدة مصيرها وأن مصير الأمة العربية الواحدة لا يكون إلا في ظل الدولة العربية الواحدة، وأن هذه الدولة، إذ ترفع الاعتداء الخارجي عن الشعب العربي فيسيطر على أرضه وثرواته ويتطور بما هو متاح له أن يتطور به، لابد أن تجسد حرية الإنسان فردا كان أو جماعة وأن الديمقراطية هي التجسيد السياسي لحرية المواطن العربي، وأن الاشتراكية هي التجسيد الاجتماعي لهذه الحرية.

ثم يؤكد أن لا خلاص من الاستعمار والاستبداد والتجزئة والتخلف إلا بمواجهة المعتدين والثورة عليهم في المكان والزمان المناسبين.

ولعلّك إذ تقرأ نظرية الثورة العربية تدرك الإضافة المهمة التي أضافها الدكتور عصمت سيف الدولة في نظرية الأسلوب بالذات، ذلك أنه على خلاف كل المفكرين القوميين من سابقيه أو ممن عاصروه أو حتى ممن جاؤوا بعده، لم يقف عند حدود التبشير بدولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية بل تجاوز ذلك إلى وضع معالم على الطريق إليها، فبين أن الوحدة لا يبنيها إلا الوحدويون وأن الثورة لا يصنعها إلاّ الثوار.

وقد بين بكل طريقة ممكنة أن الطريق الإقليمي إلى الوحدة طريق مضلل ومسدود، وأن طريق الثورة على صعوبته هو الطريق الوحيد الممكن علميا، ذلك أن أعداء الأمة العربية ذوي المصلحة في تخلفها وتجزئتها لن يهدونا الحرية والوحدة والاشتراكية على طبق من ذهب، وأن مهمة الثوريين العرب إفهامهم بالطريقة التي يفهمونها أننا لن نساوم على حريتنا ووحدة أمتنا، وهو هنا يذكرنا، دون أن يصرح، بما قاله الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر:" ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة".

ثم هو لا يفوته أن ينبهك أنه لا يستطيع أن يسلك هذا الطريق الصعب إلا الصادقون الشجعان الذين يختزنون في أنفسهم كل القيم العربية الإسلامية النبيلة، الذين هم على استعداد أن يقدموا أرواحهم فداء لأمتهم، لحريتها ووحدتها. وهو إذ ينبه إلى ذلك يشترط في كل ثوريّ وحدويّ مناضل من أجل بناء دولة الوحدة الديمقراطية الاشتراكية صلابة الخلق كحجر زاوية تبنى فوقه وحدوية الغاية وتقدمية الاتجاه وقومية الفكر وتكون تلك الصلابة أساس كل البناء، لا كينونة له بدونها، أما وحدوية الغاية وتقدمية الاتجاه وقومية الفكر فهي الفانوس الذي ينير ما أعتم من الطريق.

هذا الفكر الممنهج علميا هو فكر مبني بناء متماسكا لا ينفع معه أن تختار أو تنتقي ما يناسبك وأن تستبعد ما لا يناسبك، فإمّا أن تقبله جملة وإمّا أن ترفضه جملة، فإن أنت استبعدت بعضه انتقض البناء كله، فأوله يؤدي إلى آخره وآخره يحيلك إلى أوله، فلا هو بالترف الفكري ولا هو تمارين ذهنية يُختبر فيها الذكاء والفهم والذاكرة. فهو ليس موجّها إلى المثقفين يتداولونه في الصالونات الثقافية وهم يحتسون القهوة ويدخنون السيجار. بل هو دليل عمل ثوري عميق يبدأ من الأخلاق ويمر بالفكر لينتهي بالالتزام النضالي في الميادين الممكنة أو التي يجب أن تكون، يبدأ من صلابة الخلق (الصدق والشجاعة والتواضع والتضحية والتفاني والإخلاص والأمانة والاحترام والأخذ بأيدي الآخرين وتفهم مشاكلهم وبذل الجهد لحلها). فالقومي التقدمي، في رأي فيلسوفنا، مدرسة في صلابة الخلق ومدرسة للوعي، والقومي التقدمي ليس مجترّا لمقولات فكرية يلوكها إرضاء لرغبة نفسية في التفوق وإثبات الذات، بل مناضل في الميادين بين صفوف شعبه، فهو النقيض التقدمي لنموذج الإنسان الذي شكله أسلوب الحياة الليبرالي وحددت ملامحه الهجينة سوق المنافسة الرأسمالية، ذلك النموذج الذي يكذب ويخون ويغدر ويقوم بكل ما من شأنه أن يعزّز فرديته ويجلب له الربح ومزيدا من الربح والنفع الشخصي، القومي التقدمي هو النقيض الذي يعطي بدون حساب إلا حساب ربح أمته وشعبه وتحقيق مبادئه في الواقع. وهو بهذا تجسيد للأخلاق التي بشرت بها الأديان وخاصة ديننا الإسلامي الحنيف.

هنا تلتقي عند القومي التقدمي الأخلاق كما تلقاها من الإسلام والأخلاق كما عرفها من العلم (جدل الإنسان) فيكون أغنى خلقا من الذين تأثروا بالدين وحده وأغنى خلقا من الذين اتبعوا العقل وحده.

وقد كان فيلسوفنا صلب الخلق بشهادة خصومه الذين رافع عنهم في المحاكم ورفض مهاجمتهم حتى لا يكون شريكا للمستبدين في الإجهاز عليهم وسكت عنهم رغم اختلافه معهم حتى يتجاوزوا محنتهم، ويمتلكون الأداة التي يردون من خلالها.

ومن آيات تواضع فيلسوفنا أنه لم يكتب سيرته الذاتية رغم إلحاح الملحين وآثر أن يكتب سيرة قريته في" مذكرات قرية" و" مشايخ جبل البداري" التزاما منه بأن الإنسان المفرد لا وجود له وأن الإطار الاجتماعي والتاريخي الذي ينتمي إليه هو حقيقته ومردّ أمره وجماع شخصيته، وقد تفهم بعد ذلك أنه موجود في تفاصيل كل شخصية من شخصيات روايته وأن ما يجمعه بهم وما يجمع هذه الشخصيات جميعا هو شخصية العربي من المحيط إلى الخليج بعيدا عن التشويهات التي نثرتها جرثومة الليبرالية على النسيج الخارجي على هذه الشخصية.

ولعل كل الذي ذكرنا هو الذي دعاه إلى أن ينادي في كل سطر مما كتبه إلى استبعاد الشخصنة والزعاماتية وعبادة الذوات واستبدال كل ذلك بزعامة الفكرة والمبدإ، أي الاحتكام إلى المبادئ والأفكار عوض الاحتكام إلى ذكاء الأشخاص أو حكمتهم أو مقدرتهم ولو كانوا قوميين تقدميين ولو كان منهم عصمت سيف الدولة نفسه، فإن الأسماء الكبيرة تؤدي إلى المهالك الكثيرة مادامت ذواتها هي المقياس لا المبدأ والفكرة والعلم وما دامت هي عنوان الوحدة الفكرية لا الوحدة الفكرية هي عنوانها أو هي التي تقودها.

ولعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إنّه لو كان يعيش بيننا وقرأ ما نكتب لاستشاط غضبا ولاتهمنا بأننا غير قوميين وأن عبادة الفرد قد سيطرت علينا فنسينا سلطان الفكرة، وأننا لم نفهم ما كتب أو فهمنا ولم نعمل به، فليس أبغض إلى قلبه من عبادة الأشخاص إذ هو يعتبر ذلك مرض الليبرالية البغيض، وقد علمنا أنه عند زيارته لتونس قد ضاق أشد الضيق بتعبير " العصمتيين" الذي سمعه يتردد وصفا للقوميين الذين يتبنون نظرية الثورة العربية، فهو يريدهم أن ينتسبوا إلى أمتهم وشعبهم لا أن ينتسبوا إلى أي فرد فيها ولو كان هو نفسه.

غير أن ما يشفع لنا أننا نكتب ما نكتب بعد وفاته بِسِتَّ عَشْرةَ سنةً، فلسنا نكتب ما نكتب نفاقا أو تزلفا وإنما نكتبه لنعطي لمفكر عبقري الحق الذي يستحق، والذي غمطه فيه رواد فكره قبل خصومه.

كما نكتب ما نكتب لا ابتغاء تشييد صنم له وإنما لنذكّر بالطريق إلى الحرية والوحدة والاشتراكية في وقت تتكالب علينا الأمم، ويعلن أعداؤنا دون إخفاء وفي وضح النهار أنهم يريدون الإجهاز على هذه الأمة المثخنة بالجراح يبغون مزيد تفتيتها وتفكيكها، وتزداد الهجمة على العقل العربي استعارا ونشاهد اليوم بأمّ أعيننا ونسمع بآذاننا ونكاد لا نصدق انقياد العقول للآلة الاستعمارية الرهيبة، انقيادا غبيا كأنّ هذه العقول مبرمجة لتنفذ ما يريد أعداء الأمة وأعداء الحرية وأعداء الإنسان فنفتقد العقول الحصينة الثائرة، نفتقد الدكتور عصمت سيف الدولة الذي رحل عنا يوم 30 مارس 1996 وترك لنا خير الزاد نواجه به المستقبل. رحمه الله رحمة واسعة وجازاه عن أمتنا العربية كل الخير.

                                                                                  عقيل البكوش

                                                                       13 مارس 2012



--

 

الأستاذ نزار الفجاري - بيان ما فات مشروع قانون المساواة في الإرث - محاضرة

 الأستاذ نزار الفجاري - بيان ما فات مشروع قانون المساواة في الإرث - محاضرة.                                                         الأستاذ نزار الفجاري باحث في الفقه و تاريخ الفقه ويشغل منصب قاض من الرتبة الثالثة بمحكمة الاستئناف بالقيروان.     تقديم الدكتورة منية العلمي من جامعة الزيتونة      


جمال عبد الناصر: جدلية الوعي والممارسة في مسيرة قائد الأمة وباني نهضتها الحديثة بقلم: الناصر خشيني

نقف اليوم على أعتاب الذكرى الرابعة والسبعين لثورة الثالث والعشرين من يوليو (جويلية) 1952، وهي محطة لم تكن مجرد انقلاب عسكري تقليدي، بل كانت ...