مدخل قلّما توجد في تونس مؤسسة تختزل في مسارها كل مفارقات الدولة التونسية بعد الاستقلال كما تختزلها شركة فوسفاط قفصة. فهي المؤسسة التي جعلت من الجنوب الغربي التونسي، ولا سيما الحوض المنجمي بولاية قفصة، مصدر عملة صعبة ورافدا استراتيجيا للخزينة العمومية، حين كانت تونس تحتل مراتب متقدمة عالميا في إنتاج وتصدير الفوسفاط ومشتقاته. غير أن العقدين الأخيرين، وتحديدا ما تلا سنة 2011، حوّلا هذه المؤسسة العريقة من رافعة اقتصادية إلى ملف مثقل بشبهات الفساد المالي والإداري، وبات اسمها اليوم مقترنا بالخسائر المتراكمة والمحاكمات القضائية أكثر من اقترانه بالإنتاج والتصدير. هذا المقال محاولة لتفكيك أوجه الفساد التي نخرت جسم الشركة، وتبيّن كلفتها على الاقتصاد الوطني، ثم اقتراح مداخل ممكنة للإصلاح. أولا: من الريادة إلى الانحدار.. أرقام تكشف حجم الكارثة بلغ إنتاج شركة فوسفاط قفصة في سنة 2010 نحو 8.1 ملايين طن [1]، وهو رقم جعل تونس في مصاف كبار المنتجين عالميا. لكن هذا المسار انقلب بشكل حاد بعد ثورة جانفي 2011، إذ تراجع الإنتاج تدريجيا حتى وصل إلى 3.5 ملايين طن سنة 2022، ثم إلى نحو 2.9 مليون طن س...
الحرية اولا صحيفة الحرية والوحدة للامة العربية من الخليج للمحيط